المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 5) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 5) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 391 - ص 420)

عليه، فلم يزل يسهل علَيَّ ذلك ويكشف لي الأمر...الخ)(1).

(الجاحظ.. عند أهل السُنّة)

« محمّد إسماعيل ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

هل يعتبر الجاحظ عند علماء أهل السُنّة والرجاليين من الثقات؟ وما رأي علماؤهم به؟ وأرجو ذكر بعض الكلمات عنه.

ودمتم موفّقين.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قال الذهبي في (سير أعلام النبلاء): (الجاحظ: العلاّمة المتبحّر, ذو الفنون, أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب البصري المعتزلي, صاحب التصانيف. أخذ عن النظام, وروى عن أبي يوسف القاضي, وثمامة بن أشرس. روى عنه أبو العيناء, ويموت بن المزرع ابن أُخته, وكان أحد الأذكياء. قال ثعلب: ما هو بثقة. وقال يموت: كان جدّه جمّالاً أسود... قلت: يظهر من شمائل الجاحظ أنّه يختلق)(2).

وقال ابن حجر في (لسان الميزان): (عمرو بن بحر الجاحظ صاحب التصانيف. روى عنه أبو بكر بن أبي داود؛ فيما قيل: قال ثعلب: ليس بثقة ولا مأمون. قلت: وكان من أئمّة البدع. انتهى... وروى الجاحظ عن حجّاج الأعور

____________

1- انظر: شرح إحقاق الحقّ، للمرعشي ٣٣: ٨١٨ كلمات القوم في شأنه(عليه السلام) .

2- سير أعلام النبلاء ١١: ٥٢٦ ــ ٥٢٩ ـ١٤٩ـ.


الصفحة 392

وأبي يوسف القاضي وخلق كثير, وروايته عنهم في أثناء كتابه في الحيوان...

وقال الخطّابي: هو مغموص في دينه، وذكر أبو الفرج الأصفهاني: أنّه كان يُرمى بالزندقة، وأنشدني ذلك أشعاراً...

قال ابن خشبة في اختلال الحديث: ثمّ نصير إلى الجاحظ وهو أحسنهم للحجّة استنارةً، وأشدّهم تلطّفاً لتعظيم الصغير حتّى يعظم، وتصغير العظيم حتّى يصغر، ويكمل الشيء وينقصه، فنجده مرّة يحتجّ للعثمانية على الرافضة، ومرّة للزندقة على أهل السُنّة، ومرّة يفضّل عليّاً، ومرّة يؤخره، ويقول: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كذا وتبعه)(1).

تعقيب:

« محمّد إسماعيل ــ الكويت ــ إمامي »

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أشكركم على ردّكم على سؤالي, وإنّني بحثت أيضاً في شخصية الجاحظ فوجدت هذا في الهامش في كتاب (الاحتجاج ١: ٢٠٧) تعليقات وملاحظات السيّد محمّد باقر الخرسان:

الجاحظ: أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الليثي البصري اللغوي النحوي، كان من غلمان النظام, وكان مائلاً إلى النصب والعثمانية, وله كتب، منها: (العثمانية)، التي نقض عليها أبو جعفر الاسكافي, والشيخ المفيد, والسيّد أحمد بن طاووس, وطال عمره وأصابه الفالج في آخر عمره، ومات في البصرة

____________

1- لسان الميزان ٤: ٣٥٥ ـ١٠٤٢ـ.


الصفحة 393

سنة ٢٥٥هـ .(الكنى والألقاب ٢: ١٢١).

(جرير بن عبد الله البجلي)

« محمدّ ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

من هو جرير بن عبد الله البجلي؟ وما هي صفاته ومواقفه؟

أدامكم الله لخدمة الإسلام والمسلمين.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هو: جرير بن عبد الله البجلي، كان عامل عثمان على همدان، وقد أرسله أمير المؤمنين(عليه السلام) إلى معاوية على أن يبايع الإمام عليّ(عليه السلام) ويدخل تحت إمرته(عليه السلام) ، ولكنّ معاوية رفض ذلك بحجّة أنّه يريد أخذ الثأر لمقتل عثمان، واتّهامه للإمام عليّ(عليه السلام) في ذلك. فأبطأ جرير عند معاوية، ثمّ بعث إليه أمير المؤمنين(عليه السلام) كتاباً قال فيه: (أمّا بعد، فإذا أتاك كتابي فاحمل معاوية على الفصل, وخذه بالأمر الجزم, ثمّ خيّره بين حرب مجلية أو سلم منخزية، فإن اختار الحرب، فانبذ إليه, وإن اختار السلم، فخذ بيعته، والسلام)(1).

وطلب منه أمير المؤمنين(عليه السلام) الإسراع بالعودة إلى الكوفة، ولكنّه تلكّأ وتأخّر.

____________

1- نهج البلاغة، لمحمّد عبده ٣: ٨، ومن كتاب له إلى جرير بن عبد الله البجلي لمّا أرسله إلى معاوية.


الصفحة 394

وقدم جرير على الإمام عليّ(عليه السلام) فأخبره خبرهم, واجتماع أهل الشام مع معاوية على قتاله، وأنّهم يبكون على عثمان، ويقولون: إنّ عليّاً قتله, وآوى قتلته، وأنّهم لا بدّ لهم من قتاله حتّى يفنوه أو يفنيهم.

فنهره مالك الأشتر، فخرج عند ذلك إلى بلاد قرقيسيا والرحبة من شاطئ الفرات, وكتب إلى معاوية يعلمه بما نزل به، وأنّه أحبّ مجاورته والمقام في داره, فكتب إليه معاوية بأمره بالسير إليه(1).

وقصّة تخريب عليّ(عليه السلام) داره بالكوفة, بعد لحوقه بمعاوية مشهورة، ذكرها التفريشي(2).

وروى الكليني: (عن علي بن إبراهيم, عن أبيه, عن عمرو بن عثمان, عن محمّد بن عذافر, عن أبي حمزة, أو محمّد بن مسلم, عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: إنّ بالكوفة مساجد ملعونة ومساجد مباركة.. فأمّا المساجد الملعونة فمسجد ثقيف, ومسجد الأشعث, ومسجد جرير, ومسجد سماك, ومسجد بالخمراء, بني على قبر فرعون من الفراعنة)(3).

(جلال الدين الرومي.. وابن الفارض)

« أبو محمّد ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

كثيراً ما كان يذكر علماء العرفان أشعار جلال الدين الرومي المولوي،

____________

1- انظر: مروج الذهب، للمسعودي ٢: ٣٩٠ ذكر الأخبار عن يوم الجمل وبدئه.

2- نقد الرجال ١: ٣٣٤ ـ٩٣٠ـ.

3- الكافي ٣: ٤٨٩ الحديث ١ كتاب الصلاة أبواب السفر، باب مساجد الكوفة.


الصفحة 395

صاحب كتاب (المثنوي)، وكذلك ابن الفارض (عمر بن علي الحموي)، صاحب (التائية)، فهل كانا ينتميان إلى المذهب الشيعي الإمامي؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يظهر من كلام الزركلي في (الأعلام) أنّه لم يكن شيعيّاً، بل سُنّياً متصوّفاً؛ فقد قال عنه: (جلال الدين الرومي (٦٠٤ ــ ٦٧٢هـ = ١٢٠٧ ــ ١٢٧٣م) محمّد بن محمّد بن الحسين بن أحمد البلخي القونوي الرومي، جلال الدين: عالم بفقه الحنفية والخلاف وأنواع العلوم، ثمّ متصوّف (ترك الدنيا والتصنيف)، كما يقول مؤرّخو العرب. وهو عند غيرهم صاحب (المثنوي) المشهور بالفارسية، وصاحب الطريقة (المولوية) المنسوبة إلى (مولانا) جلال الدين..

ولد في بلخ (بفارس) وانتقل مع أبيه إلى بغداد، في الرابعة من عمره، فترعرع بها في المدرسة المستنصرية حيث نزل أبوه. ولم تطل إقامته؛ فإنّ أباه قام برحلة واسعة، ومكث في بعض البلدان مدداً طويلة، وهو معه، ثمّ استقر في قونية سنة (٦٢٣هـ).

وعرف جلال الدين بالبراعة في الفقه وغيره من العلوم الإسلامية، فتولّى التدريس بقونية في أربع مدارس، بعد وفاة أبيه (سنة ٦٢٨هـ)، ثمّ ترك التدريس والتصنيف والدنيا وتصوّف (سنة ٦٤٢هـ) أو حولها، فشغل بالرياضة وسماع الموسيقى ونظم الأشعار وإنشادها.

ونظم كتابه (المثنوي ــ ط) بالفارسية (وقد ترجم إلى التركية، وشرح، وطبع بها وبالعربية وبالفارسية)، وهو منظومة صوفية فلسفية في ٧٠٠/٢٥ بيت، في ستّة أجزاء، كتب مقدّمتها بالعربية وتخلّلتها أبيات عربية من نظمه.

واستمر يتكاثر مريدوه وتابعو طريقته إلى أن توفّي بقونية. وقبره فيها


الصفحة 396

معروف إلى اليوم، في تكية أصبحت (متحفاً) يضمّ بعض مخلّفاته ومخلّفات أحفاده وكتباً(1).

والذي يرجّح كونه سُنّياً صوفياً لا شيعياً: أنّ والده كان صوفياً، كما في (هدية العارفين)(2)، ولكن الذي على خلاف ذلك أنّ آغا بزرك الطهراني أورد بعض مؤلّفاته في (الذريعة) ووصفه بـ(العارف)(3)، ولكن الحقّ أنّ هذا لا يعدّ خلافاً؛ فإنّه كثيراً ما يطلق الشيعة لقب العارف على بعض أعلام الصوفية دون النظر إلى مذهبهم.

وأمّا ابن الفارض، فقال عنه النمازي في (مستدركات علم رجال الحديث): العارف المشكور والشاعر المشهور، صرّح جمع بتشيّعه(4)، وعدّه الشهيد الثاني من الأولياء الفضلاء(5)، ولكن المشهور عند المخالفين أنّه من الصوفية؛ ففي (الأعلام) للزركلي قال: (ولمّا شبّ اشتغل بفقه الشافعية، وأخذ الحديث عن ابن عساكر، وأخذ عنه الحافظ المزّي وغيره، ثمّ حبّب إليه سلوك طريق الصوفية، ونقل عن المناوي: واختلف في شأنه... من الكفر إلى القطبانية، وكثرت التصانيف من الفريقين في هذه القضية، وقال الذهبي: كان سيّد شعراء عصره وشيخ الاتّحادية، وما تم إلّا زي الصوفية وإشارات مجملة وتحت الزي والعبارة فلسفة وأفاعي)(6).

____________

1- الأعلام ٧: ٣٠.

2- هدية العارفين، لسطان العلماء ٢: ١١٠.

3- الذريعة ١٠: ٧٠ ـ١٠٦ـ.

4- مستدركات علم رجال الحديث ٨: ٥٠٠ ـ١٧٥٨٥ـ.

5- منية المريد: ٢٣١، الباب الأوّل النوع الثالث.

6- الأعلام ٥: ٥٥ ابن الفارض.


الصفحة 397

(جمال الدين الأفغاني)

« حسين علاء ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

ما رأيكم الشريف في جمال الدين الأفغاني، هل هو شيعي أم سُنّي المذهب؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الثابت من مذهب الشيخ جمال الدين الأفغاني هو إماميته, ولكنّه لم يصرّح بذلك عندما ذهب إلى مصر أو الأستانة ــ عاصمة الدولة العثمانية ــ لما في ذلك من مصالح لا تخفى على أحد.

وجاء في رسالة له من البصرة إلى الميرزا الشيرازي مرجع الشيعة الأعلى في وقته: (حبر الأُمّة، وبارقة أنوار الأئمّة، دعامة عرش الدين، واللسان الناطق عن الشرع المبين، الحاج الميرزا أحسن الشيرازي، صان الله به حوزة الإسلام، وردّ به كيد الزنادقة اللئام، وقد خصّك الله بالنيابة عن الحجّة الكبرى، واختارك من العصابة الحقّة، وجعل بيدك أزمّة سياسة الأُمّة بالشريعة الغراء... الخ)(1).

فانظر إلى قوله: (قد خصّك الله بالنيابة عن الحجّة الكبرى)، فإنّ هذا لا يعتقد به إلّا الشيعي الاثنا عشري في المراجع بأنّهم نوّاب الإمام الحجّة(عجل الله تعالى فرجه الشريف) ،

____________

1- أعيان الشيعة، لمحسن الأمين ٤: ٢١٣ جمال الدين الأفغاني.


الصفحة 398

وانظر إلى قوله: (واختارك من العصابة الحقّة)، أي: الشيعة الاثني عشرية، إلى غيرها من كلماته في الرسالة، وهي طويلة والتي فيها دلالة على أنّه من الشيعة الاثني عشرية.

(الحجّاج الثقفي.. وسيرته مع العلويّين)

« عبير ــ العراق ــ إمامية »

السؤال:

ما صحّة ما ينقل من مصاهرة الحجّاج للعلويّين؟ وهل كان محمود السيرة مع العلويّين؟ مع ذكر بعض المصادر التي تذكر نماذج من ظلمه.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إذا كان خير الكلام ما قلّ ودلّ، فإنّ في ما يرويه ابن عبد ربّه الأندلسي في (العقد الفريد) كفاية؛ قال: (أبو أُميّة، عن أبي مسهر، قال: حدّثنا هشام بن يحيى، عن أبيه، قال: حدّثنا عمر بن عبد العزيز، قال: لو جاءت كلّ أُمّة بمنافقيها وجئنا بالحجّاج، لفضلناهم).

وقال أيضاً: (ميمون بن مهران، عن الأجلح، قال: قلت للشعبي: يزعم الناس أنّ الحجّاج مؤمن!! قال: مؤمن بالجبت والطاغوت، كافر بالله).

وأيضاً: (علي بن عبد العزيز، عن إسحاق بن يحيى، عن الأعمش، قال: اختلفوا في الحجّاج، فقالوا: بمن ترضون؟ قالوا: بمجاهد، فأتوه فقالوا: إنّا قد اختلفنا في الحجّاج، فقال: أجئتم تسألوني عن الشيخ الكافر؟!).


الصفحة 399

وأيضاً: (محمّد بن كثير، عن الأوزاعي، قال: سمعت القاسم بن محمّد يقول: كان الحجّاج بن يوسف ينتقض عرى الإسلام عروة عروة)(1).

وقال ابن حجر: أخرج الترمذي من طريق هشام بن حسّان: (أحصينا من قتله الحجّاج صبراً فبلغ مائة وعشرين ألفاً...

وقال طاووس: عجبت لمن يسمّيه مؤمناً، وكفّره جماعة، منهم: سعيد بن جبير، والنخعي، ومجاهد، وعاصم بن أبي النجود، والشعبي، وغيرهم)(2).

وأمّا سيرته مع العلويّين، فيكفي في نصبه ما أخرجه الأندلسي في (العقد الفريد) من تهديده ليحيى بن يعمر، في استخراج بنوّة الحسنين(عليهما السلام) لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من القرآن أو يضرب عنقه(3)!

وأمّا المصاهرة، فإنّه خطب إلى ابن جعفر وهدّده فأجابه، واتّصل الخبر بعبد الملك بن مروان، فكتب إليه ينهاه ويوبّخه ويأمره بطلاقها فطلّقها، وكان بعد لم يدخل بها...انتهى(4).

ونضيف إلى ما سبق: الإشارة إلى ما قاله السيوطي في (تاريخ الخلفاء): (لو

____________

1- العقد الفريد ٥: ٣٠٧ ـ ٣١٠ كتاب اليتيمية الثانية في أخبار زياد والحجّاج والطالبيّين والبرامكة، ولاحظ: تهذيب التهذيب، لابن حجر ٢: ١٨٤ ــ ١٨٧ ترجمة الحجّاج ٣٨٨.

2- تهذيب التهذيب، لابن حجر ٢: ١٨٥ ترجمة الحجّاج بن يوسف ٣٨٨.

3- العقد الفريد ٢: ٤٨، ٥: ٢٨١ كتاب اليتيمية الثانية في أخبار زياد والحجّاج والطالبيّين والبرامكة.

4- تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ١٢: ١٢٥ ترجمة الحجّاج بن يوسف ١٢١٧ أحداث سنة ٩١، الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة، لعلي خان: ١٧٧ عبد الله بن جعفر.


الصفحة 400

لم يكن من مساوي عبد الملك إلّا الحجّاج وتوليته إيّاه على المسلمين وعلى الصحابة(رضي الله عنهم) يهينهم ويذلّهم قتلاً وضرباً وشتماً وحبساً، وقد قتل من الصحابة وأكابر التابعين ما لا يحصى، فضلاً عن غيرهم، وختم عنق أنس وغيره من الصحابة ختماً يريد بذلك ذلّهم، فلا رحمه الله ولا عفا عنه)(1).

(الحلاّج)

« حسين عبد الكريم ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله..

ما رأي علماء المذهب الشيعي بالحلاّج؟ هل هو من أهل كفر وزندقة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الحلاّج: هو الحسين بن منصور، من كبار رجال التصوّف، ملعون خبيث، لعنه الإمام صاحب الزمان، وعدّه الشيخ في (الغيبة) من الذين ادّعوا النيابة والبابية، وكان يُراسل أبا سهل النوبختي العالم الفاضل، وأراد منه الانضمام إليه، ووعده بما يريد من المال، فقال له النوبختي: إنّي رجل أحبّ الجواري وأصبو إليهن، ولكنّ الشيب يبعدني عنهنّ، واحتاج إلى أن أُخضّب في كلّ جمعة، ولكنّي أتحمّل بذلك مشقّة وجهداً عسيراً، وأُريد أن تغنيني عن الخضاب،

____________

1- تاريخ الخلفاء: ٢٢٠ عبد الملك بن مروان.


الصفحة 401

وتكفيني مؤنته، وتجعل لحيتي سوداء، فإذا فعلت ذلك صرتُ طوع إرادتك، وصدّقت مقالتك، وكنت من أعظم أنصارك، وداعية إليك، فبُهت الحلاّج وأمسك عنه، وانتشرت قصّته، فصار أضحوكة الجميع، وبان أمره، وانكشف دجله إلى الناس(1).

ومن شعره:


أريدك لا أريدك للثوابولكنّي أريدك للعقاب
وكلّ مآربي قد نلت منهاسوى ملذوذ وجدي بالعذاب(2)

ولمّا شاعت منكراته، رُفع أمره إلى المقتدر العبّاسي، فدفعه إلى مدير شرطته ليضربه ألف سوط، فإن مات وإلّا فيضربه ألف سوط حتّى يموت، وإن لم يمت يضرب عنقه، ويقطع يديه ورجليه، ويحزّ رأسه، ويحرق جثته، وينصب رأسه على الجسر، ففعل به ذلك في سنة (٣٠٩هـ)(3).

وقد ألّف الشيخ المفيد كتاباً في الردّ على أصحاب الحلاّج، وقال في (تصحيح الاعتقادات الإمامية): (والحلاجية ضرب من أصحاب التصوّف، وهم أصحاب الإباحة والقول بالحلول، ولم يكن الحلاّج يتخصّص بإظهار التشيّع وإن كان ظاهر أمره التصوّف، وهم قوم ملحدة وزنادقة يموهون بمظاهرة كلّ فرقة

____________

1- الغيبة، للطوسي: ٤٠٢ الفصل السادس في أخبار السفراء الحديث ٣٧٦، سير أعلام النبلاء، للذهبي ١٤: ٣١٣ ـ٢٠٥ـ، البداية والنهاية، لابن كثير ١١: ١٥٢ أحداث سنة ٣٠٩هـ.

2- تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي ٨: ١١٢ الحسين بن منصور الحلاّج.

3- انظر: وفيات الأعيان، لابن خلّكان ٢: ١٤٤.


الصفحة 402

بدينهم، ويدّعون للحلاّج الأباطيل، ويجرون في ذلك مجرى المجوس في دعواهم لزرادشت المعجزات، ومجرى النصارى في دعواهم لرهبانهم الآيات والبيّنات، والمجوس والنصارى أقرب إلى العمل بالعبادات منهم، وهم أبعد من الشرائع والعمل بها من النصارى والمجوس)(1).

وذكر الصدوق أنّ الحلاجية يتركون الصلاة وجميع الفرائض(2).

ونقل الطوسي(رحمه الله) بعد نقل قصّته مع أبي سهل النوبختي المارة الذكر قصّته مع والد الصدوق علي بن الحسين بن بابويه، وفيها: أنّ الحلاّج كاتب قرابة أبي الحسن يستدعيه ويستدعي أبا الحسن ويقول: أنا رسول الإمام ووكيله، وأنّ والد الصدوق لمّا رأى المكاتبة خرقها وقال لموصلها إليه: ما أفرغك للجهالات؟ وأنّ الحلاّج دخل دكان والد الصدوق(رحمه الله) فلمّا عرّف بنفسه أنّه صاحب الكتابة أمر باخراجه وطرده، وقال: يا غلام برجله وبقفاه، فخرج من الدار العدو لله ولرسوله، ثمّ قال له: أتدّعي المعجزات عليك لعنة الله؟ أو كما قال، فلم يره بعد ذلك بقم(3).

ونقل صاحب (الروضات) عن الشيخ محمّد بن موسى، الشهير بـ(حاجي مؤمن): (والذي اعتقد فيه ــ يعني الحلاّج ـ ـ: الردّ عليه وعلى أصحابه؛ لأنّ كلّ حقيقة ردّته (ودّتها) الشريعة فهي مردودة، كما حقّقناه سابقاً، وقد ردّ عليه كبار

____________

1- تصحيح اعتقادات الإمامية: ١٣٤، فصل في ما ذكره أبو جعفر(رحمه الله) من مضي نبيّنا والأئمّة(عليهم السلام) بالسمّ والقتل.

2- الاعتقادات، للشيخ الصدوق: ٩٧، الباب ٣٧ الاعتقاد في نفي الغلوّ والتفويض.

3- انظر: الغيبة، للطوسي: ٤٠٢ الحديث ٣٧٧ الفصل السادس في ذكر طرف من أخبار السفراء.


الصفحة 403

المشايخ المتقدّمين والمتأخّرين، كالجنيد، والشيخ أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي رئيس المحدّثين المتألّهين، وشيخ الطائفة أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي، والشيخ الطبرسي، والشيخ المفيد، والسيّد المرتضى علم الهدى، والشيخ جمال الدين المطهر الحلّي، والسيّد ابن طاووس صاحب المقامات والكرامات، والشيخ أحمد بن فهد الحلّي المتألّه شيخ المتأخّرين رضي الله عنهم.. وكلّهم اتفّقوا على أنّه من المذمومين، وبعضهم على أنّه خرج من الناحية توقيع بلعنه.

وأنت إذا تأمّلت أدنى تأمّل وجدت أكثر من ينتمي إلى الحلاّج ويعتقد رأيه قائلاً بالحلول، والتجسيم، والتشبيه، والزندقة، وترك الشرائع والأحكام، والأمر والنهي، ويدّعي الوصول إلى أعلى مرتبة العرفان والتوحيد، والإباحة، وينفي الحلال والحرام، كالفرقة المزدكية المشركة المجوسية)(1). انتهى.

(خويلد بن أسد.. والد خديجة(عليها السلام)

« أحمد ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

أُريد نبذة عن أب السيّدة خديجة بنت خويلد؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الأخبار التي تتحدّث عن خويلد قليلة، فهو: خويلد بن أسد بن عبد العزّى

____________

1- روضات الجنّات ٣: ١٤٤ ـ٢٦١ـ.


الصفحة 404

ابن قصي بن كلاب(1)، وأُمّه: زهرة بنت عمرو بن خنثر بن رويته (ذؤيبة) بن هلال من بني كاهل بن أسد بن خزيمة، وهي التي كان يعيّر بها ابن الزبير، فيقال: ابن الكاهلية(2).

وكان من أشراف وفرسان قريش(3)، يكنى بـ(آبي الخسف)(4)، وكان يوم (شمطة) (وهي وقعة بين قريش وبني كنانة من جهة، وهوازن من جهة) على بني أسد بن عبد العزى(5)، وكذا كان عليهم في حرب الفجّار(6)، وكان في وفد عظماء قريش إلى سيف بن ذي يزن ليهنّئوه(7)، وذكر أنّه توفّي في حرب الفجّار أو قبلها(8)، وقيل: في حرب خزاعة(9)، أي قبل زواج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بخديجة.

ولكن من الأحداث التي تذكر له خروجه لقتال تُبَّع الذي أراد أخذ الحجر الأسود إلى اليمن، فخرج له خويلد وخرجت معه قريش، فحالوا دون أخذ الحجر.

____________

1- الطبقات الكبرى، لابن سعد ٨: ١٤ ذكر خديجة.

2- شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٢٠: ١٤٩ ما ورد من حكمه، عبد الله بن الزبير وذكر طرف من أخباره، إكمال الإكمال، لابن ماكولا ٢: ٢٤، باب جبير وحبير وخبير وحبير وخنثر وحنبين وجبين.

3- المحبّر، لابن حبيب البغدادي: ١٦٥ أشراف قريش.

4- تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٦٤: ٣٣٧ ـ٨١٨٣ـ يحيى بن عروة بن الزبير.

5- أنساب الأشراف، للبلاذري ١: ١٠٢ ـ١٨٤ـ يوم شمطة.

6- المنمّق، لابن حبيب البغدادي: ١٦٦ ذكر ما هاج الفجّار الرابع، الكامل في التاريخ، لابن الأثير ١: ٥٩٣ ذكر الفجّار الأوّل والثاني.

7- المنتظم، لابن الجوزي ٢: ٢٧٧ ذكر حوادث سنة سبع من مولد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).

8- الطبقات الكبرى، لابن سعد ١: ١٣٢ ذكر تزويج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) خديجة.

9- صبح الأعشى، للقلقشندي ١: ٤٩٨ المقالة الأُولى، الباب الأوّل، الفصل الثاني، الطرف الأوّل، النوع السادس عشر.


الصفحة 405

ففي (تاريخ مدينة دمشق) لابن عساكر، قال: (قال: فلمّا أرادوا الشخوص إلى اليمن، أراد أن يخرج حجر الركن، فيخرج به معه، فاجتمعت قريش إلى خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، فقالوا: ما دخل علينا يا خويلد إن ذهب هذا بحجرنا، قال: وما ذاك؟ قالوا: تُبَع يريد أن يأخذ حجرنا يحمله إلى أرضه، فقال خويلد: الموت أحسن من ذلك، ثمّ أخذ السيف وخرج وخرجت معه قريش بسيوفهم حتّى أتوا تُبَّعاً، فقالوا له: ماذا تريد يا تُبَّع إلى الركن؟ فقال: أردت أن أخرج به إلى قومي، فقالت قريش: الموت أقرب من ذلك، ثمّ خرجوا حتّى أتوا الركن فقاموا عنده، فحالوا بينه وبين ما أراد من ذلك.

وقال خويلد في ذلك شعراً:


دعيني أُمّ عمرو ولا تلوميومهلاً عاذلي لا تعذليني
دعيني لأخذتُ الخسف منهموبيت الله حتّى يقتلوني
فما عذري وهذا السيف عنديوعضب نال قائمه يميني
ولكن لم أجد عنها محيداًوإنّي زاهق ما أزهقوني(1)

وروى الزبير بن بكار: أنّ خويلداً لقى عبد المطلب لمّا حفر زمزم، فقال: يا بن سلمى، لقد سُقيت ماء رغداً، ونثلت عادية حسداً، فقال: يا بن أسد، أما إنّك تشرك في فضلها، والله لا يساعدني أحد عليها ببر، ولا يقوم معي بارزاً إلّا بذلت له خير الصهر.

____________

1- تاريخ مدينة دمشق ١١: ١٧ حرف التاء رقم ٩٨٤ تبّع بن حسّان بن ملكي كرب، سيرة ابن إسحاق ١: ٣١ ـ٣٧ـ.


الصفحة 406

فقال خويلد بن أسد:


أقول وما قولي عليهم بسبّةإليك ابن سلمى أنت حافر زمزم
حفيرة إبراهيم يوم ابن هاجروركضه جبريل على عهد آدم

فقال عبد المطّلب: ما وجدت أحداً ورث العلم الأقدم غير خويلد بن أسد(1).

ويذكر أنّه لم يكن يسافر إلّا بفرس ومعه نفر من قومه، فأقبل على وادي يسمّى: (كليلة) قرب الجحفة، فيه قوم من بني بكر فمنعوهم الماء إلّا بثمن، فأبى خويلد وحمل عليهم بمن معه حتّى انهزمت بنو بكر، وشرب خويلد وأصحابه، فقال:


تداعت بنو بكر لتبلغ عزّناوفي طرف الرنقاء يومك مظلم
قتلت أبا جزء واصطفت محصناوأفلتني ركضاً مع الليل جهصم(2)

(رابعة العدوية)

« حسين ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

من هي رابعة العدوية؟ وما هو رأي الشيعة بها؟

____________

1- شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ١٥: ٢١٧ رقم ٢٨ من كتاب له(عليه السلام) إلى معاوية جواباً، فضل بني هاشم على بني عبد شمس، أنساب الأشراف، للبلاذري ١: ٨٣ ـ١٤٧ـ حفر زمزم ونذر عبد المطلب.

2- إمتاع الأسماع، للمقريزي ٦: ١٧٦، فصل في ذكر أحماء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، معجم البلدان، للحموي ٤: ٤٧٨، باب الكاف واللام وما يليهما.


الصفحة 407

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هي رابعة بنت إسماعيل العدوية البصرية، الزاهدة، العابدة، المعروفة بأقوالها بالعبادة والزهد في الدنيا، كانت في زمن سفيان الثوري، والحسن البصري، ولدت في البصرة واختلف في سنة وفاتها ١٣٥هـ أو ١٨٥هـ، وفي مكان دفنها، هل هو في دمشق، أو البصرة، أو القدس.

ولم نجد أحداً من علمائنا تكلّم عن مذهبها، وهل كانت تعتقد مذهب الحقّ أو لا, سوى ترضّي بعض العرفاء من علمائنا عليها(1)، كما هو ديدن العرفاء بالنسبة إلى بعضهم.

ولكن ما نقل من أخبارها مع الحسن البصري وصالح المري وسفيان الثوري وأبي يسار وحمّاد، وعدم وجود خبر لها يتعلّق بأهل البيت(عليهم السلام) يدلّ على أنّها كانت لا تعرف هذا الأمر(2).

(زبيدة زوجة هارون.. هل كانت شيعية؟)

« ميثاق الخفاجي ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

ما صحّة ما نقله المحقّق الشيخ عبّاس القمّي في حاشية كتابه (تتمة منتهى

____________

1- مشرق الشمسين، للبهائي: ٤٠٣، رسالة العروة الوثقى في معنى العبادة والاستعانة.

2- للمزيد راجع: سير أعلام النبلاء، للذهبي ٨: ٢٤١ رقم ٥٣، الأعلام، للزركلي ٣: ١٠، وفيات الأعيان، لابن خلّكان ٣: ٢٨٥ رقم ٢٣١، تاريخ الإسلام، للذهبي ١١: ١١٧ حرف الراء رقم ٤، الوافي بالوفيات، للصفدي ١٤: ٣٧ حرف الراء.


الصفحة 408

الآمال ص٢٥٥) في سيرة محمّد الأمين، بأنّ أُمّه كانت شيعية وموالية لعليّ(عليه السلام) ، وأنّ هارون العبّاسي طلّقها لمّا علم بذلك؟

أرجو بيان ذلك مع التقدير.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

اعتمد في ذلك على ما ذكره القاضي نور الله الشوشتري في (مجالس المؤمنين)، نقلاً عن الشيخ عبد الجليل الرازي في كتابه (النقض)؛ قال القاضي نور الله في المجلس الأوّل من (مجالس المؤمنين) ما تعريبه: (أورد الشيخ الأجلّ عبد الجليل الرازي في كتاب (النقض): لمّا رأى هارون الر شيد غلوّ زبيدة في التشيّع حلف بطلاقها وكتب على ورقة: كنتِ فبِنتِ، وبعثها إلى زبيدة، وهي من شدّة محبّتها للمرتضى والزهراء كتبت في أسفلها: كنّا فما حمدنا وبنّا فما ندمنا، وبعد مدّة قصيرة توفّت وانتقلت إلى جوار رحمة الله)(1).

وقال القمّي في (الكنى والألقاب): (حكي أنّها كانت من الشيعة، ويؤيد ذلك: ما ذكره ابن شحنة في روضة المناظر؛ قال: في سنة ٤٤٣ وقعت فتنة عظيمة بين السُنّة والشيعة، أُحرق فيها ضريح موسى بن جعفر الصادق(عليه السلام) وقبر زبيدة وقبور ملوك بني بويه. انتهى.

ثمّ قال: قلت: الظاهر أنّ إحراق أهل السُنّة قبر زبيدة لم يكن إلّا لأجل تشيّعها: كقبور بني بويه، وككتب الشيخ الطوسي...)(2).

____________

1- انظر: كتاب النقض، لعبد الجليل القزويني الرازي: ٢١٥.

2- الكنى والألقاب ٢: ٢٨٩ زبيدة.


الصفحة 409

إذاً دليله ما حكي من أنّها من الشيعة، وهي الحكاية التي نقلناها عن الشوشتري صاحب (المجالس)، وأصلها عن القزويني الرازي صاحب (النقض)، وهذه حكاية لا تثبت شيئاً، بل الظاهر أنّها لا أصل لها؛ لأنّ المنقول في نهاية الحكاية أنّ زبيدة ماتت بعد مدّة قصيرة من طلاقها قبل موت الرشيد، والمسلّم من كتب التراجم والتواريخ أنّها عاشت بعده مدّة طويلة قرابة العقدين، وبعد مقتل ابنها الأمين، وتوفّت في خلافة المأمون.

وأمّا إحراق قبرها فلم يظهر أنّه كان لتشيّعها، كما استظهره القمّي، بل إنّ الحنابلة قصدوا إحراق قبري الإمامين الكاظم والجواد(عليهما السلام) ، وكانت بجوارهما قبور بني بويه، وقبر زبيدة، فاحترقت معهما (أعلى الله شرفهما)، والمكان في الأصل كان مقابر لقريش، وزبيدة من قريش، فهي حفيدة أبي جعفر المنصور العبّاسي.

وأخيراً، فإنّ المامقاني صاحب (تنقيح المقال) نقل الحكاية عن مجالس الصدوق(رحمه الله) ، وهو وهم! وإنّما ذكرها كما أسلفنا الشوشتري في (مجالس المؤمنين)، نقلاً عن (النقض) لعبد الجليل القزويني.

(زياد بن أبيه)

« محمّد الطويل ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

مَن هو والد زياد بن أبيه؟ ولماذا سمّي بهذا الاسم: (ابن أبيه)؟

وشكراً.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


الصفحة 410

جاء في (شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد:

((نسب زياد بن أبيه وذكر بعض أخباره وكتبه وخطبه):

فأمّا زياد، فهو: زياد بن عبيد, ومن الناس مَن يقول: عبيد بن فلان, وينسبه إلى ثقيف, والأكثرون يقولون: إنّ عبيداً كان عبداً, وإنّه بقي إلى أيام زياد, فابتاعه وأعتقه, وسنذكر ما ورد في ذلك، ونسبة زياد لغير أبيه لخمول أبيه, والدعوة التي استُلحق بها, فقيل تارة: زياد ابن سميّة، وهي أُمّة, وكانت أمة للحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج الثقفي, طبيب العرب, وكانت تحت عبيد.

وقيل تارة: زياد بن أبيه, وقيل تارة: زياد بن أُمّه, ولمّا استُلحق قال له أكثر الناس: زياد بن أبي سفيان؛ لأنّ الناس مع الملوك الذين هم مظنّة الرهبة والرغبة, وليس اتّباع الدين بالنسبة إلى اتّباع الملوك إلّا كالقطرة في البحر المحيط، فأمّا ما كان يدعى به قبل الاستلحاق فـ(زياد بن عبيد), ولا يشكّ في ذلك أحد.

وروى أبو عمر بن عبد البرّ في كتاب (الاستيعاب), عن هشام بن محمّد بن السائب الكلبي، عن أبيه, عن أبي صالح, عن ابن عبّاس: أنّ عمر بعث زياداً في إصلاح فساد واقع باليمن, فلمّا رجع من وجهه خطب عند عمر خطبة لم يسمع مثلها ــ وأبو سفيان حاضر وعليّ(عليه السلام) وعمرو بن العاص ــ فقال عمرو بن العاص: لله أبو هذا الغلام! لو كان قرشياً لساق العرب بعصاه. فقال أبو سفيان: إنّه لقرشي, وإنّي لأعرف الذي وضعه في رحم أُمّه. فقال عليّ(عليه السلام) : ومَن هو؟ قال: أنا. فقال: مهلاً يا أبا سفيان. فقال أبو سفيان:


أما والله لولا خوف شخصيراني يا عليّ من الأعادي
لأظهر أمره صخر بن حربولم يخف المقالة في زيادِ
وقد طالت مجاملتي ثقيفاًوتركي فيهم ثمر الفؤادِ


الصفحة 411

عنى بقوله: (لولا خوف شخص): عمر بن الخطّاب)(1).

نقول: إنّ استعلام أمير المؤمنين(عليه السلام) عن أب زياد وهو أعلم بحاله، ثمّ ردعه لأبي سفيان، يدلّ على عدم صحّة ما ادّعاه أبو سفيان أنّه من صلبه.

(سعيد بن جبير.. سبب قتل الحجّاج له)

« حسين مهلي ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله..

ممكن تفيدونا جزاكم الله خيراً بمصدر من كتب الشيعة يذكر قصّة استشهاد سعيد بن جبير(رضي الله عنه) على يد الحجّاج.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

في كتاب (الاختصاص) المنسوب للشيخ المفيد، قال: (وعنه ــ أي: عن أبي جعفر بن الحسين، المذكور في السند الذي قبله ــ عن أحمد بن شاذان, عن الفضل بن شاذان, عن ابن أبي عمير, عن هشام بن سالم, عن أبي عبد الله(عليه السلام) : أنّ سعيد بن جبير كان يأتمّ بعليّ بن الحسين(عليهما السلام) ، وكان عليّ يثني عليه، وما كان سبب قتل الحجّاج له إلّا على هذا الأمر, وكان مستقيماً.

وذكر أنّه لمّا أُدخل على الحجّاج بن يوسف, فقال له: أنت شقيّ بن كسير؟

____________

1- شرح نهج البلاغة ١٦: ١٧٩ ــ ١٨٠ كتابه إلى يزيد رقم ٤٤.


الصفحة 412

قال: أُمّي كانت أعرف باسمي، سمتني سعيد بن جبير, قال: ما تقول في أبي بكر وعمر: أهما في الجنّة أو في النار؟ قال: لو دخلت الجنّة فنظرت إلى أهلها لعلمت من فيها، (ولو دخلت النار ورأيت أهلها لعلمت من فيها)، قال: فما تقول في الخلفاء؟ قال: لست عليهم بوكيل, قال: فأيّهم أحبّ إليك؟ قال: أرضاهم لخالقي, قال: فأيّهم أرضى للخالق؟ قال: علم ذلك عند الذي يعلم سرّهم ونجواهم, قال: أبيت أن تصدقني؟ قال: بلى لم أحبّ أن أكذبك)(1).

وأورده الكشي في رجاله عن أبي المغيرة، قال: حدّثني الفضل، عن ابن أبي عمير... إلى آخر ما ذكرناه من الاختصاص(2).

(سعيد بن زيد)

« فاتح الحجّار ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ما هو موقف الإمامية من: سعيد بن زيد؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لعلّك تقصد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي الذي روى حديث العشرة المبشّرة بالجنّة، ففي كتبنا الرجالية لم يرد في حقّه توثيق أو مدح أو أنّه

____________

1- الاختصاص: ٢٠٥ ذكر سعيد بن جبير.

2- اختيار معرفة الرجال ١: ٣٣٥ ـ١٩٠ـ.


الصفحة 413

عرف حقّ أمير المؤمنين(عليه السلام) ، وحديث العشرة لم يصحّ عندنا، وهو المتّهم بوضعه، لذا لا يعدّ ذلك مدحاً له، والصحابة عندنا ليسوا جميعاً عدولاً؛ فلا يصحّ القول بعدالته لكونه صحابياً، بل ذكره الشهيد نور الله التستري عند سرده لخبر حذيفة من الموقّعين على الصحيفة التي تعاقدوا فيها على منع عليّ(عليه السلام) من خلافة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)(1)، وكان فيما بعد من معتمدي الثلاثة قبل عليّ(عليه السلام) ، وقعد عن أمير المؤمنين(عليه السلام) مع من قعد(2).

نعم، تُذكر له بعض المواقف الحسنة، منها: اعتراضه على المغيرة في سبّه لعليّ(عليه السلام) (3).

(سليمان بن صرد)

« جعفر ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نقرأ في سيرة الثائر سليمان بن صرد الخزاعي أنّه لم يشارك في ثورة كربلاء وأنّه بعد حدوث واقعة كربلاء ندم, وقاد ثورة التوابين التي استشهد فيها.

____________

1- انظر: الصوارم المهرقة في جواب الصواعق المحرقة: ٧٥ ـ٢٣ـ في تعاقد الشيخين وأبي عبيدة وسالم على انتزاع الخلافة من عليّ(عليه السلام) .

2- شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ١٨: ١١٥ ـ١٣ـ، باب الحكم والمواعظ، المختصر في أخبار البشر تاريخ أبي الفداء ١: ١٧١ ذكر أخبار عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) .

3- شرح الأخبار، للقاضي النعمان ٢: ٣٦٦ حديث ٨١٨، مسند أحمد بن حنبل ١: ١٨٨ مسند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل.


الصفحة 414

ولكن ما هو سبب عدم مشاركته في كربلاء, هل لاجتهاد ذهب إليه, أم أنّه أراد المشاركة فزجّ في السجن؟

ولمّا قدم مسلم بن عقيل إلى الكوفة ما كان موقفه؟

وما موقف الأئمّة المعصومين(عليهم السلام) من ثورة التوّابين, هل جاء ذكر سليمان أو ثورته في أحاديث المعصومين(عليهم السلام) ؟

وشكراً لكم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لم يرد في الكتب التاريخية التي بين أيدينا ما يدلّ على أنّ سليمان بن صرد الخزاعي قد سجن أو منع منعاً خاصّاً من المشاركة في كربلاء؛ فما يذكره المامقاني في (تنقيح المقال) من أنّ: عبيد الله بن زياد سجنه، لا دليل عليه، ولم يذكر مصدره(1)..

وربّما كان نظره إلى ما ورد في (حكاية المختار في الأخذ بالثار) المطبوع في نهاية (اللهوف في قتلى الطفوف) لابن طاووس، إذ ورد فيه: أنّ سليمان بن صرد كان في حبس ابن زياد ثمّ خرج بعد موت يزيد(2)، ولكن هذه الحكاية من أوّلها إلى آخرها نسجت على منوال القصص، وفيها من الخرافة والتزويق ما لا يخفى، وفيها ما هو مخالف للمثبت في المصادر المعروفة، من أنّ: سليمان وإبراهيم بن الأشتر وصعصعة العبدي وغيرهم كانوا في سجن ابن زياد من زمن معاوية، مع أنّه لا يوجد أثر لهذا في المصادر المعتبرة، بل لا يوجد ذكر لسجن إبراهيم بن الأشتر، وأمّا صعصعة بن صوحان العبدي فلم يكن موجوداً ذلك

____________

1- تنقيح المقال ٢: ٦٣ الطبعة الحجرية.

2- اللهوف في قتلى الطفوف: ١٥٣.


الصفحة 415

الوقت؛ فقد توفّي في زمن معاوية.

نعم، كان هناك منع عام لكلّ أهل الكوفة من الخروج ومساعدة الحسين(عليه السلام) ، كما يذكر ذلك في كيفية خروج حبيب بن مظاهر من الكوفة(1).

وكان سليمان قد كاتب الإمام الحسين(عليه السلام) قبل قدوم مسلم بن عقيل، وحثّه على القدوم إلى الكوفة(2).

ثمّ إنّ في كون سليمان بن صرد من التوّابين، بل هو رأسهم، وأنّه كان يدعو في أصحابه بضرورة القتال من أجل التوبة والغفران، دلالة على أنّه كان مقصّراً في عدم مشاركته في نصرة الحسين(عليه السلام) .

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ إطلاق هذا الاسم عليه، وهو كونه توّاباً، ودعوته للقتال من أجل التوبة كانت من أجل غيره ممّن قصّر في نصرة الحسين(عليه السلام) ، فإطلاق العنوان عليه بلحاظ أصحابه، أمّا هو فكان في عذر من ذلك؛ لعدم قدرته على نصرته من خلال عدم القدرة على الوصول إليه، ولكن هذا يحتاج إلى ما يثبته.

بل توجد في أقواله كلمات ينسب التقصير فيها إلى نفسه، إذ قال في خطبته في مجموعة التوّابين لمّا اجتمعوا في داره: (...إنا كنّا نمدّ أعناقنا إلى قدوم آل نبيّنا، ونمنّيهم النصر، ونحثّهم على القدوم، فلمّا قدموا ونينا وعجزنا وأدهنّا وتربّصنا وانتظرنا ما يكون، حتّى قتل فينا ولدينا ولد نبيّنا وسلالته...

إلى أن قال: كونوا كالأُولى من بني إسرائيل؛ إذ قال لهم نبيّهم: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ

____________

1- انظر: إكسير العبادات، للدربندي ٢: ٧٤١ المجلس الحادي عشر المقام الثالث.

2- انظر: الإرشاد، للمفيد ٢: ٣٦ تاريخ الإمام الحسين(عليه السلام) ، مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب ٣: ٢٤١، باب إمامة الحسين(عليه السلام) .


الصفحة 416

لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ(1)...)(2).

فانظر إليه كيف يصف حاله وحال أصحابه بدقّة بالغة بالعجز والإدهان والتربّص والانتظار لما يكون، بل يشبّه نفسه ومن معه ببني إسرائيل وعصيانهم بعبادة العجل.

وقال في خطبة أُخرى: (حتّى بلى الله خيارنا، فوجدنا كذّابين في نصر ابن بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا عذر دون أن نقتل قاتليه، فعسى ربّنا أن يعفو عنّا)(3).

وارتجز لمّا استقتل يوم عين الورد:


إليك ربّي تبت من ذنوبيوقد علاني في الورى مشيبي
فارحم عبيداً غير ما تكذيبيواغفر ذنوبي سيّدي وحوبي(4)

وقال ابن سعد في (الطبقات): (كان فيمن كتب إلى الحسين بن عليّ أن يقدم الكوفة، فلمّا قدمها أمسك عنه ولم يقاتل معه، كان كثير الشكّ والوقوف، فلمّا قتل الحسين ندم هو والمسيب بن نجية الفزاري، وجميع من خذل الحسين ولم يقاتل معه)(5).

وقال ابن الأثير: (وكان في من كتب إلى الحسين بن عليّ(رضي الله عنهما) بعد موت

____________

1- البقرة ٢: ٥٤.

2- مقتل الحسين، لأبي مخنف: ٢٥١ تولية سليمان بن صرد، الفتوح، لابن أعثم ٦: ٢٠٤ ابتداء أخبار عين الورد.

3- ذوب النضار، لابن نما: ٧٣ المرتبة الأُولى.

4- الفتوح، لابن أعثم ٦: ٢٢٢ ابتداء أخبار عين الورد.

5- الطبقات الكبرى ٤: ٢٩٢ سليمان بن صرد.


الصفحة 417

معاوية يسأله القدوم، فلمّا قدمها ترك القتال معه)(1).

نعم، يشهد لحسن حال سليمان بن صرد ما ورد من قول عليّ(عليه السلام) له: (﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً(2)، وأنت ممّن ينتظر وممّن لم يبدّل)(3)، فشهادة عليّ(عليه السلام) هذه بعد ثبوتها تدلّ على حسن حاله، وعلوّ شأنه وصحّة توبته، وأنّ عاقبته كانت على خير.

وقد جعله الحسين(عليه السلام) في كتابه إليه وإلى صحبه المسيّب ورفاعة وعبد الله بن وأل ــ الذين أصبحوا قادة التوّابين بعد ذلك ــ من جماعة المؤمنين(4)، وقد عدّه الفضل بن شاذان من كبار التابعين وزهادهم(5).

تعليق:

« علي ــ فلسطين ــ مستبصر »

السؤال:

السلام عليكم..

لِمَ مجّد صاحب المراجعات (قدس سره) سليمان بن صرد رغم تهجّمه على الإمام الحسن(عليه السلام) بعد الصلح مع معاويه لعنه الله...كيف؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

____________

1- أُسد الغابة ٢: ٣٥١ سليمان بن صرد.

2- الأحزاب ٣٣: ٢٣.

3- وقعة صفّين، للمنقري: ٥١٩ رأي سليمان بن صرد في الصحيفة.

4- الفتوح، لابن أعثم ٥: ٨١ ذكر كتاب الحسين(رضي الله عنه) إلى أهل الكوفة.

5- اختيار معرفة الرجال، للكشي ١: ٢٨٦ ـ١٢٤ـ ترجمة صعصعة بن صوحان.


الصفحة 418

إنّ الدراسة المستفيضة لما ورد بخصوص أخبار سليمان بن صرد تظهر بوضوح أنّه كان من الراسخين في حبّ أهل البيت(عليهم السلام) ، والولاء لهم، والمتصلّبين في الدفاع عنهم، والوقوف معهم، وله مواقف مشهورة معروفة؛ فقد كان قائداً لرجّالة الميمنة في صفّين، وهو الذي قتل حوشب ذا ظليم(1).

وقد أتى عليّاً(عليه السلام) بعد كتابة الصحيفة ووجهه مضروب بالسيف، فلمّا نظر إليه عليّ(عليه السلام) ، قال: (﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً(2)، وأنت ممّن ينتظر وممّن لم يبدّل) فقال: يا أمير المؤمنين! أما لو وجدت أعواناً ما كتبت هذه الصحيفة أبداً، أما والله لقد مشيت في الناس ليعودوا إلى أمرهم الأوّل فما وجدت أحداً عنده خير إلّا قليلا(3).

وكان ممّن كتب إلى عثمان بن عفّان مع أصحابه من أهل الكوفة ينصحونه ويدعونه للتقوى والتوبة(4).

وجعله الشيخ المفيد من التابعين لعليّ(عليه السلام) في المدينة(5)، وفي داره اجتمع الشيعة وكتبوا إلى الحسين(عليه السلام) يعزّونه بوفاة الحسن(عليه السلام) ، ويؤكّدون على أنّهم شيعته وشيعة أبيه، وأنّه الخلف من بعد أخيه الحسن(عليه السلام) (6).

____________

1- وقعة صفّين، للمنقري: ٤٠٠ مقتل حوشب.

2- الأحزاب ٣٣: ٢٣.

3- وقعة صفّين، للمنقري: ٥١٩ رأي سليمان بن صرد في الصحيفة، المعيار والموازنة، للإسكافي: ١٨١ كتاب عقيل إلى أخيه أمير المؤمنين(عليه السلام) لمّا خذله الكوفيون (باختلاف يسير).

4- الفتوح، لابن أعثم ٢: ٣٩٠ ذكر كتاب أهل الكوفة إلى عثمان.

5- الجمل: ٥٢ بيعة باقي الشيعة.

6- تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٢٨ وفاة الحسن بن عليّ(عليهما السلام) .


الصفحة 419

ولا يقلّل من مكانته وعلوّ كعبه بعض ما كان له من هنّات الترديد، أو عدم فهم وعجلة في الحكم، مثله مثل آخرين غيره من أصحاب الأئمّة(عليهم السلام) في بعض أيام الأئمّة(عليهم السلام) التي اشتدّ فيها الابتلاء والتمحيص، كما هو الحال في أيام الأنبياء والأوصياء(عليهم السلام) ؛ فقد تخلّف عن عليّ(عليه السلام) يوم الجمل حتّى كاتَبه أمير المؤمنين(عليه السلام) بقوله: (ارتبت وتربّصت وراوغت، وقد كنت من أوثق الناس في نفسي، وأسرعهم في ما أظنّ إلى نصرتي، فما قعد بك عن أهل بيت نبيّك؟ وما زهدك في نصرتهم؟)(1)، ولكنّه أكّد محبّته ونصرته له(عليه السلام) !

وعاتب الإمام الحسن(عليه السلام) بعد سنتين من الصلح بقوله: (ما ينقضي تعجبّنا من بيعتك لمعاوية ومعك أربعون ألف مقاتل من أهل الكوفة، كلّهم يأخذ العطاء وهم على أبواب منازلهم...الخ)(2)، فأجابه الإمام الحسن(عليه السلام) هو ومن معه بما يقنعهم ويشرح لهم الحال.

ومنها: تخلّفه عن نصرة الإمام الحسين(عليه السلام) ، ولكنّه ندم وتاب وثار للأخذ بثأر الحسين(عليه السلام) في عين الورد هو وأصحابه التوّابين..

فمن كلّ هذا يتّضح لك ما كتبه صاحب (المراجعات) في ترجمته من أنّه كان كبير شيعة العراق وصاحب رأيهم، وأنّ من ترجمه أثنى عليه بالفضل والدين والعبادة، وأنّه من المستبصرين بضلال أعداء أهل البيت(عليهم السلام) ، على أنّ السيّد شرف الدين لم يأت بشيء من عنده(3).

____________

1- شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٣: ١٠٥ بقية ردّ المرتضى على ما أورده القاضي عبد الجبار من الدفاع عن عثمان، وقعة صفّين، للمنقري: ٦ سليمان بن صرد والحسين(عليه السلام) .

2- تنزيه الأنبياء، للمرتضى: ٢٢٢ الحسن بن عليّ(عليهما السلام) .

3- المراجعات، لشرف الدين: ١٣٠ المراجعة ١٦ رقم ٣٦.


الصفحة 420

(السهروردي)

« حسين عبد الكريم ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله..

ما رأي علماء المذهب الشيعي بالسهروردي؟ وهل هو من أهل كفر وزندقة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

اشتهر بلقب: (السهروردي) جملة من الأعلام، أبرزهم اثنان:

أحدهم: أبو حفص شهاب الدين عمر بن محمّد الشافعي الصوفي، اشتهر في بغداد وأصبح شيخها، ألّف كتاب (عوارف المعارف)، توفّي سنة (٦٣٢هـ).

والآخر ــ ولعلّه المقصود في السؤال ــ الشيخ شهاب الدين أبو الفتوح يحيى ابن حبش الفيلسوف، صاحب كتاب (حكمة الإشراق)، وكان يُتّهم بانحلال العقيدة، فأفتى علماء حلب بإباحة قتله، فقتله الملك الظاهر بن السلطان صلاح الدين الأيّوبي سنة (٥٨٧هـ) وعمره نحو ست وثلاثين سنة(1).

وقد سلك في فلسفته مسلك الحكماء الفرس الفهلويين، وقد اشتهرت كتبه، وخاصّة (حكمة الإشراق)، وكتاب (هياكل النور)، وكتاب (التلويحات)، وقد كان ذا أثر كبير على صدر الدين الشيرازي، صاحب (الأسفار)، الذي كان يثني عليه كثيراً في كتبه ويسمّيه بـ(الحكيم الاشراقي).

____________

1- الكنى والألقاب، لعبّاس القمّي ٢: ٣٢٦ السهروردي.


الصفحة 421
الصفحة السابقةالصفحة التالية