المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 5) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 5) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 421 - ص 450)

أمّا سبب قتله، فإنّه دخل في مناظرات مع فقهاء حلب، فلم يستطيعوا مجاراته، فسعوا به إلى السلطان فقتله(1)، ولا يمكن دمغه بالإلحاد، ولعلّ من اتّهمه بذلك لم يستطع فهم مراده، ولم يذكروا نصّ ما شنعوا عليه، أو ما ألزموه من قوله في مناظراته، فلربّما لا يعدو ما نسبوه إليه سوى تهمة وحسداً!

(شمر بن ذي الجوشن)

« سيّد أحمد مرحمة ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

يقول البعض: بأنّ الشمر بن ذي الجوشن عليه اللعنة كان قد تربى في كنف أمير المؤمنين(عليه السلام) ، ما مدى صحّة هذا الكلام؟

و يقال أيضاً: أنّه أخ أُمّ البنين(عليها السلام)، ما مدى صحّة ذلك؟

الجواب:

إنّ الشمر بن ذي الجوشن(لعنه الله) كان بعيداً عن أهل البيت(عليهم السلام) ، ولم تكن له مخالطة معهم، حتّى إنّ الحسين(عليه السلام) عندما قال الشمر: (أبشر بالنار)، سأله: من أنت؟ فقال: أنا شمر(2). وهذا دليل على عدم قربه منه وعدم مخالطته المسبقة معه.

وكونه كان من أهل الكوفة، أو أنّه قاتل مع الإمام عليّ(عليه السلام) في إحدى حروبه، لا يعني أنّه ممّن تربى على يد الإمام(عليه السلام) ؛ فكثير من الذين خرجوا مع الإمام(عليه السلام) كانوا

____________

1- سير أعلام النبلاء، للذهبي ٢١: ٢٠٨ ـ١٠٢ـ السهروردي.

2- انظر: مثير الأحزان، لابن نما: ٤٨ المقصد الثاني.


الصفحة 422
ضعيفي الولاء له، حتّى إنّهم خرجوا عليه بعد التحكيم وقاتلوه في معركة النهروان، والإمام عليّ(عليه السلام) كان حاكماً لجميع المسلمين في زمن خلافته، فلا يستكشف من وجود أحد الأشخاص في جيشه أنّه موالٍ له، ومقتدىً بإمامته وعصمته، وغير ذلك من الأمور التي نقول بها نحن الشيعة، ولا يستكشف أيضاً وجود مثل هكذا شخص في دولة الإمام(عليه السلام) ، أو في جيشه، أنّه تربى في كنف الإمام(عليه السلام) ، فالإمام جمع في خلافته كلّ المسلمين الموجودين تحت سيطرته على اختلاف طوائفهم ومعتقداتهم، بل حتّى اليهود والنصارى المرتبطين بذمام مع المسلمين.

وأمّا أنّ الشمر بن ذي الجوشن(لعنه الله) هو أخ أم البنين, فالكلام غير صحيح؛ فأُمّ البنين هي: فاطمة بنت حزام بن خالد بن ربيعة بن عامر بن كلاب(1).

والشمر هو: ابن ذي الجوشن بن الأعور بن بن عمرو بن الضباب بن كلاب(2)، فكلاهما يرجعان إلى كلاب.

وأمّا عبارة الشمر يوم الطفّ: (أين بنو أختنا؟)، فالمراد منها هذا المعنى، وهي كون أُمّهم ــ أُمّ البنين ــ ينتهي نسبها مع نسبه في كلاب، وليس المراد من الأُخت المعنى الحقيقي.

____________

1- عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب، لابن عنبة: ٣٥٦، مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج: ٥٣ عبد الله بن علي بن أبي طالب.

2- مقتل الحسين، لأبي مخنف: ١١٤، جمهرة أنساب العرب، لابن حزم: ٢٨٧ وهؤلاء بنو الضباب بن كلاب بن ربيعة.


الصفحة 423

(صاحبات الرايات)

« علي الجابري ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم..

أرجو التفضل بإعطائي معلومات عن صاحبات الرايات الحمراء في الجاهلية، واللواتي أصبح أبناؤهنّ وأحفادهن رجالات الدولة الإسلامية وحكّامها، مع ذكر المصادر التاريخية كما عودتمونا.

وجزاكم الله خير الجزاء.

ملاحظة: هناك مقال نشره كاتب مصري حول بغايا العرب في الجاهلية أرسلته لصديق لي من أهل السُنّة، فهاله الأمر، وقال: إنّ الكاتب هذا لا يعول عليه تاريخياً.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نذكر لك بعض النساء من صاحبات الرايات، وإن كانت بعض المصادر شيعية ومتأخّرة، إلّا أنّهم ينقلون عن مصادر تاريخية قديمة:

ففي (الغدير) للشيخ الأميني، قال: (...كانت أُمّه ليلى أشهر بغي بمكّة، وأرخصهن أجرة, ولمّا وضعته ادّعاها خمسة كلّهم أتوها، غير أنّ ليلى ألحقته بالعاص لكونه أقرب شبهاً به, وأكثر نفقة عليها..

ذكرت ذلك أروى بنت الحارث بن عبد المطلب لمّا وفدت إلى معاوية، فقال لها: مرحباً بك يا عمّة؟ فكيف كنت بعدنا؟


الصفحة 424

فقالت: يا بن أخي؟ لقد كفرت يد النعمة, وأسأت لابن عمّك الصحبة, وتسمّيت بغير اسمك, وأخذت غير حقّك, من غير بلاء كان منك ولا من آبائك, ولا سابقة في الإسلام, ولقد كفرتم بما جاء به محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأتعس الله منكم الجدود, وأصعر منكم الخدود, حتّى ردّ الله الحقّ إلى أهله, وكانت كلمة الله هي العليا, ونبيّنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) هو المنصور على من ناوأه ولو كره المشركون..

فكنّا أهل البيت أعظم الناس في الدين حظاً ونصيباً وقدراً، حتّى قبض الله نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) مغفوراً ذنبه, مرفوعاً درجته, شريفاً عند الله مرضياً, فصرنا أهل البيت منكم بمنزلة قوم موسى من آل فرعون يذبّحون أبناءهم، ويستحيون نساءهم, وصار ابن عمّ سيّد المرسلين فيكم بعد نبيّنا بمنزلة هارون من موسى، حيث يقول: يا بن أُم إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني.

ولم يجمع بعد رسول الله لنا شمل, ولم يسهل لنا وعر, وغايتنا الجنّة, وغايتكم النار.

فقال لها عمرو بن العاص: أيّتها العجوز الضالّة؟ أقصري من قولك, وغضّي من طرفك.

قالت: ومن أنت؟ لا أُمّ لك. قال: عمرو بن العاص. قالت: يا بن اللخناء النابغة، تتكلّم وأُمّك كانت أشهر امرأة بمكّة، وآخذهن للأجرة, أربع على ظلعك، وأعن بشأن نفسك، فوالله ما أنت من قريش في اللباب من حسبها ولا كريم منصبها, ولقد ادّعاك ستّة نفر من قريش كلّ يزعم أنّه أبوك، فسُئلت أُمّك عنهم؟ فقالت: كلّهم أتاني فانظروا أشبههم به فألحقوه به. فغلب عليك شبه العاص بن وائل، فلحقت به, ولقد رأيت أُمّك أيام منى بمكّة مع كلّ عبد عاهر,


الصفحة 425

فأتمّ بهم، فإنك بهم أشبه.

وقال الإمام السبط الحسن الزكي(سلام الله عليه) بمحضر من معاوية وجمع آخر: (أمّا أنت يا بن العاص، فإنّ أمرك مشترك, وضعتك أُمّك مجهولاً من عهر وسفاح, فتحاكم فيك أربعة من قريش، فغلب عليك جزارها, ألأمهم حسباً, وأخبثهم منصباً, ثم قام أبوك، فقال: أنا شانئي محمّد الأبتر، فأنزل الله فيه ما أنزل.

وعدّه الكلبي أبو المنذر هشام المتوفّى ٢٠٦ في كتابه (مثالب العرب) الموجود عندنا، ممّن يدين بسفاح الجاهلية, وقال في باب (تسمية ذوات الرايات): وأمّا النابغة أُمّ عمرو بن العاص: فإنّها كانت بغيّاً من طوائف مكّة، فقدمت مكّة ومعها بنات لها, فوقع عليها العاص بن وائل في الجاهلية في عدّة من قريش، منهم: أبو لهب, وأُميّة بن خلف, وهشام بن المغيرة, وأبو سفيان بن حرب, في طهر واحد، فولدت عمراً، فاختصم القوم جميعاً فيه، كلّ يزعم أنّه ابنه, ثمّ إنّه أضرب عنه ثلاثة، وأكبّ عليه اثنان: العاص بن وائل, وأبو سفيان بن حرب، فقال أبو سفيان: أنا والله وضعته في حر أُمّه. فقال العاص: ليس هو كما تقول، هو ابني، فحكّما أُمّه فيه، فقالت: للعاص. فقيل لها بعد ذلك: ما حملك على ما صنعت وأبو سفيان أشرف من العاص؟ فقالت: إنّ العاص كان ينفق على بناتي, ولو ألحقته بأبي سفيان لم ينفق علي العاص شيئاً، وخفت الضيعة, وزعم ابنها عمرو بن العاص: إنّ أُمّه امرأة من غنزة بن أسد بن ربيعة.

وكان الزناة الذين اشتهروا بمكّة جماعة، منهم هؤلاء المذكورون، وأُميّة ابن عبد شمس, وعبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص أخو مروان بن الحكم, وعتبة بن أبي سفيان أخو معاوية, وعقبة بن أبي معيط.


الصفحة 426

وعدّه الكلبي من الأدعياء في باب (أدعياء الجاهلية)، وقال: قال الهيثم: ومن الأدعياء عمرو بن العاص, وأُمّه النابغة حبشية, وأخته لأُمّه أرينب (بضم الألف)، وكانت تدعى لعفيف بن أبي العاص, وفيها قال عثمان لعمرو بن العاص: لمن كانت تدعى أختك أرينب يا عمرو؟ فقال: لعفيف بن أبي العاص. قال عثمان: صدقت. انتهى.

وروى أبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفّى ٢٠٩ في كتاب (الأنساب): إنّ عمراً اختصم فيه يوم ولادته رجلان: أبو سفيان, والعاص, فقيل: لتحكم أُمّه، فقالت: إنّه من العاص بن وائل.

فقال أبو سفيان. أما إنّي لا أشكّ أنّني وضعته في رحم أُمّه، فأبت إلّا العاص، فقيل لها: أبو سفيان أشرف نسباً. فقالت: إنّ العاص بن وائل كثير النفقة علَيَّ، وأبو سفيان شحيح.

ففي ذلك يقول حسّان بن ثابت لعمرو بن العاص حيث هجاه مكافئاً له عن هجاء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):


أبوك أبو سفيان لا شكّ قد بدتلنا فيك منه بيّنات الدلائل
ففاخر به أما فخرت ولا تكنتفاخر بالعاص الهجين بن وائل
وإنّ التي في ذاك يا عمرو حكمتفقالت رجاء عند ذاك لنائل
من العاص عمرو تخبر الناس كلّماتجمّعت الأقوام عند المحامل

وقال الزمخشري في (ربيع الأبرار): كانت النابغة أُمّ عمرو بن العاص أمة لرجل من عنزة (بالتحريك)، فسبيت، فاشتراها عبد الله بن جذعان التيمي بمكّة، فكانت بغيّاً. ثمّ ذكر نظير الجملة الأُولى من كلام الكلبي، ونسب الأبيات


الصفحة 427

المذكورة إلى أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب.

وقال: جعل لرجل ألف درهم على أن يسأل عمرو بن العاص عن أُمّه ولم تكن بمنصب مرضي، فأتاه بمصر أميراً عليها، فقال: أردت أن أعرف أُمّ الأمير.

فقال: نعم, كانت امرأة من عنزة, ثم من بني جلان، تسمّى: ليلى، وتلقّب: النابغة, اذهب وخذ ما جعل لك.

وقال الحلبي في (سيرته ١ص٤٦) في نكاح البغايا ونكاح الجمع: من أقسام نكاح الجاهلية: الأوّل: أن يطأ البغي جماعة متفرّقين، واحداً بعد واحد، فإذا حملت وولدت ألحق الولد بمن غلب عليه شبهه منهم.

الثاني: أن تجتمع جماعة دون العشرة، ويدخلون على امرأة من البغايا ذوات الرايات، كلّهم يطؤوها، فإذا حملت ووضعت ومرّ عليها ليال بعد أن تضع حملها، أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل أن يمتنع حتّى يجتمعوا عندها، فتقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، وهو ابنك يا فلان. تسمّي من أحبّت منهم، فيلحق به ولدها، لا يستطيع أن يمتنع منهم الرجل إن لم يغلب شبهه عليه..

وحينئذ يحتمل أن تكون أُمّ عمرو بن العاص من القسم الثاني؛ فإنّه يقال: إنّه وطئها أربعة، هم: العاص, وأبو لهب, وأميّة, وأبو سفيان, و ادّعى كلّهم عمراً، فألحقته بالعاص لإنفاقه على بناتها)(1).

وفي (أنساب الأشراف) للبلاذري: (وحدّثني عبّاس بن هشام الكلبي, عن أبيه، قال: دخل عقيل على معاوية، فقال له: يا أبا يزيد أيّ جدّاتكم في الجاهلية

____________

1- الغدير ٢: ١٢١ ــ ١٢٤.


الصفحة 428

شرّ؟ قال: حمامة. فوجم معاوية.

قال هشام: وحمامة جدّة أبي سفيان، وهي من ذوات الرايات في الجاهلية.

المدائني, عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال: قال معاوية لعقيل بن أبي طالب: ما أبين الشبق في رجالكم يا بني هاشم؟!! قال: لكنّه في نسائكم يا بني أُميّة أبين!)(1).

وفي (موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) في الكتاب والسُنّة والتاريخ)، قال: (وكانت سميّة من ذوات الرايات بالطائف، تؤدّي الضريبة إلى الحارث بن كلدة, وكانت تنزل بالموضع الذي تنزل فيه البغايا بالطائف، خارجاً عن الحضر، في محلّة يقال لها: حارة البغايا)(2).

وقال في موضع آخر: (وتقدّم أبو مريم السلولي، فقال: ما أدري ما شهادة علَيَّ, ولكنّي كنت خمّاراً بالطائف, فمر بي أبو سفيان منصرفاً من سفر له, فطعم وشرب, ثم قال: يا أبا مريم طالت الغربة, فهل من بغي؟ فقلت: ما أجد لك إلّا أمة بني عجلان. قال: فائتني بها على ما كان من طول ثدييها، ونتن رفغها, فأتيته بها, فوقع عليها, ثم رجع إليَّ فقال لي: يا أبا مريم, لاستلت ماء ظهري استلالاً، تثيب ابن الحبل في عينها)(3).

وفي (الغارات) لإبراهيم بن محمّد الثقفي: (...رأى معاوية أنّه قد أغضب جلساءه, قال: يا أبا يزيد ما تقول فيَّ؟

قال: دع عنك.

____________

1- أنساب الأشراف: ٧٢.

2- موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) في الكتاب والسنة والتاريخ ١٢: ١٢٥ ـ٦٥١٠ـ.

3- موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) في الكتاب والسنة والتاريخ ١٢: ١٢٦ ـ٦٥١١ـ.


الصفحة 429

قال: لتقولّن.

قال: أتعرف حمامة؟

قال: ومن حمامة؟

قال: أخبرتك, ومضى عقيل.

فأرسل معاوية إلى النسّابة, قال: فدعاه فقال: أخبرني من حمامة؟ قال: أعطني الأمان على نفسي وأهلي, فأعطاه, قال: حمامة جدّتك، وكانت بغيّة في الجاهلية, لها راية تؤتى.

قال الشيخ: قال أبو بكر بن زبين: هي أُمّ أُمّ أبي سفيان)(1).

وفي (شرح نهج البلاغة) لابن أبي الحديد: (...ثمّ قال: من هذا عن يمينك يا معاوية؟ قال: هذا عمرو بن العاص. قال: هذا الذي اختصم فيه ستّة نفر, فغلب عليه جزار قريش، فمن الآخر؟ قال: الضحّاك بن قيس الفهري، قال: أمّا والله لقد كان أبوه جيد الأخذ لعسب التيوس, فمن هذا الآخر؟ قال أبو موسى الأشعري, قال: هذا ابن السراقة.

فلمّا رأى معاوية أنّه قد أغضب جلساءه, علم أنّه إنّ استخبره عن نفسه, قال فيه سوءاً, فأحبّ أن يسأله ليقول فيه ما يعلمه من السوء, فيذهب بذلك غضب جلسائه, قال: يا أبا يزيد, فما تقول فيَّ؟

قال: دعني من هذا!

قال: لتقولنّ.

قال: أتعرف حمامة؟

____________

1- الغارات ١: ٦٥.


الصفحة 430

قال: ومن حمامة يا أبا يزيد؟

قال: قد أخبرتك, ثم قام فمضى.

فأرسل معاوية إلى النسّابة, فدعاه, فقال: من حمامة؟ قال: ولي الأمان! قال: نعم, قال: حمامة جدّتك أُمّ أبي سفيان, كانت بغيّاً في الجاهلية صاحبة راية, فقال معاوية لجلسائه: قد ساويتكم وزدت عليكم فلا تغضبوا)(1).

وفي (فضائل أمير المؤمنين(عليه السلام) ) لابن عقدة الكوفي: (ومررت على عسكرك، فإذا أوّل من استقبلني أبو الأعور وطائفة من المنافقين والمنفّرين برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، إلّا أنّ أبا سفيان ليس فيهم. فكفّ عنه حتّى إذا ذهب الناس قال له: يا أبا يزيد, أيش صنعت بي؟ قال: ألم أقل لك: في الجماعة أو في الوحدة, فأبيت علَيَّ؟ قال: أمّا الآن فاشفني من عدوي. قال: ذلك عند الرحيل.

فلمّا كان من الغد شدّ غرائره ورواحله, وأقبل نحو معاوية, وقد جمع معاوية حوله, فلمّا انتهى إليه قال: يا معاوية! من ذا عن يمينك؟ قال: عمرو بن العاص. فتضاحك، ثمّ قال: لقد علمت قريش أنّه لم يكن أحصى لتيوسها من أبيه, ثم قال: من هذا؟ قال: هذا أبو موسى. فتضاحك، ثمّ قال: لقد علمت قريش بالمدينة أنّه لم يكن بها امرأة أطيب ريحاً من قب أُمّه.

قال: أخبرني عن نفسي يا أبا يزيد. قال: تعرف حمامة؟ ثم سار, فألقي في خلد معاوية, قال: أُمٌّ من أمهاتي لست أعرفها!

____________

1- شرح نهج البلاغة ٢: ١٢٥.


الصفحة 431

فدعا بنسّابين من أهل الشام, فقال: أخبراني عن أُمّ من أُمّهاتي يقال لها حمامة لست أعرفها؟ فقالا: نسألك بالله لا تسألنا عنها اليوم. قال: أخبراني أو لأضربنّ أعناقكما, لكما الأمان. قالا: فإنّ حمامة جدّة أبي سفيان السابعة وكانت بغيّاً, وكان لها بيت توفي فيه)(1).

وفي (الغدير)، قال: (وفي (العقد الفريد ٣: ٣): يقال: إنّ أبا سفيان خرج يوماً وهو ثمل إلى تلك الرايات، فقال لصاحبة الراية: هل عندك من بغي؟ فقالت: ما عندي إلّا سميّة. قال: هاتها على نتن إبطيها. فوقع بها فولدت له زياداً على فراش عبيد)(2).

وفي (جواهر التاريخ) للشيخ علي الكوراني العاملي، قال: (وفي المناقب والمثالب للقاضي النعمان/٢٤٣: روى الكلبي: عن أبي صالح, والهيثم: عن محمد بن إسحاق, وغيره: أنّ معاوية كان لغير رشدة, وأنّ أُمّه هند بنت عتبة كانت من العواهر المعلمات (ذات العلم)، اللواتي كنّ يخترن على أعينهن, وكان أحبّ الرجال إليها السود, وكانت إذا علقت من أسود فولدت له قتلت ولدها منه!...

قالوا: وكان معاوية يعزى (ينسب) إلى ثلاثة: إلى مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس, وإلى عمارة بن الوليد بن المغيرة, وإلى العبّاس بن عبد المطلب, وكان أبو سفيان يصحبهم وينادمهم, ولم يكن أحد يصحبه إلّا رمي بهند, لما كان يعلم من عهرها... وكان مسافر جميلاً, وكانت هند تختار على

____________

1- فضائل أمير المؤمنين(عليه السلام) : ٤٠.

2- الغدير ١٠: ٢٢٤.


الصفحة 432

أعينها، فأعجبها، فأرسلت إليه، فوقع بها، فحملت منه بمعاوية, فجاء أشبه الناس به جمالاً وتماماً وحسناً, وكان أبو سفيان دميماً قصيراً أخفش العينين, فكلّ من رأى معاوية ممّن رأى مسافراً ذكره به!

فأمّا الصباح فكان شاباً من أهل اليمن, أسود له جمال في السودان, وكان عسيفاً (أجيراً) لأبي سفيان، فوقع بها، فجاءت منه بعتبة، فلمّا قرب نفاسها خرجت إلى أجياد لتضعه هنالك وتقتله, كما كانت تفعل بمن تحمل به من السودان, فلمّا وضعته رأت البياض غلب عليه وأدركتها حنّة فأبقته ولم تنبذه)(1).

(صلاح الدين الأيّوبي)

« دنيا ــ البحرين »

السؤال:

هل حقّاً أنّ صلاح الدين الأيّوبي ممّن يعادي الشيعة؟ وما الدليل على ذلك؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

المعروف عن صلاح الدين الأيّوبي قضاؤه على دولة الفاطميّين الشيعية في مصر ــ تُعدّ من أهمّ الدول الشيعية ــ فغدر بهم وقتلهم ولاحقهم وشرّدهم، حتّى عرف بأنّه سيئة في التاريخ الشيعي.

وبإمكانك الرجوع إلى الكتب التاريخية، كـ(الكامل في التاريخ) لابن

____________

1- جواهر التاريخ ٢: ٧٨.


الصفحة 433

الأثير؛ إذ ذكر في حوادث سنة (٥٦٦هـ): أنّه عزل قضاة المصريين، وكانوا شيعة، وأقام قاضياً شافعياً.. وفي سنة (٥٦٧هـ) قطع الخطبة للعاضد الفاطمي وخطب للخليفة العبّاسي المستضيء، ثمّ استولى على القصر بعد وفاة العاضد، وأنهى الدولة الفاطمية(1)، ومثل ذلك في (البداية والنهاية)(2).

وقال الذهبي في (سير أعلام النبلاء): (تلاشى أمر العاضد مع صلاح الدين إلى أن خلعه وخطب لبني العبّاس، واستأصل شأفة بني عبيد، ومحق دولة الرفض)(3).

تعقيب:

« إبراهيم محمّد جواد ــ إمامي »

اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد.. اللّهمّ كن لوليك الحجّة ابن الحسن، صلواتك عليه وعلى آبائه، في هذه الساعة وفي كلّ ساعة، وليّاً وحافظاً، وقائداً وناصراً، ودليلاً وعيناً، حتّى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتّعه فيها طويلاً، برحمتك يا أرحم الراحمين.

مقدّمـة:

يحار المرء في الوصول إلى حقيقة شخصية صلاح الدين، وسبر أغوار نفسيّته المقلقة، خاصّة وهو بطل معركة حطّين، التي انتهت في الرابع من تموز

____________

1- الكامل في التاريخ ١٢: ٣٦٦ حوادث سنة ٥٦٦هـ، و ١٢: ٣٦٩ حوادث سنة ٥٦٧هـ.

2- البداية والنهاية، لابن كثير ١٢: ٣٢٧ حوادث سنة ٥٦٦هـ، ١٢: ٣٢٨ حوادث سنة ٥٦٧هـ.

3- سير أعلام النبلاء ١٥: ٢١١ ـ٧٨ـ العاضد.


الصفحة 434

عام ١١٨٧م بتحرير القدس من أيدي الصليبيين، وتحقيق نصر مؤزّر عليهم.

ولكنّ المنصف إذا أبحر بعمق، في سفينة المؤرّخ والمفكّر الكبير السيّد حسن الأمين عبر كتابه (صلاح الدين الأيّوبي بين العبّاسيين والفاطميين والصليبيين)، يمكن أن يصل إلى شاطئ فيه كثير من الصور واللوحات، التي تعبّر إن لم يكن عن كلّ الحقيقة فعن أكثرها جلاء في حياة هذا الرجل.

يقول السيّد الأمين: إنّ صلاح الدين الأيّوبي (لم يكد يطمئن إلى النصر الرائع في تلك المعركة، حتّى أسرع إلى القيام بعمل لا يكاد الإنسان يصدّقه، لولا أنّه يقرأ بعينيه تفاصيله الواضحة، في ما سجّله مؤرّخو تلك الحقبة، المؤرّخون الذين خدّرت عقولهم روائع استرداد القدس، فذهلوا عمّا بعده، لم تتخدّر أقلامهم فسجّلوا الحقائق كما هـي، وظلّ تخدير العقول متواصلاً من جيل إلى جيل، تتعامى حتّى عمّا هـو كالشمس الطالعة، حصل بعد حطين أنّ صلاح الدين الأيّوبي آثر الراحة بعد العناء، والتسليم بعد التمرّد، فأسرع يطلب إلى الإفرنج إنهاء حالة الحرب وإحلال السلام)(1).

ولكي يتوصّل صلاح الدين إلى إحلال السلام وإنهاء حالة الحرب مع الصليبيين، رضخ بصورة مذهلة وغريبة إلى كلّ الشروط التي اشترطوها عليه أثناء المفاوضات، ومنها: التنازل للصليبيين عن الكثير من المدن التي كان صلاح

____________

1- صلاح الدين الأيّوبي بين العبّاسيين والفاطميين والصليبيين، لحسـن الأمين: ١٤٤.
ومن الطريف أنّ (العادل) وهو أخو صلاح الدين ومندوبه الذي فاوض الصليبيين، حاول إغراء ريتشارد قلب الأسد ملك الإنكليز أن يزوّجه أخته، فتتوحّد المصالح وتمتزج الأهداف. (صلاح الدين الأيّوبي بين العبّاسيين والفاطميين والصليبيين: ١٢٤ ــ ١٢٥ ينقله عن: (الفتح القسي في الفتح القدسي: ٢٩٠)، للعماد الأصفهاني.


الصفحة 435

الدين قد استردها منهم بالحرب.. حيفا ــ يافا ــ قيسارية ــ نصف اللد، ونصف الرملة ــ عكا ــ صور ــ وسوى ذلك، حتّى صارت لهم فلسطين إلّا القليل(1).

إضافة إلى ما وراء ذلك من اعتراف بوجودهم وإقرار لاحتلالهم، ورفع العنت والمعاناة عن رقابهم الموضوعة تحت سيوف المجاهدين، وإعطائهم الفرصة الذهبية للراحة، والاستعداد التام للانقضاض على القدس من جديد، الأمر الذي حصل فعلاً بعد موت صلاح الدين.

ويقول الدكتور حسين مؤنس: (ثمّ دخلوا في مفاوضات مع صلاح الدين انتهت بعقد صلح (الرملة)، الذي نصّ على أن يترك صلاح الدين للصليبيين شريطاً من الساحل، يمتد من صور إلى يافا، وبهذا العمل عادت مملكة بيت المقدس ــ التي انتقلت إلى طرابلس ــ إلى القوّة بعد أن كانت قد انتهت، وتمكّن ملوكها من استعادة الساحل حتّى بيروت... وبذلك تكون معظم المكاسب التي حقّقها صلاح الدين ــ فيما عدا استعادته لبيت المقدس ــ قد ضاعت)(2).

متى يكون الجنوح للسلم؟

إنّه لأمر غريب حقّاً وعجيب جدّاً، بل ومريب، أن يجنح إلى السلم قائد مظفّر لجيش منتصر، ثمّ إنّ هذا الذي جنح إليه صلاح الدين، هل هو سلم أم استسلام؟!

____________

1- انظر في المدن التي نزل عنها صلاح الدين للصليبيين كتاب: (الأعلاق الخطيرة في أمراء الشام والجزيرة: ١٧٣ ــ ١٨٤، و٢٥٩) للقاضي صلاح الدين بهاء الدين بن شداد.

2- أطلس تاريخ الإسلامي: ٢٦٩ الفصل الثاني عشر.


الصفحة 436

قال الله تعالى في محكم التنزيل: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ(1).

يلاحظ أنّ الله سبحانه وتعالى قد اشترط في هذه الآية الكريمة أن يجنح المعتدون أنفسهم إلى السلم، فيجنح إليه عندئذ المسلمون، وهذا يعني أنّ الهزيمة الأكيدة قد حاقت بالأعداء، ولاحت لهم بوادرها، فجبنوا عن متابعة الحرب، وجنحوا إلى طلب الصلح حفظاً على أرواحهم وأنفسهم، ولم يعودوا مؤهّلين إلى تقديم شروط، وباتوا مستعدّين للاستجابة للشروط التي يفرضها عليهم المسلمون..

وغني عن البيان أنّ المسلمين بما هم مكلّفون بتبليغ الإسلام إلى البشرية جمعاء، وبما هم مأمورون به من العدل والإنصاف، وتأليف قلوب الكفّار ليسلموا لله ويؤمنوا بالحقّ الذي جاء من عنده، لن يشتطّوا في شروطهم، ولن يجعلوها شروطاً تعجيزية مجحفة، بل سيقتصرون من الشروط على سبيل المثال لا الحصر على:

ــ فتح الطريق أمام حرّية الدعاة في التبليغ ونشر نور الرسالة الربانية.

ــ استرداد الأسرى من المؤمنين ــ إن كان هناك أسرى ــ أو تبادلهم مع الأسرى من الكفّار المقاتلين.

ــ الجلاء التام الكامل عن كلّ شبر من الأرض الإسلامية، التي دخلها الكفّار أو احتلوها أثناء الحرب.

ــ وربّما دفع جزية للمسلمين، حتّى لا يفكّر الكفّار مستقبلاً في نقض هذه

____________

1- الأنفال ٨: ٦١.


الصفحة 437

الشروط.

ولكنّ شيئاً من هذا لم يحصل بين صلاح الدين الأيّوبي والصليبيين المعتدين، فما الذي حصل إذاً؟

١ــ إنّ صلاح الدين هو الذي طلب الصلح والهدنة، وبادر إليها، رغم أنّه المنتصر في معركة حطّين التي انتهت بتحرير القدس.

٢ــ الصليبيون استغلّوا استغلالاً كبيراً هذه المبادرة السلمية من صلاح الدين، وفرضوا عليه شروطهم كاملة.

٣ــ لم يحقّق صلاح الدين أيّاً من مقتضيات الجنوح الإسلامي إلى السلم، فالصليبيون لا يزالون محتلّين لمنطقة كبيرة جدّاً من البلاد الإسلامية.

٤ــ وزاد من سوء هذا الجنوح إلى السلم تنازل صلاح الدين للصليبيين عن مناطق أُخرى ومدن مهمة كانت في يد صلاح الدين.

كلّ هذا في الوقت الذي لم يكن فيه صلاح الدين في حالة ضعف أو تقهقر، بل كان في حالة عظيمة من الانتصار والتقدّم والقوّة، بل وكان الخليفة الناصر العبّاسي يلحّ عليه في أن يمدّه بجيش الخلافة، وكان ذلك إيذاناً بنصر كاسح على الصليبيين المعتدين، سيؤدّي إلى طردهم خارج البلاد الإسلامية، والتنكيل بهم تنكيلاً يجعل الرعب يدب في قلوب من خلفهم من الكفّار، بحيث لا يراودهم أي أمل ولو في مجرد التفكير مستقبلاً بالاعتداء على ديار المسلمين، طبقاً لقوله عزّ من قائل: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ(1).

____________

1- الأنفال ٨: ٥٧.


الصفحة 438

لماذا جنح صلاح الدين إلى السلام مع الصليبيين؟

هنا لا بدّ أن يثور في الفكر سؤال كبير، وبحث عن السبب الذي دفع صلاح الدين إلى إيقاف الحرب مع الصليبيين، والجنوح الشديد نحو مسالمتهم وعقد معاهدة الصلح معهم بهذا الشكل المريب، وهو السؤال الذي لم يبخل التاريخ بالإجابة عنه بصراحة ووضوح، ومن قبل أقرب المقربين من المؤرّخين إلى صلاح الدين.

لو كان صلاح الدين مجاهداً في سبيل الله والإسلام، لالتزم بالتعاليم الإسلامية بشكل عامّ، وبالأحكام المتعلّقة بالسلم والحرب بشكل خاص، وواقع الحال يؤكّد غير ذلك(1).

ولو كان صلاح الدين بطلاً قومياً، كما يدّعون له، لاختار أن يستمر في الحرب حتّى يطّهر الأرض العربية من رجس الغزاة المعتدين، ويكنس منها كلّ أثر للصليبيين، قبل أن يفكّر بالخلود إلى الراحة والدعة، وموادعة أعداء الأُمّة،

____________

1- يقول المقدسي، المعروف بـ(أبي شامة)، في (كتاب الروضتين في أخبار الدولتين ــأي: النورية والصلاحية ــ: ١٦٠ في أخبار سنة ٥٦٤هـ) ــ: (فأرسل الخليفة العاضد إلى صلاح الدين، يأمره بالحضور في قصره ليخلع عليه الوزارة، ويولّيه بعد عمّه).

ويقول ابن شدّاد في (النوادر السلطانية في ذكر وفاة أسد الدين ومصير السلطان إليه): (وشكر ــ أي: صلاح الدين ــ نعمة ربّه، فتاب عن الخمر، وأعرض عن أسباب اللهو).

ويذكر ذلك أيضاً: ابن العديم في (زبدة الحلب في تاريخ حلب ٢: ٣٢٨ موت أسد الدين)، وأبو الفداء في تاريخه، والذهبي في (سير أعلام النبلاء ٢١: ٢٨٢ ـ٢٨٢ـ صلاح الدين وبنوه)، وسواهم، ويعلّق السيّد حسن الأمين على ذلك بقوله: (وإذا كان هؤلاء قد اعترفوا، بأنّ صلاح الدين كان سِكّيراً مدمناً على الخمر قبل تولّيه الوزارة، فالله وحده يعلم هل تاب أو لا؟!). انظر: صلاح الدين الأيّوبي بين الفاطميين والعبّاسيين والصليبيين، للسيّد الأمين: ١٨٥ ــ ١٨٦.


الصفحة 439

الرابضين في أهم مدنها وبقاعها، الجاثمين فوق صدور أبنائها.

فماذا كان صلاح الدين الأيّوبي إذاً؟

إنّه لا مفرّ أمامنا من الاعتراف: أنّ صلاح الدين الأيّوبي ما هو إلّا طالب لسلطة وملك حازهما بكلّ خسّة ونذالة، وطامح لمجد شخصي ناله بالغدر والخيانة، ولم تكن الدواعي الإسلامية والدوافع القومية لتخطر على باله، أو لتحتل حيّزاً ولو صغيراً في قلبه.

ومن هنا فقط، نستطيع أن نفهم مبادرته لإيقاف الحرب، وسعيه الحثيث لعقد الصلح مع الصليبيين، ومحاولاته المتكرّرة لثني الخليفة العبّاسي الناصر عن إرسال أي جيش إلى فلسطين لمعاضدة صلاح الدين في قتال الصليبيين وطردهم من الديار الإسلامية(1).

كان نور الدين زنكي، ولي نعمة صلاح الدين، قد طلب إليه أن يزحف من مصر، في حين يزحف نور الدين من الشام، ويحصرا الصليبيين بين الجيشين ممّا يسهّل القضاء عليهم، فأبى ذلك صلاح الدين؛ لأنّه اعتقد أنّه إذا زال الصليبيون أصبح تابعاً لنور الدين، ولمّا أدرك أنّ نور الدين عازم على القدوم بنفسه إلى مصر ليؤدّبه، احتمى منه بالصليبيين، كما نصّ على ذلك: ابن الأثير وأبو شامة وابن العديم، وغيرهم(2).

____________

1- للوقوف على تفاصيل المراسلات بين الخليفة الناصر العبّاسي وبين صلاح الدين، يراجع كتاب (الفتح القسّي في الفتح القدسي) لعماد الدين الأصفهاني، الذي كان من حاشية صلاح الدين ومن أقرب المقرّبين إليه، وكان يرافقه في حلّه وترحاله، ويسجل ما يحلو له تسجيله من وقائع وأحوال صلاح الدين.

2- صلاح الدين الأيّوبي بين العبّاسيين والفاطميين والصليبيين، لحسن الأمين: ١١٧ ــ ١١٨.


الصفحة 440

يقول أبو شامة نقلاً عن ابن الأثير: (وكان نور الدين قد شرع بتجهيز السير إلى مصر لأخذها من صلاح الدين؛ لأنّه رأى منه فتوراً في غزو الفرنج من ناحيته، فأرسل إلى الموصل وديار الجزيرة وديار بكر، يطلب العساكر ليتركها بالشام لمنعه من الصليبيين، ليسير هو بعساكره إلى مصر، وكان المانع لصلاح الدين من الغزو: الخوف من نور الدين؛ فإنّه كان يعتقد أنّ نور الدين متى زال عن طريقه الفرنج، أخذ البلاد منه، فكان يحتمي بهم عليه ولا يؤثر استئصالهم)(1).

وياليت الله مدّ في عمر نور الدين ريثما يزيل هذا الجاحد للنعمة، المتخاذل عن النصرة، فيتغير بذلك وجه التاريخ، ولا يبقى للصليبيين أثر في البلاد الإسلامية، ولكنّ نور الدين أتاه أمر الله الذي لا يرد، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، ولتكون أمام صلاح الدين الفرصة ليعيد هذا الموقف نفسه مرّة ثانية مع الخليفة الناصر العبّاسي، (ولتنكب الأمّة نكبة أُخرى بتمزيق صفوفها، وتوريث بلادها كما تورث القرى والمزارع لورثة صلاح الدين، فتعاد القدس التي سفكت دماء المسلمين في سبيل استردادها، تعاد بسبب ترتيبات صلاح الدين إلى الصليبيين)(2).

(هنا أيضاً وقف صلاح الدين الموقف نفسه من الخليفة الناصر، فرفض قدوم جيش الخلافة لقتال الصليبيين والقضاء عليهم؛ لأنّه اعتقد أنّه سيصبح والياً من ولاة الخليفة تابعاً له)(3).

____________

1- الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية ١: ٢٢٨ لعبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي، المعروف بـ(أبي شامة). وذكر مثله ابن الأثير وابن النديم وسواهما من المؤرّخين.

2- صلاح الدين الأيّوبي بين العبّاسيين والفاطميين والصليبيين، لحسـن الأمين: ١٥٨ ــ ١٥٩.

3- صلاح الدين الأيّوبي بين العبّاسيين والفاطميين والصليبيين: ١١٨.


الصفحة 441

وأمام الرسالة الأخيرة التي أرسلها الخليفة الناصر، والتي لم يفصح العماد الأصفهاني عن شيء من مضمونها، والتي استشعر صلاح الدين الشدّة فيها، والإصرار على إرسال جيش قوي لطرد الصليبيين، قرّر صلاح الدين في نفسه التمرّد على الخليفة، إلى حدّ قتال جيشه لو جاء إلى فلسطين.

ولذلك فقد راح يهيئ وسائل المقاومة ويرتب المحالفات، وخاصّة بعدما جاءت الأخبار بقدوم حملة صليبية ألمانية كبيرة، اجتازت القسطنطينية وشقّت طريقها في الأناضول، ودخلت مدينة قونيه وتحالفت مع الملك السلجوقي قلج أرسلان.

فمن جهة حاول صلاح الدين أن يلين للخليفة الناصر، ويطمئنه على قدرته على القيام وحده بواجب صدّ هذه الحملة وردّها على أعقابها، فأوفد رسولاً إليه، وزوّده برسالة يقول فيها: (والخادم منفرد في عبء هذا الفادح الباهظ بالنهوض، وهو واثق بأنّ بركات الدار العزيزة تدركه ولا تتركه، وأنّ الذي يستبعد مـن النصر القريب يتّسق ويتّسع بـه سلكه ومسلكه إن شـاء الله)(1).

ومن جهة ثانية، كان يوقّع معاهدة الصلح والسلام مع الصليبيين، وينزل عند شروطهم، ويتنازل لهم عمّا كان في يده وتحت سلطانه من مدن فلسطين وغير فلسطين، ويتحالف معهم لقتال جيش الخليفة إن هو جاء إلى فلسطين.

فما أن تمّ له إنجاز هذا التحالف واستكمال متطلباته، حتّى كتب إلى الخليفة معلناً رفض أمراء جيشه مواصلة القتال، وبالتالي تململهم من قدوم جيش الخليفة؛ لأنّ العسكر قد أنهكتهم الحرب حتّى سئموا وملّوا وضجروا وكلّوا(2).

____________

1- انظر: نص الرسالة في كتاب العماد الأصفهاني المتقدّم ذكره.

2- للوقوف على تفاصيل مفاوضات صلاح الدين مع الصليبيين وصولاً إلى عقد الهدنة وإحلال السلام بينهما، ورسائل صلاح الدين إلى الخليفة الناصر يمكن الـرجوع إلى كتاب: (الفتح القسّي في الفتح القدسي: ٣١٦) لعماد الدين الأصفهاني.


الصفحة 442

على أنّ صلاح الدين الذي أبرم هذا الصلح مع الصليبيين أعداء الأمّة الإسلامية، ورسم هذه الصورة الهزيلة لجيشه، زاعماً في رسالته للخليفة أنّ جيشه قد ملّ القتال وسئم الحرب، وغدا عاجزاً ضعيفاً عن مواصلة الكرّ والفرّ، كان يعدّ لحرب جديدة، ولكن لا لإنقاذ الوطن الإسلامي مـن خطر الصليبيين هذه المرّة، وإنّما لتوسيع رقعة مملكته الخاصّة على حساب ممالك إسلامية أُخرى؛ (لأنّ إنقاذ الوطن الإسلامي من الصليبيين يحدّ من نفوذه ويقلّل من هيمنته، أمّا القتال في مناطق أُخرى، فإنّه يزيد من نفوذه ويكثر من هيمنته، فإذا ضمن ذلك فليبق الصليبيون في بلاد الشام، ولو أنّ المناطق التي عزم على القتال فيها، هي مناطق أجنبية يريد إدخالها ضمن المناطق الإسلامية لهان الأمر، ولكنّ صلاح الدين الذي عزم على مسالمة الصليبيين وإنهاء الحرب معهم والتسليم بوجودهم، صلاح الدين هذا كان يخطّط لغزو البلاد الإسلامية، وسفك دماء المسلمين، تحقيقاً لمطامعه الشخصية، عزم على ترك الصليبيين في أمان، واتّجه لترويع المسلمين الآمنين)(1).

ويذكر ابن الأثير في (تاريخه)، وابن كثير في (البداية والنهاية)، أنّ صلاح الدين كان عازماً على أن يغزو بنفسه بلاد الأناضول، التي كانت وقتذاك بلاداً إسلامية، يحكمها أولاد قلج أرسلان السلجوقي، وأن يوجّه أخاه (العادل) لغزو

____________

1- صلاح الدين الأيّوبي بين العبّاسيين والفاطميين والصليبيين، لحسـن الأمين: ١٢٢ ــ ١٢٣.


الصفحة 443

بلاد (خلاّط) والدخول منها إلى أذربيجان، ومن ثمّ بلاد العجم، لكنّ المنيّة عاجلت صلاح الدين، وحالت بينه وبين الإقدام على جريمة أُخرى من جرائمه الكثيرة في حقّ الإسلام والمسلمين، كما حالت من قبل بين نور الدين زنكي وبين السير إلى مصر؛ لإنزال عقوبة الموت بصلاح الدين الذي نكل بوعده ونكص عن التوجه لقتال الصليبيين، حسب الخطة التي رسمها لـه نور الدين زنكي، وليُّ نعمته وصاحب الفضل الذي لا ينكر عليه.

ما الذي فعله صلاح الدين؟

وقبل أن نصل إلى ختام هذا البحث، نسأل أنفسنا والتاريخ هذا السؤال المهم عمّا فعله حقّاً صلاح الدين، ونستنطق التاريخ فنجده يقول بكلّ صراحة:

١ــ قضى صلاح الدين على الدولة الفاطمية في مصر، وأباد المكتبات العظيمة التي أنشاؤوها، وشتّت الكتب التي سهروا طويلاً على جمعها وترتيبها، ووضعوها بين أيدي العلماء، لينهلوا من معينها الفياض، ونكّل بأتباعهم وأشياعهم بكلّ قسوة ووحشية.

هذه الدولة العظيمة، التي كانت طوال فترة حكمها، السدّ المنيع أمام أطماع الروم البيزنطيين، والحارس القوّي اليقظ على ثغور دولة الإسلام، سواء في الشام بالمشرق، أو في إفريقيا بالمغرب، متابعة في ذلك الدور العظيم، الذي كانت تقوم به قبلها الدولة الحمدانية في حلب، بقيادة سيف الدولة الحمداني، والتي قضى عليها هي الأُخرى أسياد صلاح الدين وآباؤه.

لقد كانت الدولة الفاطمية في صراع دائم وثابت مع الروم البيزنطيين، ورغم كلّ الحشود الضخمة، والجهود الحثيثة، والإصرار من قبل البيزنطيين


الصفحة 444

للوصول إلى القدس، فإنّ الفاطميين استطاعوا بصمودهم وشجاعتهم صدّ هؤلاء عن القدس، بل عن كلّ البلاد الإسلامية في المشرق والمغرب على السواء، وظلت الضربات الفاطمية تلاحقهم حتّى ردتهم إلى أنطاكية، ولمّا حاق الفشل الذريع بالإمبراطور البيزنطي، عاد آيباً إلى القسطنطينية، حيث مات فيها مقهوراً في أوائل سنة ٩٧١م(1).

٢ــ اكتفى صلاح الدين بالنصر الذي حقّقه في معركة حطين، والتي انتهت بانتزاع القدس من أيدي الصليبيين، وبدلاً من متابعة الحرب، واضعاً يده في يد الخليفة الناصر العبّاسي حتّى طرد الصليبيين من كافة الأرجاء والمدن الإسلامية، آثر مصلحته الشخصية في بسط نفوذه على بلاد الشام، وتمكين ملكه فيها، بعيداً عن نفوذ الخليفة، أو تدخّله في شؤون تصريفه لأُمور مملكته هذه.

ولتحقيق هذه الغاية بادر إلى مسالمة الصليبيين وموادعتهم، بل إلى التحالف معهم لقتال جيش الخلافة لو جاء إلى فلسطين، هذه المسالمة التي تنازل صلاح الدين مـن أجل الوصول إليها، عن معظم مدن فلسطين ولبنان للصليبيين، واعترف لهم بشرعية وجودهم فيها خلافاً لتعاليم الإسلام ورغبة المسلمين، بما فيهم الخليفة الناصر العبّاسي.

٣ــ في عام ١١٩٠م أصدر صلاح الدين مرسوماً دعا فيه اليهود إلى

____________

1- للوقوف على تفاصيل هذه الحروب التي انتهت بهزيمة البيزنطيين، يمكن العودة إلى كتاب (المعزّ لدين الله) للأُستاذين: الدكتور حسن إبراهيم حسن والدكتور طه أحمد شرف، وكتاب (المجالس والمسايرات) للنعمان بن محمّد، وكتاب (خطط الشام) للمقريزي، وكتاب ابن القلانسي (ذيل تاريخ دمشق).


الصفحة 445

الاستيطان في القدس، وكان الصليبيون أثناء فترة احتلالهم للمدينة قد حظروا على اليهود الإقامة فيها، وحين زار الحاخام اليهودي (يهوذا بن سليمان الحريزي) القدس عام ١٢١٦م، وجد فيها جماعة يهودية معتبرة، مكوّنة من مهاجرين من فرنسا والمغرب وسكان عسقلان السابقين(1).

وترد الموسوعة اليهودية إصدار ذلك المرسوم إلى نفوذ اليهودي موسى بن ميمون طبيب صلاح الدين، فتقول بشكل صريح وواضح كلّ الوضوح: (استخدم ابن ميمون نفوذه في بلاط صلاح الدين لحماية يهود مصر، ولمّا فتح صلاح الدين فلسطين أقنعه ابن ميمون بأن يسمح لليهود بالإقامة فيها من جديد وابتناء كُنُسٍ ومدارس)(2).

ويشير الدكتور جورج طرابيشي إلى هذا النفوذ بقوله: (بعد أن فتح صلاح الدين القدس، استحصل ابن ميمون لأبناء ملّته على إذن في التوطّن فيها وفي فلسطين بصفة عامّة)(3).

وبهذا المرسوم انفتح الطريق منذ ذلك اليوم لقيام دولة إسرائيل، وما وصلت إليه في عصرنا الحاضر من طغيان وفساد في الأرض.

٤ــ قبل أن يموت صلاح الدين، قام بتقسيم البلاد التي كان يحكمها بين ورثته على الشكل الذي يحدّده ابن كثير، كما يلي:

____________

1- انظر الموسوعة اليهودية ١٤: ٦٦٩ التي افتتحت هذا الكلام بقولها: (كان موقف صلاح الدين من اليهود والمسيحيين شديد التسامح).

2- .Zeitlin, Mimonades: ١٧٨.

3- الدكتور الطرابيشي: (معجم الفلاسفة): ٣٢.


الصفحة 446

ــ (مصر): لولده (العزيز عماد الدين أبي الفتح).

ــ (دمشق وما حولها) لولده (الأفضل نور الدين علي).

ــ (حلب وما إليها) لولده (الظاهر غازي غياث الدين).

ــ (الكرك والشوبك وبلاد جعبر وبلدان كثيرة على قاطع الفرات) لأخيه (العادل).

ــ (حماه ومعاملة أُخرى معها) لابن أخيه (الملك المنصور محمّد بن تقي الدين عمر).

ــ (حمص والرحبة وغيرها) لابن عمّه (أسد الدين بن شيركوه).

ــ (اليمن) جميعه بمعاقله ومخاليفه لأخيه (ظهير الدين سيف الإسلام طفتكين بن أيوب).

ــ (بعلبك وأعمالها) لابن أخيه (الأمجد بهرام شاه بن فروخ شاه).

ــ (بصرى وأعمالها) لـ (الظافر بن الناصر).

ويضيف ابن كثير بعد هذا النص قائلاً: (ثمّ شرعت الأُمور بعد صلاح الدين تضطرب وتختلف في جميع الممالك)(1).

ويقول الدكتور حسين مؤنس واصفاً تلك القسمة: (قسّم صلاح الدين الإمبراطورية ممالك بين أولاده وإخوته وأبناء أخويه، كأنّها ضيعة يملكها، لا وطناً عربياً إسلامياً ضخماً يملكه مواطنوه!)(2).

ثمّ يقول عمّا آل إليه الحال بين ورثة صلاح الدين: (عملوا أثناء تنافسهم بعضهم مع بعض، على منح (بقايا الصليبيين) في أنطاكية وطرابلس وعكا

____________

1- صلاح الدين الأيّوبي بين العبّاسيين والفاطميين والصليبيين، لحسـن الأمين: ١٣٠.

2- صلاح الدين الأيّوبي بين العبّاسيين والفاطميين والصليبيين: ١٣٠ ــ ١٣١.


الصفحة 447

امتيازات جديدة، فتنازل لهم السلطان (العادل) عن الناصرة..

وكانت بقيّة من أهل مملكة بيت المقدس الزائلة قد أقامت في عكا، واستمسكت بلقب (ملوك بيت المقدس)، فاعترف لهم به هذا (العادل) في ثلاث معاهدات.. وحاول الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين صاحب حلب، أن يتحالف مع الصليبيين على عمّه (العادل)..

وعندما أقبل الإمبراطور فريدريك الثاني يقود الحملة الصليبية السادسة ونزل عكا سنة ١٢٢٧م، أسرع الملك (الكامل) سلطان مصر وتنازل له عن بيت المقدس وجزء من أرض فلسطين يمتد من الساحل إلى البلد المقدّس، ووقّع معاهدة بذلك في ١٨ شباط ١٢٢٩م..

وفي سنة ١٢٤٤م تقدّم أيّوبي آخر، هو الصالح إسماعيل صاحب دمشق، فجعل للصليبيين الملكية الكاملة لبيت المقدس، وسلّم لهم قبّة الصخرة)(1).

ويعقّب السيّد الأمين على ذلك فيقول: (لم يكد صلاح الدين يموت، حتّى استقل كلّ واحد من ورثته بما ورثه عن صلاح الدين، وتمزّقت البلاد وفقدت وحدتها، وتشتّت الشعب قطعاً قطعاً لا تربطها رابطة، ولم يقنع كلّ وارث بما ورثه، بل راح كلّ واحد منهم يطمع في ما في يد غيره، ويستعين على غريمه بالصليبيين؛ ففي سنة ٦٣٨هـ سلم الصالح إسماعيل صاحب دمشق للصليبيين صيدا، وهونين، وتبنين، والشقيف، ليساعدوه على ابن أخيه الصالح أيوب صاحب مصر.. وفي سنة ٦٢٥هـ شباط ١٢٢٩م سلّم الكامل والأشرف ولدا العادل ــ أخي صلاح الدين ــ القدس وما حولها، للملك الصليبي فريدريك الثاني، وسلّماه

____________

1- صلاح الدين الأيّوبي بين العبّاسيين والفاطميين والصليبيين: ١٣٠ ــ ١٣١.


الصفحة 448

معها الناصرة، وبيت لحم، وطريقاً يصل القدس وعكا، ليساعدهما على أقربائهما.. ويصف ابن الأثير وقع هذه الرزية على العالم الإسلامي بقوله: واستعظم المسلمون ذلك وأكبروه، ووجدوا له من الوهن والتألّم ما لا يمكن وصفه)(1).

فماذا بقي لصلاح الدين هذا ممّا يمكن أن يتفاخر به مؤيدوه بتحرير القدس، وقد أدت تصرفاته الرعناء ومطامعه الشخصية، إلى أن يعود الصليبيون إلى القدس؟!

إنّ هذه الحقائق عن مخازي صلاح الدين الأيّوبي، لم ينفرد بها السيّد الأمين ولم يخترعها من عند نفسه، وإنّما انتزعها من بطون كتب التاريخ، وخاصّة من المؤرّخين الذين عاصروا صلاح الدين، والفترة التي تلت عصره، وكانوا من المقرّبين إليه والأثيرين عنده، وقام مشكوراً بجهد كبير ليكشف لنا هذه الحقائق الناصعة، مأخوذة من مؤرّخين لا يرقى الشكّ إلى ولائهم لصلاح الدين، وبالتالي إلى صدق ما كتبوه عنه وعن ورثته، من مثل: العماد الأصفهاني، والقاضي بهاء الدين بن شداد، وابن الأثير، وابن كثير، والنعمان بن محمّد، والمقريزي، وابن القلانسي، ومن إليهم، ونقله عنهم بعد ذلك جمع كثير من المؤرّخين المعاصرين، منهم: الدكتور حسن إبراهيم حسن، والدكتور طه أحمد شرف، والدكتور حسين مؤنس، وسواهم.

ختام البحث:

هذا هو صلاح الدين الأيّوبي، وهذه هي شخصيته الحقيقية كما أفصح عنها التاريخ، لم يكن مجاهداً إسلامياً، ولا بطلاً قومياً عربياً، وإنّما كان مجرّد طالبٍ لسلطة،

____________

1- صلاح الدين الأيّوبي بين العبّاسيين والفاطميين والصليبيين: ١٣١ ــ ١٣٢.


الصفحة 449

وطامع بملك، وقد نالهما عبر مراحل طويلة من خداعه للمسلمين والعرب، فباسم الجهاد سالم الصليبيين، بل وتحالف معهم، وباسم الجهاد قاتل شعوباً إسلامية، وقضى على دول إسلامية في مصر واليمن وسواهما، وكان قاسياً جدّاً لدرجة الوحشية مع المسلمين الذين يحكمهم، ومتسامحاً لدرجة مريبة جدّاً مع اليهود والصليبيين.

ولا بأس أن ننقل في هذا الختام حديث الدكتور حسين مؤنس عن سيرة صلاح الدين مع الشعب، والمعاملة السيئة والقاسية التي كان هو وعمّاله يعاملون بها الناس: (كانت مشاريعه ومطالبه متعدّدة لا تنتهي، فكانت حاجته للمال لا تنتهي، وكان عمّاله من أقسى خلق الله على الناس؛ ما مرّ ببلده تاجرٌ إلّا قصم الجُباةُ ظهره، وما بدت لأي إنسان علامة من علامات اليسار إلّا أُنذر بعذاب من رجال السلطان. وكان الفلاّحون والضعفاء معه في جهد؛ ما أينعت في حقولهم ثمرة إلّا تلقّفها الجُباةُ، ولا بدت سنبلة قمح إلّا استقرّت في خزائن السلطان، حتّى أملق الناس في أيامـه، وخلّفهم على أبواب محن ومجاعات حصدت الناس حصداً)(1).

هذا هو صلاح الدين الأيّوبي على حقيقته الكاملة، ولكنّ الناس خدّرتهم أنباء الفتوحات المزيفة والبطولات الموهومة، فلم يعودوا يميّزون بين الغث والسمين، ولا بين الصدف والجوهر، وكلّ هذا بفضل التعتيم المستمر على حوادث التاريخ، والتزوير المخطّط من قبل حواشي السلاطين.

أضف إلى ذلك: أنّ الناس عندما يهبطون إلى درك من الضعف والعجز، يحاولون أن يفتّشوا عن بطولات لهم في التاريخ، وعندما لا يجد هؤلاء لهم

____________

1- مجلة (الثقافة) العدد ٤٦٢، انظر: صلاح الدين الأيّوبي بين العبّاسيين والفاطميين والصليبيين: ١٦٤.


الصفحة 450

أبطالاً حقيقيين، لا يضيرهم أن يستظلّوا تحت سقف أبطال مزيّفين، ولا يكتفون بذلك بل يجعلون منهم أبطالاً أُسطوريّين، يقاتلون طواحين الهواء باسمهم وتحت راياتهم، ولله في خلقه شؤون، والحمد لله رب العالمين.

تعليق:

« أحمد ناجي ــ النرويج ــ إمامي »

عرضت بحث الأخ إبراهيم محمّد جواد على أحد العامّة فردّ علَيَّ بالمشاركة التالية، وأرجو من مركز الأبحاث العقائديّة الردّ عليها:

(أوّلاً: أنت تخلط يا هذا بين عدّة أُمور مختلفة؛ تتحدّث عن صلاح الدين، ثمّ عن أحفاده وآل بيته بعده لا يستوون مثلاً.

ثانياً: أنت حاقد على صلاح الدين؛ لأنّك لم تستسغ أن يقوم بإسقاط الدولة الفاطمية الإسماعيلية، فأنت تنقم عليه لهذا السبب وليس لغيره.

أمّا حكاية غيرتك على مقاتلة الصليبيين، فأنتم لا تقرّون بمبدأ الجهاد إلّا بوجود الإمام المعصوم، فكيف أخذتك الحميّة على الجهاد وقتال الصليبيين وتحرير بيت المقدس، وأنتم تلعنون فاتح القدس، ألا وهو عمر بن الخطّاب؟!

قولك: إنّ صلاح الدين رفض مساعدة نور الدين في قتال الصليبيين، هذا مردود عليه، بل المعلوم أنّ صلاح الدين جهّز جيشه للقاء نور الدين من أجل مهاجمة الصليبيين، ولكن بمجرد خروجه من مصر ثار بقايا الفاطميين في صعيد مصر وقاموا بأعمال التخريب، وأرادوا بمساعدة الصليبيين استعادة الحكم تحت قيادة رجل يدعى: كنز الدولة، فاضطر صلاح الدين إلى العودة وكتب إلى نور


الصفحة 451
الصفحة السابقةالصفحة التالية