المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 5) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 5) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 181 - ص 210)

تعالى وجنانه، ومن أبى إلّا الكفر أو بقي على دين آخر من الأديان السابقة، فإنّ الله تعالى سوف يحاسبه ويعذّبه عذاباً شديداً ويكون من الهالكين.

الثالثة: الإمامة، وهي: الاعتقاد بأنّ الله تعالى لمحلّ لطفه وعنايته بشأن المسلمين بعد قبض نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لا بدّ أن ينصّب لهم نائباً عنه يقوم مقامه في تطبيق أحكام الشريعة، وأنّ هذا النائب هو: الإمام عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين وأولاده المعصومين(عليهم السلام) ، وأنّ الذي ينكر إمامة أحدهم ليس مؤمناً، وإن كان محكوماً بالإسلام إذا تشهّد الشهادتين.

الرابعة: العدل، وهو: الاعتقاد بأنّ الله تعالى لا يظلم عباده ولا يغرّر بهم، وأنّه عزّ وجلّ إنّما يثيبهم أو يعاقبهم بسبب أفعالهم هم، فلا يميل إلى بعض عباده ويفضّلهم على آخرين عبثاً، وإن فعل ذلك، كما فضّل أنبياءه ورسله على سائر خلقه، فإنّما هو لأجل علمه السابق بتسليمهم له وعدم مخالفتهم لأوامره، وكونهم من أطوع عباده إليه، وأكثرهم اجتهاداً وطاعة، ففضلهم على من هو دونهم في هذه الصفات..

فكلّ شيء يفعله الله فإنّه يكون عن حكمة وعلم، وحاشاه من الظلم؛ لأنّ الظالم إنّما يفتقر إلى الظلم ليسدّ حاجة عنده لم يبلغها إلّا بالغلبة على من سواه، والله تعالى هو الكامل المطلق، الغني المطلق، لا يحتاج إلى أحد، ولا يفتقر إلى شيء، والكامل لا نقص فيه، والغني واجد لكلّ شيء.

الخامسة: المعاد، وهو: الاعتقاد بأنّ الله تعالى قد أعدّ لمن آمن به وصدّق رسله، وامتثل أوامره وانتهى عن نواهيه، جنّةً عرضها السماوات والأرض لا تفنى ولا تبيد، فيها من أصناف النعيم ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت، ولا خطر على


الصفحة 182

قلب بشر، يجازي بها أهل الإيمان والتقوى من عباده..

وكذلك أعدّ لمن عصاه وسار في سبل الضلال، وركب هواه وتمرّد على أوامره، نار جهنّم، وهي بئس المثوى وبئس القرار.

(كيف أصبح عدد الأُصول خمسة؟)

« مايكل »

السؤال:

السلام عليكم..

ما عندنا دليل من رواية الأئمّة(عليهم السلام) إلّا من تقسيم علمائنا إلى الأُصول الخمسة، كما مشهور بيننا، فلم لم نأخذ هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبلُ وَمَن يَكفُر بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَقَد ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً(1)، حتّى تكون عقيدتنا (الشيعة) مطابقة للقرآن الكريم؟

ومن أوّل الذي قسّم عقيدتنا إلى الأُصول الخمسة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: لقد ذكرنا في إحدى أجوبتنا المتقدّمة: أنّ مصطلح (أُصول الدين) وكذلك عددها ــ من خمسة أو أربعة أو ثلاثة أو إرجاعها إلى واحد؛ إذ أنّها

____________

1- النساء ٤: ١٣٦.


الصفحة 183

ترجع في النهاية إلى التوحيد ــ هو من مواضعات العلماء واصطلاحهم عند علماء المذاهب الإسلامية كافّة، ولكن اشتهر مصطلح أُصول الدين من بينها، مع أنّ أبا حنيفة كان يطلق عليها: الفقه الأكبر(1).

واختلف علماء المذاهب بينهم في عددها، وهذا ليس إلّا لقبولهم أو رفضهم للأدلّة الدالّة على كون هذا الأمر أو ذاك أصلاً، أو لا.

وبالتالي فلا معنى لأن يأتِ مدّعٍ ليطالب بوجود آية أو رواية مذكور فيها الأُصول الخمسة بعد أن توضّح أنّها وضعت بالمواضعة، ولم يكن الاسم أو العدد منصوصاً عليه من الشارع.

ثانياً: الأمر كلّ الأمر ليس في الاصطلاح أو في العدد، وإنّما في الدليل الدالّ عليها، أي: الدليل أو الأدلّة القطعية التي تثبت أنّ هذه المسألة يجب الاعتقاد بها، وأنّ المكلّف سوف يُسأل عنها يوم القيامة، وأنّها تمثّل الأُسس الحقّة للدين الحقّ، التي يجب معرفتها والاعتقاد بها، وهذه المسائل المبثوثة أدلّتها في القرآن والسُنّة حُصرت في الجملة بالاستقراء من قبل علماء المسلمين بعشرات المسائل، أو ربّما قُل بالمئات، وقولنا: بالاستقراء، أي: ليس عددها محصوراً بالحصر العقلي، فربّما يجد العلماء مسائل جديدة يستنبطونها من القرآن والسُنّة يجب علينا الإيمان بها.

نعم، هي محصورة قطعاً في الكتاب والسُنّة، ولكن ربّما تكون هناك مسائل مجهولة لنا لم نستنبطها لحدّ الآن.

وربّما وصل الاستقراء إلى نهايته، وأحصى العلماء كلّ المسائل الداخلة في

____________

1- انظر: كشف الظنون، لحاجي خليفة ٢: ١٢٨٧.


الصفحة 184

العقيدة، ولكن يبقى الخلاف بينهم في أيّها يدخل وأيّها يخرج حسب ما يقيمون من الأدلّة.

وإذا عرفت أنّ هذه المسائل عديدة، كالإيمان بأنّ الله واحد، وأنّه عالم وحيّ وقادر، وأنّه خالق ورازق، وأنّه حكيم، وأنّه يبعث الأنبياء، وأنّهم يجب أن يكونوا معصومين، ويأتيهم الوحي، ومؤيّدين بالمعجزة، وأنّ لهم أوصياء، وأنّ هناك حساب وجنّة ونار، وأنّ الله عادل لا يجور، وأنّه خلق الملائكة وجعل لهم وظائف، وخلق الأرض والسماوات، وخلق خلقاً آخرين، وأنّهم كلّهم سوف يموتون، إلى غيرها من عشرات المسائل التي يجب أن نؤمن بها، ويصعب حصرها إلّا بتصنيف يجمع ما تشابه منها ويختص بعنوان واحد، لذا عمد العلماء إلى تصنيفها ضمن ما يناسبها من المواضيع، وجعلوا لكلّ موضوع عنواناً، كالتوحيد، والنبوّة، والعدل، والإمامة، والمعاد..

ثمّ بعد ذلك صنّفوا المسائل وأدلّتها المستقاة من الكتاب والسُنّة والعقل ضمن هذه العناوين، فأصبح لدينا عناوين رئيسية اصطلحوا عليها بـ(الأُصول)، واختلفوا في عددها بين مخرج للإمامة مثلاً، ومدخل للمنزلة بين المنزلتين، أو الوعد والوعيد أُخرى، فأصل البحث ليس في ما هو الدليل على هذا التصنيف، بقدر ما هو في الدليل على كلّ هذه المسائل، حتّى يوجب على المكلّف الإيمان بها.

فالسائل الذي يسأل عن وجود آية أو رواية لأصل التصنيف والعدد، ما هو إلّا غافل غير منتبه لأصل المسألة، أو مستغفل من آخرين يريدون الإشكال فقط لبعدهم عن دراسة أو فهم علم الكلام، كالوهابية.

ثالثاً: إذن فالسؤال الصحيح يجب أن يكون: هل عندكم أدلّة من الكتاب


الصفحة 185

والسُنّة على ما تدّعونه من أُصول الدين؟

والجواب يأتي: بنعم، وألف نعم.

بل لا نقبل في المسائل المنضوية تحت ما نصطلح عليه بـ(الأُصول الخمسة) إلّا بأدلّة قطعية يقينية، وهي مبثوثة في القرآن والسُنّة، بل أوّل ما نستدلّ عليها نبدأ بالأدلّة العقلية؛ فلاحظ!

ومن السذاجة المطالبة بآية أو رواية تحصر العدد المعيّن للأُصول؛ إذ لا موضوعية لذلك، فضلاً عن الخلاف بين علماء المسلمين وعلماء المذهب بالعدد؛ فإنّهم يرجعون الإمامة إلى أصل النبوّة، والنبوّة إلى أصل التوحيد، والعدل أحد صفات الواحد فيرجع إلى التوحيد أيضاً، فيكون العدد اثنين: التوحيد، والمعاد، ثمّ يرجعون المعاد إلى التوحيد، فيكون الأصل أصلاً واحداً وهو: التوحيد، فهل يأتي أحد بعد ذلك مطالباً بآية أو رواية تحصر الأُصول في واحد فقط؟!

مع أنّه لم يقل أحد من المسلمين بحجّية آية أو رواية واحدة فقط، وإنّها إذا دلّت على شيء فيجب أن نلغي ونعرض عن كلّ الآيات والروايات الأُخرى، بل الحجّية لكلّ الآيات والروايات، وبالتالي استنباط المراد منها كلّها بعد جمعها بالجمع العرفي، وفهم المراد منها كلّها، فالقرآن كلّه حجّة، وكذلك السُنّة، ولا يجوز لنا الأخذ ببعض وترك البعض، فهذا دأب المنافقين والذين في قلوبهم زيغ، ودأب الزنادقة؛ فافهم.

رابعاً: ومنه تعرف أنّه إذا وجدنا آيات وروايات تدلّ على المسائل التي


الصفحة 186

تنضوي تحت عناوين الأُصول الخمسة، فيجب الإيمان بها، وتكون عقيدتنا مطابقة للقرآن والسُنّة، وليس لأيّ متصنّع متعالم أن يدّعي على الله أن يحصرها في آية واحدة، أو على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) برواية واحدة، أو أن يدّعي بأنّ هذه الآية أو الرواية هي التي تحصر أُصول العقيدة فقط وفقط، بل يحتاج إلى دليل، وأنّى له الدليل بعد أن قام على حجّية كلّ القرآن وكلّ السُنّة؟!

خامساً: ولذا فنحن ندّعي وجود آيات كثيرة تدلّ على أُصولنا، فضلاً عن الروايات المتواترة التي تنص عليها، فقولك إذن: (ما عندنا دليل من رواية الأئمّة(عليهم السلام) إلّا من تقسيم علمائنا إلى الأُصول الخمسة) خطأ من أوّله؛ إذ عندنا روايات متواترة تدلّ على الأُصول الخمسة، وصحيح في آخره بالنسبة إلى حصرها بالعناوين الخمسة، وعند غيرنا بحصرها بالستّة أو الأربعة أو الثلاثة، أو غيرها حسب المذاهب والفرق؛ فراجع!

سادساً: ثمّ إنّ الآية المذكورة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ... لا تنطبق بحسب الظاهر وبحسب مدّعى المستشكل على أي عدد حاصر للأُصول من أي مذهب من المذاهب الإسلامية، وكذلك عناوين الأُصول، فإنّا لا نجد من عنون أصلاً بعنوان أصل الكتاب، أو أصل الملائكة، ولا الكتب التي أُنزلت من قبل مثلاً، ولم يكن تعدادها عند أي مذهب بـ(التوحيد، والرسالة والكتاب، والكتب التي أُنزلت من قبل والملائكة واليوم الآخر)، مثلاً.

وإذا قال القائل: إنّ بعضها يدلّ على بعض في الآية؛ فإنّ الكتاب والكتب التي أُنزلت من قبل معنى واحد، ويرجع إلى مسألة الوحي، وهي من مسائل


الصفحة 187

(أصل النبوّة)، وأنّ الملائكة ترجع إلى (أصل التوحيد) مثلاً، واليوم الآخر هو (أصل المعاد)، فالأُصول ثلاثة.

قلنا:

١ــ هذا ما نقوله؛ فإنّا نرجع الإمامة إلى أصل النبوّة، بما أنّهم أوصياء وخلفاء وامتداد للنبوّة، ونرجع أصل العدل إلى التوحيد؛ لأنّه من صفات الله سبحانه وتعالى.

٢ــ من أين لكم بإدخال الملائكة في (أصل التوحيد)؟ إذ لو كان التصنيف بهذا الشكل لكان الأولى أن يجعل أصل واحد وهو: التوحيد، كما يقول به بعضهم؛ لأنّ الله هو الأصل لكلّ شيء.

٣ــ من أين لكم المدعى بأنّ هذه الآية حاصرة، وهي فقط الدالّة على الأُصول، ولا يوجد غيرها في القرآن والسُنّة؟

نعم، إنّ من لم يؤمن بهذه فقد ضلّ ضلالاً بعيداً، ولكن ليس في الآية مفهوم أنّ من آمن بها ولم يؤمن بغيرها فإنّه لم يضل؛ فلاحظ!

وفي النهاية اتّضح أنّ من يلوك لسانه بهذه الآية لا يريد الإشكال، وما هو إلّا متنطّع لم يفهم ما هو المراد بـ(الأُصول) وكيف تثبت، ومن أين نأخذ بأدلّتها، وما هو المناط في جعلها من الأُصول!

وتعرف أنّ عقيدة الشيعة لا تخالف القرآن ولا السُنّة، وأمّا تفاصيل الاستدلال على كلّ أصل أصل بمسائله الكثيرة فإنّك تجد بعضها على صفحتنا وبعضها في كتبنا الكلامية، فراجع!


الصفحة 188

(الدليل على الأُصول الخمسة)

« د.م محمّد ــ عمان »

السؤال:

السلام عليكم..

ما الدليل على أُصول الدين الخمسة عند مذهب الشيعة الإمامية؟

وشكراً.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أمّا الأُصول الثلاثة: التوحيد والنبوّة والمعاد, فهي مسلّمة عند المسلمين جميعاً، وأدلّتها أوضح من الشمس في رابعة النهار، وقد ثبتت عقلاً ونقلاً، ويمكنكم مراجع تلك الأدلّة بالتفصيل في كتاب (الإلهيات) للشيخ السبحاني، وغيره من كتب العقائد عند الإمامية.

وأمّا الأصلين الآخرين، ونعني بهما: (العدل, والإمامة)، فهما وإن عُدّا أصلين اعتقاديين يترتّب عليهما أثر أُخروي، كما ثبت في محلّه، إلّا أنّهما في الحقيقة من توابع التوحيد، (هذا بالنسبة للعدل), ومن توابع النبوّة، (هذا بالنسبة للإمامة)، ولكن لكثرة الخلافيات فيهما بين المسلمين برزا كأصلين مستقلين عن أصلي التوحيد والنبوّة، مع أنّهما في واقع الأمر من توابعهما.

والاستدلال عليهما ثابت في محلّه، فالإيمان بأنّ الله عادل، أمر لازم لتمام


الصفحة 189

الإيمان وصحّة العقيدة.

وبهذا الأصل تمتاز العدلية عن غيرها من الفرق الإسلامية، كالأشاعرة، الذين لا ينفون العدل الإلهي لكنّهم لا يجعلون له ضابطة واضحة يستفاد منها مفهوم هذا العدل، الأمر الذي يعني أنّه: لا عدل واقعاً، فهم يقولون: لو أنّ الله عزّ وجلّ أدخل النبيّ محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) النار فهذا عدل ولا يسأل عمّا يفعل!! وهكذا..

وقد خالفتهم العدلية وأثبتوا الحسن والقبح العقليّين، وقالوا: العدل حسن، وهو ممّا ينبغي على الشارع فعله، والظلم قبيح، فلا يفعله المولى سبحانه، والبحث في محلّه من كتبنا الأُصولية والكلامية.

أمّا الإمامة فيمكنكم مراجعة عنوان (الإمامة)، فهناك عشرات الأدلّة على إثباتها..

وأمّا حصر الأُصول بهذه العناوين الخمسة فهو بالاستقراء؛ لأنّ هذه الخمسة هي أهمّ الأُمور التي يترتّب عليها الأثر الأُخروي من حسن عاقبة المرء وعدمها.

(التقليد في العقائد)

« أمّ محمّد ــ البحرين ــ إمامية »

السؤال:

السلام عليكم..

هل يجوز التقليد في العقائد كما في العبادات؟ وإذا كان الجواب: لا يجوز، ما هو السبب؟

جزاكم الله خيراً.


الصفحة 190

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

المشهور بين علمائنا: عدم جواز التقليد في العقائد، وذلك لأنّ الاعتقادات أُمور عقلية تفتقر إلى تصديق وإذعان، ولا ينفع معها مجرّد التقليد، فالمعرفة التفصيلية بأُصول الاعتقادات هي المقوّمة لحصول الإيمان، وبقدر هذه المعرفة يتفاوت المؤمنون فيما بينهم في الدرجات.

غير أنّ بعض علمائنا المتأخّرين أجازوا التقليد في العقائد، ومنهم: الشيخ الأنصاري مستظهراً بكلام الصدر في (شرح الوافية)، والطوسي في (العدّة)؛ إذ ذكر ما حاصله: (جواز التقليد في الاعتقاد إذا حصل منه الجزم وطابق الواقع، ويسقط به وجوب النظر والاستدلال عنه؛ لأنّ التقليد لا يكون إلّا عن دليل إجمالي ظنّي..

وأمّا غير الجازم العارف بوجوب النظر والاستدلال، فهو فاسق عاصٍ بترك تحصيل الاعتقاد عن دليل قطعي، لأنّ وظيفة المكلّف هو الامتثال في تحصيل القطع بالعقائد)(1).

(المعتقد لا بدّ أن يكون عن يقين)

« عائشة عبد الرحيم ــ البحرين »

السؤال:

أنا سيّدة أعتقد بولاية أهل البيت(عليهم السلام) , وأودّ أن أنهج بمنهاج الشيعة, لذا أودّ

____________

1- فرائد الأُصول ١: ٥٧٣ المقصد الثاني (في الظنّ/الدليل العقلي على حجّية مطلق الظنّ/الأمر الخامس).


الصفحة 191

منكم مساعدتي في تغيير مذهبي؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نعلمك بأنّ المعتقد لا بدّ وأن يكون عن يقين بعد مطالعات وتحقيقات تامّة؛ لتتمّ بذلك الحجّة, يعني: بأن يكون للإنسان حجّة ودليل يحتجّ به يوم القيامة أمام الله سبحانه وتعالى.

ونحن لا ندعوا أيّ شخص إلى التشيّع واعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) قبل أن يقتنع هذا الفرد بالمذهب اقتناعاً تامّاً, بل ندعوا الجميع إلى البحث والتحقيق, ومن ثمّ اعتناق ما توصّل إليه العقل من دليل, والنظر في الموروث وعرضه على الدليل, فما وافق منه الدليل يؤخذ بعين الاعتبار, وما خالف يترك.

(لا يجوز التقليد في الأُصول دون الفروع)

« إيهاب الخزاعي ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لماذا لا نرجع للمرجع في أُصول الدين، ويجوز لنا الرجوع إلى المرجع بفروع الدين؟

ويوجد أصل من أُصول الدين هو: الإمامة، وهل الإمامة فيها أدلّة تفصيلية أم لا؟

وجزاكم الله خير الجزاء.


الصفحة 192

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يقول السيّد المرتضى في (رسائله): (ولا يجوز أن يكون في الأُصول مقلّداً؛ لأنّ التقليد في الفروع إنّما جاز من حيث أمن هذا المقلّد من كون ذلك قبيحاً ــ يعني: الاستفتاء ــ وإنّما يأمن منه لمعرفته بالأُصول، وإنّها سوّغت له الاستفتاء فقطع على صحّة ذلك؛ لتقدّم علمه بالأُصول الدالّة عليه..

والأُصول لا يمكن التقليد فيها على وجه يقطع على صحّته ويؤمن من القبيح فيه، لأنّه ليس وراءها ما يستدلّ إلى ذلك، كما قلنا في الفروع، فلا بدّ أن يكون عالماً بصحّة الأُصول، إمّا على الجملة، أو على التفصيل)(1).

ويقول السيّد الخوئي في كتاب (الاجتهاد والتقليد): (قد عرفت أنّ التقليد هو الاستناد إلى فتوى الغير في مقام العمل، والوجه في وجوبه، على ما قدّمناه: استقلال العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب، ولا يتأتّى هذا فيما اعتبر فيه اليقين والاعتقاد، كما في الأُصول، كالتوحيد والنبوّة والمعاد؛ لوضوح أنّه لا عمل في تلك الأُمور حتّى يستند فيها إلى قول الغير، أو لا يستند، فإنّ المطلوب فيها هو: اليقين والاعتقاد ونحوهما، ممّا لا يمكن أن يحصل بالتقليد، فلا معنى له في مثلها، بل لو عقد القلب ــ في تلك الأُمور ــ على ما يقوله الغير لم يكتفِ به بوجه؛ إذ المعتبر في الأُصول إنّما هو اليقين والعرفان والاعتقاد، وشيء من ذلك لا يتحقّق بعقد القلب على ما يقوله الغير, بل هذا هو القدر المتيقّن ممّا دلّ على ذم التقليد واتّباع قول الغير في الأُصول؛ لقوله عزّ من قائل: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا

____________

1- رسائل المرتضى ٢: ٣٢١ جوابات الرسائل الرسية الأُولى، المسألة الثانية: كيفية رجوع العامّي إلى العالم.


الصفحة 193

عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ(1).

نعم، هناك كلام آخر في أنّه إذا حصل له اليقين من قول الغير يكتفي به في الأُصول، أو يعتبر أن يكون اليقين فيها مستندا ً إلى الدليل والبرهان؟ إلّا أنّه أمر آخر أجنبي عمّا نحن بصدده، وإن كان الصحيح: جواز الاكتفاء به؛ إذ المطلوب في الاعتقاديات هو: العلم واليقين، بلا فرق في ذلك بين أسبابهما وطرقهما..

بل حصول اليقين في قول الغير يرجع في الحقيقة إلى اليقين بالبرهان؛ لأنّه يتشكّل عند المكلّف حينئذ في صغرى وكبرى، فيقول: هذا ما أخبر به أو اعتقده جماعة، وما أخبر به جماعة فهو حقّ، ونتيجتهما أنّ ذلك الأمر حقّ، فيحصل فيه اليقين بإخبارهم)(2).

أمّا ما يتعلّق بالإمامة فإنّ فيها أدلّة تفصيلية، وقد أُلّفت مؤلّفات كثيرة تبحث في هذا الأصل، وقد ألّف العلاّمة الحلّي كتاب (الألفين)، والموجود منه ألف دليل على الإمامة، وبحث بحثاً تفصيلياً في أدلّة ذلك الأصل.

(كيفية تشخيص الضروري)

« علي العلي ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

كيفية تشخيص الضروري؟

ما هي الضروريات المذهبية؟

____________

1- الزخرف ٤٣: ٢٢.

2- الاجتهاد والتقليد: ٤١١ المسألة ٦٧.


الصفحة 194

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

وبعد، فإنّ كيفية تشخيص الضروري من مختصّات أهل العلم, أي: من جملة الأُمور الاختصاصية, يعلم بها العلماء على أثر التحصيل والتحقيق في الحوزة العلمية, وليس من الأُمور التي يصل إليها كلّ أحد من الناس, فالضروري من المذهب: ما يكون إنكاره موجباً للخروج من المذهب, وهذا نظير كثير من الأُمور..

فمثلاً: الذنوب تنقسم إلى قسمين: صغائر، وكبائر, حينئذ يُسأل: ما هي الذنوب الكبائر؟ وما المراد من: الكبيرة؟ فمعرفته من اختصاص العلماء ليرجعوا إلى الأدلّة ليعيّنوا أنّ الذنب الفلاني من الكبائر أو غير الكبائر, فقضية أنّ هذا المعتقد من الضروريات، أو ليس من الضروريات، يرجع تعيينه وتشخيصه إلى نظر المجتهد.

والضروريات المذهبية: ما دلّت عليه الأدلّة القطعية من الكتاب والسُنّة, ودلّت على أنّ: من أنكر ذلك فهو يخرج من المذهب, فإمامة أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) والأئمّة كلّهم، أي: الأئمّة الاثني عشر، وعصمتهم وشفاعتهم في يوم القيامة, ورجعتهم أيضاً ــ إذ أنّ غير واحد من علمائنا يقول: إنّ الاعتقاد بالرجعة من ضروريات المذهب ــ وقضايا من هذا القبيل, تُعدّ من ضروريات المذهب, فمن ينكر هذه الأُمور مع علمه بضروريّتها وصحّتها يكون خارجاً عن المذهب.


الصفحة 195

(وجوب النظر والمعرفة وحكم المكلّف إذا وردت عليه شبهة)

« صادق ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

(لا يجوز التقليد في أُصول الدين) قاعدة مسلّمة ومعروفة، تعني: أنّ على كلّ إنسان أن يرتكز في عقائده الأساسية، مثل: (وجود الله، وجوب إرسال الأنبياء, عصمة الأنبياء في الجملة...الخ)، على الاجتهاد والتبرير العقلي والاستدلال العقلي بحسب مبلغه من العلم، ولا يجوز أن يستند إلى التقليد بتاتاً..

وهذا الاستدلال والقناعة كما هي مطلوبة ابتداءً، فيجب أن تبقى استدامةً أيضاً..

فلعلّه توجد أوّل الأمر ولكن بكثرة الاطّلاع والتعلّم ربّما تزول القناعة واليقين بالأدلّة..مثلاً..

السؤال: إذا أوجبنا الاجتهاد على المكلّف فلا مناص لكي يتحقّق الاجتهاد منه أن لا نعيّن له الهدف والنتيجة مسبقاً، ونجبره على اختيارها، وإلّا نكون قد أفرغنا الاجتهاد من معناه.. فماذا لو وصل ــ نتيجة اجتهاده الذي أوجبناه عليه ــ إلى نفي هذه الأُمور, أولم تثبت لديه ولم تكن الأدلّة مقنعة تماماً له على الأقلّ؟!

هل يُعدّ كافراً ومرتداً؟

وكيف نوفّق بين الحكم بكفره، والحكم بوجوب الاجتهاد على كلّ المكلّفين في أُصول الدين؟


الصفحة 196

مع كلّ الشكر والتقدير..

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: إنّ الاجتهاد المصطلح عليه في علم الفقه، وإن كان مأخوذاً أصلاً من المعنى اللغوي, وهو: بذل الجهد، إلّا أنّه تطوّر اصطلاحاً إلى: ملكة يستطيع صاحبها استنباط الحكم الشرعي من أدلّته التفصيلية ــ على اختلاف في التعريف ـ.

المهم أنّهم لا يريدونه في أُصول الدين، وإذا ذكر فيها فإنّما المراد هو المعنى اللغوي, ولذا عبّر جميع المتكلّمين بـ(وجوب النظر والمعرفة)؛ فلاحظ!

ثانياً: إنّ طريق الاستدلال في هذا العلم (علم الكلام) هو: اليقين والبرهان, لا الظنون والاحتمالات والأوهام, ولذلك قرّر العلماء ضوابط, ومناهج معرفية يجب سلوكها في هذا الطريق للوصول إلى النتيجة؛ إذ بحثوها ورتّبوها في نظرية المعرفة، السابقة رتبةً على علم الكلام (العلم الإلهي).

نعم، إنّهم أوجبوا المعرفة كلّ بحسبه، فقد نصّوا على كفاية العلم الإجمالي، ولكن أيضاً يجب أن يكون حسب المنهج العلمي الصحيح، أي: البرهان المفضي للعلم واليقين. ومن اتّبع المنهج العلمي الصحيح لا بدّ أن يصل إلى العلم واليقين والواقع..

فإذا قيل: لماذا لم يصل مخالفوكم إلى ما وصلتم إليه، ولا يقطعون بما قطعتم به؟

نقول: لا بدّ أنّهم قد أخلّوا بشرط من شروط تحصيل العلم؛ فما يدّعيه الآخرون من مناهج غير منهج الاستدلال العقلي المبين في نظرية المعرفة ليس


الصفحة 197

بشيء، وغير قابلة للاستناد.

ثالثاً: ذكر العلماء في سبب وجوب المعرفة: أنّ الإنسان يحتمل وجود المبدأ والمعاد، وأنّ فطرته قبل عقله توجب عليه أن يهتم بهذا الاحتمال، وهذا الاحتمال خطير جدّاً؛ فعقله يوجب عليه دفع الضرر المحتمل، أو شكر المنعم، فيجب عليه النظر لإثبات وجود هذا الاحتمال، أو عدمه، فمن يدفعه لسلوك هذا الطريق في البحث نحو وجود المبدأ والمنعم والخالق هو: عقله، لا غير، ولم يحدّد له أحد مسبقاً ما هو الهدف من خارج نفسه وعقله. أمّا هل يصل، أو لا؟ فذلك حسب وسعه في البحث والاجتهاد ومدى اتّباعه للمنهج العلمي الصحيح دون أن تؤثّر عليه الشبهات، أو ما نشأ عليه من عقيدة.

رابعاً: ثمّ إنّ المكلّف العاقل عند بدء البحث والنظر يكون على ثلاث حالات:

أ ــ لم يكن يعتقد بشيء ثمّ بدأ البحث والنظر.. فهذا يكون المطلوب منه حسب قدرته العقلية, واتّساع آفاقه, فإنّ أنظار الناس بذلك مختلفة؛ فقد يكتفي منه بالعلم الإجمالي ويقف هو عليه، ولا ترد عليه شبهة, وقد يتوغّل في العلم التفصيلي حسب قدرته..

ولا بدّ للاثنين من سلوك المنهج الصحيح في البحث والنظر, فإذا سلك وصل, وفي فرض عدم الوصول لغفلة عن بعض المقدّمات، أو قصور في إدراك بعض الحقائق، أو اشتباه في سلوك بعض القواعد، أي: بالمحصل يكون قاصراً لا مقصراً، فهو معذور لا يعاقب، أو يوكل أمره إلى الله، حسب اختلاف آراء العلماء، حتّى لم يحكم بعضهم بكفره؛ إذ قال أنّه: خلاف العدل الإلهي.


الصفحة 198

ولا يشتبه عليك الحال في أكثر المتكلّمين الساعين والجادّين لإثبات أحقّية ما ورثوه عن الآباء والأجداد بكلّ جهد وسعة، لا لإثبات الحقّ والواقع المجرّد, فإنّهم مقصّرون لا قاصرون.

ب ــ كان يعرف على الإجمال، أو التفصيل.. فإذا لم ترد عليه شبهة فلا يلزمه أكثر من ذلك, بل حتّى إذا وردت عليه شبهة ولم يجدها قادحة في إيمانه ومعرفته، لم يكن عليه النظر لحلّها, وهو حال أكثر العوام العالمين بالجملة.

وأمّا إذا وردت عليه شبهة تؤثّر على إيمانه ومعرفته، فيجب عليه السعي لحلّها بالتفصيل حسب الشروط، وله المهلة في وقت النظر بمقدار ما يكفي لحلّها دون تقصير وإهمال، ويكون حاله في ذلك حال الشخص في القسم الأوّل، وحال من في القسم الأوّل كحاله في مهلة النظر.

وأمّا بالنسبة للإيمان والكفر، فإذا بقي معتقداً؛ لعلمه بالجملة أو التفصيل السابق فهو: مؤمن, وأمّا إذا انتفى علمه؛ للشبهة، واعتقد الكفر، فهو: كافر, وأمّا إذا لم يعتقد بشيء في مهلة النظر، فكما في القسم الأوّل من التوقّف بكفره، أو إيكال أمره إلى الله، أو الحكم بكفره؛ لإنّه كان يعلم بالجملة أو التفصيل سابقاً, باختلاف أقوال العلماء.

ج ــ إذا كان كافراً أو لا يعرف ثمّ بدأ البحث والنظر.. فإذا بقي معتقداً للكفر فهو: كافر, وإذا لم يكن يعتقد بشيء فهو كحال من في مهلة النظر.

مع ملاحظة جديرة بالاهتمام, وهي: أنّ الإنسان لا يستطيع أن يقطع بعقله بعدم وجود المبدأ والمعاد إلّا إذا أحاط بكلّ الوجود، وأحاط بسلسلة العلل والمعلولات، ولم يجد المبدأ والمعاد، وهو: مستحيل.


الصفحة 199

فما لم تتحقّق له هذه المعرفة المحيطة لا يمكنه أن يقطع بنفي المبدأ والمعاد، بل غاية ما هنالك أن يحتمل، أو يشكّ, بأن يقول: لا أعلم.. وعليه، فإنّ مقتضى حكم العقل بالعدل والإنصاف لمثل هذا الإنسان أن يحتاط بأن يواصل بحثه، ويتصرّف كتصرّف المؤمنين؛ لاحتمال وجود المبدأ والمعاد الذي تترتّب عليه السعادة، أو الشقاء, وعدم وجودهما في الواقع فرضاً ليس بضارّه بشيء مادام سلك سلوك الاحتياط.

تعليق:

« عبد الكريم ــ العراق ــ إمامي »

السلام عليكم..

إذا كان المدار في وجوب النظر هو: دفع الضرر المحتمل، فيكفي في دفعه الجزم دون اليقين المنطقي، بل حتّى الاطمئنان، كما نلاحظ ذلك في كثير من الأخطار التي يحتملها الناس ويتّبعون في دفعها الجزم أو الاطمئنان, ولماذا من الضروري الاستناد إلى اليقين المضاعف؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

كلمة اليقين يعني بها: الجزم أو القطع، بحيث لا يبقى أي مجال لأي احتمال، فما ندري ماذا تقصد من قولك: الجزم؟

نعم، الاطمئنان درجة عالية من الظنّ يكون الاحتمال فيها ضئيلاً بحيث يُلغى عملياً عند العقلاء، لكن هذا الأمر يختلف باختلاف درجة الضرر المحتمل،


الصفحة 200

فالعقلاء يعتنون بالاحتمال الضعيف جدّاً إذا كان الضرر المحتمل كبيراً، فعندما يكون الضرر، مثل: النار والخلود فيها، والعذاب الدائم الأبدي، لا بدّ أنّ العقلاء يعتنون بالاحتمال حتّى لو كان ضعيفاً، بخلاف الضرر إذا كان بسيطاً، فإنّ العقلاء لا يعتنون بمثل هذا الضرر.

(هل يقتل من في مرحلة التحقيق والنظر؟)

« علي محمود ــ ايرلندا ــ إمامي »

السؤال:

لو فرضنا وجود شخص يؤمن بوحدانية الله، وعدم جسمانيته، وعدم شبهه لأيّ مخلوق، ويؤمن بالنبوّة العامّة، لكنّه لم يتوصّل إلى معرفة نبيّ محدّد، ولا يؤمن بنبيّ محدّد، وهو لا زال باحثاً يأمل الوصول إلى الحقّ..

فمثل هذا الشخص لا يعدّ من أهل الكتاب فقهياً، وبالتالي يحكم بالنجاسة، وفي حالة قيام الدولة الإسلامية لا يمكن أن تؤخذ منه الجزية، بل يجب أن يُسلم أو يُقتل، مع أنّنا نلاحظ أنّ مثل هذا الشخص موحّد، بينما المسيحيون في هذا الزمان مشركون يعتقدون بثلاثة آلهة..

كما أنّ اليهود مجسّمون معطّلون، ومع هذا تؤخذ منهم الجزية ولا يجبرون على الإسلام، فكيف نحلّ هذا التناقض في التشريع الإسلامي؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

١ــ لقد أفتى المشهور من علمائنا الماضين بنجاسة الكتابي، وإنّ خالفهم بعض من علمائنا المتأخّرين وحكموا بطهارته، وخصّوا النجاسة بالكافر


الصفحة 201

والمشرك ومن بحكمهما، كالناصبي والخوارج.

٢ــ اتّفق علماؤنا على نجاسة الكافر والمشرك ومن بحكمهما، ولم ينصّوا على نجاسة الشخص مفروض السؤال، كما أنّ المتأخّرين لم ينصّوا على أنّ كلّ من لم يكن كتابياً ولم يكن مسلماً فهو نجس، ومن ثمّ يرجع حكم مفروض السؤال إلى المبنى فيه من كونه كافراً أو لا.

وهناك خلاف في المسألة وتفصيل طويل ليس هنا محلّه، وقد يُستظهر منه: أنّ المكلّف في فسحة النظر ليس بكافر إذا لم يكن كافراً سابقاً، فضلاً عن الموحّد، ولكنّه في فسحة النظر بالنسبة للنبوّة؛ فلاحظ!

٣ــ وبالتالي لو حكم بعدم كفره، فلا تؤخذ منه الجزية، ولا يُقتل، وإنّما يبان له الحجّة والدليل.

٤ــ وأخيراً: لا دليل على قتل كلّ من لم يدخل الإسلام ولم يحاربه ويقف ضدّه.

نعم، لو كانوا على شكل جماعة أو دولة تمنع من انتشار الإسلام وتصدّ الدعاة إليه، فيقاتلون إلى أن تنحل جماعتهم، ومن يبقى منهم يسعى في معاداة الإسلام يُقتل؛ لأنّه هو المعتدي، والدفاع حقّ فطري، فلا مشكلة.. وأمّا من يبقى على دينه مسالماً لا يبغي للإسلام سوءاً فلا يُقتل ولا يُكره على الإسلام؛ إذ لا إكراه في الدين, هذا إذا بقي كافراً، فضلاً عن كون مفروض السؤال في وقت مهلة النظر؛ فلاحظ!

وأمّا كون النصارى مشركين واقعاً ومع ذلك تؤخذ منهم الجزية، فهذا ما ورد به النصّ، ولم يرد عندنا نصّ بالعلّة التي هي مناط تام لأخذ الجزية بأنّها الشرك الواقعي حتّى نطبّق المصداق على النصارى. ومن هذا يتضّح لك أن لا


الصفحة 202

تناقض في التشريع.

(أُصول الدين المتعلّقة بالوقائع التاريخية)

« حسن ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هل البحث في التاريخ والعقائد أمر شخصي أم تقليد؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

المكلّف لا بدّ أن تكون اعتقاداته عن قطع وجزم، ولا يكفيه الظنّ في ذلك.

نعم، في ما يتعلّق بفروع الدين، من حقّ المكلّف الرجوع إلى غيره وأخذ الحكم الشرعي عن تقليد الظنّي, أمّا ما يتعلّق بالبحث بمسألة اعتقادية معيّنة، فالمكلّف إذا أخذ بقول غيره دون أن تتمّ الحجّة عليه بالجزم بها ولم يصل إلى دليل، يُعدّ عمله هذا تقليداً ظنيّاً، وهو لا يكفيه في مسألة الاعتقادات.

أمّا إذا استفاد من أقوال المؤرّخين والكاتبين في الاعتقادات لفهم الدليل والاعتقاد بصحّته، فإنّ عمله هذا لا يُعدّ تقليداً بشرط أن تكون لديه القدرة على فهم الدليل وإخضاعه لموازين الصحّة والخطأ، وبدون هذا الشرط لا يكفيه أيضاً.

أمّا البحث في المسائل التاريخية التي لا يستفاد منها في الاعتقاد أو الأحكام الشرعية شيئاً، فإنّ من حقّ المكلّف البحث فيها والاستفادة من حقائقها، وإنّ الخطأ في مثلها قد لا يضرّ ما دام لا يؤثّر في الاعتقادات والأحكام شيئاً.


الصفحة 203

(إذا كانت الإمامة من أُصول الدين فلِمَ لَم تُذكر في القرآن؟)

« حميدــ الإمارات ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أنا إنسان مسلم وجعفري... أنا من متابعي برامج المناظرات على بعض القنوات الفضائية، لا أُخفيكم بأنّ في قلبي شكّاً حول المذهب، وأريد منكم أجوبة على شكوكي، أُريد منكم إثلاج صدري وقلبي، علماً أنّي بحثت في هذا الموقع عن بعض الأجوبة ولم أجد لها الإجابة الشافية.

السؤال: إذا كانت الإمامة أصلاً من أُصول الدين فلماذا لا تذكر صراحة في القرآن كأي أصلاً آخر، كالتوحيد: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)، والعدل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ(2)، والنبوّة ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ(3)، واليوم الآخر؟

وكيف يتكلّم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام عليّ(عليه السلام) عن أئمّة جائرين يقودون الإسلام إذا كانت الإمامة فيهم؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ليس هناك قاعدة ثابتة عقلاً أو نقلاً بوجوب الاستدلال على أُصول الدين

____________

1- الإخلاص ١١٢: ١.

2- النحل ١٦: ٩٠.

3- الفتح ٤٨: ٢٩.


الصفحة 204

من القرآن الكريم فقط؛ فإنّ أُصول الدين مورد لاصطلاح العلماء واتّفاقهم حسب الأدلّة سواء من العقل أو النقل.

ومع ذلك فإنّ الإمامة التي يدّعيها الشيعة وهي النيابة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في شؤون الدين والدنيا، والواسطة بين السماء والأرض، مذكورة صراحة في القرآن الكريم..

قال تعالى: ﴿لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ(1), وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا...(2), وقال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرضِ خَلِيفَةً... (3).

وأمّا ما يثيره بعض الناس من طلبهم لذكر اسم عليّ(عليه السلام) في القرآن, فليس في محلّه!

فإنّ البحث ينقسم إلى المفهوم الذي يجب أن نعتقد به، وهو: الإمامة العامّة, والمصداق الذي يجب أن نعرفه، وهو: إمامة أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ؛ فقد ذكر القرآن في آيات عديدة صريحة مفهوم الإمامة وما يدور حولها ويتعلّق بها.

نعم, لم يرد ذكر عليّ(عليه السلام) ــ على قول ــ في القرآن لحكمة ما، لم يصرّح بها من قبل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم), ولكن ذكرت في القرآن أوصاف محدّدة لا تنطبق على غيره, وهذا كافٍ في الحجّية ووجوب الاعتقاد بها, وصرّح باسمه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم), وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) حجّة كالقرآن، فلا مجال للمنكر الإنكار ولا محيص.

وللتفصيل أكثر ارجع إلى عنوان: (الإمام عليّ(عليه السلام) /السبب في عدم ذكره

____________

1- البقرة ٢: ١٢٤.

2- المائدة ٥: ٥٥.

3- البقرة ٢: ٣٠.


الصفحة 205
بالنص في القرآن)، و(لماذا لم يذكر اسمه في القرآن بالنصّ).

(هل ينحصر الاستدلال على أُصول الدين من القرآن الكريم؟)

« هيثم عادل ــ مصر ــ سُنّي »

السؤال:

أُريد أن أعرف: هل أُصول الدين تكون في القرآن فقط، أم من المتواتر، سواء أكان قرآناً أو حديثاً عن النبيّ؟ وأُريد قول علماء السُنّة في هذا الأمر..

ولماذا لم تأتِ الإمامة في قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ(1)؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا بأس أن نوضح المسألة بنقاط:

أوّلاً: إنّ الدين ينقسم إلى علم وعمل: فما يجب أن يُعلم هو العقيدة، وما يجب أن يعمل هو الشريعة، وكلامنا هنا في ما يجب أن يُعلم.

ثانياً: معنى أُصول الدين: الأصل: ما يُبنى عليه غيره واستند إليه، ولذا يسمى بـ(الركن)، ويمكن أن يراد منه بـ(القاعدة الكلّية).

والدين: هو ما أنزله الله لصلاح البشرية عن طريق الرسل.

فأُصول الدين: معنى مصطلح من قبل العلماء (لم يرد في الشريعة) يراد به:

____________

1- البقرة ٢: ٢٨٥.


الصفحة 206

الأركان التي يجب الاعتقاد بها يقيناً من الدين، وأنّ منكرها يخرج عنه(1).

ولأنّه اصطلح من قبل العلماء فقد سمّي العلم الذي يبحث في هذه الأُصول أيضاً بـ(علم الكلام)، وسمّاه أبو حنيفة بـ(الفقة الأكبر)، ولا مشاحّة في الأسماء.

ثالثاً: لكي نعرف الضابطة التي تدخل موضوع ما في أُصول الدين لا بأس أن نذكر أحد التعاريف التي أوردها علماء الكلام:

قال التفتازاني: (الكلام هو: العلم بالعقائد الدينية عن الأدلّة اليقينية)(2).

ومن هنا ذكر العلماء في تحديد أُصول الدين: بأنّها ما يجب على المكلّف الإيمان بها يقيناً، فكلّ ما ثبت بدليل يقيني أنّه يجب على المكلّف الإيمان به يدخل في أُصول الدين، ومن قولهم في التعريف بـ(العقائد الدينية) نعرف أنّ هذه الأُصول يجب أن تطابق ما نزل به الشرع. ولذا فإنّ من وظيفة المتكلّم هو الدفاع عن أوضاع الشريعة فضلاً عن إثبات الحقائق الدينية.

وقال التفتازاني في شرحه للتعريف: (فظهر أنّه: العلم بالقواعد الشرعية الاعتقادية، المكتسب من أدلّتها اليقينية، وهذا هو معنى: العقائد الدينية، أي: المنسوبة إلى دين محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، سواء توقّف على الشرع أم لا، وسواء كان من الدين في الواقع، ككلام أهل الحقّ، أم لا، ككلام المخالفين)(3).

ومن اشتراط الأدلّة بكونها يقينية يعلم أنّ كلّ دليل أدّى إلى نتيجة قطعية يمكن الأخذ به في أُصول الدين، سواء كان من العقل أو الشرع (القرآن

____________

1- راجع: العقيدة الإسلامية/د.مصطفى الخن ومحي الدين ويب مستو: ١٨ الفصل الأوّل.

2- شرح المقاصد في علم الكلام ١: ٥ المقصد الأوّل.

3- شرح المقاصد في علم الكلام ١: ٦ المقصد الأوّل.


الصفحة 207

والسُنّة)، مع اختلاف بين المتكلّمين في مقدار ما يثبت من العقل، هل هو كلّ الأُصول، أو بعضها، كالتوحيد، ثمّ يرجع إلى الشرع؟

وعلى كلّ، لا اختلاف بين المتكلّمين بالجملة. نعم، خالفهم في ذلك، (أي: منزلة العقل والاستدلال به في الأُصول) أصحاب الحديث ومتأخّريهم من السلفية والوهابية؛ فإنّهم عزلوا العقل في هذا المجال، وقالوا: إنّ الاستدلال على الأُصول لا يتم إلّا بالقرآن والسُنّة. وعليك بالعقيدة الطحاوية كنموذج لذلك(1).

ومن المعلوم أنّ عزل العقل غير صحيح، وله لوازم شنيعة وقع بها قبلهم أوائل الأشاعرة تجد تفصيلها في كتب الكلام، وخاصّة في بحث أدلّة وجوب النظر.

ثمّ إنّ الوهابية والسلفية خالفوا أيضاً في شيء آخر؛ فإنّهم يأخذون بالخبر الواحد الصحيح في العقائد، ومن المعلوم أنّ الخبر مهما كان صحيحاً لا يخرج عن كونه ظنّياً، فلزمهم من ذلك أنّهم: لا يشترطون اليقين في أدلّة العقائد.

رابعاً: ثمّ إنّ كلّ كلامنا السابق كان في عالم الإثبات، أي: في مجال الاستدلال على العقائد وأُصول الدين.

وأمّا في عالم الثبوت والواقع، فإنّ أُصول الدين يجب أن تكون موجودة في الرسالة المحمّدية، ويُعلم ذلك من التزامهم بمطابقة ما نزل به الشرع من أوضاع، فإنّ أصحاب الكلام ينسبون كلّ ما يستدلّون عليه بالأدلّة المختلفة من العقل والقرآن والإجماع إلى الشريعة المقدّسة، ويحاولون مطابقة ما ورد في ظواهرها.

____________

1- انظر: مقدّمة شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العزّ الدمشقي، بقلم د: عبد الله بن عبد المحسن التركي وشعيب الأرنؤوط.


الصفحة 208

ولكنّهم اختلفوا في فهم ظواهر الشريعة كلّ على ما يريد من معنى، ومن ثمّ حاولوا إقامة الأدلّة العقلية على هذه المعاني المأخوذة من الظواهر.

فكلّ من ثبت له ــ حسب أدلّته والظاهر الذي يعتمده ــ أنّ موضوعاً ما هو أصل من أُصول الدين، أي: يجب الاعتقاد به وأنّ منكره خارج عن الدين، أثبته في الأُصول؛ فاختلف: المعتزلة، عن الأشاعرة، عن الإمامية في أُصولهم.

وغرّب عنهم أكثر أهل الحديث والسلفية والوهابية في اعتمادهم على الظواهر حتّى لو خالفت العقل ولم تثبت إلّا بطريق ظنّي، ومن هنا تعرف لماذا يشترط الإمامية في العقائد الدليل القطعي من العقل، أو محكم القرآن، أو السُنّة المتواترة.

خامساً: ممّا مضى تعرف أنّ الأدلّة على الأُصول في عالم الثبوت والإثبات، فضلاً عن العقل، هي: القرآن والسُنّة، وعند طائفة: الإجماع أيضاً, ولم يذكر أحد من صغار أهل العلم، فضلاً عن كبارهم، أنّه يجب أن تذكر في القرآن حصراً، حتّى من قبل أهل الحديث والسلفية والوهابية؛ فإنّ السُنّة الصحيحة عندهم حجّة، فضلاً عن المتواترة.

فما أوردته من سؤال لم يكن مبنياً على أُصول منهجية علمية, فهو سؤال مبني على الخطأ في ما هو الحجّة من الأدلّة ورتبتها عند العقل على أحسن الأحوال، وإلا فنحن نعرف أنّه نابع من مغالطة يستخدمها دعاة الوهابية والسلفية لإحراج الشيعة؛ فهو سؤال إحراج وتشنيع ليس إلّا!

فيا ترى من أين جاءت القاعدة (الكبرى) التي تقول: إنّ الاستدلال على أُصول الدين يجب أن يكون من القرآن، ولا يكفي ورودها في السُنّة؟ وما هو


الصفحة 209

دليلها؟ ومن هو القائل بها؟

فكما ذكرنا أنّ مصطلح أُصول الدين لم يرد في الشريعة وإنّما اصطلحه علماء الكلام؛ إذ جمعوا المسائل التي يجب أن يُعلم بها ضمن عناوين كلّية تحوي هذه المسائل، وسمّوها بـ(أُصول الدين)، فمنهم من عدّها ثلاثة، أو أربعة، أو خمسة، أو أكثر, ولمّا اختلفوا في هذه المسائل (التي يجب على المكلّف أن يعلم بها وإلّا خرج من الدين) اختلفوا تبعاً لذلك في عناوين الأُصول، حتّى إنّك تجد مثلاً أنّ المعتزلة عنونوا في أُصولهم أصل: (المنزلة بين المنزلتين)، وأنّ من أُصول أهل الحديث: الإيمان بظواهر ما وصف الله به نفسه في القرآن, وغير ذلك.

وأمّا بخصوص الآية المباركة: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

فلنا أن نجيب: بأنّ الإمامة داخلة في ما بلّغ به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من كتاب الله وسُنّته، فهي داخلة في النبوّة، كالمعاد غير المذكور أيضاً في الآية، فهو ممّا بلّغ به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، ونزل به القرآن.

ثمّ يرد إلى الذهن سؤال: من أنّ الحجّية هل هي لكلّ آيات القرآن الكريم، أو لآية واحدة يختارها الشخص حسب هواه؟

وإذا كان الجواب هو الأوّل، فإنّا نقول: إنّ الإمامة قد ذكرت صراحة في القرآن بمفهومها الكلّي، وبيّن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) مصاديقها في سُنّته.

ولك أن تراجع أبحاث وكتب الشيعة عن الإمامة لتجد إن شاء الله تعالى الشرح الوافي لذلك، وكذا أدلّة كونها من الأُصول دون الفروع.


الصفحة 210

تعليق:

« أيمن أبو أنس ــ لبنان ــ سُنّي »

تعليقاً على جوابكم لسؤال الأخ هيثم من مصر عن كون الإمامة لم ترد في القرآن الكريم: أتمنى أن تعطوني مثالاً واحداً عن كون العقل حجّة، أو مصدراً للتشريع كالقرآن والسُنّة، وأنّه يثبت به شيء.

وأريد أن أقول لكم: إنّنا كأهل السُنّة والجماعة، لا يثبت عندنا شيء في أُصول العقائد ما لم يتحقّق فيه شرطان: أن يكون قطعي الثبوت وقطعي الدلالة.

وإذا أردتم المزيد من الشرح فلا مانع لي أن أُوضّح ذلك أكثر في رسالة لاحقة.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: ينبغي التمييز وعدم الخلط بين (العقل النظري)، وهو: ما يجب أن يُعلم، وبين (العقل العملي)، وهو: ما يجب أن يُعمل؛ فالأوّل هو مناط الحجّية في البرهان والمعرفة والعقيدة، والثاني هو مناط التشريع.

فحجّية العقل في العقائد والمعارف الإلهية ليس هو مصدراً للتشريع، كما هو الحال في العقل العملي، المختلف فيه بين المدارس الإسلامية بشأن كونه حجّة مدرك ومصدراً للتشريع أم لا.

ثانياً: إنّ (العقل النظري) الذي هو مناط إدراك المعارف الإلهية، والتفكّر والنظر، والبرهان على أُصول الدين والعقائد الحقّة، هو أمر متّفق عليه بين علماء جميع المدارس ولا خلاف فيه أبداً، وإنّما وقع الخلاف بينهم في بعض المسائل،


الصفحة 211
الصفحة السابقةالصفحة التالية