المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 6) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج6 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 271 - ص 300)

الإلهيات (العدل الإلهي)*

*انظر ــ ما يتعلّق بهذا الموضوع ــ : (أصول الدين)(الإلهيات/الأسماء والصفات)(التكليف)(الجبر والاختيار)(الخلق والخليقة)(العقل)(القضاء والقدر)(المعاد).


الصفحة 272


الصفحة 273

(سبب إفراده عن صفات الله تعالى وجعله أصلاً برأسه)

« مصطفى ديبا ــ السنغال ــ إمامي »

السؤال:

ما هي الفلسفة الموجودة في العدل الإلهي حتّى يعدّه الشيعة من أُصول الدين؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قال الشيخ كاشف الغطاء في كتابه (أصل الشيعة وأُصولها):

((العدل: ويراد به: الاعتقاد بأنّ الله سبحانه لا يظلم أحداً, ولا يفعل ما يستقبحه العقل السليم. وليس هذا في الحقيقة أصلاً مستقلاً, بل هو مندرج في نعوت الحقّ، ووجوب وجوده المستلزم لجامعيته لصفات الجمال والكمال, فهو شأن من شؤون التوحيد, ولكن الأشاعرة لمّا خالفوا العدلية, وهم المعتزلة والإمامية, فأنكروا الحسن والقبح العقليين, وقالوا: ليس الحسن إلّا ما حسّنه الشرع, وليس القبح إلّا ما قبّحه الشرع, وأنّه تعالى لو خلّد المطيع في جهنّم, والعاصي في الجنّة, لم يكن قبيحاً؛ لأنّه يتصرّف في ملكه، ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ(1)..

____________

1- الأنبياء (٢١): ٢٣.


الصفحة 274
حتّى إنّهم أثبتوا وجوب معرفة الصانع, ووجوب النظر في المعجزة لمعرفة النبيّ، من طريق السمع والشرع لا من طريق العقل؛ لأنّه ساقط عن منصة الحكم, فوقعوا في الاستحالة والدور الواضح.

أمّا العدلية فقالوا: إنّ الحاكم في تلك النظريات هو العقل مستقلاً, ولا سبيل لحكم الشرع فيها إلّا تأكيداً وإرشاداً, والعقل يستقلّ بحسن بعض الأفعال وقبح البعض الآخر, ويحكم بأنّ: القبيح محال على الله تعالى؛ لأنّه حكيم, وفعل القبيح منافٍ للحكمة, وتعذيب المطيع ظلم, والظلم قبيح, وهو لا يقع منه تعالى. وبهذا أثبتوا لله صفة العدل, وأفردوها بالذكر دون سائر الصفات، إشارة إلى خلاف الأشاعرة))(1).

(العدل من صفات الأفعال)

« ليلى ــ البحرين ــ إمامية »

السؤال:

هل العدل من صفات الذات، أو من صفات الأفعال؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قسّم المتكلّمون صفاته سبحانه إلى: صفات الذات، وصفات الفعل.

الأوّل: ما يكفي في وصف الذات به, فرض نفس الذات فحسب, كالقدرة والحياة والعلم.

____________

1- أصل الشيعة وأُصولها: ٢٢٩.


الصفحة 275
الثاني: ما يتوقّف وصف الذات به على فرض الغير وراء الذات، وهو: فعله سبحانه.

فصفات الفعل هي المنتزعة من مقام الفعل, بمعنى: أنّ الذات توصف بهذه الصفات عند ملاحظتها مع الفعل, وذلك كالخلق والرزق، ونظائرهما من الصفات الفعلية الزائدة على الذات بحكم انتزاعها من مقام الفعل.

وبموجب هذا التقسيم فصفة العدل من صفات الأفعال لا صفات الذات.

تعليق (١):

« سيّد أحمد أبو اللسان ــ هولندا ــ إمامي »

هل قبل الخلق ــ قبل صدور أيّ فعل عنه سبحانه، على فرض عدم صدور فعل عنه سبحانه في ما قبل الخلق ــ هل لم يكن عادلاً ولا ظالماً؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

القول بأنّ العدل صفة من صفات الفعل هو ممّا ذهب إليه أكابر المحقّقين في علم الكلام، كالعلاّمة الحلّي قدس سره، وهو يراد به: تنزيه الباري عن فعل القبيح والإخلال بالواجب. وهو بهذا المعنى يكون موصوفاً به بلحاظ ما يصدر عنه من فعل في الخارج، إلّا أنّ لهذا العدل منشأ، وهو كماله الذاتي سبحانه، كما هو الشأن في سائر صفاته الفعلية التي منشأها كماله الذاتي.


الصفحة 276
وهناك من يعد العدل صفة ثبوتية كمالية، هذا إن فُسّر العدل بمعنى: تناسب الأجزاء واستوائها واعتدالها، وهو خارج عن محلّ الكلام، كما أنّه لا يليق بجنابه تعالى؛ فإنّه من أوصاف المركّبات..

بل اللازم جعل العدل من صفات الفعل؛ لأنّ كلامنا في العدل الذي هو ضدّ الظلم، ومن المعلوم أنّ الصفات الفعلية منتزعة من مقام الفعل، وخارجة عن الذات، ومتأخّرة عنه..

فيصحّ ما ذكرتموه في مفروض السؤال، من أنّه سبحانه قبل خلق أيّ شيء لا يصحّ أن يقال في حقّه أنّه: عادل، أو: ليس بعادل. نعم يمكن إرجاع العدل إلى مبدئه، وهو كماله الذاتي، فيمكن أن يقال: إنّ العدل هو: اتّصاف ذاته تعالى بفعل حسن وجميل، وتنزيهه عن الظلم والقبيح.

تعليق (٢):

« حسن ــ العراق ــ إمامي »

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

المتكلّمون من العلماء عندما صنّفوا الصفات الإلهية إلى: صفات ذات، وصفات فعل، وضعوا ضابطة، وهي: أنّ الصفة التي يتّصف الحقّ سبحانه وتعالى بما يقابلها فهي صفة فعل، والتي لا يتّصف بما يقابلها فهي صفة ذات.

فالخالقية صفة فعل؛ لأنّه سبحانه وتعالى خلق فلان ولم يخلق فلان، وصفة الحياة ذاتية؛ لأنّه سبحانه وتعالى لا يمكن أن يتّصف بالموت.

فعليه إذا كنتم تقولون: بأنّ صفة العدل صفة فعلية، فهل معنى ذلك أنّ الحقّ سبحانه وتعالى يمكن أن يتّصف بالظلم، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.


الصفحة 277
إذن كيف التوفيق بين ذلك؟

جزاكم الله خير الجزاء.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لقد ذكرنا فيما مضى من الجواب الضابطة الأساسية للتمييز بين صفات الذات وصفات الفعل، وهي: إنّ ما ينتزع من مقام الذات فهو: صفة ذات، وما ينتزع من مقام الفعل والرابطة بين الله ومخلوقاته فهو: صفة فعل.

وذكر العلماء ضوابط أُخر للتمييز بينهما، من أنّ صفات الذات قديمة بقدم الذات، وصفات الفعل حادثة بحدوث الأفعال الإلهية، وأنّ صفات الذات لا يصحّ سلبها عنه تعالى، وصفات الفعل يصحّ سلبها في بعض الأحيان.

فإذا لم تنطبق إحدى هذه الضوابط على بعض الصفات، وانطبقت الضوابط الأُخر، فليس معنى ذلك خروج هذه الصفة عن كونها صفة فعل، كما هو في صفة العدل.

فالذي تبنّيناه في جوابنا الذي قرأتموه، هو كونها صفة فعل لانطباق ضابطتان، وأمّا الضابطة المذكورة فلا تكاد تنطبق في مورد العدل؛ لخصوصية في نفس صفة العدل؛ فإنّ الله لا يوصف بضدّها، وهو: الظلم.

وهذا ربّما ألجأ بعض علمائنا، كالشيخ المظفّر في (عقائد الإمامية)، إلى عدّ العدل من الصفات الثبوتية الكمالية، فلزم أن يكون العدل عنده وصفاً للذات.. ولكنّه ممنوع؛ فإنّ معنى العدل، هو: ((إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه))، وهو يقتضي أوّلاً إثبات موجود يثبت له حقّ، برعاية هذا الحقّ يكون العدل،


الصفحة 278
وبالتجاوز عنه يكون الظلم، وإذا عرّفنا العدل بـ(وضع كلّ شيء في موضعه)، سيكون العدل مرادفاً لصفة الحكمة، وقد عدّها العلماء من صفات الفعل بهذا المعنى أيضاً..

وأمّا العدل بمعنى: (تناسب الأجزاء واستوائها واعتدالها)، فهو، مضافاً إلى أنّه خارج عن محلّ الكلام، لا يليق بجنابه تعالى؛ فإنّه من أوصاف المركّبات.

وعليه، فاللازم جعل العدل من صفات الفعل، كما ذهب إليه الأكابر، ومنهم: العلاّمة المقداد السيوري في شرحه على الباب الحادي عشر للعلاّمة الحلّي؛ إذ قال: ((والمراد بالعدل، هو: تنزيه الباري تعالى عن فعل القبيح، والإخلال بالواجب))(1).

نعم، يكون منشأهُ كماله الذاتي، كسائر صفاته الفعلية، وإليه يؤول ما حكي عن المحقّق اللاهيجي من أنّ المراد من العدل هو: اتّصاف ذات الواجب بفعل حسن جميل، وتنزيهها عن فعل الظلم والقبح(2).

تعليق (٣):

« ليلى ــ البحرين ــ إمامية »

كيف يكون العدل من صفات الأفعال لله تعالى؟

إذا كنّا نعرّف صفات الأفعال بأنّها: الصفات التي يتّصف بها الله بملاحظة ما يصدر عنه من فعل، وقد يتّصف بأضدادها، فهل يمكن أن يتّصف الله بضدّ العدل؟

____________

1- النافع يوم الحشر/شرح الباب الحادي عشر: ٦٤، الفصل الرابع: مبحث العدل.

2- (سرمايه ايمان) للاهيجي: ٥٧ الباب الثاني: في العدل.


الصفحة 279
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الضابطة الصحيحة والدقيقة لتمييز الصفات عن كونها ذاتية أو فعلية، هو كفاية وصفه تعالى بها فرض ذاته فحسب، فتكون ذاتية، أو عدم كفاية وصفه تعالى بها إلّا صدور الفعل منه، وفرض شيء غير الذات، فتكون تلك الصفة فعلية منتزعة من فعله سبحانه.

وبذلك يتّضح مراد مشهور المتكلّمين من أنّ: كلّ وصف لا يقبل النفي والإثبات، ويكون أُحادي التعلّق، فهو: صفة الذات، وما لا يكون كذلك ويقع في إطار النفي تارة والإثبات أُخرى فهو: صفة الفعل، وأنّهم ناظرين بالحقيقة إلى تلك الضابطة السابقة.

صفات الفعل متعلّقة بصدور الفعل، وهي قبل صدور الفعل يمكن نفيها عن الله سبحانه وتعالى، فيكون نفي العدل صحيحاً لا بالظلم وإنّما قبل الخلق وقبل الفعل؛ إذ لا ظلم ولا عدل حينئذٍ، إذ لا فعل صادر لله تعالى حينئذٍ كي يصدق معه وصف الله تعالى بالعدل أو بغيره.

ثمّ إنّ العدل هو: فعل ما ينبغي، وعدم فعل ما لا ينبغي. فهو متعلّق بصدور الفعل كي يمكن انتزاع العدل منه، فحينئذٍ لا يمكن تصوّر صدور ما لا ينبغي عنه سبحانه، وإنّما كان العدل صفة فعل لكونه منتزعاً من الفعل، ولا يصحّ عدّ العدل بكونه صفة ذاتية؛ لأنّه منتزع من الفعل ومتعلّق به, فالذات بما هي ذات لا تتّصف بالعدل أو الظلم، ولكن بعد صدور الفعل من الذات يمكن أن تتّصف بالعدل أو الظلم، ولكن الله تعالى منزّه فعله عن الظلم.


الصفحة 280
وبذلك يتبيّن أنّ العدل من صفات الفعل حتّى مع عدم صحّة سلبه عن الله تعالى في مقام الفعل، ولكن يمكن سلبه عنه عزّ وجلّ في مقام الذات, وهذا يكفي في المقام؛ إذ السلب في الصفات الفعلية أعمُّ من مقام الذات ومقام الأفعال.. والله العالم.

(الدليل عليه)

« سرمد رعد كاظم ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم..

أرجو التفضّل بإعطائي بعض الأدلّة على العدل الإلهي.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يقول الشيخ السبحاني في (الإلهيات): ((ذهبت العدلية إلى أنّ هناك أفعالاً يدرك العقل من صميم ذاته، من دون استعانة من الشرع، أنّها حسنة يجب القيام بها، أو قبيحة يجب التنزّه عنها، ولو أمر الشارع بالأُولى ونهى عن الثانية فهو كاشف عمّا يدركه العقل ومرشد إليه، وليس للشرع أن يعكس القضية بأن يحسّن ما قبّحه العقل أو يقبّح ما حسّنه..

ثمّ إنّ القائلين بالحسن والقبح العقليين يقسّمون الأفعال من حيث الاتّصاف بهما إلى أقسام ثلاثة:


الصفحة 281
الأوّل: ما يكون الفعل بنفسه علّة تامّة للحسن والقبح، وهذا ما يسمّى بالحسن والقبح الذاتيين، مثل: العدل والظلم، فالعدل بما هو عدل لا يكون إلّا حسناً أبداً، ومتى ما وجد لا بدّ أن يمدح فاعله ويعد محسناً، وكذلك الظلم بما هو ظلم لا يكون إلّا قبيحاً، ومتى ما وجد ففاعله مذموم ومسيء، ويستحيل أن يكون العدل قبيحاً والظلم حسناً...))(1).

وقد بحث العدلية مع غيرهم في ملاك الدخيل لكون الشيء حسناً أو قبيحاً، فقالوا: إنّ ما استحقّ من الأفعال مدح فاعله عدّ عند العقلاء حسناً، وما استحقّ منها ذمّاً عدّ عندهم قبيحاً، وذلك بملاحظة الفعل نفسه من حيث هو هو من دون ضم شيء إليه، ومن دون أن يلاحظ كونه مشتملاً على نفع شخصي أو نوعي، فيستقل العقل بحسنه ووجوب فعله، أو قبحه ووجوب تركه.

وإن شئت قلت: إذا وقع الفعل في إطار العقل البشري من دون فرق بين الأفراد ومع غضّ النظر عن أيّ شيء آخر غير الفعل نفسه، وجده العقل موصوفاً بالحسن وقابلاً للمدح، أو على العكس, وهذا كما إذا لاحظ جزاء الإحسان بالإحسان فيحكم بحسنه، وجزاءه بالإساءة فيحكم بقبحه، فالعقل في حكمه هذا لا يلاحظ سوى نفس الموضوع من دون أن يتصوّر كونه يتضمّن صلاحاً أو فساداً، فمبحث الحسن والقبح الذاتيين لا يهدف إلّا إلى هذا القسم(2).

____________

1- الإلهيات ١: ٢٣١، الباب الثاني، الصفات الثبوتية الفعلية: الحكمة، الحكيم، المنزّه عن فعل ما لا ينبغي.

2- الإلهيات ١: ٢٣٤، الباب الثاني، الحكيم، المنزّه عن فعل ما لا ينبغي.


الصفحة 282
ولأجل زيادة البيان في تعيين محلّ النزاع بين الأشاعرة والعدلية نأتي بالتوضيح التالي:

إنّ كثيراً من الباحثين عن التحسين والتقبيح العقليين يعلّلون حسن العدل والإحسان وقبح الظلم والعدوان باشتمال الأوّل على مصلحة عامّة، وباشتمال الثاني على مفسدة كذلك، ولأجل تلك النتائج عمّ الاعتراف بحسن الأوّل وقبح الثاني الجميع، ولكنّك عرفت أنّ ملاك البحث أوسع من ذلك، وأنّ المسألة مركّزة على لحاظ نفس الفعل، مع غضّ النظر عن تواليه وتوابعه، هل يدرك العقل حسنه أو قبحه، أو لا؟ وهل العقل يمدح إحسان المحسن بالإحسان ويذم جزاء المحسن بالإساءة أو لا؟ وهل العقل يقبّح تكليف الإنسان بما لا يطيقه أو لا؟ وهل العقل يحسّن عمل العامل بالميثاق أو لا؟ فالنقاش على هذا الصعيد لا بالنظر إلى الأغراض والمصالح، فردية كانت أم اجتماعية.

فالقائلون بالتقبيح والتحسين العقليين يقولون: إنّ كلّ عاقل مميّز يجد من صميم ذاته حسن بعض الأفعال وقبح بعضها الآخر، وأنّ هذه الأحكام نابعة من صميم القوّة العاقلة والهوية الإنسانية المثالية(1)...

وإذا كان محلّ النزاع ما ذكرنا من إدراك حسن الفعل أو قبحه بالنظر إلى ذاته مع غض النظر عمّا يترتّب عليه من التوالي، فيقع الكلام في أنّ العقل كيف يقضي بالحسن والقبح؟ وما هو الملاك في قضائه؟

إنّ الملاك لقضاء العقل هو: أنّه يجد بعض الأفعال موافقاً للجانب الأعلى من الإنسان والوجه المثالي في الوجود البشري، وعدم موافقة بعضها الآخر لذلك.

____________

1- الإلهيات ١: ٢٣٥، الباب الثاني، الحكيم.


الصفحة 283
وإن شئت قلت: إنّه يدرك أنّ بعض الأفعال كمال للموجود الحيّ المختار، وبعضها الآخر نقص له، فيحكم بحسن الأوّل ولزوم الاتّصاف به، وقبح الثاني ولزوم تركه(1)...

وإنّ مقتضى التحسين والتقبيح العقليين ــ على ما عرفت ــ هو: أنّ العقل بما هو هو يدرك أنّ هذا الشيء بما هو هو حسن أو قبيح، وأنّ أحد هذين الوصفين ثابت للشيء بما هو هو، من دون دخالة ظرف من الظروف أو قيد من القيود، ومن دون دخالة درك مدرك خاص.

وعلى ذلك؛ فالعقل في تحسينه وتقبيحه يدرك واقعية عامّة متساوية بالنسبة إلى جميع المدركين والفاعلين، من غير فرق بين الممكن والواجب، فالعدل حسن ويمدح فاعله عند الجميع، والظلم قبيح ويذمّ فاعله عند الجميع.. وعلى هذا الأساس فالله سبحانه المدرك للفعل ووصفه ــ أعني: استحقاق الفاعل للمدح أو الذم ــ من غير خصوصية للفاعل، كيف يقوم بفعلٍ ما يحكم بأنّ فاعله مستحقّ للذمّ، أو يقوم بفعل ما يحكم بأنّه يجب التنزّه عنه؟

وعلى ذلك؛ فالله سبحانه عادل لأنّ الظلم قبيح وممّا يجب التنزّه عنه، ولا يصدر القبيح من الحكيم, والعدل حسن وممّا ينبغي الاتّصاف به، فيكون الاتّصاف بالعدل من شؤون كونه حكيماً منزّهاً عمّا لا ينبغي.

وإن شئت قلت: إنّ الإنسان يدرك أنّ القيام بالعدل كمال لكلّ أحد، وارتكاب الظلم نقص لكلّ أحد، وهو كذلك ــ حسب إدراك العقل ــ عنده

____________

1- الإلهيات ١: ٢٣٩، الباب الثاني، الحكيم.


الصفحة 284
سبحانه, ومعه كيف يجوز أن يرتكب الواجب خلاف الكمال ويقوم بما يجرّ النقص إليه؟!

وربّما يقال: إنّ كون الشيء حسناً أو قبيحاً عند الإنسان لا يدلّ على كونه كذلك عند الله سبحانه، فكيف يمكن استكشاف أنّه لا يترك الواجب ولا يرتكب القبيح؟

والإجابة عنه واضحة: وذلك أنّ مغزى القاعدة السالفة هو: أنّ الإنسان يدرك حسن العدل وقبح الظلم لكلّ مدرك شاعر، ولكلّ عاقل حكيم، من غير فرق بين الظروف والفواعل، وهذا نظير درك الزوجية للأربعة؛ فالعقل يدرك كونها زوجاً عند الجميع، لا عند خصوص الممكن.. فليس المقام من باب إسراء حكم الإنسان الممكن إلى الواجب تعالى، بل المقام من قبيل استكشاف قاعدة عامّة ضرورية بديهية عند جميع المدركين من غير فرق بين خالقهم ومخلوقهم. ولا يختص هذا الأمر بهذه القاعدة، بل جميع القواعد العامّة في الحكمة النظرية كذلك.

وعلى هذا يثبت تنزّهه سبحانه عن كلّ قبيح، واتّصافه بكلّ كمال في مقام الفعل، فيثبت كونه تعالى حكيماً لا يرتكب اللغو وما يجب التنزّه عنه، وبالتالي فهو: عادل لا يجور، ولا يظلم، ولا يعتدي(1).

ويشهد لما قلناه من عدله تعالى كثير من الآيات القرآنية والروايات عن المعصومين عليهم السلام.

____________

1- الإلهيات ١: ٢٨٧، الباب الثاني، ثمرات التحسين والتقبيح العقليين: الله عادل لا يجور.


الصفحة 285

تعليق:

« أبو محمّد الخزرجي ــ الكويت ــ إمامي »

بسم الله الرحمن الرحيم

أسئلتي: عن قضية الحسن والقبح العقليين!

يقول الشيعة، حسب ما فهمت من كلام الشيخ جعفر السبحاني في كتاب (الإلهيات) من الجزء الذي نقلتم كلامه: إنّ الشيعة تقول بالحسن والقبح العقليين, فإنّ الله عادل لا يفعل ولا يأمر إلّا بالحسن!

وردّ الإمامية قول الذين قالوا بأنّ: الحسن ما حسّنه الشرع والقبيح ما قبّحه الشرع!

طيّب, لماذا لا نقول: إنّ الحسن ما حسّنه الشرع؟ أليس الله لا يشرع إلّا الحسن؟

مع ملاحظة أنّ كثيراً من الأُمور التي جاءت في الشرع قد لا نعلم حسنها ولكن الله أمرنا بها, فقد يكون ظاهرها قبيح ولكنّها حسنة, وهذا يدلّل على صحّة مقالة من قال بأنّ الحسن ما حسّنه الشرع والقبيح ما قبّحه الشرع؛ قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرهٌ لَكُم وَعَسَى أَن تَكرَهُوا شَيئاً وَهُوَ خَيرٌ لَكُم وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُم وَاللَّهُ يَعلَمُ وَأَنتُم لاَ تَعلَمُونَ(1).

____________

1- البقرة (٢): ٢١٦.


الصفحة 286
القصد: أنّ العقل وحده غير كافٍ لإدراك كلّ المحاسن فلا يصحّ القول بحسن ما حسّنه العقل, وهذه الآية تدلّل أنّ القتال كان كرهاً لهم ولكن بحقيقته حسن لهم, فعقل الإنسان يستكره القتال مجملاً, ولكن قد يكون هذا القتال خير للإنسان؛ فالحسن ما حسّنه الشرع والقبيح ما قبّحه الشرع.

والعقل معرّض للأهواء, وهو أيضاً قاصر عن إدراك مقاصد الشريعة, فكيف يكون هو الحاكم على حسن الشيء أو قبحه؟

ملخّص الكلام: أنّ القول بحسن ما حسّنه العقل وقبح ما قبّحه العقل, قول لا يمكن أن يقبله العقل ذاته؛ لأنّه لا يعلم ولا يحيط بكلّ محاسن الأُمور.. فتحسين ما حسّنه الشرع وتقبيح ما قبّحه الشرع هو الصحيح؛ لأنّ الشرع هو الأكمل والمحيط بكلّ شيء.

فما رأيكم بهذا الكلام؟

ولكم جزيل الشكر.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ المسألة ليس كما فهمتها أيّها الأخ الكريم؛ فإنّ قصد الذين يقولون: الحسن ما حسّنه الشارع: والقبيح ما قبّحه الشارع؛ أنّه لا يوجد هناك حسن وقبح ذاتي للأفعال يمكن للعقل أن يدركه منها، وهذا معناه بالتالي: جواز أن يفعل الشارع ــ على قولهم هذا ــ القبائح، مثل: إدخال المؤمنين والأنبياء النار، وإدخال الكافرين والمجرمين المستحقّين العذاب الجنّة.


الصفحة 287
أو بعبارة أُخرى: أنّ الشارع إذا فعل فعلاً ــ وإن كان في واقعه ظلماً وقبيحاً، كإدخال الأنبياء إلى النار ــ فهو حسن إذا حسّنه هو..

هذا هو المقصود من فكرة: (الحسن ما حسّنه الشارع، والقبيح ما قبّحه الشارع)، وليس ما ذكرتم!

فنحن نقرّ أنّ كلّ ما صدر من الشارع هو حسن، وأنّ العقل لا يدرك حسن وقبح كلّ الأشياء، ولكن الحديث في هذه المسألة هو على نحو القضية الحقيقية وليس الخارجية، والقضية الموجبة الجزئية لا الكلّية؛ فلاحظ!

(مناقشة بعض أدلّة واعتراضات الأشاعرة)

« أحمد البحراني ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

س١: أفعال الله سبحانه وتعالى ومتعلّقاتها هي نفس الواقع الخارجي، وإنّما ينظر إلى أفعال المخلوقات ومطابقتها للواقع الخارجي، فإن وافقتها كانت متوافقة مع المصلحة، وإن خالفتها وافقت المفسدة، فإن صحّ ما سبق فهو المقصود من أنّ أفعال الله سبحانه تابعة للمصالح والمفاسد، وإن كان الأصحّ هو أنّ الأفعال الإلهية متبوعة المصلحة وليست تابعة المصلحة؟

س٢: إذا كان من لوازم العدل تصرّف الفاعل بما يملكه، ومن لوازم الظلم تصرّف الفاعل بما لا يملكه، ومن هذا المنطلق لا يمكن صدور الظلم


الصفحة 288
التكويني منه تعالى، حيث إنّ الأفعال مملوكة له، هل هذا الكلام صحيح أم لا، ولماذا؟

س٣: هل يصحّ القول: إنّ لله تعالى أن يتصرّف فيما يشاء بما يشاء من غير أن يتبع ذلك قبحاً أو ذمّاً أو شناعة، من عقل أو غيره، ولا يصحّ الاستدلال بانحصار أفعاله بما وراء القبائح العقلية، بأنّا نرى المالك لعبد إذا عذّب عبده بما لا يجوّزه العقل استقبحه وذمّ العقلاء عليه عمله، فهو من قبيل الاستدلال على شيء بحكم ما يباينه. هذا من ناحية..

ومن ناحية أُخرى: كيف يوجب العقل على الله سبحانه شيئاً وهو عزّ وجلّ خالق العقل؟

س٤: ما معنى قولنا: بأنّه تعالى لا يصدر منه القبيح وهو قادر عليه إلّا إنّه لا يفعله لحكمته، مع ملاحظة أنّ صفاته عين ذاته والاختلاف بينها إنمّا يكون بالمفهوم، فلا معنى للتفريق بينها بالواقع. هذا من جهة..

ومن جهة أُخرى: فإنّ صدور القبيح والظلم نقص، وهو كمال مطلق، وبين الكمال المطلق والنقص تناقض واضح، ممّا يعني استحالته عليه سبحانه وتعالى وعدم إمكانه، وبه يكون الله فاعلاً موجباً وليس فاعلاً مختاراً، فكيف يكون الجواب عن هذه الشبهة؟

س٥: ما الحكمة من إيجاب الله عزّ وجلّ أُموراً على نفسه، كالرحمة والعدل وغيرها؟

نسأل الله لنا ولكم الهداية وسعة العلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


الصفحة 289
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

١ــ يمكننا الإجابة عمّا فهمناه من سؤالكم الأوّل بالجواب التالي:

إنّ الذي عليه المتكلّمين من الإمامية والمعتزلة وبعض الأشاعرة: أنّ أفعاله سبحانه تابعة للمصالح وإن كنّا غير عالمين بها، وكذا الأحكام الشرعية فهي تابعة للمصالح والمفاسد؛ فلا واجب إلّا لمصلحة في فعله، ولا حرام إلّا لمفسدة في اقترافه، وقد استشهدوا لذلك بجملة آيات، منها: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ(1)، فالآية الكريمة تعلّل حرمة الخمر والميسر باستتباعهما العداوة والبغضاء وصدّهما عن ذكر الله. وأيضاً قوله سبحانه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ(2).

وأيضاً ورد من النصوص عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام: أنّ الأحكام الشرعية تخضع لملاكات؛ قال الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام: (إنّ الله تبارك وتعالى لم يبح أكلاً ولا شراباً إلّا لما فيه المنفعة والصلاح، ولم يحرّم إلّا ما فيه الضرر والتلف والفساد)(3).

والقدر الذي فهمناه من كلامك أنّه محاولة لتقرير اعتراض الأشاعرة بقولهم: ((إنّ غرض الفعل خارج عنه، يحصل تبعاً للفعل وبتوسّطه؛ إذ هو

____________

1- المائدة (٥): ٩١.

2- العنكبوت (٢٩): ٤٥.

3- فقه الرضا، لابن بابويه: ٢٥٤، باب (٣٧): باب النفقة والمآكل والمشارب والطعام.


الصفحة 290
تعالى فاعل لجميع الأشياء ابتداءً، فلا يكون شيء من الكائنات إلّا فعلاً له لا غرضاً لفعل آخر لا يحصل إلّا به ليصلح غرضاً لذلك الفعل، وليس جعل البعض غرضاً أوْلى من البعض))(1).

وجوابه واضح: فإنّ ترتّب الموجودات والأفعال بعضها على بعض، وكون بعضها غرضاً للبعض الآخر، أصل عقلي مسلّم لا يمكن إنكاره، والغرض من الكلّ هو الوصول إلى غايتها العليا والسامية، وهي: كمالها، وهذه الغاية لا تعود إلى الفاعل، وهو الله جلّ جلاله حتّى يلزم النقص له ــ نعوذ بالله ــ وإنّما تعود إلى الفعل، وهو: مخلوقاته، ليخرج فعله بذلك عن العبث واللغو؛ لأنّه فاعل حكيم لا يختار من الأفعال إلّا ما يناسب شأنه وكماله.

٢ــ وهذا أيضاً أحد أدلّة الأشاعرة على نفي الحسن والقبح العقليين، ونقول في جوابه: يعرف العدل ــ كما في المتون الكلامية ــ بأنّه: عدم فعل القبيح، وعدم الإخلال بالواجب، وعدم التكليف بما لا مصلحة فيه(2).

فما ذكرتموه من اللازم، وهو ليس لازم حقيقة، مشروط بما تقدّم من التعريف، فإن شمله فهو، وإلّا فلا يُعدّ عدلاً؛ لأنّ تصرّف الفاعل في ما يملكه ينبغي أن يكون وفق الضوابط المشار إليها، وإلّا عُدّ ظالماً لنفسه، وإن لم يكن في فعله ظلم للغير؛ فإنّ العقلاء يذمّون من يرمي ماله في البحر بلا غرض قطعاً، ويحكمون بسفاهته وقبح فعله.

____________

1- المواقف في علم الكلام، للإيجي: ٣٣٢ الموقف الخامس، المرصد السادس، المقصد الثامن، شرح المواقف، للجرجاني ٨: ٢٠٣ المقصد الثامن.

2- انظر: خلاصة علم الكلام، للفضلي: ١٤١، العدل.


الصفحة 291

٣ــ وهذا السؤال بيان آخر لما تقدّم من دليل الأشاعرة، وجوابه: إنّ الله سبحانه لا يفعل القبيح، فهو لا داعي له إلى فعل القبيح، وكلّ من كان لا داعي له إلى فعل القبيح امتنع وقوعه منه.. وبيان ذلك:

إنّ علمه سبحانه بقبح القبيح وغناه عنه صارف له عن فعله، ومع تحقّق الصارف يمتنع الداعي؛ لاجتماع الضدّين.

وأمّا قولكم: أنّه كيف يوجب العقل على الله سبحانه شيئاً وهو عزّ وجلّ خالق العقل، فهذه دعوى الأشاعرة الت ي ردّوا بها التحسين والتقبيح العقليين، والواقع أنّ العقل لا يوجب على المولى شيئاً، وإنمّا هو يدرك الحقائق لا غير، ومن الحقائق التي أدركها أنّ الله سبحانه لا يفعل القبيح ولا يقع منه القبيح؛ لما تقدّم بيانه من الاستدلال السابق.

وقد أثبت الفلاسفة أنّ للعقل قدرة على إدراك ما من شأنه أن يُعمل، ويسمّى حينئذ: عقلاً عملياً، أو حكمة عملية، وأيضاً إدراك ما من شأنه أن يُعلم، ويسمّى حينئذ: عقلاً نظرياً، أو حكمة نظرية(1).

وهذه المدركات هي ممّا أنعم بها المولى سبحانه على هذه القوّة، المسمّاة: عقلاً، المودعة عند الإنسان، والتي بها يستطيع الإنسان أن يميّز بين الحقّ والباطل، والخير والشرّ، والنافع والضار.

وقد أثبت العلماء بأدلّة وافية التحسين والتقبيح العقليين قبال المنكرين له، والمصرّين على أنّ: الحسن هو: ما حسنّه الشارع، والقبيح هو: الذي قبّحه الشارع،

____________

1- انظر: شرح منظومة السبزواري: ٣١٠ الفريدة السادسة، غرر في العقل النظري والعملي.


الصفحة 292
لا غير.. ويمكنكم أن تراجعوا في هذا الجانب ما ذكره الشيخ جعفر السبحاني في كتابه (رسالة في التحسين والتقبيح).

٤ــ قد تقدّم بيان علّة عدم صدور القبيح من المولى تعالى، وقد بيّنا أنّ القبيح ممتنع على الله سبحانه من جهة عدم الداعي لاستحالة وجود المعلول بدون العلّة. وكون المولى قادراً على القبيح ــ والقدرة صفة كمال له ــ وهو في نفس الوقت يستحيل وقوعه منه لعدم الداعي إليه، لا يُعدّ هذا الأمر نقصاً في الصفة، فيحصل بذلك التنافي، كما تصوّرتموه، بل هو ــ أي: عدم وقوع القبيح وصدوره منه ــ محض كمال للصفة بلحاظ الصفات العينية الأُخرى، كالعلم، والتي نعتقد بأنّ صفاته عين ذاته، فهو علم من حيث هو قدرة، وهو قدرة من حيث هو علم.. وهكذا بقية الصفات..

وما تخيّلت من لازم بكونه فاعلاً موجباً ليس بصحيح؛ فإنّ قدرته تامّة على فعل الحسن والقبح، ولكنّه لا يفعله لحكمته، فهو لا يفعل إلّا ما يناسب شأنه وكماله من دون إيجاب موجب عليه ــ نعوذ بالله ــ.

ألا ترى أنّنا ــ نحن البشر ــ قادرون على فعل القبائح، كالقتل بغير حقّ، والكذب، وسرقة مال الغير، وأمثال ذلك، ولكن الامتناع عنها وعدم صدورها منّـا يُعدّ كمالاً لنا، وحسنة تامّة من حسناتنا.. وهذا الكمال وتلك الحسنات إنمّا اعتبرت بلحاظ الإيمان والحكمة وتمام المروءة في الإنسان، الذي يعدّ فعل القبائح خرماً ونقصاً لها.

ثمّ إنّه يظهر من كلامك أنّك تعدّ صفة الحكمة من الصفات الثبوتية الذاتية، وهذا غير صحيح؛ فالحكمة من الصفات الفعلية؛ فلاحظ!


الصفحة 293

٥ــ إنّ المولى سبحانه وتعالى أوجب على نفسه الرحمة والعدل ليتمّ نعمته على عباده، بأن يجمعهم في يوم لا ريب فيه، ليعطي كلّ ذي حقّ حقّه بما أوجبه عليه من الطاعات والتكاليف، وليفوز في ذلك اليوم المؤمنون ويخسر المبطلون، وتلك غاية الغايات في خلق الخلق وإيجاده.

وليس قولنا: إنّه أوجب على نفسه الرحمة والعدل، أنّ هناك ما هو خارج عن ذاته أوجب عليه ذلك، بل المراد: أنّ تمام هذه الصفات هو مقتضى كماله وحكمته، وممّا يناسب شأنه.

(التوفيق بين العدل الإلهي مع انتشار الظلم في الدنيا)

« زينب ــ العراق ــ إمامية »

السؤال:

في معتقدات الشيعة: العدل الإلهي في الدنيا والآخرة, كيف يتم الاقتناع بالعدل الإلهي في الدنيا إن لم نلمسه واقعياً؟

ودمتم سالمين.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أُصول الدين ــ ومنها العدل ــ مسائل اعتقادية يكون محلّها القلب، وهي ليست من أعمال الجوارح، كما نعلم: كـ : الصلاة، والصوم، والحجّ، وغيرها من فروع الدين...


الصفحة 294
لذا كان وجوب الاعتقاد والإيمان بها عن طريق النظر والفكر والدليل؛ كي يكون هذا الاعتقاد قوّياً متيناً لا يتزعزع...

ومنها يكون الإيمان بالعدل الإلهي وفق الضوابط المشار إليها ــ أي: بالنظر والفكر والدليل ــ فإنّنا عندما نبحث عن عدالة الله سبحانه نجد أنّ الظلم، وهو المضاد أو المقابل للعدل، لا يوجد إلّا من خلال أُمور أربعة:

١ــ الاحتياج إليه.

٢ــ جهله؛ أي: يوقعه المرء وهو جاهل بأنّ هذا ظلم.

٣ــ الأمر به؛ كأن يأمر السلطان أو المتسلّط بفعل الظلم.

٤ــ العبث؛ أي: يفعل عبثاً لا لحاجة ولا جهل ولا لتسلّط.

ولا يوجد شقّ خامس لفعل الظلم..

وعندما نبحث عن هذه الأربعة في الشأن الإلهي نجدها منتفية تماماً؛ لأنّ الله سبحانه غني عن العالمين, غير محتاج لأيّ شيء من أيّ كان، وهو سبحانه عالم بكلّ شيء ولا يجهل حقائق الأُمور، وأيضاً لا يمكن أن يأمره أحد بفعل الظلم؛ لأنّه القوي القادر، والقاهر فوق عباده، وكذلك لا يفعل الظلم أو غيره عبثاً؛ لأنّه الحكيم العليم.. فعندما تنتفي أسباب فعل الظلم عند الله سبحانه يكون فعله فعلاً عادلاً أمراً مفروغاً منه..

وإذا عرفنا هذا، يجب أن نفرّق بين فعل الناس وفعل الله، فإنّنا نجد الظالمين في الأرض يفعلون ما يشاؤون، أو نجد الكثير من الأغنياء يعتدون على أموال الفقراء البسيطة ويأخذونها ليضمّوها إلى أموالهم، ونجد ونجد...


الصفحة 295
ومع هذا فقد يتساءل بعض الناس لِمَ لا ينتقم الله من الظالمين؟! لِمَ لا تظهر العدالة الإلهية في حقّ هؤلاء؟!

نقول: إنّ لله قوانين في الخلق والحساب، فهو سبحانه لا يأخذ أحداً بذنب حتّى يقيم الحجّة عليه، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً(1)، وقال تعالى: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً(2)، وقال تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ(3)، أي: يعطيه المهلة لعلّه يصلح من شأنه، وإلّا فالعدل الإلهي قائم لا محالة، وكما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ _ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ(4)... وقال جلّ شأنه: ﴿وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً(5).

وقال أمير المؤمنين عليه السلام: (ولئن أمهل الظالم فلن يفوت أخذه، وهو له بالمرصاد على مجاز طريقه، وبموضع الشجى من مساغ ريقه)(6).

وقال أمير المؤمنين عليه السلام: (أمّا بعد، فإنّ الله تبارك وتعالى لم يقصم جباري دهر إلّا من بعد تمهيل ورخاء، ولم يجبر كسر عظم من الأًمّم إلّا بعد أزل وبلاء...)(7).

____________

1- الإسراء (١٧): ١٥.

2- آل عمران (٣): ١٧٨.

3- الأعراف (٧): ١٨٣.

4- الزلزلة (٩٩): ٧، ٨.

5- الكهف (١٨): ٤٩.

6- عيون الحكم ومواعظ، لأبي الحسن الواسطي: ٥٠٦، الباب السادس والعشرون.

7- الكافي، للكليني ٨: ٦٣ حديث (٢٢) خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام.


الصفحة 296
فلا يحقّ لنا بعد معرفتنا بالله، واعتقادنا بعدله اعتقاداً مبتنياً على الدليل والبرهان أن نسيء فهم العدل الإلهي، أو ننظر إلى اختلال الموازين الناتجة من فعل البشر، ونقول: أنّنا لا نلمس العدل بشكل واقعي..

وهذا الحديث طويل بحسب مفرداته ومتشعّب، لذا ننصح الأُخت الكريمة بمراجعة كتاب (العدل الإلهي) للعلاّمة المطهري؛ فإنّ فيه جواب سؤالها بشكل موسّع.. والله الموفّق للصواب.

(كيف يموت الناس من الجوع مع العدل الإلهي؟)

« م/ جاسم »

السؤال:

السلام عليكم..

كما عرفنا أن لا يأخذ رزق العبد كلّ اهتمامه مبالغاً فيه، أو يغتمّ العبد برزقه للغد، فإنّ الله تبارك وتعالى هو الرزّاق، وهو الذي يضمن رزق جميع المخلوقات، فما حال الناس الذي يموتون من الجوع ومن الفقر محرومين من الرزق؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الله جعل في نظام الأسباب والمسبّباب رزق الفقراء في أموال الأغنياء، لحكمة من وراء ذلك، فإذا قصّر الأغنياء في ذلك، سيحاسبهم على ذلك، ويعوّض الفقراء عن حرمانهم من حقوقهم المفروضة لهم، فالله سبحانه وتعالى هو الرزّاق، ولا نقص من جهته، لكن جعل نظاماً لذلك، وإذا خالف أحداً في


الصفحة 297
هذا النظام بما يؤدّي إلى حرمان أحد فالنقص ليس في الرازق، بل في المانع، وعدالته سبحانه تقتضي أن يقتصّ للمظلوم من الظالم.

(ليس في خلق الإنسان في الدنيا ظلم)

« شهيد ــ لبنان ــ إمامي »

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم.

اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد وعجّل فرجهم.. يا بقية الله في أرضه.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ــ ما هو سرّ وجودنا، ولماذا خلقنا الله تبارك وتعالى؟

ــ والعياذ بالله، هل نستطيع أن نقول: إنّ الله ظلمنا عندما خلقنا في هذه الدنيا الدنيئة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نقول: تعالى الله عن الظلم؛ لأنّ الظلم فرع العجز والنقص، والله تعالى هو العزيز والغني والكامل؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظلِمُ مِثقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفهَا وَيُؤتِ مِن لَدُنهُ أَجراً عَظِيماً(1).

____________

1- النساء (٤):٤٠.


الصفحة 298
خلقنا الله تعالى لأجل إيصالنا إلى الكمال اللائق بنا، وبما أنّنا مخلوقون من جزءين: الأوّل مادّي، والآخر روحاني، فإنّنا يجب أن نقطع مراحل من التكامل المناسب للروح والمادّة كلّ بحسبه، ولا يكون التكامل إلّا بانتهاج شرائع الله وأحكامه، وقد دلّت بعض الأخبار أنّ الغاية من خلق الإنسان هي المعرفة(1)، وجاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالأِنسَ إلّا لِيَعبُدُونِ(2)، أي: ليعرفون(3)، فمعرفة الله تعالى تؤدّي إلى تكامل الإنسان وتزلّفه إلى من الله وتقرّبه إليه، ولذلك كانت العبادات مقيّدة بقصد القربة إليه عزّ وجلّ.

وأيضاً الوجود خير محض، فإذا تأمّلنا ما يقال له: خير، وجدناه وجوداً، وإذا تأمّلنا ما يقال له: شرّ، وجدناه عدماً، فالقتل مثلاً شرّ، ولكن إذا تأمّلناه وجدنا أنّ شرّيته باعتبار ما يتضمّن من العدم، وهو: إزهاق الروح؛ فإنّه ليس شرّاً من حيث قدرة القادر عليه، وإلّا فإنّ القدرة كمال للإنسان؛ ولا من حيث إنّ الآلة قاطعة؛ فإنّها أيضاً كمال لها، ولا من حيث حركة أعضاء القاتل، ولا من حيث قبول العضو للتقطيع، فليس الشرّ إلّا هذا العدم وباقي القيود الوجودية خيرات..

وهكذا ما يحصل في هذه الدنيا من الجهالات المركّبة، والعقائد الفاسدة، والأوهام الخرافية، والملكات الرذيلة، والأخلاق الذميمة، فليس ذلك إلّا أعدام لا حقيقة لها، والله تعالى قد خلق الإنسان وسائر المخلوقات، وأفاض عليها نعمة الوجود، وأردفها بأصناف الآلاء والمواهب التي لا تحصى، فلا ينبغي أن ينظر

____________

1- علل الشرائع، للصدوق ١: ٩ حديث (١) الباب (٩)، علّة خلق الخلق واختلاف أحوالهم.

2- الذاريات (٥١): ٥٦.

3- انظر: تفسير الميزان، للطباطبائي ١٨: ٣٨٨ سورة الذاريات.


الصفحة 299
إلى بعض موجبات الشقاء من تلك الأعدام الإضافية على أنّها شرور مخلوقة وظلم من الباري عزّ وجلّ.

(التحليل الفلسفي والتربوي لمسألة الشرور)

« أمّ السادة ــ السعودية ــ إمامية »

السؤال:

هل خلق الله الشرّ؟

وإذا خلقه، فهل الخير والشرّ متساويان، أم الخير أكثر من الشرّ، أم العكس؟

شاكرة لكم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نورد هنا اختصاراً من بحث الشيخ السبحاني في هذا الموضوع:

إنّ البحث عن الشرور ليس مسألة جديدة، بل هي مسألة قديمة طرحت بين فلاسفة الإغريق والمتأخّرين من فلاسفة الإسلام، فقد اشتهر قول أرسطو: ((إنّ الموجودات الممكنة بالقسمة العقلية في بادئ الاحتمال تنقسم إلى خمسة أقسام:

١ــ ما هو خير كلّه لا شرّ فيه أصلاً.

٢ــ ما هو خير كثير مع شرّ قليل.

٣ــ ما فيه شرّ كثير مع خير قليل.


الصفحة 300

٤ــ ما يتساوى فيه الخير والشرّ.

٥ــ ما هو شرّ مطلق لا خير فيه أصلاً.

ثمّ صرّحوا بأنّ الأقسام الثلاثة الأخيرة غير موجودة في العالم، وإنّما الموجود من الخمسة المذكورة قسمان))(1).

والتحليل الفلسفي لمسألة الشرور هو: أنّ ما يظنّه بعض الناس من أنّ هناك حوادث غير منتظمة أو ضارّة مدمّرة فإنّما هو ناشئ من نظرتهم الضيقة المحدودة إلى هذه الأُمور، ولو نظروا إلى هذه الحوادث في إطار النظام الكوني العام لأذعنوا بأنّها خير برمّتها ويكون موقف المسألة كما قاله الحكيم السبزواري:


ما ليس موزوناً لبعض من نغمففي نظام الكلّ كلّ منتظم

وتفصيل هذا الإجمال هو: أنّ وصف هذه الظواهر المذكورة بأنّها شاذّة عن النظام ينبع من نظرة الإنسان إلى الكون من خلال نفسه ومصالحها، وجعلها محوراً وملاكاً لتقييم هذه الأُمور، ويتجاهل غير نفسه في العالم، ولو نظر إليها من هذا المنظار العام لانقلبت إلى الخير والصلاح، واكتست ثوب الحكمة والعدل والنظم.

هذا بالإضافة إلى أنّ الحوادث ما هي إلّا حلقات مترابطة متسلسلة في سلسلة ممتدة، فما يقع الآن منها يرتبط بما وقع في أعماق الماضي، وبما سيقع في المستقبل، في سلسلة من العلل والمعلولات والأسباب والمسبّبات.

وهناك تحليل فلسفي آخر للشرور، حاصله أنّ الشرّ أمر قياسي ليس له وجود نفسي، وإنّما يتجلّى عند النفس إذا قيست بعض الحوادث إلى بعض آخر.

____________

1- الأسفار ٧: ٦٨ الموقف الثامن من السفر الثالث، الفصل (٣).


الصفحة 301
الصفحة السابقةالصفحة التالية