المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 6) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج6 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 301 - ص 330) وبيان ذلك: أنّ القائلين بالثنوية يقولون: إنّ الله سبحانه خير محض، فكيف خلق العقارب السامّة والحيّات القاتلة والحيوانات المفترسة؟ ولكنّهم غفلوا عن أنّ اتّصاف هذه الظواهر بالشرور اتّصاف قياسي وليس باتّصاف نفسي؛ فالعقرب بما هو ليس فيه أيّ شرّ وإنّما يتّصف به إذا قيس إلى الإنسان الذي يتأذّى من لدغته، فليس للشرّ واقعية في صفحة الوجود بل هو أمر انتزاعي تنتقل إليه النفس من حيث المقايسة، ولولاها لما كان للشرّ مفهوم وحقيقة.

وإلى هذا المعنى تؤول كلمات الفلاسفة القدامى، إذ قالوا:

١ــ الشرّ أمر عدمي وليس أمراً موجوداً محتاجاً إلى العلّة.

٢ــ الشرّ ليس مجعولاً بالذات بل مجعول بالعرض.

٣ــ إذا تصفّحت جميع الأشياء الموجودة في هذا العالم المسمّاة عند الجمهور: شروراً، لم تجدها في أنفسها شروراً، بل هي شرور بالعرض خيرات بالذات.

إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة، وهي: أنّ هناك عاملين دفعاً الإنسان إلى تصوّر أنّ الشرّ أمر عيني خارجي يُعدّ إيجاده على خلاف الحكمة والعدل، وأنّه عصيان عن النظم، وهما:

١ــ النظرة إلى الأشياء بمنظار الأنانية وتناسي سائر الموجودات.

٢ــ تصوّر أنّ الشرّ له عينية خارجية كالموصوف، والغفلة عن أنّه أمر عدمي يتوجّه إليه الذهن عند المقايسة.

هذا كلّه تحليل لمسألة الشرور من وجهة نظر فلسفية.


الصفحة 302
أمّا التحليل التربوي للشرور، فهو: أنّ لهذه الحوادث آثاراً تربوية مهمة في حياة البشر المادّية تارة، وفي إزاحة الغرور والغفلة عن الضمائر والعقول ثانية، ولأجل هذه الفوائد صحّ إيجادها سواء قلنا بأنّ الشرّ موجود بالذات، كما عليه المعترض، أو موجود بالعرض، كما حقّقناه.

وتفصيل تلك الآثار التربوية المهمة لتلك الحوادث هو: أنّ البلايا والمصائب خير وسيلة لتفجير الطاقات وتقدّم العلوم ورقي الحياة البشرية، فهاهم علماء الحضارة يصرّحون بأنّ أكثر الحضارات لم تزدهر إلّا في أجواء الحروب والصراعات والمنافسات؛ فالإنسان إذا لم يتعرّض للمشاكل في حياته فإنّ طاقاته ستبقى جامدة هامدة لا تنمو ولا تتفتّح، بل تموت تلك المواهب، وخروج الطاقات من القوّة إلى الفعلية رهن وقوع الإنسان في مهب المصائب والشدائد. وإلى هذه الحقيقة يشير قوله سبحانه: ﴿فَعَسَى أَن تَكرَهوا شَيئاً وَيَجعَلَ اللَّه فِيهِ خَيراً كَثيراً(1).

ثمّ إنّ من الآثار التربوية أيضاً هو: أنّ التمتّع بالمواهب المادّية والاستغراق في اللذائذ والشهوات يوجب غفلة كبرى عن القيم الأخلاقية، وكلّما ازداد الإنسان توغّلاً في اللذائذ والنعم ازداد ابتعاداً عن الجوانب المعنوية، فلا بدّ لانتباه الإنسان من هذه الغفلة من هزّة وجرس إنذار يذكّره ويوقظ فطرته، وينبّهه من غفلته, وليس هناك ما هو أنفع في هذا المجال من بعض الحوادث التي تقطع نظام الحياة الناعمة بشيء من المزعجات حتّى يدرك عجزه ويتخلّى عن غروره ويخفّف من طغيانه.

____________

1- النساء (٤): ١٩.


الصفحة 303
ولأجل هذا يعلّل القرآن الكريم بعض النوازل والمصائب بأنّها تنزل لأجل الذكرى والرجوع إلى الله، يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرسَلنَا في قَريَة من نَبيّ إلّا أَخَذنَا أَهلَهَا بالبَأسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهم يَضَّرَّعونَ(1), يقول تعالى أيضاً: ﴿وَلَقَد أَخَذنَا آلَ فرعَونَ بالسّنينَ وَنَقص منَ الثَّمَرَات لَعَلَّهم يَذَّكَّروُن(2).

ومن الآثار التربوية أيضاً: أنّ بقاء الحياة على نمط واحد يوجب أن لا تتجلّى الحياة لذيذة محبوبة، وهذا بخلاف ما إذا تراوحت بين المرّ والحلو، والجميل والقبيح، فلا يمكن معرفة السلامة إلّا بالوقوف على العيب، ولا على الصحّة إلّا بلمس المرض، ولا على العافية إلّا عند نزول البلاء، ولا تُدرك لذّة الحلاوة إلّا بتذوّق المرارة.

ثمّ إنّ هناك من المحن ما ينسبه الإنسان الجاهل إلى خالق الكون، والحال أنّها من كسب نفسه ونتيجة منهجه، بل الأنظمة الطاغوتية هي التي سبّبت تلك المحن وأوجدت تلك الكوارث، ولو كانت هناك أنظمة قائمة على قيم إلهية لما تعرّض البشر لتلك المحن.

فالتقسيم الظالم للثروات هو الذي صار سبباً لتجمّع الثروة عند ثلّة قليلة وانحسارها عن جماعات كثيرة، كما صار سبباً لتمتّع الطائفة الأُولى بكلّ وسائل الوقاية والحماية من الأمراض والحوادث، وحرمان الطائفة الثانية منها، فهذه البلايا المصطنعة خارجة عن إطار البحث، فلا تكون موقظة للفكر، ولا مزكّية للنفوس، بل تهيئ أرضية صالحة للانتفاضات والثورات.

____________

1- الأعراف (٧): ٩٤.

2- الأعراف (٧): ١٣٠.


الصفحة 304
إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة وهي: أنّ الظواهر غير المتوازنة بحسب النظرة السطحية، متوازنة بالقياس إلى مجمل النظام، ولها آثار اجتماعية وتربوية، ولا مناص في الحياة البشرية منها، فلا تُعدّ مناقضة للنظم السائد، ولا لحكمة الخالق، ولا لعدله وقسطه سبحانه وتعالى(1).

(حقيقة الشرور)

« أحمد ــ الولايات المتحدة ــ إمامي »

السؤال:

خلق الشرّ: هل خلق الله الشرّ؟

وكيف يعقل أن يصدر الشرّ من الله وهو الخير المطلق؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ البحث عن الشرور الموجودة في العالم بحث قديم؛ فقد قسّم أرسطو الموجودات إلى خمسة أقسام:

الموجود منهما اثنان: ما هو خير كلّه، وما خيره أكثر من شرّه.

وأمّا الثلاثة الباقية فغير موجودة، وهي: ما تساوى فيه الخير والشرّ، وما كان شرّه أكثر، وما كان كلّه شرّ.

____________

1- انظر: الإلهيات، للسبحاني ١: ٢٧٣ ـ ٢٨٦، الباب الثاني، (٣) الحكمة، البلايا والمصائب والشرور وكونه حكيماً.


الصفحة 305
ومن هذا يتّضح أن لا وجود لشرّ مطلق أو شيء هو شرّ محض، وبالتالي ينحصر البحث في الموجود الذي فيه شرّ قليل؛ إذ الموجود الذي كلّه خير خارج عن البحث.

فما يظنّه الناس من ملاحظة أنّ هناك حوادث غير منتظمة أو ضارّة ناشئ عن نظرتهم الضيّقة المحدودة لمجاري الأُمور، ولو نظروا إليها في إطار النظام الكوني لأقرّوا بأنّها خير؛ فإنّ الإنسان عادة ينظر من منظار نفسه ومصالحه، فإنّه يحكم على العاصفة أو الفيضان أو الزلازل بأنّها شرّ، ولكن علماء الطبيعة أثبتوا أنّها خير ولازمة لنظام الأرض، وكذا من نظر إلى سمّ العقرب وجده شرّاً بالنسبة إليه ولكنّه خير بالنسبة للعقرب، وعلى العموم فالنظر إلى الحوادث بانفرادها منعزلة عن إطارها العام في سلسلة الحوادث الطويلة نظرة خاطئة ناقصة. هذا من جانب..

ومن جانب آخر، لو عرفنا أنّ الشرّ أمر نسبي قياسي إلى الغير لانحلّت المشكلة؛ فإنّ الشرّ أمر انتزاعي ينتزعه الذهن بالمقايسة، فهو بالحقيقة وصف لا واقعية له وإنّما هو كالكبر والصغر، فإنّ الأرض أكبر من القمر ولكنّها أصغر من الشمس.

وعليه، ففي الحقيقة لو تأمّلت في الشرّ لم تجد له واقعية؛ فإنّك تعتبر الألم شرّ ولكنّه كإدراك للنفس وصدوره من سبب فهو واقع وخير، وأخيراً لا يعزب عن بالك ما للشرور والمصائب من أمر تربوي مهم في حياة البشر.


الصفحة 306

(تحليل فلسفة الشرور)

« سرمد رعد كاظم ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم..

ألا يُعدّ ما يحصل من كوارث طبيعية والفقر وغير ذلك، لبعض الناس دون غيرهم، منافياً للعدل الإلهي؟

مع جزيل الشكر.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أمّا مسألة الشرور والبلايا والمصائب، فإنّ حاصل ما يظنّه بعض الناس من أنّ هناك حوادث غير منتظمة أو ضارّة مدمّرة، فإنمّا هو ناشئ من نظرتهم الضيّقة المحدودة إلى هذه الأُمور، ولو نظروا إلى هذه الحوادث في إطار النظام الكوني العام لأذعنوا بأنّها خير برمّتها.

فعندما ينظر الإنسان إلى الحوادث ويرى أنّها تعود على شخصه وذويه بالأضرار ينبري من فوره إلى وصفها بالشرور والآفات، وما هذا إلّا لأنّه يتوجّه إلى هذه الظواهر من منظار خاص ويتجاهل غير نفسه في العالم، من غير فرق بين من مضى من غابر الزمان ومن يعيش في الحاضر في مناطق العالم، أو سوف يأتي ويعيش فيها..


الصفحة 307
ففي النظرة الأُولى تتجلّى تلك الحوادث شرّاً وبليّة، ولكن هذه الحوادث في الوقت نفسه وبنظرة ثانية تنقلب إلى الخير والصلاح، وتكتسي خلع الحكمة والعدل والنظم، وما أشبه الإنسان في مثل هذه الرؤية المحدودة بعابر سبيل يرى جرّافة تحفر الأرض أو تهدم بناءً محدثة ضوضاء شديدة ومثيرة الغبار والتراب في الهواء، فيقضي من فوره بأنّه عمل ضار وسيّء، وهو لا يدري بأنّ ذلك يتم تمهيداً لبناء مستشفى كبير يستقبل المرضى ويعالج المصابين ويهيّء للمحتاجين إلى العلاج وسائل المعالجة والتمريض.

ولو وقف على تلك الأهداف النبيلة لقضى بغير ما قضى، ولوصف ذلك التهديم بأنّه خير، وأنّه لا ضير فيما حصل من الضوضاء وتصاعد من الأغبرة(1).

(فاعل الشرور)

« الموالي ــ لبنان ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

سمعت بعض العلماء يقول: إنّ الشرّ لا وجود له، وأنّه لم يخلق أصلاً، ولكنّه وجد بسبب أفعال البشر (أي أنّه ناتج عن سوء ما اقترفت يد البشرية).

____________

1- الإلهيات ١: ٢٧٥، الباب الثاني، البلايا والمصائب والشرور وكونه حكيماً.


الصفحة 308
وسؤالي هو: إن لم يكن للشرّ وجود أصلاً، فكيف تستطيع أفعال الإنسان السيئة أن تكون مصدراً لوجوده؟ ــ بفرض القول: إنّ الشرّ لا يعدّ شرّاً في باطنه ــ لكن يبقى التساؤل, لم قيل: إنّ أفعال الإنسان الشريرة هي مصدر الشر؟ وكيف ذلك؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الخير والشرّ كلاهما منسوبان إلى الله تعالى، حيث قال عزّ من قائل: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ(1)، إلّا أنّ الفرق أنّ الشرّ منسوب إلى الإنسان ابتداءً وإليه عزّ وجلّ بالواسطة, والشرّ من الأُمور النسبية؛ إذ لا وجود له إلّا ما ينطبق على الأثر المترتّب على الأعمال الصادرة من الإنسان..

وقد ورد في الحديث: (إذا ظهر الزنا من بعدي كثر موت الفجأة)(2)، وأمثال ذلك من الآثار، فإنّ كلّ عمل، سواء كان خيراً وصالحاً، أو سوءاً وطالحاً، يترتّب عليه أثر يناسبه، شأنها شأن الآثار المترتّبة على الأشياء؛ فإنّ النبتة المعيّنة الفلانية فيها آثار معروفة، وعلى شرب السمّ مثلاً يترتّب الموت، فالشرور هي نتائج أعمال الإنسان وأفعاله، ولأجل ذلك وردت روايات تحثّ الإنسان على التفكّر في عواقب الأُمور، وما يترتّب على أفعاله من آثار سيئة. نسأل الله التوفيق والهداية.

____________

1- النساء (٤): ٧٨.

2- الكافي، للكليني ٢: ٣٧٤ حديث (٢) كتاب الإيمان والكفر، باب (مجالسة أهل المعاصي).


الصفحة 309

(معنى خلق الموت)

« حسن ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

وأنا أقرأ كتاب التوحيد للشهيد المطهّري، يقول فيه: ((الشرور: هي عدم، وأُمور عدمية, فالموت ليس سوى عدم الحياة, وخالق الحياة لم يخلق الموت كوجود مستقل... وغاية الأمر هي أنّ الحياة ما دامت محدودة بحدّ, فإنّ ما بعد هذا الحدّ هو العدم)).

وأمثال هذا الكلام يقوله كلّ علمائنا والفلاسفة, وهو موجود في موقعكم، واطّلعت عليه.

ولكن السؤال يبقى هو: إنّ القرآن يخالف هذا المعتقد مخالفة صريحة؛ يقول تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ _ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ(1)، ويقول تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً(2).

فكيف تقولون: إنّ الشرور والموت والفقر والجهل أُمور عدمية لم يخلقها الله تعالى، والله تعالى يصرّح بأنّه خلق الشرّ وخلق الموت؟!

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

____________

1- الفلق (١١٣): ١، ٢.

2- الملك (٦٧): ٢.


الصفحة 310
إذا أردنا أن نعرف ما معنى: (خلق الموت)، فيجب أوّلاً أن نعرف معنى

الموت، فإذا فسّرنا الموت بأنّه: عدم الحياة في ما من شأنه الحياة، أصبحت العلاقة بين الحياة والموت علاقة العدم والملكة، فيكون الموت عدمي، ويكون معنى الآية: أنّه قدّر الموت والحياة، فإنّ الخلق يأتي بمعنى: التقدير، والتقدير يتعلّق بالحياة والموت..

أو: بما أنّ الموت عدم ملكة فله حظّ من الوجود، فهو: عدم إضافي، ومن هنا صحّ أن يوصف بالخلق، أو أنّه خلق الموت بالعرض؛ لأنّه خلق الحياة، فبانعدامها يحدث الموت.. إلى غير ذلك من المعاني.

وأمّا إذا فسّرنا الموت بأنّه: انتقال من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة، فيكون وجودياً، وبالتالي فلا إشكال في وصفه بالخلق، ولا يكون عند ذلك شرّاً، ويخرج عن بحث كون الشرّ عدماً؛ لأنّه انتقال من عالم المادّة إلى عالم البرزخ.

وأمّا معنى قوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ _ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ فليس له علاقة بالموضوع؛ لأنّه استعاذة من شرّ الأشياء التي خلقها الله سبحانه وتعالى.

(سرّ خلق ذوي العيوب والعاهات)

« الجعفري ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أتساءل ويتساءل بعضهم أنّه ما دام الله خلقنا في أحسن تقويم، وفي أحسن


الصفحة 311
صورة، كما أخبر عزّ وجلّ: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ(1)، والله هو العدل الذي لا يجور.

فأوّلاً: كيف نفسّر ولادة أُولئك المشوّهين والمعاقين والمعتوهين والناقصين والمعلولين والمتخلّفين عقلياً، والمعاقين جسدياً؟

وثانياً: فما ذنب الطفل الذي يولد أعمى أو أصمّ أو أخرس أو معاقاً أو متخلّفاً... ألا يصطدم هذا مع عدالة الله تعالى ومع حسن التصوير والتقويم الإلهي؟

وثالثاً: ما ذنب الأهل أن يرزقوا بأمثال هؤلاء الأولاد؟ مع أنّهم قد يكونوا صلحاء وملتزمين؟

ورابعاً: على فرض انحراف الوالدين! فما ذنب أطفالهم ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى(2)؟ ولو كان هذا هو السبب لكان أولاد المنحرفين مشوّهين!

وخامساً: لو كان الطعام والمآكل هي السبب لكان أولاد الغرب والأوروبيين قديماً وحديثاً، وهم ممّن يأكل الميتة ويشرب الخمر ويستمع الغناء، كلّهم أو جلّهم مشوّهين؟!

وسادساً: لماذا لا يؤثّر أكل الميتة وشرب الخمر ولقمة الحرام وغيرها من المعاصي والتجاوزات في نسل من الناس، بينما يؤثّر في بعضهم الآخر؟ ولماذا هؤلاء دون هؤلاء؟

____________

1- غافر (٤٠): ٦٤.

2- الأنعام (٦): ١٦٤.


الصفحة 312
وسابعاً: وعلى ضوء هذا كلّه، ما هو تفسير قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ(1)، وقوله تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ ولادة بعض الأفراد مشوّهين أو معاقين، ظاهراً أو باطناً، يعود إلى جملة من الأسباب: منها أسباب سلوكية، ومنها موضوعية، ومنها غيبية.

أمّا الأسباب السلوكية: فهي تلك المرتبطة بسلوك وتصرّف الوالدين قُبيل أو أثناء الجماع، فإنّ عدم مراعاة ما ينبغي حال المجامعة يورث العيوب والعاهات لدى الأبناء، وقد ورد في الأخبار ما يؤيّد ذلك..

منها: (أنّ وطئ الحائض يورث الحول في الولد)(2)، و(أنّ من جامع امرأته وهي حائض فخرج الولد مجذوماً أو أبرص فلا يلومنّ إلّا نفسه)(3)، وعنهم عليهم السلام: (أكثر هؤلاء المشوّهين من الذين يأتون نساءهم في الطمث)(4)، وروي أنّ الجماع بشهوة غيرها يورث تخنيث الولد، ومجامعتها من قيام يورث فيه البول في الفراش(5)، وأنّ الجماع ليلة الفطر يورث عدم الولد في الولد (أي: يكون الولد عقيماً)، وليلة الأضحى يورث زيادة الأصبع أو نقصانها، وتحت الأشجار

____________

1- التين (٩٥): ٤.

2- عوالي اللآلي، لابن أبي جمهور ٣: ٣٠٧ الحديث (١١٩)، باب النكاح.

3- من لا يحضره الفقيه، للصدوق ٣: ٤٠٤ الحديث (٤٤١٣) الأوقات التي يكره فيها الجماع.

4- المهذّب البارع، لابن فهد الحلّي ٣: ١٨٨ كتاب النكاح، المقدّمة السابعة.

5- عوالي اللآلي، لابن أبي جمهور ٣: ٣٠٧ الحديث (١٢٢)، باب النكاح.


الصفحة 313
المثمرة يورث في الولد أن يكون جلاّداً أو عريفاً، وبين الآذان والإقامة يورث كونه حريصاً على إهراق الدماء، ومع استقبال الشمس بدون ستر يورث فقر الولد وبؤسه حتّى يموت، والجماع بغير وضوء يورث بخل الولد وعمى قلبه، وعلى سقوف البنيان يورث النفاق والرياء والبدعة(1)..

وغير ذلك من الأخبار الدالّة على أنّ لسلوك الزوجين حال الجماع تأثيراً في حصول العيوب والعاهات لدى الأبناء.

وأمّا الأسباب الموضوعية: فإنّها تعود إلى ما يقتضيه النظام التام وارتباط الأسباب والمسبّبات.

وبعبارة أُخرى: فإنّ الحكمة الإلهية قاضية بتفاوت الخلق في السلسلتين الطولية والعرضية، وضرورة التدرّج في نظام الوجود وترتّب الموجودات. وخلق الناس خاضع لنواميس ثابتة وسنن إلهية محسوبة ومقدّرة بدقّة، فالتفاوت الملحوظ في مراتب الخلق ممّا تقتضيه الحكمة، لأجل تبيان النعمة وحصول العبرة، فالجميل إنمّا يُعرف بالقبيح، والكامل إنمّا يُعرف بالناقص، والمؤمن إنمّا يُعرف بالكافر..

إذ لو خلق الله الناس كلّهم متساوين في الخلقة ظاهراً وباطناً بحيث لا يوجد عاهة ولا عيب ولا نقص، لانتفت حكمة الخلق والتكليف وإرسال الرسل وإنزال الشرائع، ولما تميّز وجه الحكمة في الخلق، وعدم تميّز وجه الحكمة يؤدّي إلى عدم المعرفة التي هي الغاية من خلق الناس؛ قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ

____________

1- عوالي اللآلي ٣: ٣٠٧ الحديث (١٢٣)، باب النكاح.


الصفحة 314
وَالأِنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ(1)، وفُسّرت العبادة في هذه الآية بالمعرفة، تبعاً لجملة من الأخبار المعتبرة، أي: أنّ التفاوت بين الخلق ضروري لتبيين وجه حكمة الحكيم تبارك وتعالى، فيعرف أنّه الكامل ولا أكمل منه، والعالم ولا أعلم منه، والغني الذي لا يفتقر، والإله الذي لا شريك له..

ثمّ إنّ أصحاب العاهات وإن سُلبوا بعض نعم الله تعالى التي لا تحصى فقد أسقط الله تعالى عنهم ما بإزائها من التكاليف، وذلك يُعد تعويضاً عمّا أُخذ منهم، علاوة على التعويض في الدار الآخرة، ولو قسنا عدد هؤلاء بالنسبة إلى سائر الناس لتبيّن لنا أنّهم أقلّ من عشر معشار الناس، وبهم تحصل العبرة للبشر فيشكروا الله على إتمام نعمته عليهم، فتذهب عنهم الغفلة عن عظيم فضله وجزيل إحسانه إليهم.

علاوة على أنّ عيوب هؤلاء الأفراد القلائل تحرّك في نفوس الأكثرية الشفقة والرحمة وتحملهم على مساعدة المعاقين وإعانتهم فيحصل التواصل والتراحم بينهم، وهذا من صلب ما أمرت به كافة شرائع الله عزّ وجلّ كافّة.

أمّا ما هو ذنب هؤلاء؟ فلا ذنب لهم ظاهراً، ولكنّه مقتضى رعاية النظام الشامل التام، ومقتضى التدرّج في سلّم الوجود، وهو عين الحكمة، وليس بقادح في عدله عزّ وجلّ، بل لو تصوّرنا خلوّ الدنيا عن هذه النقائض والعيوب، بعد التسليم بأنّها دار بلاء وامتحان، وأنّها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، كما ورد في الخبر، لو تصوّرنا ذلك لأمكن أن نقدح في حكمته ــ معاذ الله ــ فتأمّل!

____________

1- الذاريات (٥١): ٥٦.


الصفحة 315
وأمّا الأسباب الغيبية: فسنجمل الكلام عنها في هذا المقام، لصعوبة مأخذها، ولافتقار فهمها إلى اطّلاع واسع على أخبار الباطن والأسرار، ويمكن الإشارة هنا إلى ارتباط هذه العيوب والنقائص بالإجابة في عالم الذر، أو حصول اللطخ والخلط في الطينة بعد خلط طينة المؤمن بطينة الكافر، أو إلى أُمور تتعلّق بالعوالم السابقة لا يعلمها إلّا الله عزّ وجلّ.

أمّا وجه عدم قدح خلق هؤلاء المشوّهين والمعاقين وأصحاب العاهات والعيوب في عدالة الله عزّ وجلّ، فيمكن تقريبه بالمثال الآتي: إنّ الله سبحانه خلق الحنطة لمصلحة عباده وقدّر فيها أنّها إذا أُلقيت في الأرض الصالحة للزراعة وسقيت بالماء أنّها تنبت، بمعنى: أنّ الله تعالى ينبتها لمن يفعل ذلك، فإذا غصب الظالم حنطة المؤمن، وزرعها في أرض مغصوبة، وسقاها بماء مغصوب، أنبتها الله سبحانه بمقتضى ما جعل في الحنطة وفي الأرض وفي الماء من قابلية، مع أنّه عزّ وجلّ لم يرضَ بغصب حنطة المؤمن ولا غصب أرضه ولا غصب مائه، ولكنّه فعل ذلك إجراءً لما جعله سبباً في التأثير في مسبباته.

وهناك مثال آخر أوضح وأقرب إلى موضوعنا، وهو: أنّه إذا زنى الرجل الزاني وألقى نطفته في رحم المرأة التي زنى بها، فإنّه تعالى يخلق منها الولد وهو لا يرضى بالزنا ولا إلقاء النطفة الحرام في الرحم الحرام ولا يرضى بولد الزنا، ولكنّه تعالى أعطى الأشياء ما تقتضيه طبائعها، وأخبرهم بأنّه لا يرضى بذلك، فإذا فعل العاصي خلاف ما أمره به لم يمنع الكريم عزّ وجلّ عطيته، بل يعطيها بمقتضى طبائعها، فيخلق مقتضى فعل العاصي وإن لم يرضه، فكيف يقدح ذلك بعدله وهو عين الحكمة، فتأمّل جيداً، فإنّه دقيق.


الصفحة 316
وهكذا حال أصحاب التشوّهات الخلقية والانحرافات السلوكية؛ فإنّ للعيوب والنقائص أسباباً اقتضت ظهورها في أصحابها طبقاً لحكمة الخلق، وليس بالضرورة أن تكون تلك الأسباب كلّها منحصرة بالأسباب الطبيعية، وليس بالضرورة كذلك أن تكون كلّها منكشفة لنا، ومع ذلك فيجب الإيقان بأنّها حصلت طبقاً للحكمة من دون أن يكون ذلك قادحاً في عدله عزّ وجلّ، فالله تعالى عادل ولا يمكن أن نتصوّر عكس ذلك.

(التوفيق بين العدل الإلهي وبين خلق أُناس ذوي عاهة)(١)

« أحلام ــ المغرب »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

كيف يتحقّق العدل الإلهي بخلق أُناس ذوي عاهة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا يخفى عليكم أنّ السبب في خروج أطفال مصابين بعاهة إلى الحياة الدنيا في جانب منه هو بفعل الأبوين لا بفعل الله تعالى حتّى يُخلّ بعدله تعالى, وذلك بسبب سوء تغذيتهما, أو بسبب اعتيادهما بعض الأُمور المضرّة, وما إلى ذلك من ارتكاب ما حرّم الله في النكاح والمأكل والمشرب و... ويتجلّى لنا العدل الإلهي في هؤلاء المعاقين حينما نسمع أنّه تعالى يرفع عنهم التكليف الشاق، ويعوّضهم برحمته الثواب الجزيل. فيعطي للمتألم عوضاً لتألّمه وابتلائه من الأجر ما يكون أنفع بحاله.


الصفحة 317
روى الشيخ الصدوق في كتابه (التوحيد) عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: (كان في ما أوحى الله عزّ وجلّ إلى موسى عليه السلام: أن يا موسى ما خلقت خلقاً أحبّ إلَيَّ من عبدي المؤمن, وإنّما أبتليه لما هو خير له، وأُعافيه لما هو خير له, وأنا أعلم بما يصلح عليه أمر عبدي, فليصبر على بلائي, وليشكر نعمائي, وليرضَ بقضائي, أكتبه في الصدّيقين عندي إذا عمل برضائي فأطاع أمري)(1).

تعليق:

« كوثر ــ الكويت ــ إمامية »

السلام عليكم..

السؤال الأوّل: بماذا تردّون على من يقول: وما ذنب هذا الطفل إذا خرج معاقاً بسبب والديه أو ابن زنا ــ فلا يصلّى خلفه وغيره من المذمومات في ابن الزنا ــ إذ لم يكن بيده أن يختار مصيره ــ هذا قبل خروجه إلى الدنيا ــ وكيف لنا أن نتحدّث مع ذلك الطفل أو البالغ إذا أصرّ على قول: ربّي لم جعلتني كذا.. أو ما ذنبي، وما أشبه؟

وإذا قلتم: إنّه ليس من ظلم الله تعالى، بل من والديه، فهل نقول له: إنّما الذنب على والديك؟ فذلك من البديهي سيولّد الحقد والكراهية في نفسه تجاه والديه!

السؤال الثاني: ما ذنب الطفل إذا كانت أُمّه تأكل من أكل حرام، ويكون جسمه قد تغذى على الحرام وأصبح منبته من الحرام، ويكون مصيره

____________

1- التوحيد: ٤٠٥ الحديث (١٣)، باب (٦٢) إنّ الله تعالى لا يفعل بعباده إلّا الأصلح لهم.


الصفحة 318
(المفروض) أن تكون أخلاقه سيئة مثلاً، أو يرتكب المحرمات، خلاف الذي كان منبته منبتاً طيّباً غير خبيث فيه حرام أو شبهة؟

وشكراً.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

١ــ يبقى الإنسان على الرغم من ولادته من طريق غير شرعي، أو معاقاً، أو من لقمة حرام، يبقى مختاراً في سلوك طريق الهداية والوصول إلى الكمال اللائق به.

٢ــ نعم، يُحرم من بعض الأعمال في الدنيا، لكن هذا لا يمنع من أن يصل إلى الكمال المنشود من طريق آخر.

ثمّ إنّ حسابه يوم القيامة يختلف عن حساب غيره ممّن أُعطي المؤهّلات والإمكانات الكثيرة، فعلى قدر العطاء تكون المحاسبة، كما يختلف الجزاء والمثوبة في الآخرة على اختلاف الابتلاء في الدنيا.

(التوفيق بين العدل الإلهي وبين خلق أُناس ذوي عاهة)(٢)

« آيات ــ لبنان ــ إمامية »

السؤال:

اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد، صلاة لا منتهى لأمدها ولا نهاية لعددها.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


الصفحة 319
أودّ أن أسأل عن الأطفال الذين يولدون مصابين بحالات إعاقة، فهناك من يعترض على حكم الله جلّ جلاله في هذا الأمر، والكثير يسأل: هل من العدل أن يولد هكذا أطفال لآباء مذنبين، فيكون عقاب الأهل بأنّ رزقهم الله هكذا مولود؟

وما ذنب الطفل ليعيش هكذا حياة وهو ولد بلا ذنب ارتكبه بيده؟

كيف نستطيع أن نفسّر عدل الله بهذه الحالة لإنسان لا يمكن أن يستوعب الصبر على البلاء والمصيبة؟

ولكم جزيل الشكر.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ينبغي أن يعلم أنّ الأُمور التكوينية التي تجري في العالم هي على قسمين:

أحدهما: يكون السبب عمل الناس، وإليه يشير قوله سبحانه: ﴿ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالبَحرِ بِمَا كَسَبَت أَيدِي النَّاسِ(1). والعذاب النازل على الأُمم السابقة يندرج في هذا الإطار، وخروج الأولاد معاقين كثيراً ما يكون لأجل فعل آبائهم.

ومعلوم أنّه لا يمكن أن يتحمّل الطفل وزر أبويه؛ قال الله سبحانه: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزرَ أُخرَى(2)، ولكن بعض الأفعال القبيحة تصبح كالنار في إحراقها، فلو ألقى أحدٌ طفلاً في النار فهو يحترق جزماً، وليس في ذلك ظلم من الله سبحانه عليه بل الظالم من ألقاه في النار، ولو قطع أحدٌ رقبة أحد، فمقطوع الرقبة سوف

____________

1- الروم (٣٠): ٤١.

2- فاطر (٣٥): ١٨.


الصفحة 320
يموت جزماً، أو دس أحدٌ سمّاً قاتلاً في طعام غافل، فالذي دُسّ إليه السم سوف يموت حتماً، وليس في ذلك ظلم من الله سبحانه بل الظالم هو قاطع الرقبة، والذي دَس إليه السمّ، وخروج الأطفال معاقين في معظم الأحيان لأجل سوء عمل الأبوين عند المواقعة، أو لشرب بعض الأدوية، أو غيرها من الأسباب التي أشار إليها الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في النصيحة التي قدّمها إلى الأُمّة بواسطة عليّ بن أبي طالب عليه السلام وليس في ذلك ظلم من الله سبحانه (العياذ بالله) على أحد. وهذا كلّه في القسم الأوّل.

ثانيهما: الحوادث التي تحدث في العالم قد قُدّرت ونظّمت ورتّبت طبق اقتضاء الحكمة البالغة، وتلك الحكمة هي التي تتحكّم بأن يولد لأحدٍ ولد وللآخر تولد البنت، والأعمار تقدّر تحت هذه الحكمة الإلهية التي تكون ضمن الآجال الحتمية، ويدخل تحت هذا: أن يكون شخص من ذرّية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والآخر من ذرّية شخص آخر، ويدخل في هذا الإطار وفي هذا القسم وجود معاقين من صلب أبوين شريفين ملتزمين بجميع نصائح النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأوامر الشريعة الغرّاء ويكون في هذا البلاء والامتحان للمعاق ولغيره.

إنّ المقادير تجري كما قدّرها الله سبحانه، ولا رادّ لقضائه، ولا مبدّل لحكمه، ولا تدرك عقولنا مغزى الحكمة، وليس يدخل ذلك في الظلم؛ لأنّ الظلم هو: وضع الشيء في غير محلّه، والله لا يفعل ذلك، والصابر على قضاء الله مأجور، والجازع مأزور، كما ورد في بعض الروايات، وإلى هذا المعنى يشير سيّد الشهداء عليه السلام في بعض كلماته: (نصبر على بلائه، فيوفينا أجور الصابرين، ولا محيص عن يوم خُطّ بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت).


الصفحة 321
وقد روى الشيخ الصدوق(رضوان الله عليه) بسنده عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: قلت لأبي جعفر محمّد بن علي الباقر عليهما السلام: يا بن رسول الله! إنّا نرى من الأطفال من يولد ميّتاً، ومنهم من يسقط غير تام، ومنهم من يولد أعمى أو أخرس أو أصم، ومنهم من يموت من ساعته إذا سقط على الأرض، ومنهم من يبقى إلى الاحتلام، ومنهم من يعمّر حتّى يصير شيخاً، فكيف ذلك وما وجهه؟

فقال عليه السلام: (إنّ الله تبارك وتعالى أوْلى بما يدبّره من أمر خلقه منهم، وهو الخالق والمالك لهم، فمن منعه التعمير فإنّما منعه ما ليس له، ومن عَمّرَهُ فإنّما أعطاه ما ليس له، وهو المتفضّل بها أعطاه، وعادل فيما منع، ولا يُسأل عمّا يفعل وهم يسألون).

قال جابر: فقلت: يا بن رسول الله! وكيف لا يسأل عمّا يفعل؟

قال عليه السلام: (لأنّه لا يفعل إلّا ما كان حكمة وصواباً، وهو المتكبّر الجبّار، الواحد القهار، فمن وجد في نفسه حرجاً في شيء ممّا قضى الله فقد كفر، ومن أنكر شيئاً من أفعاله جحد)(1).

(سبب البلايا والمصائب)

« إبراهيم حسن العباد ــ أمريكا ــ إمامي »

السؤال:

بعضهم يقول: إنّهم لا يعصون الله بإذن الله، لكنّهم يلاقون الكثير من البلايا والمصائب.

____________

1- التوحيد: ٣٩٧ الحديث (١٣)، باب (٦١).


الصفحة 322
فبماذا يفسّر ذلك؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الذي فهمناه من سؤالك: أنّك تقول: إنّ هناك بعض الناس على الرغم من عدم ارتكابهم للمعاصي، فإنّهم يتعرّضون للبلايا والمصائب، وكأنّك تريد القول بأنّ البلايا والمصائب سببها ارتكاب الذنوب والمعاصي.

وهذا الأمر وإن كان صحيحاً من جهة، إلّا أنّ هناك بعض الابتلاءات يخضع لها العبد لإظهار مزيته على غيره، وإبراز كمالاته من القوّة إلى الفعل، أو لرفع درجته.

(ضابطة الابتلاء من حيث العقوبة ورفع الدرجة)

« أنمار المياحي ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

ما هي الفاصلة والضابطة للبلايا التي تكون من ذنوب العبد.. والبلايا والمصائب التي تكون بسبب إيمان العبد، وأنّه كلّما زاد إيمانه زاد البلاء، وأنّه كما في الخبر: (إذا أحبّ الله عبداً ابتلاه)؟!

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


الصفحة 323
الضابطة هي: معرفة الإنسان بقربه أو ابتعاده عن الله، فالإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره، يعرف نفسه جيداً في قضايا الطاعة والمعصية، ولا يوجد إنسان يجهل المعاصي جهلاً مطبقاً بحيث لا يعرف أنّه عصى إذا ارتكب معصيته..

فإذا شعر الإنسان بأنّه قريب من الله، وأنّ أغلب أفعاله وأقواله تدخل في باب الطاعات، علم بعد ذلك أنّ ما يصيبه هو ابتلاء لرفع درجته عنده سبحانه.

وأمّا إذا كان من أهل المعاصي ونزلت به البلايا، فليعلم أنّها عقوبة وليس لرفع الدرجة، وقد جاء عن الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام قوله: (الذنوب التي تنزل البلاء: ترك إغاثة الملهوف، وترك معاونة المظلوم، وتضييع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)(1).

(الابتلاء والامتحان)

« علي ــ أمريكا ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

إنّ الله سبحانه وتعالى يبتلي الناس، إمّا بحرمانهم من النعمة، أو بإعطائهم النعمة، أي: أنّ يعطيهم المال فيرى ماذا يصنعون به، أو يحرمهم من المال ويرى صبرهم..

والحرمان امتحان أصعب من أن تتوافر النعمة..

____________

1- وسائل الشيعة، للحرّ العاملي ١٦: ٢٨١، الباب (٤١) من أبواب الأمر بالمعروف، حديث (٨).


الصفحة 324
فلماذا لا يكون امتحان وابتلاء جميع الناس سواسية؟ فالفقير قد يشعر بأنّ الغني أفضل منه، وأنّ الله ابتلى الفقير أكثر من ابتلائه للغني, وكذلك قد يشعر المريض، أو المحروم من نعمة الأولاد.

فهل هذه الأفكار نعاقب عليها؟ لأنّنا نشعر بأنّ في الابتلاء, الله ابتلى وامتحن ناس أخفّ من امتحان الآخرين..

وكيف السبيل لأن نثبّت أقدامنا ونصبر على الابتلاء؟

وجزاكم الله خيراً.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ موضوع الابتلاء والامتحان في دار الدنيا من الموضوعات الدقيقة التي تبتني على أُسس واقعية، وحكم قويمة، تبلغ إلى مرتبة الأسرار الإلهية التي لا يمكن أن تدركها عقول البشر مهما بلغت من العظمة، وأُوتيت من الأسباب.

إلّا أنّ المتحصّل ممّا ورد في القرآن الكريم والسُنّة الشريفة: أنّ الابتلاء إنّما هو لأجل إظهار حقيقة الإنسان، ليصل إلى الجزاء الموعود، الذي أعدّه الله تعالى في الدار الآخرة، فلم يكن الابتلاء والامتحان بحسب المنظور القرآني لأجل ميزة دنيوية، أو الحصول على جزاء دنيوي إلّا في بعض الموارد التي ورد النص فيها خيراً كان أو شرّاً..

فالفقر والمرض والمحن والآلام وغيرها، ممّا يعدّها الإنسان ابتلاءات، إمّا أن تكون سُبلاً للوصول إلى المقامات الرفيعة والكمالات الواقعية والدرجات الراقية في الآخرة، فهي في الحقيقة سلالم الكمال ودرجات الرفعة والقرب.. أو تكون


الصفحة 325
سبباً في رفع الموانع عن طريق الإنسان بالآخرة. فإمّا هي لزيادة المقتضى لنيل الكمالات، أو لإزالة الموانع والعقبات، فهي لا تعدّ بهذا المنظور ابتلاءً في الواقع، فالفقر والمرض بهذا المقياس لا تكون محناً، بل سبباً لنيل الكمال.

نعم، قد يكون المقياس هي المرتبة في الدنيا، فتكون الابتلاءات والمحن بالنسبة إلى المظاهر الدنيوية وحظوظها، فيختلط الأمر، كما ذكرت أيّها الأخ، فربّما تكون النعم والمحن بل مطلق الابتلاء ترجع إلى بعض الأعمال الصادرة من الشخص، أو الصفات التي ترتكز في النفس، أو تؤثر في الخلف، وحينئذ لا تكون الأُمور الحاصلة بالنسبة إلى الأفراد ممّا ذكره السائل من دون سبب، فهي تابعة لأسباب، أو أُمور دقيقة واقعية.

والبحث طويل ذكرنا منه ما يتعلّق بسؤال السائل، والله الموفّق.

(هل الزلازل من غضب الله أو من ابتلائه؟)

« طالب ــ الجزائر »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ما هي أسباب الزلازل، هل هي من غضب الله أم هي ابتلاء؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يسبّب انفجار الغازات المنضغطة المتصاعدة من البراكين ــ في بعض الأحيان ــ هزّات تعرف بالزلازل البركانية.


الصفحة 326
وأحدث تفسير لحدوث الزلازل هو: قوى التشويه التي تحدث في الأرض صدوعاً؛ فصخور الأرض تتعرّض باستمرار لضغوط وقوى مختلفة، مثل ضغوط الغازات وأبخرة المياه، وتنتهي مقاومة الصخور لهذه الضغوط بتصدّعها، ثمّ تنزلق الكتل الصخرية والأتربة التي حولها.

إذا وصلت هذه الصدوع إلى سطح الأرض تسبّب شقوقاً طولية تمتد لمسافات، وعندئذ تسري الذبذبات في موجات اهتزازية خلال القشرة الأرضية وفي باطنها، وتصل إلى جهات بعيدة عن مركز الزلزال.

ولا شكّ أنّ الزلازل نوع من الابتلاءات والامتحانات الإلهية للإنسان، حاله حال بقية الظواهر الطبيعية. وقد يكون ناتجاً عن غضب المولى عزّ وجلّ على عصيان الناس لأوامره تعالى.

فقد ورد عن أهل البيت عليهم السلام، أنّ من أسباب الزلزال هو: انتشار الفاحشة. فعن الإمام الصادق عليه السلام، قال: (إذا فشت أربعة ظهرت أربعة: إذا فشا الزنا ظهرت الزلازل، وإذا أمسكت الزكاة هلكت الماشية، وإذا جار الحكّام في القضاء أمسك القطر من السماء، وإذا خفرت الذمّة نصر المشركون على المسلمين)(1).

وهكذا نجد القرآن الكريم يعد الإنسان مسؤولاً عن كثير من الحوادث المؤلمة والوقائع الموجعة في عالم الكون، ومنها: الزلازل؛ قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ(2).

____________

1- الخصال، للصدوق: ٢٤٢، باب الأربعة ٩٥

2- الروم (٣٠): ٤١.


الصفحة 327

(التوفيق بين موت الأطفال وعدم صدور القبيح من عند الله)

« كميل ــ عمان ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

بدر سؤال في ذهني عن موت الأطفال, وهو: كيف نوفّق بين هذا الشيء وبين عدم صدور القبيح من عند الله, خصوصاً عندما يعذّب الله بعض الأقوام؟ أليس الله بقادر على إبقائهم عند نبيّ ذاك الزمان وينزل ملائكة وحور العين لكي يساعدوه على تربيتهم؟

فأجبت نفسي بهذا الجواب، وأُريد رأيكم فيه:

١ــ إنّ هذا الأمر لا يعدّ قبيحاً على الله (جلّ وعلا)؛ لأنّ الأطفال ملك له، وله أن يفعل بهم ما يشاء حسب ما تقتضيه حكمته.

٢ــ قد يمكن إبقاء الأطفال, لا لأنّ الله لا يستطيع ذلك, ولكن لسبب ما هم غير قابلين للبقاء, وكما يقولون: ((القصور في القابل وليس الفاعل)).

٣ــ قد يكون بسبب العلم المسبق لله سبحانه وتعالى بأنّ هؤلاء الأطفال سيتّبعون آباءهم, وبالتالي لمحو الفساد يجب موتهم.

هذا والسلام عليكم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الجواب صحيح على نحو الموجبة الجزئية، ونضيف عليه ما يلي:


الصفحة 328

١ــ صحيح أنّ الأطفال، بل جميع المخلوقات هي ملك لله تعالى، لكن ذلك لا يعني أنّ الله عزّ وجلّ يفعل بها ما يشاء من الظلم أو القبح.

٢ــ نظرية التعويض تقول: إنّ الله إذا سلب عبداً شيئاً سوف يعوّضه عليه في الدنيا أو الآخرة، أو كليهما.

٣ــ الله قادر على جعلهم في كنف النبيّ، ولكن ذلك ليس الهدف من بعث الأنبياء والرسل؛ إذ الهدف منهم هو: التربية الروحية وليس التربية البدنية، بمعنى: ليس مهمته حضانة الأطفال.

٤ــ ما ذكرتم من اتّباعهم لآبائهم الكافرين هو أحد المحتملات، وهنالك احتمالات أُخرى أيضاً؛ إذ ربّما يكون إماتتهم لأجل إثابة أبويهم مثلاً، أو لأجل مصالح أُخرى لا تنفكّ عن حكمته وعدله ولطفه، وإن لم نعلم بها.

تعليق:

« سيّد أحمد أبو اللسان ــ هولندا ــ إمامي »

صحيح أنّ الأطفال، بل جميع المخلوقات هي ملك لله تعالى، لكن ذلك لا يعني أنّ الله يفعل بها ما يشاء من الظلم أو القبح.

أخي الكريم، الله يحكم لا معقّب لحكمه، له أن يفعل ما يشاء متى ما شاء كيف شاء، فلا نأتي نحن ونقول هذا قبيح ولا يجوز له فعله ولا يكون ظلماً، بل هو منتهى العدل، فلا يمكن لمخلوق أن يحدّد تكليف الخالق.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


الصفحة 329
هذا الذي ذكرتموه هو مذهب الأشعري، بأنّ: القبيح هو ما قبّحه الشارع، والحسن هو ما حسّنه الشارع، والإمامية والمعتزلة يقولون: القبح هو ما قبّحه العقل، والحسن هو ما حسّنه العقل، وفيه تفصيل نتمنّى أن تطالعوه في مظانّه لتحيطوا به علماً، ولعلّ أوفق المصادر التي تخدمكم لشموليتها بذكر مختلف المذاهب في المسألة: كتاب (الأُصول العامّة للفقه المقارن)، للسيّد محمّد تقي الحكيم.

وبعدها يأتي بحث آخر في علم الكلام، هو: أنّ الله سبحانه لا يفعل القبيح، وملخّصه: أنّه تعالى لا داعي له إلى فعل القبيح، وكلّ من كان كذلك امتنع وقوع القبيح منه، وعدم تحقّق الداعي لفعل القبيح هو علمه تعالى بقبح القبيح، وغناه عنه يصرفه عن فعله، ومع تحقّق الصارف يمتنع الداعي؛ لامتناع اجتماع الضدّين.

ويمكنكم مطالعة البحث برمّته، في شقّيه السابق واللاحق، في كتاب (الإلهيات)، للشيخ جعفر السبحاني.

(اختلافات الخلقة هل يعد خلافاً للعدل؟)

« كمال الدين ــ أفغانستان »

السؤال:

خُلق البشر على أشكال مختلفة، فمنهم: الأعمى والبصير, والقبيح والجميل, والأسود والأبيض, والعاقل والمجنون, أفلا يعدّ ذلك خلافاً للعدل؟

إذ الأعمى والقبيح مثلاً لا يستطيعان أن يستمتعان بالكثير من مباهج الدنيا, ولا يقدران على تحقيق أُمنياتهما, بل وتحدّ أوضاعهما من قدرتهما على عمل الخير..


الصفحة 330
والسؤال بشقّين: هل يعوّضهم الله على محروميتهم هذه في الآخرة؟

وإذا مات أحدهم كافراً، هل يعذّب في الآخرة, ويكون مصداقاً لمن ليس له الدنيا والآخرة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الاختلاف في خلقة البشر من حيث التفاوت في القبح والجمال, وتمام الخلقة أو نقصها, وسائر العوارض الأُخرى من قبيل الفقر والغنى, والصحّة والسلامة والمرض, إنّما تخضع كلّ واحدةٍ منها لحكمة خاصّة, وبشكلٍ عام نستطيع أن نشير إلى جوانب معيّنة من الحكمة المبتغاة في ذلك, من خلال النقاط الآتية:

أوّلاً: طالما أنّ الأشياء تعرف بأضدادها، فلا مجال إذاً لظهور الجمال بدون القبح, ولا لتجلّي الكمال دون وجود النقص، وهكذا.

ثانياً: إنّ التفاوت المذكور يكون ضروريّاً لظهور وتجلّي القدرة الإلهية المطلقة, ولكي يُعرف سبحانه بأنّه على كلّ شيء قدير، أمّا بعض موارد التفاوت الموجودة، فهي مفيدة بما تظهره من صفتي اللطف والقهر الإلهي.

ثالثاً: إنّ صلاح بعض أفراد البشر يكمن في القبح، أو العمى، أو الابتلاء بالفقر والمرض، وغير ذلك, ولو دقّقنا في بعض الحالات لوجدنا أنّ الصلاح يكمن فعلاً في ما اختاره الله تعالى.

رابعاً: ومن حكمة الاختلافات بين البشر, أن يكونوا في معرض الاختبار الإلهي ليتميّز مسلك السعادة عن مسلك الشقاء, ويُفرز بين أصحاب المسلكين..


الصفحة 331
الصفحة السابقةالصفحة التالية