المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 6) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج6 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 331 - ص 360) فأصحاب الابتلاء يُمتحنون بالصبر والتسليم, فينال الصابر منهم مقام الصابرين.

أمّا الأصحّاء المعافون فيُمتحنون بالشكر وأداء ما عليهم من التكاليف الإلهية إزاء إخوانهم المبتلين, وفي ذلك يقول تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ(1).

أمّا عن تعويض هذه المحروميّة, فليس ثمّة شكّ في ذلك؛ فالله هو الجابر, والجابر هو أحد أسمائه الحسنى تبارك وتعالى.

ومن جهة ثانية؛ فقد ثبت في أبحاث علم الكلام أنّ الله سبحانه يعوّض العباد عمّا عانوه وواجهوه من ألوان الآلام والمصائب والحرمان, بمقدار يساوي رضى العبد بالبلاء, وذلك في الأشياء المتعلّقة بالله, كالقبح والحسن وتشويهات الخلقة, وغير ذلك ممّا لا يكون للإنسان اختيار فيه.

وفي (الكافي) عن عبد الله بن أبي يعفور، قال: ((شكوت إلى أبي عبد الله عليه السلام ما ألقى من الأوجاع, وكان مسقاماً, فقال لي: (يا عبد الله! لو يعلم المؤمن ما له من الأجر في المصائب لتمنّى أنّه قرّض بالمقاريض)))(2).

وفيه أيضاً، تقرأ أنّ أبا بصير جاء إلى الإمام الصادق عليه السلام, وكان أعمى, فطلب منه أن يفتح له عن بصره بإذن الله تعالى, فطلب الإمام أن يقترب منه, ثمّ مسح بيده الكريمة على عينيه فأبصر, فقال له الإمام عليه السلام: (أتحبّ أن تكون هكذا

____________

1- الفرقان (٢٥): ٢٠.

2- الكافي، للكليني ٢: ٢٥٥ حديث (١٥) كتاب الإيمان والكفر، باب (شدّة ابتلاء المؤمن).


الصفحة 332
ولك ما للناس وعليك ما عليهم يوم القيامة، أو تعود كما كنت ولك الجنّة خالصاً)؟ فاختار أبو بصير الصبر على العمى مع الجنّة, فعاد إلى حالته الأُولى(1).

والذي نستفيده من هذا الحديث, أنّ الله يعوّض ما يتحمّله الأعمى في هذه الدنيا, بأن يجعله في أمان من مشقّة موقف الحساب.

ونجد في الأحاديث والروايات بأنّ الله سبحانه يجزل عطاياه ومننه في يوم القيامة على من كان مبتلياً في هذه الدنيا ويعوّضه عن حرمانه, وكذلك يفعل بمن أخّر عنه إجابة دعائه وحاجاته لمصلحة معيّنة, فيعطيه ويجزل عليه العطاء حتّى ليتمنّى المؤمن أنّه لم تستجب له دعوة في الدنيا.

جاء في الحديث المشهور عن الإمام الصادق, قال عليه السلام: (إنّ المؤمن ليدعو الله عزّ وجلّ في حاجته, فيقول الله عزّ وجلّ: أخّروا إجابته, شوقاً إلى صوته ودعائه, فإذا كان يوم القيامة قال الله عزّ وجلّ: عبدي! دعوتني فأخّرت إجابتك, وثوابك كذا وكذا، ودعوتني في كذا وكذا فأخّرت إجابتك, وثوابك كذا وكذا, قال: فيتمنّى المؤمن أنّه لم يستجب له دعوة في الدنيا ممّا يرى من حسن الثواب)(2).

أمّا ما جاء في سؤال السائل من أنّ فئة من الناس ابتُليت في الدنيا ببلاءات خاصّة لمصالح ترتبط بنظام العالم، أو بمصالح معيّنة, وأنّها تكون مصداقاً لمن فقد الدنيا والآخرة, طالما كانت قد خرجت من الدنيا دون إيمان.

____________

1- الكافي ١: ٤٧٠ حديث (٣) أبواب التاريخ، باب (مولد أبي جعفر محمّد بن عليّ عليه السلام).

2- الكافي ٢: ٤٩٠ ــ ٤٩١ حديث (٩) كتاب الدعاء، باب (من أبطأت عليه الإجابة).


الصفحة 333
ففي الجواب نقول: إنّ هذا المصير بالنسبة لأفراد هذه الفئة يرتبط بسوء اختيارهم, فهؤلاء رغم محروميتهم في الدنيا, كانوا قد اختاروا بملء إرادتهم طريق الكفر وعدم الإيمان, لذلك فلن يكون لهم نصيب من الرحمة الإلهية في الآخرة.

(المعاناة في الدنيا ليست مقياساً لحسن الحال في الآخرة)

« زينب محمّد ــ السعودية ــ إمامية »

السؤال:

يوجد بعض من الشيعة المؤمنين منعّمين بالمال والجمال والأولاد والرفاهية المترفة، وحياتهم حياة رغيدة، وبعض من المؤمنين مقتّر عليهم في الرزق، ويعانون شظف العيش وقسوة الحياة، والألم والمعاناة، وغير موفّقين في كلّ الأحوال؟!

أنا أعلم علم اليقين أنّ الله عزّ وجلّ عدل لا يجور، وابتلاؤه للمؤمنين بداعي الاختبار والفتنة، ليعلم حينئذ أيّهم أحسن عملاً.. ولكن كثيراً ما يخالجني شكّ، وتنتابني التسويلات الشيطانية في أنّه: لماذا بعض المؤمنين مقبلة عليهم الدنيا ولهم نصيب في الآخرة، والبعض الآخر لهم الجنّة، لأنّه لم يكن لهم نصيب في الدنيا؛ لأنّ الله اختار لهم الحياة الأبدية والنعيم الخالد (هل يعقل أن يكونوا سواء في نفس الدرجة والمنزلة)؟!!!

سؤالي: هل من يكابد الحياة الدنيا بخشونتها ومرارتها، ومن يعاني شدّة الألم والقهر واللوعة له الدرجات العلى في الجنان مع محمّد وآله الأبرار، والمرتاح بعض الشيء من الشيعة في هذه الدنيا يضحى دونهم في الدرجات؟


الصفحة 334
أرجو الإجابة الشافية من حضراتكم، ولكم جزيل الشكر..

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ليس المقياس في عالم الآخرة للثواب هو الألم والمعاناة في الدنيا أو عدمها فقط، فهناك من الكفّار من هو في أسوأ حال في الدنيا، فلا يقال: إنّ لهذا حظّاً في الآخرة، وإنّما المقياس الأساس في الآخرة هو: الإيمان والعمل الصالح، فبالتقوى يكون الإنسان عند الله كريماً، لذا فهناك من المؤمنين أصحاب الإيمان الصحيح والعمل الصالح الكثير والخالص من الأغنياء من هو أعلى درجة من الفقراء أصحاب الإيمان الضعيف والعمل الصالح القليل..

والله سبحانه يعوّض الإنسان على ما يصيبه في الدنيا من المصائب والمعاناة.

نعم، لو تساوت درجات هذا وذاك من الاعتقاد والعمل، ينال الصابر على البلاء درجات لا ينالها غيره من المعافين.

(العلاقة بين كون كلّ ما يفعله الله فهو خير وبين من يولد من أبوين كافرين)

« م/ مهاجر ــ فلسطين »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّنا نؤمن بأنّ كلّ ما يفعله الله هو خير. ما هو تفسيركم في من يولد غير مسلم، هل هذا خيراً له؟


الصفحة 335
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نحن نعتقد أنّ الله تعالى لا يفعل شرّاً ولا لغواً ولا عبثاً, وإنّما كلّ أفعاله تتّصف بالخير والمصلحة والحكمة.

وعليه, فعملية التوالد عملية تتّصف بالخير والمصلحة للمجتمع والأُسرة, وهي نتاج طبيعي لاقتراب الزوج من زوجته, فخروج الطفل إلى الحياة الدنيا فيه خير ومصلحة.

ولكن تارة يخرج من أبوين مؤمنين، فذلك نور على نور, وأُخرى يخرج من أبوين كافرين، فهذا سببه الأبوان لا الباري عزّ وجلّ؛ إذ أنّ الإنسان يولد على الفطرة, وإنّما أبواه يهوّدانه وينصّرانه.

ولكن باعتبار أنّ الله تعالى عادل, سوف يحاسب كلّ من الطفلين بمقدار سعيه وعمله, ويتوقّع من المؤمن أكثر ممّا يتوقّع من الكافر, فهو تعالى يقدّر جهود كلّ منهما لما يتحمّله من المشاقّ في الوصول إليه تعالى.

تعليق:

« سيّد أحمد أبو اللسان ــ هولندا ــ إمامي »

للإنسان استعدادات معيّنة ومراتب معيّنة يريد أن يصلها ولا بدّ أنّه بالغها، وهذا ما يسمّى بالتكامل.

وبما أنّ للإنسان مقاماً ومرتبة وكمالاً هو بالغه، يحتاج ذلك إلى جملة من الأُمور، فمثلاً الرجل الذي يريد أن يحيي الإسلام ويبقيه بعد محاولة دثره


الصفحة 336
والقضاء عليه، الرجل المستعد أن يضحّي بنفسه من أجل إحياء الدين، يحتاج أن يكون ابناً للزهراء وعليّ عليهما السلام، فيولده الله سبحانه من صلب عليّ، وينشئه في رحم الزهراء، ويربّيه في حضنها.

وأمّا من يكون هدفه وكماله قتل الأنبياء أو أولاد الأنبياء، وهذا هو كماله، والله يريد أن يوصله لكماله ﴿كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ(1)، فيحتاج لكي يصل إلى ذلك الكمال أن يكون ابن هند ومعاوية وسواهم!

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الله سبحانه خالق عادل، ومقتضى عدالته: أنّه لا يظلم أحداً ولا يبخسه حقّه، سواء في الدنيا أم الآخرة، ونحن لا نحيط علماً بما عنده سبحانه، وإنّما ندرك أنّه سبحانه يعلم كلّ شيء، فهو يعلم ماضي كلّ إنسان ومستقبله وحاضره، حتّى قبل نشأته ووجوده، ومع علمنا بوجود هذين الأمرين، نعني: الإحاطة العلمية بواقع كلّ إنسان، وكونه سبحانه عادلاً، فنحن مطمئنون بأنّ كلّ إنسان ينال في هذه الدنيا ما يؤهّله لأن يكون ممّن يصدق التكليف في حقّه، وأنّه ليس مغبوناً أو مظلوماً في شيء من ذلك، فربّ ابن نبيّ يكون ضالاً عن الجادة، كما حدث لابن شيخ الأنبياء نوح عليه السلام، وربّ ابن مجوسيّين يكون من أهل البيت عليهم السلام، كسلمان الفارسي(رضوان الله عليه)؛ فتدبّر ذلك!

____________

1- الإسراء (١٧): ٢٠.


الصفحة 337

(هل يوجد فرق في الحساب بين المولود في بيئة دينية وبين غيره؟)

« أحمد ــ أمريكا ــ إمامي »

السؤال:

العدل الإلهي: كما هو معلوم أنّ الله عادل، وأنّ الاعتقاد بذلك هو من الضروريات.

ولكن لدينا استفسار نرجوا توضيحه بشأن هذه المسألة:

يولد بعض الناس في محيط ملتزم دينياً، فتكون لديه فرصة كبيرة لأن يلتزم، وكذلك يولد آخرون في محيط فاسد، فتكون فرصة التزامهم أقلّ، إمّا لقلّة مستوى الوعي الديني، وإمّا لقوّة تأثير الفاسدين عليهم. فـ :

س١) هل سيحاسب الله الفئتين بنفس الميزان؟ وهل هذا يعدّ عدلاً؟

س٢) إذا كان الله سيحاسب الفئتين بشكل مختلف، نرجوا تبيين هذا الاختلاف.

س٣) هل سيعطي الله تعالى الفئة الثانية فرصة أُخرى بعد الموت ليعوضهم عن فارق الفرص الذي منحه للفئة الأُولى في الدنيا؟

وتقبّلوا منّا خالص التحية والدعاء، كما نسألكم الدعاء، والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآل محمّد الطيّبين الطاهرين، وعجّل اللّهمّ فرجهم وفرجنا بهم، إنّك سميع الدعاء قريب مجيب.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


الصفحة 338
إنّ ميزان العدل واحد، ولأنّه واحد تكون المبادئ التي سوف تحاسب عليها الفئتان مختلفة؛ فإنّ الحساب سيكون على مقدار العلم والحجّية الواصلة إلى المكلّف، ومدى إخلاصه وجهده مقابل إهماله وتقصيره..

وعليه، فالمقصّر غير القاصر، ومن وصلته الحجّة وعاش في بيئة دينية غير من لم تصله الحجّة وعاش بعيداً عن الدين، ومن عرف الحجّة واتّبعها، أو بحث عنها، غير من تركها أو أهملها.

فقد أقرّ العقل أنّ الله عادل لا يظلم، وتضافرت الأدلّة والنصوص على الفرق بين العالم والجاهل، وفرّق القرآن بين نساء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وغيرهنّ بالثواب مرّتين في حال الطاعة، والعقاب مرّتين في حال المعصية، وقريب منه ورد في بني هاشم.

والفرق واضح في مقدار الجحود والمعصية بين مَن وصله الأمر والنهي وعاش في مكان غير موبوء، ولكنّه ارتكب المعصية، وبين من لم يصله شيء من ذلك وعاش في مكان كلّه مغريات؛ فلاحظ!

(التكليف ثابت ما دام العقل موجوداً)

« سيّد عبّاس ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

في هذا الوقت، الأكثرية هم من المسيحيين ثمّ المسلمين و...

هل الله سبحانه وتعالى سيزجّ العالم بكامله إلى نار جهنّم وبئس المصير، في حين نحن المسلمون أنعم الله علينا بأبوين مسلمين فصرنا مسلمين؟


الصفحة 339
وكما مروي عن أهل البيت عليهم السلام: أنّ الإنسان يولد على فطرة الإسلام ولكن أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه، فالله سبحانه وتعالى اختصر علينا نحن المسلمون، وخصوصاً الموالون، هذا الطريق في كوننا مسلمين ومن شيعة أهل البيت، ما هي فلسفة الله سبحانه وتعالى في اختيارنا لهذه النعمة، وهل الله سبحانه وتعالى سيحاسب المسيحي لأنّه مسيحي واليهودي لأنّه يهودي؟ وهل الله تعالى يطلب منه البحث عن الطريق الصحيح والديانة الصحيحة ونحن قُدّمت لنا هذه النعمة على طبق من ذهب؟!

بعض الناس يقول: يجب عليهم البحث عن الطريق الصحيح والديانة الصحيحة، وإن لم يبحثوا فمصيرهم النار! وهل نحن بحثنا؟!

فكما نحن أهل العامّة نأخذ أحكامنا من علمائنا؛ لأنّنا نثق بديننا وعلمهم، هم أيضاً يأخذون دينهم وأحكامه من علمائهم ويؤمنون بأنّ ديانتهم صحيحة، وهناك من الكّتاب الكبار والمؤلّفين من يكتب مجلّدات لإثبات بأنّ المسيحية على الطريق الصحيح.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

بالنسبة لسؤالكم، نقول: خلق الله الإنسان ومنحه العقل، وهذا العقل، كما يقول أحد الفلاسفة، هو: أكثر شيء قسمة بالعدل بين بني البشر، فلا يمكن أن يكون الصيني أكثر عقلاً وتعقّلاً من الفرنسي، أو العربي أكثر عقلاً وتعقّلاً من الهندي، وهكذا سائر البشر على مختلف قومياتهم وبلدانهم، فالجميع يملكون هذه المنحة الإلهية، وهي: العقل..


الصفحة 340
فالإنسان بعقله يدرك الخطأ من الصواب في شؤون حياته المختلفة، فهو عند بلوغه ووعيه لا بدّ أن يميّز بين الأسباب والمسبّبات ويدرك أن لا مسبّب من غير سبب، وأنّ للوجود خالقاً، وأنّ هذا المعنى ــ أي: وجود الخالق ــ يعني: الدين، فيعرف أنّ هناك أدياناً في الوجود استأثرت ببيان العقائد وتفسير علّة الوجود لهذا العالم، وهذا يحتم عليه البحث والسؤال والاستفسار عن حقيقة الأشياء وصدق الدعاوى، وخاصّة إذا تسامع بوجود الخلاف بين هذه الأديان، فهو حينئذ لا يمكن له ــ بحكم كونه عاقلاً ــ أن يطمئن إلى ديانة يجهر الطرف الآخر ببطلانها، ويتسامع أنّ الآخرين يقولون: إنّ ديانته هذه باطلة، فهو حينئذ لا بدّ عليه أن يبحث ــ ليدفع الضرر المحتمل الذي يفرضه العقل عليه ــ ليصل إلى بر الأمان في كلّ ذلك..

وهذه الحالة من البحث عن وجود الاختلاف في الأديان والمذاهب لا يتخلّف عنها أحد حتّى أبناء الإمامية الاثني عشرية؛ فهم يبحثون عند نشوئهم وبلوغهم درجة الوعي الذهني، يبحثون عن المذهب الحقّ ويبدأون بغربلة عقائد آبائهم وأجدادهم ومقارنتها مع عقائد الآخرين من أبناء المذاهب الأُخرى، وحتّى على مستوى الديانات هم يبحثون في ذلك، فإن وجدوا أنّ الذي هم عليه هو الحقّ الذي نزل من السماء، بقوا عليه وازدادوا إيماناً، وإن وجدوا أنّ ما عندهم باطل، وهو كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً، تحوّلوا عنه إلى ما يعتقدون بأنّه الحقّ..

فعملية البحث عن الحقّ والحقيقة في الأديان عملية مستمرة ما دام الإنسان موجوداً في الأرض، وما دام التكليف ثابتاً بثبوت العقل لدى الإنسان..


الصفحة 341
نعم، يستثنى من ذلك ــ أي: من عدم المحاسبة على البحث والتمحيص في الأديان ــ من كان معزولاً تماماً عن المعرفة ولم يسمع بشيء من دعاوى الاختلاف بين الأديان والمذاهب.. فهذا أمره موكول إلى المولى سبحانه، وهو مصداق لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً(1), أي: ما لم يبلغ الإنسان البيان والمعرفة بوجود الدين ومطالبه ودعاواه لا تصل النوبة إلى المعاقبة والتعذيب.

(لا علاقة لاختيار الدين بالوالدين)

« سيّد عبّاس ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

كما يقال: إنّ في عالم الذرّ كلّ إنسان يختار له أُمّاً وأباً، فأنا لو كنت موجوداً، فأكيد سأختار بأن تكون أُمّي مسلمة، لأنّي سوف أكون في كلّ طاقتي، لكي أعرف الحقّ والباطل، لكن المسيحي هل سيختار أن يكون والديه مسيحيين لكي يكون مسيحياً وهو يعلم بأنّ الإسلام هو الصحّ؟

والسؤال الآخر: أنا لا أذكر بأنّي اخترت بأن يكون أبي وأُمّي كما هما الآن، فالمسيحي واليهودي والبوذي ستكون لهم صولات وجولات إذاً في محكمة ربّ العالمين؛ لأنّ كلّ العالم أخذ دينه عن والديه، فهم أصبحوا مسيحيين لأنّ والديهم مسيحيون، سيخاطبونه جلّ جلاله: بأنّنا لا نذكر عندما اخترنا والدينا، فلو كنّا نعلم أنّهم بوذيون، أو يهوديون، لما اخترناهم.

____________

1- الإسراء (١٧): ١٥.


الصفحة 342
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

للإجابة على سؤالكم، نقول:

بالنسبة لعالم الذرّ وما جرى فيه، فالمهم أن تعرف يا أخي أنّ الإنسان ليس مختاراً في كثير من شؤون حياته، فهو ليس مختاراً في أن يكون أبوه فلاناً دون فلان، أو أن تكون أُمّه فلانة دون فلانة، أو أنّه مختار في لونه، أو قومه، أو الأرض التي يولد فيها، وهكذا هناك جملة من الأُمور لا يكون الإنسان مختاراً فيها، ولكن ليس لهذه الأُمور مدخلية في التكليف بحيث تكون شروطاً للوجود والعدم.

أي على فرض: من ولد من أبوين عربيين، أو يكون مولوداً في منطقة الشرق الأوسط، فهو مكلّف.. وإلّا فلا!

فالتكليف يدور مدار البلوغ الشرعي لعمر الإنسان ووجود العقل، فأينما تجد إنساناً قد بلغ عمره بحسب الشرع وكان عاقلاً، فهو مكلّف.

وقد أوضحنا في السؤال السابق أنّ للإنسان القدرة ــ كعاقل ــ على البحث والوصول إلى الدين الحقّ.. أمّا إذا أهمل الإنسان هذا الأمر وعاش حياته في الملذّات والملاهي غير ملتفتاً إلى ما يطالبه العقل به من البحث والسؤال عن الدين فهو يكون حينئذ محلّ المؤاخذة والمساءلة؛ إذ قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً(1).

____________

1- الإسراء (١٧): ٣٦.


الصفحة 343

(عذاب الله لا يقع إلّا بعد إتمام الحجّة)

« رباح ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

سؤالي هو: كيف يحاسب الله عزّ وجلّ هؤلاء الناس ونحن نعلم بأنّ الله يحاسب بالحجّة والدليل، وعلى أيّ دين؟

ونعلم أنّ الله لم يخلق السماوات والأرض عبثاً، وخلق الجنّ والإنس ليعبدوا، فأين مكان هؤلاء الناس في الآخرة، ولماذا هذا؟

ولكم جزيل الشكر والتقدير وجزاكم الله خير الجزاء ودمتم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً(1)، فهذه الآية الكريمة يُفهم منها: أنّ عذاب الله لا يقع إلّا بعد إتمام الحجّة على العباد ووصول التكاليف إليهم، ولو فرض أنّ هناك من لم تبلغه الحجّة ولم يبلغه التكليف فأمره موكول إلى الله سبحانه يوم القيامة..

ويُفهم من بعض الروايات: أنّ الله سبحانه يكلّفهم في يوم القيامة نفسه، وبسبب استعدادهم للاختبار في ذلك اليوم تكون نتيجة آخرتهم إلى الجنّة، أو إلى النار.

____________

1- الإسراء (١٧): ١٥.


الصفحة 344

(الإنسان يحاسب على ما يفعله باختياره)

« تميم ــ الدانمارك ــ إمامي »

السؤال:

سؤالي هو كالتالي: من خلقنا من عدم؟

من خلق العقل؟

فلماذا يحاسبنا الله على شيء هو خلقه وحدّده؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الله خلق الإنسان وخلق له العقل وجعل له حرّية الاختيار، فهو يستطيع أن يختار طريق الهداية والرشاد، ويستطيع أن يختار طريق الغواية والضلال، ويكون كلامك وجيهاً لو كان العقل لا يتيح لنا حرّية الاختيار، بل يُقسرنا على طريق واحد، وهو: طريق الضلال.

(الإنسان محاسب على الأُمور الاختيارية)

« محمّد باقر ــ قطر ــ إمامي »

السؤال:

يقول بعض الوهابية: إنّ الله تعالى لم يعط حقّ الاختيار للإنسان في وجوده، فبالتالي (أجبره) على وجوده، وعرض عليه ديناً يجب عليه أن يتّبعه، حتّى تشمله رحمته، وإلّا دخل النار..


الصفحة 345
فما ردّكم عليهم.. إذ أنّهم دائماً يطعنون في عدالة الله، وأنّ الله تعالى والعياذ بالله ظلمهم؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الله سبحانه وتعالى وإن أوجب علينا الدين الإسلامي كدين لا بدّ لنا من اتّباعه، إلّا أنّه أبقى لنا حرية الاختيار، ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ(1)، وإذا اختار الإنسان الإيمان أثابه على إيمانه، وإن اختار الكفر عاقبه على كفره، بعد إيضاح طريق الهداية له، فالاختيار موجود عند الإنسان، ولا أحد يستطيع إنكاره.

وأمّا الأُمور التي حصلت وليس للإنسان فيها اختيار، فإنّ الله سبحانه وتعالى لا يحاسبه على الأُمور غير الاختيارية، بل يحاسبه على الأُمور الاختيارية فقط، وهي الأعمال التي تصدر منه.

ثمّ إنّه يُذكر أنّ لهذا العالم وجوداً سابقاً، وهو عالم الذرّ، وفيه تقرّر بحسب اختيار الإنسان وجودهم من عدمه.

ثمّ إنّ هذا المعترض على الوجود لو يخيّر الآن بين الوجود والعدم، فحتماً يختار الوجود، وهذا الاختيار من جميع العقلاء للوجود على العدم يدلّ على أنّ الوجود خير محض، فإفاضته على المخلوقات ليس فيه أيّ ظلم.

____________

1- الكهف (١٨): ٢٩.


الصفحة 346

تعليق:

« علي ــ البحرين ــ إمامي »

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته..

أ ــ ذكرتم في جوابكم بأنّ خلق الإنسان هو خير محض, فما هو دليلكم على ذلك؟

ب ــ وأيّهما أفضل: حياة مع سوء عاقبة، أم لا حياة؟

ج ــ إذا كان الله يعلم بأنّ الكافر سيكفر باختياره، أليس الأجدر به ألّا يخلقه رعاية له؟

فمثلاً: لو علم الأب بأنّه لو قارب زوجته لأنجبت طفلاً يذهب إلى النار، فإنّ الأب لا يقاربها رحمة بهذا الطفل، فإنّ عدم مجيئه خير من مجيئه؛ لأنّه سيكون من أصحاب النار فيما لو جاء إلى الدنيا.

فلماذا يخلق الله الكافر وهو الأوْلى برعاية مصالح خلقه؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

١ــ الدليل على ذلك: الوجدان، وبديهة العقل؛ فإنّ ما يقابله ونقيضه وهو العدم: بطلان محض، فبالبداهة: إنّ ما يقابل البطلان المحض هو خير محض.

٢ــ لا يوجد حياة مع سوء عاقبة بالجبر، بل إنّ الله وهب للإنسان وجوداً وحياة مع الاختيار، فإذا اختار بنفسه سوء العاقبة، لا يحقّ له أن يقول: إنّ عدمي


الصفحة 347
كان أفضل من البداية، بل لو فرضنا أنّ المعدوم لو كان له النطق، لقال: ما ذنبي إذ لم تهبني الحياة وتعرضني للخير والكمال وحسن العاقبة؟ فلعلّي كنت أختار حسن العاقبة، وأصل إلى نعمتي الحياة والكمال.

ولك أن تسأل أيّ إنسان عن أصل نعمة الوجود والحياة: هل يريدها أم لا؟

فستجد الجواب الوجداني: بأن نعم. بل لا يستطيع أن يتصوّر بصورة صحيحة عدم وجوده وبطلانه.

٣ــ لو أنّ الله لم يخلق إلّا المؤمنين والذين يعلم حسن عاقبتهم، لما تميّز الإيمان والكفر، ولبطل التكليف، وانقلب الأمر إلى الجبر، وقد شاءت كلمة الله أن يتميّز الخبيث من الطيب، ليظهر الخير الكثير بوجود الطيب.

فلو علم الأب أنّ ولادة ابنه الكافر أو المريض لازم لولادة أبنائه الآخرين المؤمنين، أو الأصحّاء، بل لو علم ولادة ابن مؤمن واحد لاختار ولادة الاثنين: (الكافر والمؤمن) من أجل المؤمن والسليم، وأمامك واقع حال البشر.

مع أنّ القياس مع الفارق، فإنّ الوالد أحد أسباب الوجود، والله هو الباري الأصل، فإنّ كفر الكافر المترتّب على أصل وجوده وفطرته للخلق لا يلغي خيرية هذا الوجود وتفضّل الله عليه بنعمة الحياة.

(لماذا يعذّب الله تعالى المسلمين؟)

« رباب ــ البحرين ــ إمامية »

السؤال:

كيف يعذّب الله المسلمين بالنّار وهو الرحمن الرحيم؟ وكيف تكون النار رحمة للناس وتطهيراً؟


الصفحة 348
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الإنسان ميّال إلى اللهو واللعب والراحة، فلو خلّي وطبعه زاغ عن جادّة الحقّ والصواب التي رسمها الله له وخصّه بها ودعاه إليها، بانتخابه واختياره، فمن أجل أن يسوقه إليها بلّغه على لسان أنبيائه عليهم السلام بوعده ووعيده، تحفيزاً له لنيل الثواب وتجنّباً للعقاب، وبالتالي بلوغ السعادة المرجوّة.

ومن هنا يعلم أنّ عقوبة الله للإنسان غير مقصودة بالذات؛ لأنّ رحمته تعالى سبقت غضبه وانتقامه، بل هي وسيلة لتحقّق ما يصلح الإنسان وينفعه في الدنيا والآخرة، عبر الالتزام بأوامر الله والانتهاء عن نواهيه، قال تعالى: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ(1).

تعليق:

« سيّد أحمد أبو اللسان ــ هولندا ــ إمامي »

الله لا يعذّب أحداً، ولا ينعّم أحداً، هي أعمال الإنسان تتجسّم فتكون نعيماً أو جحيماً؛ إذ أنّ معصية ما، ولنفرض أكل مال اليتيم هذا يتجسّم في بطونهم ناراً، سواءً أكله مسلم أو مؤمن أو كافر، للعمل أثرٌ ما لم يعفو الله عنه، ولا بدّ أن سيظهر هذا الأثر.

أمّا كيف يكون العذاب رحمة؟! فالله سبحانه يقول في القرآن الكريم:

﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ _ فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(2) والآلاء هي: النعم.

____________

1- الأنفال (٨): ٢٤.

2- الرحمن (٥٥): ٤٤ ــ ٤٥.


الصفحة 349
إنّ ما يصدر عن الله سبحانه هو عين الرحمة، إلّا أنّ الإناء الذي يستقبل الفيض يصوغ الفيض بحسبه، فالفيض الإلهي هو الفيض على النار والجليد، ولكنّه لمّا كان المستقبل ناراً صار الفيض له أثر الإحراق، ولمّا كان المستقبل للفيض ماءً في ظرف خاص صار ثلجاً، وصار له أثر مختلف.

ودمتم موفّقين.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ما ذكرتموه عن العذاب أو العقاب هو أحد الأقوال في فلسفة العقاب في التشريع.

وهناك قول آخر هو: أنّ العقاب مجعول على المحرّمات، والعبد يستحقّه عند التخلّف عن الامتثال، سواء أدرك.. قبح الظلم أم لم يدرك، وسواء أدرك صحّة العقوبة على القبيح أم لم يدرك، وهو الأنسب؛ لأنّ القول المشار إليه يريد أن يقول: إنّ العقاب من تبعات الأعمال والأخلاق، ومن تجسّم الأفعال والأفكار، فهو مشروط بالحالة النفسية المترتّبة على فعل المعاصي، فكيف إذا لم يدرك المكلّف قبح المعصية، ولا أدرك صحّة العقوبة على القبيح، فهل يمكن أن يتجسّد شيء في هذه الحالة ليكون منشأ للعقاب في الآخرة؟!

بالإضافة إلى مسألة مهمة أُخرى، وهي: أنّ أصحاب هذا القول يرون التلازم الذاتي بين الفعل والعقاب، أي: أنّ العقاب من الملازمات الذاتية للفعل القبيح، وهذا ينافي فكرة الشفاعة في الشريعة، وهو أيضاً لا يستقيم مع فكرة العفو الإلهي التي تشيرون إليها؛ إذ الذاتيات لا تنفكّ عن الذات.


الصفحة 350
وأمّا كون العقاب رحمة، فهو استدلال غريب مخالف لضروري العقل والشريعة، والآلاء ليست النعم، بل هي: الآيات، (أي: العلامات) وهي تشمل النعم، وغيرها.

(هل لطول العمر أثر في إضافة الحسنات؟)

« جواد أحمد ــ هولندا »

السؤال:

لو افترضنا أنّ هناك شخصين صالحين, أحدهما توفي عن ثلاثين عاماً, والآخر عمّر إلى الستّين, أفلا يحقّ للأوّل أن يعترض في ساحة القدس الإلهي, عن سبب قلّة عمره, ولماذا لم يترك ليعيش كأخيه ستّين عاماً ليزداد من الخير ويكثر أجره وثوابه؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الإجابة على السؤال تجرّنا إلى مقدّمة في المعيار الذي ننظر من خلاله لقيمة العمل الصالح, فمرّة ننظر إلى العمل من جهة المقدار, فيصحّ الحديث عن الكثرة والقلّة, ومثال ذلك: أن يقوم شخص لمدّة سنةٍ كاملة بإحياء الليل بالصلاة والذكر, وصيام النهار, وإنفاق ما يفضل عن حاجته الضرورية في سبيل الله.

ومرّة ننظر إلى العمل الصالح من زاوية (الكيفية)، أي: ننظر إلى العمل من جهة أبعاده النوعية المتمثلة بالصحّة والقبول والكمال. ومثال ذلك: أن يقوم


الصفحة 351
شخص بأداء صلاة المغرب والعشاء بتوجّه وخشوع, وهيبة وخوف وإقبال وحياء, ثمّ ينام إلى فريضة الصباح, وفي مقابله نجد شخصاً آخر مشغولاً من الليل إلى الفجر بالصلاة ولكن دون أن تكون صلاته مقترنة بالإقبال والخشوع, والخوف والرهبة والحياء, فمن المؤكّد والحال هذه, أنّ يكون عمل الشخص الأوّل رغم قلّته أفضل من عمل الشخص الثاني.

ولذلك جاء في الحديث عن رسول الله, كما في (بحار الأنوار), قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (صلاة ركعتين خفيفتين في تمكّن، خير من قيام ليلة)(1).

ويضاف إلى عناصر المقياس النوعي للعمل شخصية العامل, فكلّما كان ذا تقوى, جاءت أعماله أكثر مقبولية وأجراً من غيره (التقوى أساس العمل)، وفي ذلك يقول الإمام عليّ عليه السلام: (لا يقلّ مع التقوى عمل, وكيف يقلّ ما يُتقبّل)(2). والأدلّة على هذه المقدّمة كثيرة.

بعد هذا التمهيد نطرح ثلاثة أجوبة ممكنة للسؤال, وهي كما يلي:

الجواب الأوّل: يمكن أن يكون الإنسان الذي توفّي عن ثلاثين عاماً قد رزقه الله تعالى في طاعاته وعباداته توفيقاً خاصّاً، بحيث أصبحت أعماله من حيث النوعية مساوية لمن عمّر ستّين عاماً في الطاعة والعبادة, أو حتّى أفضل منه.

الجواب الثاني: من الممكن أن يتعرّض الشخص الصالح الذي توفّاه الله في الثلاثين, إلى ألوانٍ من البلاء والاختبار, إذا أمدّ الله في عمره أكثر من ذلك. ومن

____________

1- بحار الأنوار، للمجلسي ٨١: ٢٦٣ حديث (٦٦) كتاب الصلاة، الباب (١٦).

2- أمالي المفيد: ٢٩ حديث (٢) المجلس الرابع.


الصفحة 352
الممكن أن لا يوفّق وسط البلاء والاختبار وظروف حياته الخاصّة إلى المزيد من أعمال الخير, وسلوك الطاعة والعبادة.. بل ويمكن ــ إذا طال عمره عن الأجل الذي توفّاه الله فيه ــ أن يفقد ما وفق إليه من طاعات وعبادات, ويخسر مصيره السعيد, الذي كسبه بعمره القصير.

لذلك سيعرف مثل هذا الشخص, في يوم القيامة, أنّ فقر عمره وموته في سن الثلاثين, هو نوع من اللطف الإلهي الخاص به. وبذلك لا يبقى مجال للسؤال المذكور.

الجواب الثالث: من الممكن أن يكون سبب فقر عمر من توفّي في الثلاثين, عائداً إلى سوء اختياره, وارتكابه لبعض المحرّمات التي تترك أثرها في فقر عمر الإنسان, كقطيعة الرحم، والقسم الكاذب, وفي المقابل يكون الذي عمّر ستّين عاماً قد ساهم بحسن اختياره, وبالتزامه بالطاعات الموجبة لطول العمر, بزيادة عمره.

وهذا المعنى, في تأثير الذنوب والطاعات على أجل الإنسان, تؤكّده كثير من الروايات الإسلامية, ومن ذلك: ما روي عن الإمام الصادق قوله عليه السلام: (من يموت بالذنوب أكثر ممّن يموت بالآجال, ومن يعيش بالإحسان أكثر ممّن يعيش بالأعمار)(1).

(ما يقع على بعض الحيوانات هل فيه ظلم عليها؟)

« م/ أحمد »

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. نحن نرى في التقارير العلمية في عالم الافتراس بأنّ القوي يأكل الضعيف،

____________

1- أمالي الطوسي: ٣٠٥ حديث (٦١١) المجلس الحادي عشر.


الصفحة 353
مثل الأسد أو النمر أو الذئب يأكل الغزال أو الثور الوحشي، فهل في هذه الحالة الأسد أو الفهد يحاسبون أمام الله، أم لا؟

وإذا كان هناك محاسبة، فماذا يفعل الأسد وهو خُلق فقط يأكل اللحم ولا يأكل النبات أو شيء آخر؟ وأيضاً هذا الغزال يتعذّب عندما يأكله الأسد أو الذئب.

سؤالي: كيف تتحقّق عدالة الله أمام هذه الوحوش؟

الله يوفّقكم لما فيها من الخير والصلاح.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

على الرغم من أنّ الإنسان مكلّف، لكنّه لا يحاسب عند ذبحه بعض الحيوانات بطريقة يرتضيها الشرع من أجل الاستفادة من لحومها في الأكل، فكذلك الحيوانات إذا قيل بأنّها مكلّفة لامتلاكها قدر من الإدراك والشعور، كما تدلّ عليه بعض الآيات والروايات، فلا بدّ أن تكون بعض الحيوانات لا مانع من اصطيادها وأكلها.

نعم، تُعاقب ويقتص منها إذا تعدّت، كما ورد من أنّ الله يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء(1).

وإذا قيل بأنّها غير مكلّفة، فالأمر يكون أسهل؛ فلا مانع من أكلها.

وأمّا الحيوانات التي يقع عليها الأكل، فإن كان هناك تكليف، فلا بدّ أن

____________

1- انظر: المحاسن، للبرقي ١: ٧ حديث (١٨) كتاب الأشكال والقرائن، باب الثلاثة.


الصفحة 354
يكون هناك جزاء وعوض في عالم آخر من قبل المعتدي.. وإن قيل بعدم التكليف، فإن قيل بتعويض من يقع عليها الأذى، كما تشير إلى ذلك بعض الروايات، فتستحقّ العدالة.. وإن لم يصحّ ذلك، فلا بدّ أن يكون العطاء الإلهي لخلق هذا الحيوان في عالم الدنيا وإمداده بالنعم بمقدار أكبر ممّا يتعرّض له الحيوان من أذى الموت في النهاية، وبالتالي لا ظلم يقع عليه.

ثمّ إنّ العلماء قالوا: إنّ الحشر يقع على الحيوانات سواء قلنا بتكليفها أو لا، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ(1).

____________

1- الأنعام (٦): ٣٨.


الصفحة 355

الإمامة العامّة (المفهوم)

*انظر ــ ما يتعلّق بهذا الموضوع ــ : (أصول الدين)(الإمامة الخاصّة/إمامة الأئمّة الاثني عشر عليهم السلام)(الإمامة/النص على الأئمّة عليهم السلام)(أهل البيت/بالمفهوم الخاص)(أهل البيت/تفضيل الأئمّة عليهم السلام)(الإمام عليّ عليه السلام)(الإمام الحسن عليه السلام)(الإمام الحسين عليه السلام) (الإمام السجّاد عليه السلام)(الإمام الباقر عليه السلام)(الإمام الصادق عليه السلام)(الإمام الكاظم عليه السلام)(الإمام الرضا عليه السلام)(الإمام الجواد عليه السلام)(الإمام الهادي عليه السلام)(الإمام العسكري عليه السلام)(الإمام المهدي المنتظر عليه السلام)(حديث الاثني عشر خليفة)(حديث من مات ولم يعرف إمام زمانه)(الشورى).


الصفحة 356


الصفحة 357

(التعريف المتّفق عليه للإمامة عند الإمامية)

«علي جون ــ العراق ــ إمامي»

السؤال:

السلام عليكم..

ما هو التعريف المتّفق عليه للإمامة عندنا (مذهب أهل البيت عليهم السلام)؟

دمتم بأمان الله ورعايته.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يقول السيّد علي الميلاني في كتاب (الإمامة في أهمّ الكتب الكلامية):

((وأمّا تعريف الإمامة، فالظاهر أن لا خلاف فيه..

قال العلامّة الحلّي رحمه الله بتعريف الإمامة: الإمامة رياسة عامّة في أُمور الدين والدنيا لشخص من الأشخاص نيابة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

وقال المقداد السيوري رحمه الله بشرحه: الإمامة رياسة عامّة في أُمور الدين والدنيا لشخص إنساني. فالرياسة: جنس قريب، والجنس البعيد هو: النسبة، وكونها عامّة: فصل يفصلها عن ولاية القضاة والنوّاب، وفي أُمور الدين والدنيا: بيان لمتعلّقها؛ فإنّها كما تكون في الدين فكذا في الدنيا، وكونها (لشخص إنساني): فيه إشارة إلى أمرين:

أحدهما: أنّ مستحقّها يكون شخصاً معيّناً معهوداً من الله تعالى ورسوله، لا أيّ شخص اتّفق.


الصفحة 358
وثانيهما: إنّه لا يجوز أن يكون مستحقّها أكثر من واحد في عصر واحد.

وزاد بعض الفضلاء في التعريف: بحقّ الأصالة، وقال في تعريفها: الإمامة رياسة عامّة في أُمور الدين والدنيا لشخص إنساني بحقّ الأصالة، واحترز بهذا ــ أي: قيد (بحقّ الأصالة) ــ عن نائب يفوّض إليه الإمام عموم الولاية؛ فإنّ رياسته عامّة لكن ليست بالأصالة))(1).

والأوْلى تعريفها بأنّها: رئاسة عامّة إلهية لشخص من الأشخاص خلافةً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أُمور الدين والدنيا، ويجب اتّباعه على جميع الأُمّة(2).

(الفرق بين الخلافة والإمامة)

« خادم أهل البيت ــ السعودية »

السؤال:

السلام عليكم..

هل هناك فرق بين الإمامة والخلافة؟ وإذا كان: نعم، ما هو الفرق؟

نسألكم الدعاء.

____________

1- الإمامة في أهمّ الكتب الكلامية: ٤٤ ــ ٤٥، تعريف الإمامة، وانظر: النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر: ٩٣ الفصل السادس: في الإمامة.

2- انظر: لوامع الحقائق، للآشتياني ٢: ١ مبحث الإمامة، الإلهيات، للسبحاني ٤: ٨ الفصل السابع، الأمر الأوّل: في تعريف الإمامة، العقائد الحقّة، للصدر: ٢٧٥ أصل الإمامة.


الصفحة 359
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ذكروا في تعريف الخلافة أنّها: الرئاسة العامّة في التصدّي لإقامة الدين بإحياء العلوم الدينية وإقامة أركان الإسلام، والقيام بالجهاد وما يتعلّق به من ترتيب الجيوش والفرض للمقاتلة وإعطائهم من الفيء، والقيام بالقضاء وإقامة الحدود ورفع المظالم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نيابة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم(1).

وواضح أنّ المراد منها خاصّة عند العامّة: الخلافة الظاهرية ورئاسة الحكومة والإمارة، وهي تثبت لمن يقوم مقام النبيّ حتّى ولو لم ينصّبه النبيّ.

وهي عندنا لا تكون إلّا بنص النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؛ لما عرفت من حقيقتها وأنّها نيابة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في جميع شؤونه، وبالتالي تكون خلافة عن الله تعالى.

وما زعموه من أنّه: لا يصلح أن يقال: إنّ الله يستخلف أحداً عنه، ممنوع؛ لتصريح أئمّة السُنّة بكون داود عليه السلام خليفة الله، وأنّه قد وصف بهذا في القرآن العظيم(2), وإنّما انحرفوا عن هذا المعنى تصحيحاً لخلافة الثلاثة، وتوسّلوا في سبيل إثبات صحّة خلافتهم بالشورى حتّى عدّوا الخلافة جزءاً منها..

ورغم أنّ مصطلح الخلافة ظاهراً في معنى الإيصاء وتنصيب النائب عن منوبه إذ يفترض وجود مستخلف، وأنّه مريد لتعيين من يخلفه؛ لأنّ ذلك من

____________

1- انظر: إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء، للدهلوي ١: ١٣ المقصد الأوّل، الفصل الأوّل (أردو).

2- قوله تعالى في سورة ص الآية (٢٦): (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ...)، انظر: جامع البيان، للطبري ٢٣: ١٨٠ الحديث (٢٢٩٤٧)، وغيره.


الصفحة 360
شؤونه لا من شأن غيره، ولو لم يكن هذا المعنى لازماً لمفهوم الخليفة لما ترك الخليفة الأوّل والخليفة الثاني الأُمّة دون أن ينصبّوا رئيساً لها، وإنّ كان هذا التنصيب بأشكال مختلفة، فتحصّل من كلّ ذلك: أنّ الخلافة لا تصحّ إلّا بأن ينصّ السابق على لاحقه، وأنّها من شؤون الدين لا من شؤون الناس.

أمّا الإمامة فهي الخلافة الإلهية التي تكون متمّمة لوظائف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وإدامتها، عدا الوحي, فكلّ وظيفة من وظائف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، من: هداية البشر، وإرشادهم وسوقهم إلى ما فيه الصلاح والسعادة في الدارين، وتدبير شؤونهم، وإقامة العدل، ورفع الظلم والعدوان، وحفظ الشرع، وبيان الكتاب، ورفع الاختلاف وتزكية الناس وتربيتهم، وغير ذلك.. كلّها ثابتة للإمام، فما أوجب إدراج النبوّة في أُصول الدين هو بعينه الذي أوجب إدراج الإمامة بالمعنى المذكور فيها(1).

ويشهد لكون الإمامة من أُصول الدين: أنّ منزلة الإمام كمنزلة النبيّ في حفظ الشرع، ووجوب اتّباعه، والحاجة إليه، ورياسته العامّة، بلا فرق.

وقد وافق على أنّها من أُصول الدين جماعة من مخالفي الإمامية، كالقاضي البيضاوي(2).

فالإمامة ليست مجرّد زعامة اجتماعية وسياسية, فلو كانت كذلك لكان الإنصاف أنّها من فروع الدين، كسائر الواجبات الشرعية من الصوم والصلاة

____________

1- انظر: بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإمامية، للخزازي ٢: ١٥ عقيدتنا في الإمامة.

2- انظر: دلائل الصدق، للمظفر ٤: ٣٠٨ ــ ٣١٢ مباحث الإمامة، المبحث الأوّل، الإبهاج في شرح المنهاج، للسبكي ٢: ٢٩٥ الكتاب الثاني: في السُنّة، الباب الثاني: في الأخبار، الفصل الثاني: في ما علم كذبه.


الصفحة 361
الصفحة السابقةالصفحة التالية