المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 6) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج6 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 361 - ص 390) وغيرها، ولكن الشيعة لا يكتفون بمجرّد هذا المعنى، بل هي عندهم لطف إلهي كالنبوّة، فتكون أصلاً لا فرعاً.

ويمكن الاستدلال لذلك مضافاً إلى ما ذكر بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ(1)؛ فإنّ الآية بعد كونها نازلة في الإمامة والولاية عند أواخر حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، دلّت على أنّها أصل من أُصول الدين؛ إذ الإمامة، على ما تدلّ عليه الآية المباركة، أمر لو لم يكن كان كأن لم يكن شيء من الرسالة والنبوّة، فهذه الآية تنادي بأعلى صوت: أنّ الإمامة من الأجزاء الرئيسية الحياتية للرسالة والنبوّة، فكيف لا تكون من أُصول الدين؟

وأيضاً يمكن الاستدلال بقوله تعالى في سورة المائدة، التي كانت آخر سورة نزلت على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً(2)؛ فإنّ الآية، كما نصّت عليه الروايات، نزلت في الإمامة والولاية لعليّ عليه السلام، ويؤيّده: عدم صلاحية شيء آخر عند نزولها لهذا التأكيد، فالآية جعلت الإمامة مكمّلة للدين ومتمّمة للنعمة، فما يكون من مكمّلات الدين ومتمّماته كيف لا يكون من أُصول الدين وأساسه؟

هذا مضافاً إلى الحديث النبوي المستفيض عند الفريقين، أنّه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)، وهذا الحديث يدلّ على أنّ معرفة الإمام إن حصلت ثبت الدين، وإلّا فلا دين له إلّا دين جاهلي(3).

____________

1- المائدة (٥): ٦٧.

2- المائدة (٥): ٣.

3- انظر: بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإمامية، للخزازي ٢: ١٥ عقيدتنا في الإمامة.


الصفحة 362
ومن المناسب أن نشير هنا إلى أنّ الخلافة والإمامة بالاصطلاح القرآني لها معنى آخر, وهو يفترق من بعض الوجوه عمّا هو مستعمل في الاصطلاح الكلامي, فالبحث الكلامي، خاصة عند العامّة، ينظر في حدود الخلافة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وفي كون الإمامة منصب ديني أو سياسي، والذي هو شأن من شؤون الإمامة والخلافة بالمعنى القرآني، ولا يتطرّق إلّا نادراً إلى الخلافة والإمامة عن الله عزّ وجلّ، فقد وصف بعض الأنبياء في القرآن الكريم، كآدم وداود عليهما السلام بأنّهما: خليفتان(1)، ووصف إبراهيم عليه السلام بأنّه: إمام(2)، فهل أنّ سائر الأنبياء كذلك، أو أنّ تلك الأوصاف مترتّبة على منزلة خاصّة ممنوحة من قبل الله تعالى لبعض دون بعض، كما هو الظاهر؟! فهذا البحث في الحقيقة أجنبي عن البحث الكلامي الذي ذكرناه؛ فلاحظ!

نعم، هو عند الإمامية يدخل في حقيقة المعرفة بالإمامة.

(أهمّية البحث في الإمامة)

« الموالي ــ عمان ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

____________

1- قوله تعالى في آدم عليه السلام: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)(البقرة (٢): ٣٠)، وقوله تعالى: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ)(ص (٣٨): ٢٦).

2- قوله تعالى لإبراهيم عليه السلام: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)(البقرة (٢): ١٢٤).


الصفحة 363
أيّها الأفاضل.. كنت أتكلّم مع أحدهم عن أهمّية البحث في مسألة الإمامة، فقال لي بأنّه: لا يعتقد بأهمّية البحث؛ لأنّ الفرق الإسلامية متّفقة في أشياء كثيرة، وليس هناك اختلاف كبير، وبالتالي كيف سيفيد هذا الاعتقاد في جعله أفضل؟

وقال لي آخر نفس الكلام تقريباً، وأضاف: بأنّه يمكن الحصول على القرب الإلهيّ بالصلاة والسجود، فما هي أهمّية الموضوع؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الدين الإسلامي هو رسالة السماء الخاتمة إلى الناس، نزل بها الوحي الأمين على سيّد المرسلين محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وأمرنا باتّباع رسالته والإيمان بكلّ ما جاء به، والتسليم له في كلّ ما يقول، ووبّخ من يرفض الإيمان بها، أو يؤمن ببعضها ويترك بعضها الآخر:

قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إلّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامة يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ(1).

ووصف المتّقين بقوله: ﴿اْلم _ ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ _ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ، إلى قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ(2).

____________

1- البقرة (٢): ٨٥.

2- البقرة (٢): ١ ــ ٤.


الصفحة 364
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ، إلى قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إلّا أُوْلُواْ الألْبَابِ(1).

إذا عرفت ذلك نقول: إنّ الإمامة التي تؤمن بها الشيعة ــ تبعاً للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام ــ مبدأُها القرآن، وأنّ القرآن نطق بها، فإذاً يجب على الإنسان المؤمن أن يؤمن بها، وإلّا يكن ممّن لا يؤمن ببعض الكتاب، ورادّاً لبعض ما جاء به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وبالتالي يدخل في ضمن من أخبر الله عنه بأنّه يصيبه أشد العذاب، بل وأكثر من ذلك، كما سيتّضح.

وأمّا كيف أنّها مبدأ قرآني؟

فنقول: قال تعالى مخاطباً إبراهيم بعد نبوّته: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(2).

وقال تعالى وهو يتحدّث عن إبراهيم عليه السلام: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(3).

وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ(4).

____________

1- آل عمران (٣): ٧.

2- البقرة (٢): ١٢٤.

3- الزخرف (٤٣): ٢٨.

4- السجدة (٣٢): ٢٤.


الصفحة 365
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ(1).

إلى هنا عرفنا: أنّ الإمامة جزء من شرع النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، جاء بها الوحي الكريم، كما جاء بالصوم والصلاة وأوجب علينا الإيمان بهما، كذلك أوجب علينا الإيمان بالإمامة؛ لأنّها من عند الله تعالى، وجزء من وحيه.

ثمّ إذا ذهبنا إلى آيات القرآن الأُخرى رأينا أكثر من ذلك، وأنّها تجعل الإمامة، وولاية الإمام، كولاية الله تعالى، وولاية رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنّها ترتقي إلى مستوىً أعلى من الصلاة والصوم..

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ _ وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ(2)، ولا نريد الدخول في دراسة الآية كلمة كلمة؛ فإنّ ذلك يطول، لكن الآية حصرت الولاية بالله وبرسوله، وبالذين آمنوا، وجعلت من يتولاّهم من حزب الله تعالى.

ومن الواضح: أنّ عدم تولّي الإمام ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يخرم القاعدة التي تدخل الإنسان في حزب الله، ومن يخرج من حزب الله، يدخل في حزب الشيطان، إذ لا ثالث في البين، مع أنّا لا نجد في القرآن: من يترك فرع من الفروع ولا يعمل به يكون من حزب الشيطان، فالإمامة فوق تلك الأُمور ــ أي: الصلاة والصوم ــ ووجوب تولّي الإمام كوجوب الصلاة والصوم وأكثر، كما عرفت.

____________

1- الأنبياء (٢١): ٧٣.

2- المائدة (٥): ٥٥ ـ ٥٦.


الصفحة 366
وعندما نرجع إلى الأحاديث النبوية حتّى التي وردت من طرق أهل السُنّة نجد أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يوضّح لنا منزلة الإمامة والخلافة، وأنّ الإمام له منزلة لا تقلّ عن منزلة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، بحيث يقوم به الدين..

فقد روي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: (لا يزال الدين قائماً حتّى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة، كلّهم من قريش)(1).

ومن الواضح أنّه يجب علينا الرجوع إلى هؤلاء الذين يقوم الدين بهم، ويجب طاعتهم والانقياد لهم.

بل عندما نذهب إلى السُنّة النبوية المطهّرة عند أهل السُنّة نرى: أنّ عدم الإيمان بهؤلاء جاهلية، كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية)(2).

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)(3).

فمن لم يؤمن بالإمامة هو شخص جاهلي، أي: على الحالة التي كانت قبل الإسلام، وهذا يوافق الآية (٥٥) والآية (٥٦) من سورة المائدة، التي تلزم المؤمنين بتولّي الله والرسول، والذين آمنوا، الذين تصدّقوا في الركوع، وأنّ من لم يتولّهم يخرج من حزب الله إلى حزب غيره، وهو الشيطان، فيكون ميتاً على جاهلية كأن لم يؤمن بالله وبرسوله.

____________

1- انظر: صحيح مسلم ٦: ٤ كتاب الإمارة، باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش.

2- انظر: كتاب السُنّة (تصحيح الألباني): ٤٨٩ الحديث (١٠٥٧)، مسند أبي يعلى ١٣: ٣٦٦ الحديث (٧٣٧٥)، المعجم الأوسط، للطبراني ٦: ٧٠.

3- انظر: صحيح مسلم ٦: ٢٢ كتاب الإمارة، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن، المعجم الكبير، للطبراني ١٩: ٣٣٤ ذكوان أبو صالح السمان عن معاوية.


الصفحة 367
فتلخّص ممّا تقدّم:

١ــ إنّ الإمامة جزء من الدين الإسلامي، فيجب الاعتقاد بها كالاعتقاد بغيرها من أحكام الدين.

٢ــ إنّ الإمامة ترتقي إلى أن يكون متولّي الإمام من حزب الله، وإلّا يخرج منه.

٣ــ إنّ الإمامة تعني: أنّه يجب الرجوع إلى الإمام في أخذ الدين عنه، كما أمرنا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وأنّ من لم يؤمن بالإمام مات على جاهلية.

بعد ذلك كلّه، كيف نقول: لا توجد أهمّية لبحث الإمامة؟!

وأمّا قولك على لسان المخالف: بأنّ القرب الإلهيّ يحصل بالصلاة والسجود فما أهمّية الموضوع؟

فالجواب عنه: عرفت فيما تقدّم مدى أهمّية الموضوع، وأنّ الطريق إلى توحيد الله وعبادته هو بالالتزام بأوامره، والأخذ بسُنّة نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم، والتي يكون الإيمان بالإمام عمدتها، فهو الحافظ للدين والمبيّن له.

والعقل قاضٍ بوجوب طاعة الله من حيث ما يأمرنا به، لا من أيّ طريق مهما كان؛ لأنّه كما أنّ العقل أثبت وجوب حقّ الطاعة علينا لله، كذلك أثبت وجوب طاعة الله من حيث ما يريده الله، لا من حيث نريد؛ لأنّ الله هو المالك المطلق والحاكم المطلق، فهو صاحب الحقّ.

(البحث الأساس هو مبحث الإمامة)

« هشام ــ الجزائر ــ مالكي »

السؤال:

نحن نحبّ ونجلّ أهل البيت.


الصفحة 368
نصلّي نسلّم عليهم في كلّ تشهد, نحن نلعن حبّ الكرسي والحكم, فمن غير المنطقي الاستمرار في عداوة عمرها مئات السنون, الكفّار واليهود يتّحدون ونحن نتجادل على ملك بائد، فليبقى الشيعي شيعياً، والسُنّي سُنّياً.. والكلّ مسلم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الخلاف بين أهل السُنّة والشيعة ليس خلافاً سياسياً ــ كما تصوّرتموه ــ حول الحكم وكرسي الخلافة, وإنّما هذه المسألة، أي: مسألة الخلافة الدنيوية والسلطة التنفيذية بحث دخل في ذمّة التاريخ، ولا محصّل عملي من الدخول فيه الآن، وإنّما البحث كلّ البحث هو في المصير الأُخروي للمسلم الذي صرّح به الحديث الصحيح للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)(1).

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)(2), وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية)(3).

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية)(4)..

ونحوها ممّا هو في معناها من الأحاديث الواردة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، التي تفيد بطرقها التواتر المعنوي بأنّ الاعتقاد بالإمامة ووجوب البيعة لإمام في كلّ زمان

____________

1- إكمال الدين وإتمام النعمة، للصدوق: ٤٠٩ الباب (٣٨).

2- انظر: صحيح مسلم ٦: ٢٢ كتاب الإمارة، باب حكم من فرّق أمر المسلمين.

3- انظر: مسند أبي يعلى ١٣: ٣٦٦ الحديث (٧٣٧٥)، المعجم الأوسط ٦: ٧٠.

4- انظر: مسند أحمد بن حنبل ٤: ٩٦ حديث معاوية، مسند أبي داود الطيالسي: ٢٥٩، المعجم الكبير، للطبراني ١٩: ٣٨٨، مسند الشاميين، للطبراني ٢: ٤٣٨ الحديث (١٦٥٤).


الصفحة 369
هو أمر لازم لكلّ مسلم، ولا ينفك هذا الأمر عن أعناق المسلمين إلى يوم القيامة، وهو المعنى الذي استفاده أيضاً بعض محقّقي أهل السُنّة فضلاً عن اعتقاد الشيعة به وعملهم عليه.

قال ابن حزم في (الفصل بين الملل): إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نصّ على وجوب الإمامة، وأنّه لا يحل بقاء ليلة دون بيعة(1).

وقال في (المحلّى): ((لا يحل لمسلم أن يبيت ليلتين ليس في عنقه لإمام بيعة))(2).

وقال الإيجي في (المواقف): ((إنّه تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأوّل بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على امتناع خلوّ الوقت عن إمام))(3).

وقال ابن حجر في (فتح الباري): ((قال النووي: أجمعوا على أنّه يجب نصب خليفة، وعلى أنّ وجوبه بالشرع لا بالعقل))(4).

وعن الماوردي في (الأحكام السلطانية): ((وعقدها ــ أي الإمامة ــ لمن يقوم بها في الأُمّة واجب بالإجماع))(5).

فالبحث أيّها الأخ الكريم إنّما هو في مسألة الإمامة والتحرّز عن ميتة الجاهلية، فهل ترى لو متّ وحشرت أمام الله وسألك عن إمام زمانك ولم تعطه جواباً واضحاً في الموضوع، واعتذرت بما كان عليه الآباء والأجداد من الجهل بهذه المسألة وعدم البحث فيها، فهل يغنيك هذا عن أن يعاقبك المولى كما يعاقب أهل

____________

1- الفصل بين الملل والأهواء والنحل ٤: ١٠٢ الكلام في الإمامة والمفاضلة.

2- المحلّى ٩: ٣٥٩ كتاب الإمامة مسألة (١٧٦).

3- المواقف في علم الكلام ٣: ٥٧٥ الموقف السادس، المرصد الرابع، المقصد الأوّل.

4- فتح الباري شرح صحيح البخاري ١٣: ١٧٨ كتاب الأحكام، باب الاستخلاف.

5- الأحكام السلطانية: ٣، الباب الأوّل.


الصفحة 370
الجاهلية، ويحاسبك على ضلالك كما يحاسبهم على ضلالهم بحسب المستفاد من الحديث، الذي ثبت تواتره المعنوي، وقد استفاد منه وجوب البيعة لإمام كلّ زمان علماء أهل السُنّة قبل الشيعة كما أسلفنا قبل قليل؟!

فالمسألة برمّتها أيّها الأخ الكريم لا تتعدّى البحث عن المصير الأُخروي للمسلم في ما يتعلّق بمسألة الإمامة.. ونحن نسأل الله سبحانه أن يثبّتنا وإيّاكم بالسير على الطريق الذي يحبّه ويرضاه، إنّه سميع قريب مجيب.

ملاحظة: عندما نقول: إنّ علماء أهل السُنّة بحثوا في الإمامة، وبالخصوص في ما يتعلّق بمضمون الأحاديث المشار إليها، إنّما نقصد: أنّهم بحثوا على المستوى النظري فقط، وأمّا على المستوى العملي، فلا تجد عندهم جواباً واضحاً في من يعتقدون به أنّه إمام زمانهم يجب عليهم مبايعته، وأنّ له في عنقهم بيعة من الله إن ثبتت وإلّا فميتتهم ميتة جاهلية.. فهذا أمر لا مصداق ولا جواب حقيقي له عندهم!

(البحث عن الماضي منهج قرآني)

« السيّد خليل ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

إنّ الحديث عن الخلافة، ولمن كانت الخلافة، لعليّ عليه السلام أم لأبي بكر؟ أمر تاريخي وانتهى، فلماذا لا نتكلّم عن أُمور الحياة وأُمور أُخرى؟ فلماذا لا زلتم تتكلّمون عن هذا الأمر؟


الصفحة 371
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الواجب على الإنسان أن ينظر لأُمور دينه كما يرشده العقل إلى العناية بأُمور دنياه، وأنت بدعواك هذه تريد ترك الجانب الأُخروي، ولا تهمّك عقيدتك سواءً كنت على حقّ أم على باطل.

ونحن نقول: إنّه لا يمكن إدراك الحقّ وتميّزه عن الباطل إلّا من خلال النظر إلى الماضي الذي وقع فيه الخلاف على الإمامة، وتدقيق النصوص الحديثية والتاريخية التي تشير إلى ذلك.

ولو كان ما تقول أمراً صحيحاً، لما دعانا القرآن إلى النظر والتدبّر بأمر الأُمم السابقة، وكرّر تذكيرنا بالأنبياء السابقين وأعدائهم لنتّعض, وإذا كان القرآن يحثّ على معرفة حال الأُمم السابقة وأنبيائها وملوكها، فمن الأوْلى أن يحثّنا على معرفة حال سلف هذه الأُمّة وأوّلها؛ فتأمّل!

(أصل الاختلاف بين الشيعة والسُنّة)

« غادة ــ الأردن ــ سُنّية »

السؤال:

أخبروني عن رأيكم بكلّ وضوح وصراحة: عن سبب اختلافكم مع مذهب أهل السُنّة والجماعة؟

وشكراً لكم.


الصفحة 372
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

باختصار, إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أخبر عن اختلاف أُمّته إلى نيّف وسبعين فرقة، كلّها هالكة إلّا فرقة واحدة, وهذا الحديث موجود في مصادر جميع المسلمين(1).

وعليه, فالبحث عن الفرقة الناجية أمر حتميّ, على كلّ مسلم أن يبحث في الأدلّة ليعرف هذه الفرقة ومعتقداتها, ويعتقد بالعقائد الحقّة.

وأصل الاختلاف بين السُنّة والشيعة هو: في مسألة الخلافة, وباقي المسائل تتفرّع على هذا الأصل.

فالشيعة تستدلّ بالعقل والنقل على أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يرحل من هذه الدنيا حتّى عيّن الخليفة من بعده بالاسم, شأنه شأن سائر الأنبياء قبله الذين عيّنوا أوصياء لهم.

والسُنّة تقول بأنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم رحل من هذه الدنيا ولم يعيّن ولم ينصّ على أحد، بل ولم يذكر لهم طريقة انتخاب من بعده, بل ترك الأُمّة تفعل ما تشاء.

فعلى كلّ المسلمين البحث في جذور الاختلاف أوّلاً, وهي مسألة الإمامة بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم, ومراجعة أدلّة الطرفين كلّ من كتبه, لا أن يعتمد على من نقل عنهم.

____________

1- انظر: مسند أحمد بن حنبل ٣: ١٤٥ مسند أنس بن مالك، سنن ابن ماجة
٢: ١٣٢١ ــ ١٣٣٢ كتاب الفتن، باب (١٧) الحديث (٣٩٩٢، ٣٩٩٣)، مجمع الزوائد، للهيثمي ١: ١٨٩ كتاب العلم، باب في البدع والأهواء.


الصفحة 373

(الإمامة أساس الاختلاف بين المسلمين)

« سعيد سهوان ــ البحرين»

السؤال:

ما هو الفرق بين الشيعة والسُنّة؟ وما هو أساس الاختلاف بينهم؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

كما هو معلوم هناك فروق كثيرة بين الشيعة والسُنّة في جانب العقائد والفقه و... وأساس الاختلاف بينهما هو: في الإمامة والخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

فالشيعة الإمامية تعتقد:

أوّلاً: إنّ الإمامة لا تكون إلّا بالنص.

ثانياً: إنّ الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام هو الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا فصل، كما نصّ عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مواطن عديدة.

ثالثاً: إنّ الأئمّة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هم اثنا عشر إماماً، كما نصّ عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

رابعاً: إنّ الأئمّة عليهم السلام معصومون.

وأخيراً, فإنّ الشيعة تأخذ أحكامها عن القرآن وأهل البيت عليهم السلام, وترى هذا الطريق هو الموصل إلى الله سبحانه وتعالى ومبرئ للذمّة, وذلك عملاً بقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، الذي رواه عنه جميع المسلمين: (إنّي مخلّف فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي أبداً: كتاب الله, وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض)(1).

____________

1- مسند أحمد بن حنبل ٣: ١٤، ١٧، ٢٦، ٥٩ مسند أبي سعيد، ٤: ٣٦٧ حديث زيد ابن أرقم، سنن الدارمي ٢: ٤٣٢ كتاب فضائل القرآن، باب فضل من قرأ القرآن، فضائل الصحابة، للنسائي: ١٥، ٢٢، المستدرك على الصحيحين، للنيسابوري ٣: ١٠٩، ١٤٨، السنن الكبرى، للبيهقي ٢: ١٤٨ جماع أبواب صفة الصلاة.


الصفحة 374
وهذا ممّا لا يقول به أهل السُنّة. وهناك فوارق أُخر أيضاً.

(الإمامة أصل الاختلاف)

« عبد الحليم نواصر ــ الجزائر »

السؤال:

السلام عليكم..

أودّ الاستفسار عن ميراث النبيّ الأكرم، وسرّ الاختلاف بين آل بيت الرسول عليهم السلام والخليفة الأوّل.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ليس الاختلاف اختلاف ميراث ومال في ما بين أهل البيت عليهم السلام والخلفاء, وإنّما الاختلاف اختلاف مبدأ يبيّن الحقّ من الباطل, وكما اعترف الشهرستاني في كتابه (الملل والنحل)(1) وغيره، بأنّ أصل الاختلاف هو: في الإمامة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؛ إذ ذهب الشيعة إلى أنّ الإمامة بالنص, وأنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نصّ على

____________

1- الملل والنحل ١: ٢٤ المقدّمة الرابعة، الخلاف الخامس، ١: ٢٧ الاختلاف العاشر، ١: ١٤٦ الفصل السادس: الشيعة، ١: ١٦٢ الفصل السادس، الثالث: الإمامية.


الصفحة 375
أمير المؤمنين عليّ عليه السلام بالإمامة بعده بلا فصل, وذلك في مواطن ومواقف مختلفة, من بداية الدعوة، عندما جمع عشيرته للإنذار ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ(1)(2)، وإلى آخر ما قاله في مرضه الذي توفّي فيه(3).

كما أنّ الإمامة إلى أحد عشر إمام بعد عليّ عليه السلام نصّ عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وأمّا أهل السُنّة فوقعوا في خبط شديد.. فتشاهد أنّ خلافة أبي بكر لم تكن بشورى حقيقية, ولا باجتماع أهل الحلّ والعقد عليها؛ وذلك لتخلّف بني هاشم وبعض كبار الصحابة, ولِما استعمله أبو بكر وأعوانه من تسليط السيف والتهديد على من لم يبايع, ولأجل هذا قال قائلهم: ((إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة...))(4)!!

وتشاهد خلافة عمر كانت بالنص من أبي بكر عليه.

وتشاهد خلافة عثمان كانت بمسرحية الشورى التي دبّر الأمر فيها من ذي قبل، ثمّ آل الأمر إلى معاوية المتسلّط بالسيف، ومن بعده من ملوك بني أُميّة وبني العبّاس إلى يومنا هذا.

____________

1- الشعراء (٢٦): ٢١٤.

2- مسند أحمد بن حنبل ١: ١١١ مسند عليّ بن أبي طالب،شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ١٣: ٢١١ خطبة (٢٣٨) الناصعة، تفسير ابن أبي حاتم ٩: ٢٨٢ الحديث (١٦٠١٥)، تفسير الثعلبي ٧: ١٨٢، شواهد التنزيل، للحسكاني ١: ٤٨٦ الحديث (٥١٤)، السيرة الحلبية ١: ٤٦١.

3- مسند أحمد بن حنبل ١: ٢٢٢، ٣٣٥، ٣٣٦ مسند عبد الله بن العبّاس، صحيح البخاري ١: ٣٧ كتاب العلم، ٤: ٣١، ٦٦ كتاب الجمعة، باب دعاء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم،
٥: ١٣٧، ١٣٨ كتاب المغازي، باب مرضه صلى الله عليه وآله وسلم، وغيرها.

4- مسند أحمد بن حنبل ١: ٥٥ حديث السقيفة، صحيح البخاري ٨: ٢٥ ـ ٢٦ كتاب المحاربين، مجمع الزوائد، للهيثمي ٦: ٥ كتاب الجهاد، باب تدوين العطاء.


الصفحة 376

(منكر الإمامة غير خارج عن الإسلام)

« كوثر جابري ــ النروج ــ إمامية »

السؤال:

السلام عليكم..

أتمنّى لكم الموفّقية والسداد وألف شكر على هذه الباحة..

من المعلوم أنّ المنكر لضرورة من ضرورات الدين يعدّ كافراً.. فكيف لا يكون المنكر لأصل من أُصول الدين غير كافر، ألا وهو (الإمامة)، بل و(المعاد)؟!

أرجو توضيح ذلك.

فهل مجرد إطلاق الشهادتين.. يكفي لذلك؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ إنكار ضروري من ضرورات الدين يرجع إلى إنكار الرسالة والنبوّة، فمثلاً الذي ينكر ضروري من الضرورات، كالصلاة، معناه: عدم التصديق بالنبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنّه يعلم بالضرورة أنّه أمر بأداء الصلاة، ولذلك يلحقه الكفر من هذه الجهة.. أمّا إنكار الإمامة التي وقعت محلاً للاختلاف بين المسلمين فإنكارها بشبهة وعدم تمامية الدليل عند منكرها لا يجعله خارجاً من الإسلام بعد إقراره بالشهادتين. نعم، هو خارج عن مذهب الإمامية.


الصفحة 377

(أصل الإمامة يثبت بالعقل وشخوصها بالنقل)

« سالم السيلاوي ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

بماذا نثبت الإمامة، بالنصّ أو بالعقل؟

وجزاكم الله خيراً.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الإمامة من أُصول الدين, وأُصول الدين تعني: العقائد, والعقائد ينبغي إثباتها بالقطع واليقين، والإمامية يثبتون الإمامة في كتبهم الكلامية بالعقل أوّلاً قبل النقل؛ فهي عندهم واجبة عقلاً، خلافاً للأشاعرة، وشطراً من المعتزلة، الذين قالوا: بوجوبها سمعاً.

وهذا المعنى تجده مفصّلاً في كتبنا العقائدية، كـ(التجريد، والشافي، وتلخيص الشافي، والإلهيات) وغيرها, وقد أوضحنا ذلك أيضاً تحت هذا العنوان هنا؛ فراجع!

وأمّا بيان المصاديق في تعيين من هو الإمام بشخصه, فهذا يعود إلى النصّ.

(إشكالات على الأدلّة العقلية والنقلية للإمامة والردّ عليها)

« أُمّ محمّد ــ مصر ــ مستبصرة»

السؤال:

اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد..


الصفحة 378
أمّا بعد، فقد أرسل أخ لي هذه الرسالة لإثنائي عمّا وصلت إليه بشأن مذهب أهل البيت، وأنا عندي الردّ على بعض نقاطها، وتحيّرت في البعض الآخر، وأُريد أن يهديه الله معي للحقّ، ولذلك أسألكم ردّاً وافياً في أقرب وقت، ولكم الشكر.

((استدلّ الشيعة الإمامية بالأدلّة العقلية والنقلية على إثبات الإمامة، ونورد في ما يلي هذه الأدلّة:

الجزء الأوّل: الأدلّة العقلية:

أوّلاً: قالوا: إنّ اللطف واجب على الله تعالى, وتنصيب الإمام لطف؛ فيجب على الله تعالى.

ثانياً: إنّ الإمام يجب أن يكون حافظاً للشرع، عالماً بجميع أحكام الله المودعة في كتابه؛ لانقطاع الوحي بموت الرسول ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ وقصور ما يفهم الناس من الكتاب والسُنّة عن جميع الأحكام.

ثالثاً: إنّ فعل الأصلح واجب على الله تعالى، ووجود الإمام أصلح للعباد، فلا يتمّ انتظام أمر العباد في المعاش والمعاد والدين والدنيا إلّا بنصب الإمام.

رابعاً: إنّ مرتبة الإمامة كالنبوّة، وكما لا يجوز للناس اختيار نبيّ، فلا يجوز لهم اختيار إمام ولا تعيينه؛ لأنّهم قاصرون عن معرفة ما يصلح به حالهم.

خامساً: كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إذا سافر عيّن على المدينة خليفة، فلا يجوز له أن يرحل عن الدنيا من غير أن يعيّن إماماً يرجع إليه الناس في جميع شؤونهم الدينية والدنيوية.

مناقشة الأدلّة العقلية للشيعة والردّ عليها:


الصفحة 379
أوّلاً: يلاحظ أنّ أدلّة الشيعة الإمامية تقوم على وجوب اللطف على الله تعالى ووجوب بعثة الرسل، وقياس الإمامة على النبوّة.

وهذه الأدلّة تُبنى على أُصول المعتزلة في وجوب اللطف على الله تعالى, وهنا نقول لهم: هل قولكم: ((وجوب اللطف على الله تعالى))، أوجبه الناس على الله تعالى؟

فإن قالوا: نعم. فهذا هو الكفر والعياذ بالله, ولا شكّ أنّ هذا باطل لا ريب؛ لأنّ الله تعالى يقول: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ(1), و﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ(2)، فالله هو الربّ الخالق المالك المحمود، الذي له التصرّف المطلق في ما شاء من مخلوقاته.

وإن قالوا: بأنّ ((وجوب اللطف على الله)) هو: ما أوجبه الله على نفسه, وتنصيب الإمام لطف، فيجب على الله تعالى.

فنقول لهم: فأين الدليل على ذلك؟ وأدلّة الشيعة الإمامية في إثبات الإمامة كلّها دون المتشابه, وغير صالحة للاستدلال البتة, بل إنّ الله أكمل دينه وأتمّ نعمته برسالة النبيّ (محمّد صلى الله عليه وآله وسلم)، بل إنّ القول بالإمامة يترتّب عليه الكثير من الموبقات، كتكفير أُمّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم؛ وذلك لأنّ الشيعة الإمامية اعتبروا الإمامة من أُصول الدين، والتي تفوق مرتبتها مرتبة النبوّة, وصرّحوا بكفر منكرها..

وصرّح بذلك أكبر مرجع من مراجع الشيعة الإمامية في هذا العصر، وهو: أبو القاسم الخوئي؛ إذ نصّ صراحة على هذا الأمر، فقال: ((ثبت في الروايات

____________

1- القصص (٢٨): ٦٨.

2- هود (١١): ١٠٧، البروج (٨٥): ١٦.


الصفحة 380
والأدعية والزيارات جواز لعن المخالفين, ووجوب البراءة منهم, وإكثار السبّ عليهم واتّهامهم, والوقيعة فيهم ــ أي: غيبتهم ــ لأنّهم من أهل البدع والريب, بل لا شبهة في كفرهم, لأنّ إنكار الولاية والأئمّة، حتّى الواحد منهم، والاعتقاد بخلافة غيرهم يوجب الكفر والزندقة, وتدلّ عليه الأخبار المتواترة الظاهرة في كفر منكر الولاية)).

ويقول العلاّمة الحلّي: ((الإمامة لطف عامّ، والنبوّة لطف خاص، لإمكان خلوّ الزمان من نبيّ حيّ بخلاف الإمام؛ لما سيأتي، وإنكار اللطف العامّ شرّ من إنكار اللطف الخاص، وإلى هذا أشار الصادق بقوله عن منكر الإمامة أصلاً ورأساً: وهو شرّهم)).

ويقول يوسف البحراني: ((وليت شعري! أيّ فرق بين من كفر بالله سبحانه وتعالى ورسوله، وبين من كفر بالأئمّة عليهم السلام، مع ثبوت كون الإمامة من أُصول الدين؟!)).

ويقول الفيض الكاشاني: ((ومن جحد إمامة أحدهم ــ أي: الأئمّة الاثني عشر ــ فهو بمنزلة من جحد نبوّة جميع الأنبياء عليهم السلام)).

ويقول المجلسي: ((اعلم أنّ إطلاق لفظ الشرك والكفر على من لم يعتقد إمامة أمير المؤمنين والأئمّة من ولده عليهم السلام، وفضّل عليهم غيرهم، يدلّ أنّهم مخلدون في النار)).

قلت: أيّ لطف في هذه الإمامة التي تكفّر المسلمين, بل هي النقمة والبلاء؟ والله المستعان!!


الصفحة 381
ثانياً: لا توجد أيّ مصلحة دينية أو دنيوية في الإمامة بعد إكمال الله دينه وإتمام نعمته ببعثة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم:

لا توجد أيّ مصلحة دينية أو دنيوية من الاعتقاد بالإمامة؛ فالدين قد حفظه الله, وأُصول الدين مذكورة صراحة في القرآن الكريم. وأمّا فروعه فقد تكفّلت السُنّة النبوية بها, والله يقول في كتابه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً(1). وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً: (إنّه لم يكن نبيّ قبلي إلّا كان حقّاً عليه أن يدلّ أُمّته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شرّ ما يعلمه لهم).

ثالثاً: قالوا في الإمامة أسخف قول وأفسده في العقل والدين:

إمامهم مجهول أو معدوم، فكيف يكون هذا الإمام لطفاً في مصالح دينهم ودنياهم ولا أثر ولا يسمع له حسّ ولا خبر؟ فلم يحصل لهم من الأمر المقصود بإمامته شيء، وأي من فرض إماماً نافعاً في بعض مصالح الدين والدنيا.

قال ابن تيمية: ((إنّ الإمام لطف وهو غائب عنكم، فأين اللطف الحاصل مع غيبته؟ وإذا لم يكن لطفه حاصلاً مع الغيبة وجاز التكليف، بطل أن يكون الإمام لطفاً في الدين، وحينئذ يفسد القول بإمامة المعصوم...

لو كان اللطف حاصلاً في حال الغيبة كحال الظهور، لوجب أن يستغنوا عن ظهوره ويتّبعوه إلى أن يموتوا، وهذا خلاف ما يذهبون إليه...

____________

1- المائدة (٥): ٣.


الصفحة 382
وأمّا الغائب فلم يحصل به شيء، فإنّ المعترف بوجوده إذا عرف أنّه غاب من أكثر من أربعمائة سنة وستّين سنة، وأنّه خائف لا يمكنه الظهور فضلاً عن إقامة الحدود، ولا يمكنه أن يأمر أحداً ولا ينهاه، لم يزل الهرج والفساد بهذا)).

رابعاً: إلغاء دور النبيّ:

القول بالإمامة وأنّ الإمام له حقّ التشريع بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يناقض كتاب الله وسُنّة نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم، بل يلغي دور النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم, لذلك نجدهم يغفلون عن ذكر أحاديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ويهتمون بروايات جعفر والباقر وبعض الأئمّة، ممّا أدّى إلى انتفاء وتعطيل وإلغاء دور النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وأصبح جعفر الصادق هو البديل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. والله المستعان.

خامساً: يقولون بأنّ حبّ عليّ حسنة لا يضرّ معها سيئة؛ وإن كانت السيئات لا تضرّ مع حبّ عليّ فلا حاجة إلى الإمام المعصوم الذي هو لطف في التكليف؛ فإنه إذا لم يوجد إنّما توجد سيئات ومعاص، فإن كان حبّ عليّ كافياً، فسواء وجد الإمام أو لم يوجد.

سادساً: الواقع يخالف ما ذكروه:

قال ابن تيمية: ((ومن المعلوم بالضرورة أنّ حال اللطف والمصلحة التي كان المؤمنون فيها زمن الخلفاء الثلاثة أعظم من اللطف والمصلحة الذي كان في خلافة عليّ زمن القتال والفتنة والافتراق)).

الجزء الثاني: أدلّة الشيعة القرآنية على الإمامة:

استدلّ الشيعة الإمامية على وجوب تنصيب الإمام بآيات كثيرة من القرآن، ونورد في ما يلي أهمّها:


الصفحة 383
الآية الأُولى: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَومٍ هَادٍ(1).

قالوا: إنّ الله عزّ وجلّ جعل لكلّ قوم إماماً ينصبه الله تعالى، كما روى الطبري في تفسيره عن ابن عبّاس رضي الله عنها: ((لمّا نزلت هذه الآية، وضع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يده على صدره، وقال: (أنا المنذر ولكلّ قوم هاد، ثمّ أومأ بيده إلى منكب عليّ، فقال: أنت الهادي يا عليّ، بك يهتدي المهتدون بعدي))).

الردّ:

أوّلاً: السند ضعيف ولا تقوم به حجّة، وقد ضعّفه الشيخ أحمد شاكر، فقال: ((في سنده الحسن بن الحسين الأنصاري العرني، كان من رؤوس الشيعة، ليس بصدوق ولا تقوم به حجّة، وقال ابن حبّان: يأتي عن الإثبات بالملزقات ويروي المقلوبات والمناكير، ومعاذ بن مسلم: مجهول، هكذا قال ابن أبي حاتم.. وهذا خبر هالك من نواحيه)).

ثانياً: تفسير الآية كما يقول الآلوسي: ((﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ مرسل للإنذار من سوء عاقبة ما نهى الله تعالى عنه، كدأب من قبلك من الرسل، وليس عليك إلّا الإتيان بما يعلم به نبوّتك، وقد حصل بما لا مزيد عليه ولا حاجة إلى إلزامهم وإلقامهم الحجر بالإتيان بما اقترحوه ﴿وَلِكُلِّ قَومٍ هَادٍ)).

وقد بيّن الإمام الآلوسي ضعف هذه الروايات.

ثالثاً: لو سلّمنا جدلاً بصحّة هذه الرواية، فإنّها لا تدلّ على إمامة عليّ رضي الله عنه ونفيها عن غيره أصلاً؛ لأنّ كون أن يكون الرجل هادياً لا يستلزم أن يكون إماماً ولا نفي الهداية عن الغير, وإن دلّ بمجرّد الهداية على الإمامة تكون

____________

1- الرعد (١٣): ٧.


الصفحة 384
الإمامة المصطلحة لأهل السُنّة، وهي بمعنى القدوة في الدين, ومراده في غير محلّ النزاع, قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا(1)، وقال ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ(2).

الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(3).

قالوا: أنّها نزلت في عليّ بن أبي طالب∙ بالإجماع لمّا تصدّق بخاتمه وهو راكع يصلّي, فصيّر الله نعمته عليه وبلّغه الإمامة.

الردّ:

أوّلاً: لا تثبت هذه الروايات عن أحد من آل البيت بسند صحيح حسب شروط الشيعة الإمامية الاثني عشرية في الحديث الصحيح, وقد جمع هذه الطرق وبيّن ضعفها الأخ الفاضل فيصل نور في كتابه (الإمامة والنص).

ثانياً: لا يثبت في هذه القصّة سند صحيح عند أهل السُنّة والجماعة، وكلّ طرقها ضعيفة، ورجالها مجهولون؛ قال ابن كثير رحمه الله: ((ليس يصحّ منها بالكلّية؛ لضعف أسانيدها وجهالة رجالها)).

ثالثاً: أجمع أهل العلم بالنقل على أنّها لم تنزل في عليّ, وأنّ عليّاً لم يتصدّق بخاتمه في الصلاة، قال ابن تيمية: ((وقد وضع بعض الكذّابين حديثاً مفترى، أنّ

____________

1- السجدة (٣٢): ٢٤.

2- آل عمران (٣): ١٠٤.

3- المائدة (٥): ٥٥.


الصفحة 385
هذه الآية نزلت في حقّ عليّ لمّا تصدّق بخاتمه في الصلاة, وهذا كذب بإجماع أهل العلم بالنقل)).

رابعاً: ينقل الشيعة الإمامية هذه الأحاديث من (تفسير الثعلبي), وأجمع أهل العلم بالحديث أنّ الثعلبي يروي طائفة من الأحاديث الموضوعة, وهو حاطب ليل، كما وصفه ابن تيمية وغيره؛ قال الدهلوي: ((وأمّا القول بنزولها في حقّ عليّ ابن أبي طالب، ورواية قصّة السائل وتصدّقه بالخاتم عليه في حالة الركوع، فإنّما هو للثعلبي فقط، وهو متفرّد به، ولا يعدّ المحدّثون من أهل السُنّة روايات الثعلبي قدر شعيرة, ولقّبوه: حاطب ليل؛ فإنّه لا يميّز الرطب من اليابس, وأكثر رواياته عن الكلبي، عن أبي صالح, وهو من أوهى ما يروى في التفسير عندهم)).

خامساً: نطلب من الشيعة الإمامية أن ينقلوا لنا إسناداً واحداً صحيحاً فقط لهذه القصّة, وجمهور أهل الأُمّة لم تسمع هذا الخبر، ولا هو في شيء من كتب المسلمين المعتمدة، لا الصحاح ولا السنن ولا الجوامع ولا المعجمات، ولا شيء من الأُمّهات.

سادساً: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ صيغة جمع، فلا يصدق على عليّ رضي الله عنه وحده, وإن كان يمكن أن يذكر الجمع ويراد به المفرد, إلّا أنّ الأصل أنّه إذا أُطلق الجمع أُريد به الجمع إلّا بقرينة، ولا قرينة هنا.

سابعاً: إنّ الله لا يثني على الإنسان إلّا بما هو محمود عنده: إمّا واجب، وإمّا مستحبّ, والصدقة والعتق والهدية والهبة وغير ذلك ليست واجبة، بل ولا مستحبّة في الصلاة، باتّفاق المسلمين.

ثامناً: ذهب بعض الفقهاء إلى أنّ ذلك يبطل الصلاة، وبذلك يعلم أنّ التصدّق في الصلاة ليس من الأعمال الصالحة, وإعطاء السائل لا يفوت, فيمكن


الصفحة 386
للمتصدّق إذا سلّم أن يعطيه وإن في الصلاة لشغلاً، وعلي رضي الله عنه غنيّ عن مدح الشيعة الإمامية الاثني عشرية، فهم يذمونه في حقيقة الأمر، والله تبارك وتعالى يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ _ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ(1)، فكيف نرضى لعليّ وهو من رؤوس الخاشعين وأئمّتهم أن يتصدّق وهو يصلّي ولا يخشع في صلاته.

تاسعاً: ثمّ لو قدّر أنّ هذا مشروع في الصلاة, لم يختص بالركوع, بل يكون في القيام والقعود أوْلى منه في الركوع, فكيف يقال: لا وليّ لكم إلّا الذين يتصدّقون في كلّ ركوع, فلو تصدّق في حال القيام والقعود أما كان يستحقّ هذه الموالاة؟!

عاشراً: عليّ رضي الله عنه لم يكن ممّن تجب عليه الزكاة, على عهد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؛ فإنّه كان فقيراً, وكان مهر فاطمة من عليّ درعاً فقط, لم يمهرها مالاً؛ لأنّه لم يكن له مال, ومثل عليّ لا تجب عليه الزكاة.

الحادي عشر: إعطاء الخاتم في الزكاة لا يجزئ عند كثير من أهل العلم, إلّا إذا قيل: بوجوب الزكاة في الحليّ, وقيل: إنّه يخرج من جنس الحليّ, ومن جوّز ذلك بالقيمة, فالتقويم في الصلاة متعذّر.

الثاني عشر: إنّ هذا الحديث فيه إعطاء السائل, والمدح في الزكاة أن يخرجها ابتداء ويخرجها على الفور لا ينتظر أن يسأله سائل, فالأفضل أن يبادر المرء بدفع الزكاة، لا أن يجلس في بيته وزكاته عنده حتّى ينتظر الناس يطرقوا بابه ثمّ يعطيهم الزكاة.

____________

1- المؤمنون (٢٣): ١ ــ ٢.


الصفحة 387
الثالث عشر: إنّ هذه الآية بمنزلة قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ(1)، وهو أمر بالركوع, وإشارة إلى إقامتها في الجماعة)).

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نجيب الأخ بما يلي:

إنّ ما ذكرته من الأدلّة فيها بعض الخلط بين دليل العقل ودليل السمع؛ فالثاني يدخل في دليل السمع، كما أنّ الثالث يرجع إلى دليل اللّطف، والرابع والخامس دليل على وجوب النصب للإمام.

ثمّ إنّ اعتراضك على الإمامة في النقطة الأُولى من الأدلّة العقلية جاء من خلال عدّة إشكالات طرحتها، وهي:

١ــ لا يوجد دليل صريح أو محكم يثبت الإمامة وينصب الإمام.

٢ــ الادّعاء أنّ الله أكمل دينه وأتمّ نعمته برسالة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

٣ــ أنّ القول بالإمامة يترتّب عليه الكثير من الموبقات، كتكفير أُمّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم.

وللإجابة على ذلك نقول:

١ــ إنّ الأدلّة التي نذكرها لوجوب الإمامة وتنصيب الأئمّة كثيرة، منها ما ذكرته أنت بغضّ النظر عن الخلط الواقع فيها، وعمدة الأدلّة على وجوب الإمامة هو دليل اللّطف.

____________

1- البقرة (٢): ٤٣.


الصفحة 388

وإذا صار على الله للطفه الذي هو مقتضى حكمته وجوب تنصيب الإمام وبيّن سبحانه مراده بالآيات وبيّنه رسوله بالروايات بالإضافة إلى حكم العقل بذلك, لكن بعض المعاندين يرفض الإذعان للأدلّة الدامغة والصريحة، فلا يقال على الله: أنّه لم يبيّن مراده في الإمامة، وأنّه لم يلطف بعبادة, بل يقال لأُولئك المعاندين: إنّكم لا تريدون الإذعان بذلك، ولو جئنا لكم بألف دليل على الإمامة، لرفضتم ذلك ولرددتم اللّطف الذي فيها، فالمشكل فيكم لا في البيان ولا في المبيّن.

وأمّا دليل وجوب اللّطف، فلأنّ مقتضى حكمته تعالى أن يهيئ لعباده وسائل الطاعة ويصرفهم عن وسائل الفساد؛ إذ كانوا لا يصلون إلى كمالهم من دونها عادةً، وقد بحثه العدلية (المعتزلة والإمامية) في مظانّه من كتبهم الكلامية، وليس هنا متّسع لذكر مسائله وإدراج أدلّته، خاصّة وأنّك لم تذكر منها شيئاً ولم تناقشها ولم يظهر من عباراتك إنكار وجوبه إلّا قولك: إنّه من أُصول المعتزلة، وهو ليس بردّ.. وما ناقشت إلّا في معنى الوجوب على الله، وقد بيّناه.

وأمّا دليل كون الإمامة لطف، فهو: لمّا تقرّر في العقول من جريان العادة في صلاح الناس واتساق أُمورهم ومعاشهم على رئيس مبسوط اليد يحكمهم ويسوسهم، ويدعوهم إلى الصلاح والطاعات، وإنّهم متى ما فقدوا هذا الرئيس كانوا أقرب إلى الفساد، واختلّت أُمورهم ومعاشهم، ولعلا بعضهم على بعض، يأكل القوي منهم الضعيف، وانهمكوا في المعاصي والملذّات.

هذا، وإنّ تشقيقك الإشكال على (وجوب اللّطف على الله) بشقين، فيه خلط بين منهج الأشاعرة ومنهج المعتزلة؛ فإنّ سؤالك بـ((هل قولكم: (وجوب اللّطف على الله)، أوجبه الناس على الله تعالى؟)) مأخوذ من الأشاعرة؛ إذ لم يفهموا


الصفحة 389
المراد من: (وجوب اللّطف على الله)، الذي يقول به العدلية، فسألوا هذا السؤال الساذج!!

وأمّا سؤالك في الشق الثاني بقولك: ((فنقول لهم: فأين الدليل على ذلك؟))، بعد أن قلت: ((وإن قالوا: بأنّ (وجوب اللطف على الله) هو ما أوجبه الله على نفسه, وتنصيب الإمام لطف، فيجب على الله تعالى))، فهو متّسق مع منهج المعتزلة، ولكن فيه تسليم بوجوب اللطف، ثمّ المطالبة بالدليل على كون الإمامة لطف.

فإنّك بين أمرين: إمّا أن تنكر وجوب اللطف كالأشاعرة، فلا مجال للشق الثاني من السؤال، وأمّا أن تقرّ بوجوب اللطف كمنهج المعتزلة، فلا مجال للشق الأوّل من السؤال.. وأمّا الخلط بينهما وجعلهما شقّين على نحو التقسيم الثنائي، فإنّه خلط في المنهج العلمي، ويعكس عدم القدرة على ترتيب المقدّمات العقلية بصورة صحيحة.

ثمّ إنّ المطالبة بالدليل على تنصيب الإمام في الشق الثاني والادّعاء بأنّ أدلّة الشيعة على الإمامة كلّها متشابهة، يستدعي التسليم وعدم المناقشة في وجوب اللّطف في عالم الثبوت والواقع، وهو تسليم بالدليل العقلي الذي يقوله الشيعة من حيث لا تشعر؛ لأنّ المطالبة بالدليل في عالم الإثبات بعد الادّعاء بعدم وجوده لا يصح إلّا بعد تسليم الإمكان العقلي في عالم الثبوت؛ لأنّ عالم الإثبات متأخّر رتبة عن عالم الثبوت؛ فلاحظ!

وقد أجبنا في عنوان (الإمامة) على كثير من الأسئلة المتّصلة بالإمامة, ومنها الأدلّة على إثبات الإمامة وتنصيب الأئمّة؛ فراجع!


الصفحة 390
وكذلك أشرنا إلى الكثير من الكتب المشحونة بالأدلّة العقلية والنقلية لإثبات الإمامة، ولا يسعنا في هذا المختصر أن نذكر لك كلّ تلك الأدلّة، وحتّى لو ذكرناها فسيظل بعض المشكّكين لا يذعنون، ولا كلام لنا معهم.

٢ــ لعلّك تشير بقولك: إنّ الله أكمل دينه وأتمّ نعمته برسالة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً(1).

لكن هذه الآية القرآنية نفسها تعطي دليلاً على إثبات الإمامة، لا كما تريد إثباته من عدم الدليل على الإمامة؛ فالآية نازلة في يوم الغدير، كما أوضح ذلك كلّ من:

١ــ الحافظ محمّد بن جرير الطبري، المتوفّى سنة (٣١٠هـ)، روى في كتاب (الولاية) بإسناده عن زيد بن أرقم نزول الآية يوم الغدير.

٢ــ الحافظ ابن مردويه الأصفهاني، المتوفّى سنة (٤١٠هـ)، روى من طريق أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري: أنّها نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الغدير، يوم قال لعليّ: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه), وكذلك بسند آخر عن أبي هريرة.

٣ــ الحافظ أبو نعيم الأصبهاني، المتوفّى سنة (٤٣٠هـ)، روى في كتابه (ما نزل من القرآن في عليّ)، قال في آخر الرواية: (فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الربّ برسالتي، وبالولاية لعليّ عليه السلام من بعدي).

____________

1- المائدة (٥): ٣.


الصفحة 391
الصفحة السابقةالصفحة التالية