المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 6) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج6 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 391 - ص 420)

٤ــ الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، المتوفّى سنة (٤٦٣هـ)، روى في تاريخه عن أبي هريرة، قال في آخرها: ((فقال عمر بن الخطّاب: بخٍ بخٍ يا ابن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كلّ مسلم. فأنزل الله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)).

٥ــ الحافظ أبو سعيد السجستاني، المتوفّى سنة (٤٧٧هـ)، في كتاب (الولاية).

٦ــ أبو الحسن ابن المغازلي الشافعي، المتوفّى سنة (٤٨٣هـ).

٧ــ الحافظ أبي القاسم الحاكم الحسكاني.

٨ــ الحافظ أبو القاسم ابن عساكر الشافعي الدمشقي، المتوفّى سنة (٥٧١هـ).

٩ــ أخطب الخطباء الخوارزمي، المتوفّى سنة (٥٦٨هـ) في كتابة (المناقب).

١٠ــ أبو الفتح النطنزي في كتابه (الخصائص العلوية).

١١ــ أبو حامد سعد الدين الصالحاني.

١٢ــ أبو المظفّر سبط ابن الجوزي الحنفي البغدادي، المتوفّى سنة (٦٥٤هـ).

ومن تلك الأخبار يتّضح أنّ إكمال الدين وإتمام النعمة صار بولاية عليّ عليه السلام، لا بما عداها(1).

٣ــ أمّا قولك: إنّ القول بالإمامة يترتّب عليه الكثير من الموبقات، كتكفير أُمّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم.

فنحن نقول: إنّ القول بالتوحيد أيضاً صار سبباً لتكفير كثير من الناس، وإنّ القول بالنبوّة صار أيضاً سبباً لتكفير أصحاب الديانات الأُخرى، وإنّ إنكار المعاد

____________

1- انظر: الغدير، للأميني ١: ٢٣٠ وما بعدها.


الصفحة 392
كذلك؛ فإذا كانت الإمامة سبباً لكشف صدق الادّعاء واختياراً لتمام الانقياد، فما المشكلة في ذلك؟!

على أنّنا لا نقول: بكفر من ينكر الولاية، بل نقول: إنّهم ارتدّوا عن القول بالولاية بعد إتمام البيعة لعليّ عليه السلام في يوم الغدير، ونتعامل مع هؤلاء على أساس الإسلام، وكفاية النطق بالشهادتين لتحقّق الإسلام.. وأمّا الجاهل بها فهو مسلم من المستضعفين، يُردّ أمره إلى الله.

نعم، هم لم يؤمنوا بما أراده الله، فهم كفّار يوم القيامة.

وأمّا ما ذكره السيّد الخوئي قدس سره، فهو يشير به إلى عالم الآخرة, وأنّه يتعامل معهم في ذلك العالم تعامل الكفّار بخلاف عالم الدنيا, ولو كان يحكم بكفرهم في عالم الدنيا، لقال بنجاستهم، وعدم الزواج منهم، وعدم حلّية ذبائحهم، وغير ذلك من أحكام الكفّار، وهذا ما لم يقله قطعاً.

وعلى ذلك تحمل أقوال بقية العلماء, أو أنّ مراد بعض العلماء من المخالفين: بعضهم، وهم الذين ينصبون العداء لأهل البيت عليهم السلام.

ولو فرض أنّ هناك قولاً لأحد العلماء يكفّر به مطلق المخالفين، فهو رأي خاص به، ولا يحمل على كلّ المذهب، بل يبقى الأغلب إن لم نقل الجميع يفتون بطهارة المخالفين، وحلّية ذبائحهم، وجواز الزواج منهم، الدالّ على إسلامهم.

نعم، يفتون بحلّية غيبتهم والوقيعة فيهم؛ لفسقهم.

وأمّا قولك: أيّ لطف هذه الإمامة التي تكفّر المسلمين؟


الصفحة 393
فإنّا نقول: لولا الإمامة واستمرارها لما بقي الدين الحقّ المتمثل بمذهب أهل البيت عليهم السلام حيّاً إلى هذا اليوم، بل لعادت جاهلية من أوّل يوم توفّي فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما أرادها البعض, وليست الإمامة هي التي أنتجت الكفر، بل هي التي خلّصت مجموعة كبيرة وأنقذتهم من الكفر، وبذلك صارت لطفاً، لأنّها قرّبت فعل هؤلاء من الطاعة وأبعدتهم عن فعل المعصية، وما قولك بهذا إلّا اعتراض على الله، ولكن تستحي من التصريح به.. فأيّة نعمة بإرسال الأنبياء والرسل وقد كذّبهم أكثر الناس ودخلوا بسببهم إلى النار؟ فأين الرحمة المدّعاة؟ وكلامنا هنا على القياس؛ فلاحظ!

أمّا النقطة الثانية: وهي عدم وجود مصلحة دينية أو دنيوية في الإمامة بعد إكمال الله دينه وإتمام نعمته ببعثة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

فنحن نقول: اتّضح لك سابقاً أنّ إتمام النعمة وإكمال الدين كان بولاية عليّ عليه السلام, فمع الاعتقاد بالولاية كمل الدين، ومن دون الاعتقاد بالولاية يظلّ الدين ناقصاً, وأنّ إبلاغ الدين من قبل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لا خلاف فيه، ولكن من الذي يستطيع حفظ هذا الدين من التلاعب به والتحريف؟

ونحن نقول: إنّ الذي يحفظ ذلك هو الإمام؛ لأنّه يعلم كلّ شيء، وهو معصوم من الخطأ والنسيان، فهو الحافظ للشريعة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

أمّا النقطة الثالثة: وهو كيفية حصول اللطف مع غيبة الإمام.

فقد أجاب السيّد المرتضى عن ذلك بقوله: ((لا يمتنع أن يقع هذا اللطف مع غيبته في هذا الباب أقوى؛ لأنّ المكلّف إذا لم يعلم مكانه، ولم يقف موضعه،


الصفحة 394
ويجوِّز في من لا يعرفه أنّ الإمام يكون إلى أن لا يفعل القبيح، ولا يقصر في فعل الواجب، أقرب منه لو عرفه ولا يجوِّز فيه كونه إماماً))(1).

وفي (قواعد المرام) أجاب عن ذلك بقوله: ((إنّا نجوِّز أن يظهر لأوليائه ولا نقطع بعدم ذلك، على أنّ اللطف حاصل لهم في غيبته أيضاً؛ إذ لا يأمن أحدهم إذا همّ بفعل المعصية أن يظهر الإمام عليه فيوقع به الحدّ، وهذا القدر كافٍ في باب اللطف))(2).

وفي كتاب (الألفين) قال العلاّمة: ((الأوّل: إنّ الإمام لطف في حال غيبته وظهوره. أمّا مع ظهوره، فلما مرّ، وأمّا عند غيبته فلأنّه يجوِّز المكلّف ظهوره كلّ لحظة فيمتنع من الإقدام على المعاصي، وبذلك يكون لطفاً.

لا يقال: تصرّف الإمام إن كان شرطاً في كونه لطفاً وجب على الله تعالى فعله وتمكينه، وإلّا فلا لطف.

لأنّا نقول: إنّ تصرّفه لا بدّ منه في كونه لطفاً، ولا نسلّم أنّه يجب عليه تعالى تمكينه؛ لأنّ اللطف إنّما يجب إذا لم يناف التكليف، فخلق الله تعالى الأعوان للإمام ينافي التكليف، وإنّما لطف الإمام يحصل ويتمّ بأُمور..

منها: خلق الإمام وتمكينه بالقدرة والعلوم، والنص عليه باسمه ونسبه، وهذا يجب عليه تعالى وقد فعله.

ومنها: تحمّل الأمانة وقبولها، وهذا يجب على الإمام، وقد فعله.

____________

1- رسائل الشريف المرتضى ٣: ١٤٥ (٣٢) أجوبة من مسائل متفرّقة من الحديث وغيره، فصل: في الغيبة.

2- قواعد المرام في علم الكلام: ١٩١ القاعدة الثامنة، الركن الثالث، البحث الخامس.


الصفحة 395
ومنها: النصرة والذبّ عنه، وامتثال أوامره، وقبول قوله، وهذا يجب على الرعية.

الثاني: المقرّب إلى الطاعة والمبعّد عن المعصية, والقهر والإجبار عليها ليس بلطف، لأنّه مناف للتكليف, ونصب الإمام والنص عليه وأمرهم بطاعته من الأوّل, وقهرهم على طاعته من قبيل الثاني؛ لأنّه من الواجبات، فلو جاز القهر عليها، لجاز على باقي الواجبات...))(1).

وقد يقال: إنّ تجويز المكلّف ظهوره كلّ لحظة لا نراه حاجزاً عن اقتحام الموبقات، فأين اللّطف فيه؟

فأجاب البعض على ذلك: بأنّ الأجدر أن يقال في تعليل اللطف حال الغيبة: أنّ نفس وجوده لطف؛ وذلك لأنّ فيه إقامة للحجّة على العباد، ولمّا كان خذلان الناس له هو الذي أوجب غيبته وعدم تمكينه كانت الحجّة عليهم أتم، فهم يعلمون بأنّ الحجّة بوجوده قائمة عليهم، والتكليف غير مرفوع عنهم، والعصيان مسؤولون عنه، فمن ثمّ يكون ذلك مقرّباً لهم إلى الطاعة، مبعّداً عن المعصية(2).

وفي (مكيال المكارم): إنّ غيبته لا تنافي اللطف الموجب لإظهار الإمام عليه السلام, أمّا بالنسبة إلى المجرمين، فلأنّهم السبب في خفائه, وأمّا بالنسبة إلى الصالحين، فلوجهين:

الأوّل: إنّ الله تعالى قد أعطاهم من العقول والأفهام ما صارت الغيبة لهم بمنزلة المشاهدة، كما صرّح به سيّد العابدين عليه السلام، وفي حديث الإمام الصادق عليه السلام.

____________

1- كتاب الألفين، للعلاّمة الحلّي: ٦٥ المسألة الأُولى، البحث السادس، النظر الخامس، الوجه التاسع والعشرون.

2- كتاب الألفين: ٦٥ الهامش (١).


الصفحة 396
الثاني: إنّ مشاهدته عليه السلام غير ممنوعة عن بعض الصالحين(1).

وفي (محاضرات في الإلهيات) للسبحاني، قال: ((ولا ينافي اللطف في نصبه سلب العباد سلطانه وغيبته؛ لأنّ الله سبحانه قد لطف بهم بنصب المعد لهم وهم فوتوا أثر اللطف على أنفسهم, وإلى هذا أشار المحقّق الطوسي بقوله: الإمام لطف، فيجب نصبه على الله تحصيلاً للغرض... ووجوده لطف، وتصرّفه لطف آخر، وعدمه منّا))(2).

أمّا النقطة الرابعة، وهي: إلغاء دور النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم..

فإنّا نقول: إنّ أحاديث الأئمّة المعصومين عليهم السلام هي أحاديث جدّهم صلى الله عليه وآله وسلم, يقول الإمام الصادق: (حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدّي، وحديث جدّي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين عليه السلام، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحديث رسول الله قول الله عزّ وجلّ)(3).

ثمّ لماذا تجعل حديث الصادق عليه السلام حديثاً بديلاً عن حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا تجعل مثلاً حديث البخاري أو مسلم أو أحمد حديثاً بديلاً عن حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟!!

____________

1- انظر: مكيال المكارم، للميرزا الأصفهاني ١: ١٢٣، الباب الرابع، حرف الغين المعجمة، الأمر السادس.

2- محاضرات في الإلهيات (تلخيص علي الرباني): ٣٦٤، الباب السادس، الفصل الرابع.

3- الكافي، للكليني ١: ٥٣ كتاب فضل العلم، باب رواية الكتب والحديث.


الصفحة 397
وحتّى لو لم يكن هذا الحديث، فإنّا نقول بصحّة الأخذ عن الإمام؛ لأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي أرجعنا إليه، وهو معصوم لا يصدر منه الخطأ والنسيان, فلا معنى لعدم الرجوع إليه بعد كلّ هذا.

أمّا النقطة الخامسة، وهو: قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (حبّ عليّ حسنة لا تضرّ معها سيئة، وبغضه سيئة لا تنفع معها حسنة)(1).

فقد شرح هذا الحديث بعدّة وجوه، منها: أنّ الضرر المنفي ينزل على الضرر الحقيقي الكامل الذي هو الخلود في النار، أعاذنا الله تعالى منها، بفضله الكامل ولطفه الشامل؛ فإنّ حبّ عليّ عليه السلام كمال الإيمان وتمام الدين، كما قال عزّ من قائل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي...(2), ومع كمال الإيمان وتمامه بشرط الموافاة عليه لا يكون الخلود في النار, فإنّ عذاب صاحب الكبيرة منقطع، وأمّا بغضه وعدواته عليه السلام فهو كفر موجب للخلود في العذاب ودوام العقاب، فلا تنفع معه حسنة نفع النجاة والتخلّص من النار.

ومن الوجوه المحتملة لهذا الحديث: أن يكون خلوص حبّه سبباً لأن يغفر الله بفضله بعض الذنوب، ولأن يعصم ويحفظ عن الإتيان بالبعض.

ومن الوجوه أيضاً: أن يكون حبّه باعثاً على شفاعته التي لا تردّ(3).

وعلى كلّ هذه الوجوه، فليس المعنى أنّ السيئات مهما كانت لا تضرّ بحيث لا يحتاج معها إلى الإمام وإلى اللطف الحاصل بوجوده, بل إنّ اللطف الحاصل

____________

1- ينابيع المودّة، للقندوزي ١: ٣٧٥ الباب (٤٢) الحديث (٦).

2- المائدة (٥): ٣.

3- انظر: تكملة مشارق الشموس، للخوانساري: ٣٩١ وجوب قضاء الصوم على كلّ تارك للصوم.


الصفحة 398
من وجود الإمام ينفع في التقرّب إلى كلّ طاعة والبعد عن كلّ معصية, وبذا يضمن عدم دخول النار أصلاً لا الخلود فيها, ويضمن العصمة من جميع الذنوب لا بعضها, ويضمن كونه شافعاً لا مشفّعاً.

أمّا النقطة السادسة:

فابن تيمية يريد القول: أنّ الاتحاد على الباطل في زمن الثلاثة كان أفضل من تفريق الحقّ عن الباطل وتمييز الخبيث من الطيّب الذي حصل في زمن خلافة الإمام عليّ عليه السلام!

وكأنّه ينظر في مقياسه للأفضلية باستقرار الدولة الإسلامية وسعة مواردها المادية حتّى لو كان الخليفة فيها أظلم الظالمين، وأجهل المسلمين، وأبعد الناس عن الدين! فأيّ لطف يحصل من وجود هكذا خليفة؟!

ثمّ إنّنا كما قلنا سابقاً: أنّ اللطف يحصل بوجود الإمام، والإمام موجود بينهم واحتياج المسلمين إليه والخلفاء مشهور معروف، وبه جعل اللطف لا بالخلفاء.

هذه هي كلّ المناقشات التي ذكرتها على الأدلّة العقلية.

وأمّا ما اعترضت به في النقطة الثانية على الأدلّة النقلية:

فإنّك ذكرت دليلين قرآنيين فقط، ونحن عندنا العشرات من الأدلّة النقلية، فلماذا اقتصرت على اثنين؟! ثمّ إنّنا نردّ على ما اعترضت به على الاستدلال بالآيتين بما يلي:

الآية الأُولى:

١ــ الحديث الذي ذكرته عن الطبري ليس هو الحديث الوحيد (مع أنّ ابن


الصفحة 399

حجر قد حسّن سنده)(1)، بل هناك غيره، وقد صحّح الحاكم ذلك الحديث؛ فقال: ((أخبرنا أبو عمر وعثمان بن أحمد بن السمّاك، ثنا عبد الرحمن بن محمّد ابن منصور الحارثي، ثنا الحسين بن حسن الأشقر، ثنا منصور بن أبي الأسود، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله الأسدي، عن عليّ: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَومٍ هَادٍ(2) قال عليّ: (رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنذر، وأنا الهادي). هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه))(3).

ثمّ إنّ الحديث روي عن ابن عبّاس بأسانيد غير طريق الطبري، منها: ما رواه الحاكم الحسكاني في (شواهد التنزيل): عن ليث، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس..

وسند آخر: عن حبّان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس.

وعن غير ابن عبّاس، منها: عن أبي داود، عن أبي برزة.

وسند آخر: عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وسند آخر: عن أبان بن تغلب، عن نفيع بن الحارث، عن أبي برزة الأسلمي، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وسند آخر: عن حمزة الزيات، عن عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرّة، عن أبيه، عن جدّه.

____________

1- فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر ٨: ٢٨٥ سورة إبراهيم.

2- الرعد (١٣): ٧.

3- المستدرك على الصحيحين ٣: ١٢٩ ــ ١٣٠ كتاب معرفة الصحابة.


الصفحة 400
وسند آخر: عن السدّي، عن عبد خير، عن عليّ عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بلفظ: (ورجل من بني هاشم)، وعليّ هنا يعني نفسه, وقد صحّح صاحب (مجمع الزوائد) الحديث الوارد بهذا اللفظ من رواية عبد الله بن أحمد في مسند أحمد(1).

وبسند آخر: عن الأعمش، عن المنهال، عن عباد، عن عليّ عليه السلام.

وسند آخر: عن الحكم بن ظهير، عن أبيه، عن حكيم بن جبير، عن أبي برزة الأسلمي.

وسند آخر: عن عراك بن خالد، عن يحيى بن الحارث، عن عبد الله بن عامر، عن الزرقاء الكوفية.

وسند آخر: عن الحسن بن الحسين العرني، عن علي بن القاسم، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه(2)..

وقد قال الحسكاني بحقّ الحسن بن الحسين الأنصاري: ((وكان ثقة معروفاً، يعرف بالقرني))(3).

فليس من الصحيح أن تضعّف سنداً واحداً وتترك كلّ هذه الأسانيد، التي ربّما تصل بمجموعها إلى التواتر.

٢ــ ذكرت قول الآلوسي، ولم تذكر قول غيره، فلماذا هذا التفريق؟!!

____________

1- مسند أحمد بن حنبل ١: ١٢٦ مسند عليّ، المعجم الأوسط، للطبراني ٢: ٩٤، المعجم الصغير، للطبراني ١: ٢٦١.

2- شواهد التنزيل ١: ٣٨٥ ــ ٣٩٥ الحديث (٤٠٣ ــ ٤١٦) الآيات النازلة في أهل البيت عليهم السلام.

3- شواهد التنزيل ١: ٣٨٤ الحديث (٤٠٠).


الصفحة 401
فهذا ابن جرير الطبري في (جامع البيان) يقول: ((و﴿وَلِكُلِّ قَومٍ هَادٍ.. يقول: ولكلّ قوم إمام يأتمّون به، وهاد يتقدّمهم فيهديهم, إمّا إلى خير وإمّا إلى شرّ))(1).

ثمّ إنّه لا معنى لإيراد أقوال المفسّرين، وهي مجرّد آراء، إذا ثبت عندنا صحّة تلك الأحاديث المتقدّمة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو تواترها.

٣ــ أجاب المظفّر في (دلائل الصدق) عن دلالة الآية على إمامة عليّ عليه السلام دون غيره بقوله: إنّ الله تعالى جعله في قرن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بأنّ له الإنذار ولعليّ الهداية, أي: إراءة الطريق، وعمّم هدايته لكلّ قوم، وذلك من آثار الإمامة؛ لا سيّما وقد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (وبك يهتدي المهتدون من بعدي)، فإنّه بمقتضى تقديم الجار والمجرور دالّ على حصر الهداية به بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، مع أنّه قد أثنى عليه في رواية الحسكاني بما يناسب الإمامة(2)، [فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (أنت منادي الأنام، وغاية الهدى، وأمير الغرّ المحجّلين، أشهد لك أنّك كذلك)]))(3).

الآية الثانية: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(4).

أوّلاً: وثانياً: وثالثاً: ارجع إلى ما أجبنا في عنوان: آية الولاية: (رواية صحيحة تحكي واقعة التصدّق)، و(في مصادر الشيعة والسُنّة)، و(أسانيد نزول الآية في عليّ عليه السلام ومفادها)؛ فقد صحّحنا هناك الروايات، وأثبتنا تواترها، ورددنا على ما قيل من ضعف أسانيدها.

____________

1- جامع البيان ١٣: ١٣٩ سورة الرعد.

2- دلائل الصدق ٤: ٤٣١ ــ ٤٣٣ مباحث الإمامة، المبحث الرابع، الآية العاشرة.

3- شواهد التنزيل ١: ٣٩٢ الحديث (٤١٤).

4- المائدة (٥): ٥٥.


الصفحة 402
رابعاً: قد ذكرنا في تلك الإجابات السابقة الروايات دون الاحتياج إلى تفسير الثعلبي.

وأمّا قول الدهلوي، فهو إمّا أن يكون غير مطّلع على كلّ الروايات, وإمّا أنّه يكذب في قوله ذاك.

خامساً: ارجع إلى الإجابة المذكورة سابقاً: أسانيد نزول الآية في عليّ ومفادها.

سادساً: أجاب المظفّر في (دلائل الصدق) عن صيغة الجمع في الآية، وأنّها: لا تصرف إلى الواحد إلّا بدليل, وقول المفسّرين: (نزلت في عليّ)، لا يقتضي الاختصاص, ودعوى انحصار الأوصاف فيه مبنيّة على جعل ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ حالاً من ضمير ﴿يُؤْتُونَ، وليس بلازم، بل يحتمل العطف، بمعنى: أنّهم يركعون في صلاتهم، لا كصلاة اليهود خالية من الركوع, أو بمعنى: أنّهم خاضعون, أجاب المظفّر على ذلك بقوله: إنّ الحالية متعيّنة لوجهين:

الوجه الأوّل: بُعد الاحتمالين المذكورين؛ لاستلزام أوّلهما التأكيد المخالف للأصل؛ لأنّ لفظ الصلاة مغنٍ عن بيان أنّهم يركعون في صلاتهم؛ لتبادر الركوع منها، كما يتبادر من الركوع ما هو المعروف، فيبطل الاحتمال الثاني أيضاً.

الوجه الثاني: إنّ روايات النزول صريحة بالحالية وإرادة الركوع المعروف.

ثمّ أورد بعض الروايات، وقال: ثمّ إنّ الفائدة في التعبير عن أمير المؤمنين عليه السلام، وهو فرد، بصيغة الجمع هي: تعظيمه والإشارة إلى أنّه بمنزلة جميع المؤمنين المصلّين المزكّين؛ لأنّه عميدهم، ومن أقوى الأسباب في إيمانهم


الصفحة 403
ومبرّاتهم، كما أشار إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله يوم الخندق: (برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه).

وجعل الزمخشري الفائدة فيه: ترغيب الناس إلى مثل فعله؛ لينبّه على أنّ سجية المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البرّ والإحسان(1).

سابعاً: أجاب عن تلك الشبهة أبو طالب التجليل التبريزي: بأنّ الآية في مقام تعيين الولي، لا في مقام الثناء على التصدّق في الصلاة, وإنّما ذُكر في الآية للإشارة به إلى عليّ عليه السلام؛ لأنّ واقعة إعطائه للصدقة في حال الركوع في الصلاة اشتهرت بينهم(2).

ثامناً: وأمّا ما ذكره من أنّ الاشتغال بإعطاء السائلين يبطل الصلاة, فإنّما هو إذا كان مستلزماً للفصل الكثير، وأمّا إعطاء الخاتم الذي في إصبعه بالإشارة إلى السائل ليأخذه من يده فلا, ولا يؤثّر ذلك الفعل القليل على الخشوع في الصلاة. وقد أجبنا عن ذلك مفصّلاً في عنوان: (آية الولاية)؛ فليراجع!

تاسعاً: أُجيب عن ذلك: بأنّ الآية في مقام تعيين الولي، وهي غير ناظرة إلى من يتصدّق في حال الركوع، أو إلى من يتصدّق في حال القيام والعقود.

عاشراً، والحادي عشر: إيتاء الزكاة أعمّ من الواجبة والمندوبة، وإذا لم تكن عليه زكاة واجبة فإنّه أعطى ذلك ندباً.

____________

1- دلائل الصدق ٤: ٣٠٨ ــ ٣١٢ مباحث الإمامة، تعيين إمامة عليّ بالقرآن.

2- تنزيه الشيعة الاثني عشرية عن الشبهات الواهية، لأبي طالب التبريزي ٢: ١٨٤ ردّ على ما أورده القفاري في ص٦٧٩.


الصفحة 404
الثاني عشر: قد تبيّن الجواب بعد ملاحظة أنّ الزكاة هي ليست الزكاة الواجبة، بل المندوبة.

الثالث عشر: لم يتّضح وجه هذا الإشكال! فهل تريد القول: أنّ دلالة آية الولاية كدلالة: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ في إفادة الأمر بالتصدّق بالركوع كما أفادت هذه الآية أمر بالركوع؟

ونحن نقول: إنّ هناك فرقاً بين الآيتين فلا صيغة للأمر في آية الولاية ولا يستفاد من صيغة المضارع المذكورة في الآية الأمر, فأين وجه التشابه؟!

وهذه الأقوال التي ذكرتها هي أقوال ابن تيمية، الذي يستميت من أجل صرف دلالة الآيات النازلة في حقّ عليّ عليه السلام عنه عليه السلام، ليظهر بذلك نصبه وعداءه لأهل البيت عليهم السلام.

(بيان التلازم بين الإمامة والعصمة)

« محمّد الوزيري ــ مصر »

السؤال:

لماذا اقتران العصمة بإمامة أهل البيت عليهم السلام، أعني كونهم أئمّة علينا دون أن يكونوا معصومين؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ التلازم بين الإمامة والعصمة تلازم عقلي, وهناك أدلّة كثيرة في هذا


الصفحة 405

الجانب، ذكرها علماء الكلام في بحوثهم، نكتفي بإيراد دليلين ذكرهما الكراجكي:

الأوّل: إنّ علّة الحاجة إلى الإمام: أن يكون لطفاً للرعية في الصلاح؛ ليصدّها عن ارتكاب القبائح والفساد، ويردّها إلى فعل الواجب والسداد. وهذا يقتضي أن لا تكون علّة الحاجة موجودة فيه؛ فإنّه متى جاز منه القبيح وفعل غير الجميل، كان فقيراً محتاجاً إلى وجود إمام متقدّم عليه، ويمنعه ممّا هو جائز منه، ويأخذ على يديه، ويكون الكلام في إمامته كالكلام فيه، حتّى يؤدّي ذلك إلى المحال من وجود أئمّة لا يتناهون، أو إلى الواجب من وجود إمام معصوم.

الثاني: إنّ الإمام قدوة في الدنيا والدين واتّباعه مفترض من ربّ العالمين، فوجب أن لا يجوز الخطأ والزلل عليه، وإلّا كان الله تعالى قد أمر باتّباع من يعصيه، ولولا استحقاقه العصمة لكان إذا ارتكب المعصية يتضادّ مع التكليف على الأُمّة, وتصير الطاعة منها معصية, والمعصية طاعة, وذلك أنّها مأمورة باتّباعه والاقتداء به، فمتى اتّبعته في المعصية امتثالاً للمأمور من الاقتداء كانت من حيث الطاعة عاصية لله سبحانه، ومتى خالفته ولم تقتد به طلباً لطاعة الله تعالى كانت أيضاً عاصية لمخالفتها لمن أمرت بالاقتداء به وباتّباعه, وفي استحالة جميع ذلك دلالة على عصمته.

وليس لأحد أن يقول: إنّ الاقتداء بالإمام واجب على الرعية في ما علمت صوابه فيه؛ لأنّ هذا القول يخرجها من أن تكون مقتدية به؛ إذ كانت إنّما عرفت


الصفحة 406
الصواب بغيره لا بقوله وبفعله, فهي علمت (عملت) بما عمل لمعرفتها بصوابه فيه إنّما وافقته في الحقيقة ولم تقتد به وتتبعه؛ فتدبّر ذلك(1)!

(الحاجة إلى الإمام مع وجود السُنّة)

« حسن ــ السعودية ــ إمامي »

السؤال:

إنّ الرسول يجب أن يحفظ الله شريعته من بعده، فلهذا يجب أن يكون هناك إمام معصوم لكي لا تضيع هذه الشريعة ويختلف فيها، وهذا مقبول عقلاً.

ولكن نجد بأنّ الصحابة نجحوا في حفظ القرآن بدون إمام. بدليل: حيث لم يحتاجوا لقرآن الإمام عليّ عليه السلام.

فإذاً، ليس من المستحيل أن ينجحوا أيضاً في حفظ السُنّة عقلاً. بدليل: أنّهم نجحوا مع القرآن.

فالسؤال هنا: ما الحاجة إلى الإمام؟

.. فقد قال لي أحد السُنّة: لماذا نحتاج المهدي اليوم، فسُنّة النبيّ نقلت إلينا، وكلّ شيء واضح بفضل الله، فلماذا التكلّف والتفلسف؟

____________

1- انظر: كنز الفوائد، للكراجكي: ١٦١ ــ ١٦٢، فصل في الكلام في تثبيت إمامة صاحب الزمان.


الصفحة 407
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يجب أن تكون الكلّية التي ذكرت في أوّل سؤالك هكذا: ((لا بدّ من أن يحفظ الله شريعة رسوله بتمامها من بعده عند وصيّ له، حتّى تكون الحجّة مستمرّة على الخلق، ويبقى هذا الوصيّ والإمام مرجع أُمّة الرسول من بعده)).

فلاحظ الكلمة بتمامها! فإنّها موضّحة لما جاء في النقل، من انتقال مواريث الأنبياء والأوصياء من السابق إلى اللاحق، وهذه اللابدّية التي من لوازمها عصمة الإمام لا تسقط إذا وجد من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أحد يحفظ جزءاً أو أكثر من شريعته، وهل ما وقع في تاريخ الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم إلّا ذلك؟! وهو أن كلّ مجموعة من أصحابهم حفظوا بعض ما جاء به ونسوا الباقي، ولم يحفظ كلّ شريعة نبيّ إلّا وصيّه.

ثمّ إنّه من قال: إنّ هذه السُنّة الواصلة إلينا خلت من الغلط والسهو؟

وإن قلت: إننّا نأمن من السهو بما نقل بالتواتر.

كان الجواب: أوّلاً: إنّه لم ينقل كلّ ما في الشريعة بالتواتر، مع أنّ التواتر يمكن أن يزول عبر الزمن بالنسيان لبعض ثمّ بعض بالتدريج، فلا مؤمن إلّا الإمام.

ثانياً: ما هو المؤمن من الغلط، بل اجتماع الناقلين وتواطؤهم على الغلط ونقل الخلاف لدواعٍ شتّى، بل الكتمان لبعض الشريعة لتلك الدواعي، فلا بدّ من الإمام وراءهم يرجعهم عن الغلط ويظهر ما يمكن أن يكتموه.

وهذا الذي ذكرنا هو ما كان مدعاةً للاختلاف بين أُمّم الأنبياء من جهة، ومخالفتهم لأوصياء أنبيائهم من جهة أُخرى.


الصفحة 408
ثمّ لنوضّح الأمر أكثر: فإنّ حفظ النصّ القرآني هو حفظ لرسم القرآن، وهو جزء من الشريعة، ولكنّهم اختلفوا بعده حتّى بقراءة هذا النصّ؛ فأصبحت القراءات سبعاً، بل عشراً، بل أكثر! ومع أنّا لا نمنع في الإمكان العقلي حصول دواعٍ لكتمان القرآن، ولكنّا نقول فيه وقوعاً: أنّه لم يحصل عندهم دواعٍ لكتمانه، بل حصلت الدواعي لنقله وحفظه، وأوّلها: الاكتفاء به عن القرآن الذي جمعه عليّ عليه السلام، كما هو مسطور في التاريخ.

ثمّ أين أحكام القرآن وتفسيره وعلومه؟ أليس من حقّ المعترض أن يعترض على هذا الحفظ المزعوم بأنّهم اختلفوا في كيفية الوضوء الذي كانوا يشاهدونه من وضوء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لسنوات، مع أنّه وارد في القرآن؟!

هذا في إمكانية حفظ القرآن وما جاء فيه عقلاً.

وأيضاً، إنّ إمكانية حفظ السُنّة عقلاً وإن كان صحيحاً، ولكن (الإمكان) غير (لا بدّية الوقوع)؛ لأنّه إذا جاز على آحاد الأُمّة السهو والغلط جاز على مجموعها ذلك، والعقل لا يحيله، وأمامك اختلاف المسلمين في السُنّة بين صحيحها وضعيفها وموضوعها، وحقّها وباطلها، وصدقها وكذبها، فأين وقوع هذا الحفظ لو ادّعي؟! وكلّ يقول: ما رويته هو سُنّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لا غير. هذا في الكبرى.

أمّا ما ادّعي من الصغرى، فمن قال: إنّهم جمعوا هذا القرآن من دون مساعدة الإمام عليه السلام؟!

ولتوضيح الفكرة: طالع ما كتبه الشيخ الكوراني في كتابه (تدوين القرآن)، ولا أقلّ من أنّ قراءة المسلمين اليوم للقرآن هي قراءة عاصم المسندة إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فضلاً عن التفسير وعلوم القرآن الأُخرى.


الصفحة 409
ثمّ إنّ هناك مانعاً عقلياً، وهو: عدم الأمن من الخطأ على الأُمّة وإن اجتمعت، فلا بدّ من احتياجها إلى إمام ليقوّمها ويصونها عن الخطأ، ومنه الخطأ في الشريعة.

وهنا نودّ أن نورد نقضاً، وهو: هل من الممكن للعقل البشري أن يدرك بعض الأحكام الشرعية ولو شيئاً قليلاً؟

فإذا كان الجواب: نعم. نقول: إذن من الممكن أن يدرك أحكاماً شرعية أُخرى، أو قل: كلّ الأحكام الشرعية!! وهذا يبطل فائدة إرسال الرسل.

والجواب: أوّلاً بشكل مبسّط، وهو: أنّ كلامنا في الوقوع وليس في الإمكان، فكم يحتاج العقل البشري من وقت وتطوّر لدرك ذلك.

ثمّ ثانياً: إن فرضنا الوقوع في بعض الأحكام العقلية؛ وهو ما يُبحث في بحث التحسين والتقبيح العقليين، وفي مدركات العقل العملي بالخصوص دون العقل النظري، ولكن هذا لا يلزم منه إدراك كلّ الأحكام، فإنّه من غير الممكن للعقل النظري بقدراته العقلية المحدودة الإحاطة بملاكات الأحكام.

وإذا حدث فعلاً حفظ لبعض الشريعة، فلا يلزم منه فعلاً حفظ كلّ الشريعة وإن كان ممكناً، بل ليس ممكناً أيضاً بعد تسليم عدم عصمة الآخرين غير الإمام.

ثمّ إنّ الكلام هنا كلّه في جانب واحد من وظائف الإمام، أمّا كيفية قيام الصحابة أو الأُمّة مقام الإمام في وظائفه الأُخرى، فهذا لا ندري ما تقول فيه، أو ما يقوله صاحبك السُنّي؟!!

وأخيراً، لا بدّ لك من المطالعة أكثر في خصائص الإمام ومقام الإمامة؛ فإنّه مهم جدّاً لمعرفة فائدة وجود الإمام.


الصفحة 410

تعليق:

« أحمد ناجي ــ النروج ــ إمامي »

ولكن إذا كنّا نحتاج إلى إمام معصوم مع وجود السُنّة، فكيف لا نحتاج إلى إمام معصوم في زمن الغيبة رغم وجود السُنّة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: السُنّة هي نفسها قول المعصوم عليه السلام وفعله وتقريره، وهذا المعنى يشمل المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام... فقولكم: إذا كنّا نحتاج إلى إمام معصوم مع وجود السُنّة، يوحي بأنّ السُنّة شيء والإمام المعصوم شيء آخر، وهذا ليس بصحيح.

ثانياً: من قال: إنّنا لا نحتاج الإمام عليه السلام زمن الغيبة؛ فإنّ الحاجة إلى الإمام المعصوم عليه السلام ثابتة في زمن الحضور، وأيضاً في زمن الغيبة، ولكن الذي يخفّف الوطأة: أنّ الأئمّة عليهم السلام قد تركوا لنا في زمان حضورهم ــ الذي تجاوز المائتي عام ــ موروثاً حديثياً ضخماً، يمكننا به أن نستنبط أيّ حكم نحتاج إليه في شؤوننا وفي مستجدات حياتنا.. ومن هنا كان توجيه الأئمّة عليهم السلام بالعودة إلى رواة أحاديثهم في زمن الغيبة بلحاظ ما تركوه لهم من موروث حديثي يغنيهم عن العودة إلى غيرهم.

فالاحتياج إذا كان بلحاظ تبيين السُنّة وفهمها ــ كما هو المتبادر من سؤالكم ــ فقد أوضحنا أنّ الأئمّة عليهم السلام تركوا هذا التراث الضخم من الأحاديث، الذي يمكننا الاستعانة به في مختلف شؤون حياتنا، وهي محفوظة في كتب الشيعة ومصنفاتهم.

ومع ذلك فإنّ الإمام عليه السلام حيّ باقٍ وحجّة قائمة من ورائهم فيما إذا أصابهم


الصفحة 411
النسيان والسهو، أو تركوا النقل وكتموه، أو تعمّدوا الخطأ أو اشتبهوا فيه، بحيث يكون حافظاً للشرع من ورائهم فيما يقع فيه الخلل.

وأمّا إذا كان الاحتياج إلى حضور الإمام الشخصي وقيادته الظاهرية للأُمّة من جهة كونه لطفاً، فإنّ اللطف الحاصل من قبل الله بوجود الإمام عليه السلام متحقّق بخلقه وبقائه حيّاً، وأمّا اللطف الحاصل من جهة تمكّنه من التصرّفات المعصومة عن الخطأ، فقد فوّته المكلّفين من أعدائه على أنفسهم بإخافتهم للإمام عليه السلام، وبعدم استعدادهم ولياقتهم بالنسبة لأوليائه.

وأمّا حصول هذا اللطف بظهوره وقيادته للعالم تلك القيادة المعصومة بعد أن تزول أسباب غيبته لينتشر العدل والنور، فهو أمل المستضعفين جميعاً.. وما ذلك على الله بعزيز.

(هل يمكن الاكتفاء بالتواتر عن الإمامة؟)

« هيثم ــ مصر ــ سُنّي »

السؤال:

ما دام التواتر هو الدليل على الإمام، إذن هل يغني التواتر عن الإمامة؟

ففي عصر الغيبة نأخذ تخصيص العقائد بالتواتر وليس عن طريق الإمام، إذن فيكفي التواتر، ويكون الدين غنيّاً عن الإمامة.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ أصل هذا الإشكال ذكره القاضي عبد الجبّار في عدّة موارد من بحث


الصفحة 412
الإمامة في كتابه (المغني)، وأجاب عنه السيّد المرتضى في كتابه (الشافي في الإمامة) بما لا مزيد عليه، ثمّ إنّا نودّ أن نذكر لك في جوابنا عدّة نقاط ممّا أُشكل عليك:

١ــ إنّ ما يجب علينا الالتزام به، وهو حجّة علينا أوّلاً وبالذات، هو: أوامر الله سبحانه وتعالى؛ لأنّه المالك الحقّ، وكلّ ما ثبت علينا أنّه حجّة من مختلف الأدلّة إنّما صار حجّة بالعرض فهو بالحقيقة يرجع إلى أنّه يخبرنا عن الحجّة بالذات، وهو: أوامر الله سبحانه وتعالى، النابعة من حاكميته.

٢ــ لقد قسّم العلماء الأدلّة المعترف بحجّيتها إلى: دليل عقلي، ودليل نقلي؛ إذ أنّ العقل قد يستطيع أن يصل إلى بعض أوامر الله سبحانه وتعالى، فهو حجّة في الجملة، أي: في البعض المقطوع به، وأمّا ما لا يستطيع العقل الوصول إليه، فيخبرنا به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أو الإمام عليه السلام، عن الله سبحانه وتعالى، ولذا قالوا: إنّ العقل رسول باطن والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم رسول ظاهر..

وأمّا الإجماع فنشترط فيه دخول المعصوم، وبالتالي يدخل في السُنّة، أي: الدليل النقلي.

٣ــ ثمّ إنّ العلماء اشترطوا في ثبوت الأحكام وحجّيتها القطع، أي: أن تصل إلينا قطعية يقينية بالذات أو بواسطة؛ إذ أنّ القطع حجّة بذاته لا يحتاج إلى شيء وراءه، فإذا قطع العقل بشيء، سواء عن طريق مقدّمات عقلية صرفة، أم عقلية ونقلية، أم نقلية فقط، فلا يحتاج إلى شيء وراءه لإثبات الحجّية، وذلك لأنّ القطع يعني: الانكشاف وظهور الواقع..


الصفحة 413

وقد ترجع حجّية الدليل إلى القطع بالواسطة، كأن تقوم عندنا الأدلّة القطعية على حجّية بعض الظنون؛ فإنّ الظنّ ليس حجّة بذاته، فلا بدّ من رجوعه في حجّيته إلى القطع، وتفصيل القول في هذه المسألة في أُصول الفقه؛ فراجع!

٤ــ وقد يرد هنا سؤال: أنّه إذا كان العقل إحدى الحجج، فلماذا لا يكتفى به عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، أو الإمام عليه السلام؟

والجواب: من الواضح أنّ العقل لا يستطيع أن يصل إلى كلّ الحقائق عن أُصول الدين وفروعه بمجرّده. هذا أوّلاً..

وثانياً: أنّه يحتاج إلى زمن طويل جدّاً لتراكم علوم البشرية يعد بآلاف السنين حتّى يصل إلى هذا البعض من الحقائق بصورة قطعية.

وثالثاً: أنّ هناك أُموراً لا طريق للعقل إليها، كأحكام الشريعة أو حقائق عالم الملكوت وعالم الغيب مثلاً.. فلا طريق لصلاح البشر وإيصالهم إلى الكمال إلّا بإرسال الرسل، وهو ما نوجبه ونصطلح عليه بقاعدة اللطف، الثابتة في الإمام أيضاً..

فإنّ الشريعة الإسلامية مثلاً من أحكام الصلاة والحجّ والصيام والزكاة والخمس والحدود وغيرها، لا يستطيع العقل الوصول إليها، أو الوصول إلى ملاكاتها، فضلاً عن عدم قدرته للإحاطة بما موجود في القرآن وعلومه، وما يصل إليه منها بعد الجهد والوقت الغير اليسير، فمسّت الحاجة إلى شخص معصوم مسدّد من قبل الله، وإلى زمن كافٍ يتّسع لبيان حقائق القرآن وعلومه.

فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد بذل ما عليه من جهد لتبيين القرآن، ولكن لسلطة عالم المادّة والدنيا ومحدودية الزمان والمكان لم يكن الوقت كافٍ لوصول هذه


الصفحة 414
الحقائق إلى الأُمّة بالمقدار اللازم لرشدها وكمالها، فعلّمها بأمر من الله إلى وصيّه عليه السلام، وفتح له ألف باب من العلم يفتح ألف باب(1)، حتّى يقوم بالدور نفسه الذي كان يقوم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأيضاً كان هو محاطاً بسلطة الزمان والمكان، فتتابع من بعده الأئمّة عليه السلام الوارثون لعلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إلى أن مضى الوقت الكافي لوصول مقدار كافٍ من الحقائق تكفل قابلية الاستمرار للرسالة.

على أنّ الغاية الرئيسية لا تتم إلّا بعد غيبة الإمام الثاني عشر عليه السلام، وظهوره حتّى يملأ الأرض قسطاً وعدلاً.

وقد يرد سؤال آخر وهو: إذا كان القطع حجّة بذاته، فلماذا لا نسعى لتحصيل القطع بالأحكام مثلاً عوض أخذها عن الإمام عليه السلام، وبالتالي تسقط الحاجة إلى الإمام؟

والجواب:

أوّلاً: إنّ هذا السؤال غير صحيح؛ فإنّ القطع حكم من العقل على قضية سواء كانت واقعية أم لا، أي: إنّ حكم العقل عندما يصل إلى درجة من الوضوح والانكشاف بقضية ما سيكون قطعاً، والقطع ليس هو القضية المحكوم بها من العقل، وبالتالي فإنّ الإشكال، لو كان هناك إشكال، لا بدّ أن يكون بالشكل السابق، أي: الاكتفاء بالعقل بدل الرسول والإمام.

____________

1- انظر: الكافي، للكليني: ٢٣٩ كتاب الحجّة، باب ذكر الصحيفة والجفر والجامعة، بصائر الدرجات، للصفّار: ١٧٢ الجزء الثاني، الباب (١٤) الحديث (٣)، و٣٢٢ الجزء الخامس الباب (١٦).


الصفحة 415
وثانياً: وهو ما يترتّب على ما ذكرناه أوّلاً من إنّ القطع هو درجة انكشاف الواقع الواصل إلينا عن طريق العقل، أو عن طريق إخبار النبيّ أو الإمام، فإذا حكم العقل عن طريق مقدّمات يقينية حصل القطع بحكمه، وإذا أخبرنا المعصوم عليه السلام مباشرة بموضوع، أو قضية، أو علم، حصل لنا القطع بذلك؛ فالقطع هو انكشاف الواقع، وليس هو الواقع، أو الدليل الدالّ على الواقع.

٥ــ إنّ التواتر هو أحد الطرق الموصلة إلى الحكم القطعي من قبل العقل، وهو: أن يصل الخبر بطرق عديدة يستحيل اجتماع أصحابها على الكذب، فيورث القطع بالخبر والحكم بصدوره قطعاً، ويكون الخبر القطعي المتواتر هو الدليل الذي وصلنا من المعصوم المخبر لنا عن الحقّ والواقع.

ومن الواضح أنّ التواتر هو درجة اعتبار وحجّية الدليل بأنّه مقطوع، وليس هو الدليل بنفسه، فالتواتر طريق لحصول القطع، والقطع انكشاف للعقل بيقينية الدليل والخبر، والخبر النقلي (عن طريق الرسول أو الإمام المعصوم) كاشف عن الواقع وأمر الله سبحانه وتعالى.

فمن الخلط أن نقول: هل يمكن أن نكتفي بالتواتر بدل الإمام؟! فكما يحصل القطع بخبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن طريق التواتر، كذلك يحصل القطع بخبر الإمام عن طريق التواتر.

ولكن ربّما يسبق إلى الوهم بأنّ الإمام المعصوم عليه السلام يخبر بالقطع عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، أي: هو طريق قطعي لمعرفة خبر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وكذا التواتر، نحصل منه على القطع بخبر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فهو طريق قطعي أيضاً لخبر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وبالتالي يمكن أن نكتفي به عن الإمام. وهذا هو إشكال القاضي عبد الجبّار..


الصفحة 416
والجواب: إنّ الحصول على أوامر الله بالقطع النقلي يكون: إمّا عن طريق الأخذ مباشرة من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أو بوصول الخبر المتواتر القطعي عنه، ومن الواضح عدم إمكان الأخذ بالمباشرة من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته، ولذا مسّت الحاجة إلى وجود الإمام المعصوم يخبرنا بالأحكام الشرعية الصادرة عن الله والنازلة على رسول صلى الله عليه وآله وسلم بدرجة القطع بعد زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

إذ أنّ الاكتفاء بالطريق الثاني القطعي، وهو: معرفة الحكم عن طريق التواتر، قاصر عن استيفاء الغرض؛ لعدم وصول الغالبية العظمى من الأحكام إلينا بالتواتر، هذا في الأحكام التي أخبر بها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فضلاً عن الأحكام التي لم يخبرها إلّا للوصيّ والخليفة بعده، لمختلف العلل والأسباب. وهذا ما أجاب به الشريف المرتضى علم الهدى. هذا أوّلاً..

وثانياً: منع إمكانية حصول التواتر لكلّ الأحكام؛ لمقتضى حال البشر ونزوعهم إلى الاختلاف، وتاريخ الحديث، بل تاريخ المسلمين خير شاهد على ذلك، فكان من حكمة الله تنصيب أئمّة للناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحفظون الدين، وهو ما نطلق عليه: قاعدة اللطف.

وثالثاً: إنّ التواتر ليس له موضوعية بنفسه، فهو طريق ليس إلّا، وأمّا قول الإمام عليه السلام فهو دليل بنفسه؛ لعصمة الإمام عليه السلام.

هذا كلّه في مجال الأحكام فقط، مع فرض أنّ المسلمين قد علموا جميع الأحكام بتفاصيلها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولذا يصحّ القول أنّها قد تصل إلينا بالتواتر أو لا، وأمّا مع انتفاء هذا الفرض، وأنّ هناك أحكاماً وتفاصيل لم يعلمها إلّا الإمام عليه السلام، فالإشكال لا مورد له هنا.


الصفحة 417
وأمّا في وظائف ومجالات سلطة الإمام الأُخر باعتباره واسطة الفيض، فهو خارج عن أصل التوهّم، وكذا تحمّله لواجب هداية الأُمّة تكويناً، التي من بعض شؤونها استلام دفّة الحكم، وتسيير أُمور الرعية، وبيان الموضوعات الخارجية دون الوقوع في الخطأ؛ إذ لا مدخلية للتواتر هنا، فهو أجنبي عن المقام، مضافاً إلى بيان القرآن وعلومه والعلوم العقلية الأُخرى، فكلّها لا مورد للتوهّم فيها؛ فلاحظ!

٦ــ إنّنا نلاحظ في أسئلتك خلطاً واضحاً بين التواتر، وهو أحد الطرق والوسائل لحكم العقل بقضية خبرية، فهو بالتالي من شؤون العقل، وبين الإمام الذي هو موضوع خارجي، له آثار واقعية خارجية واقعة في علمه تعالى ومنتظمة في سننه عزّ وجلّ!

نعم، أنّه لا يثبت لنا تعيين الإمام عليه السلام كموضوع خارجي إلّا بالقطع من العقل، وأحد طرقه حصول التواتر بوجود دليل عليه، وكذا لم يثبت لنا وجوب الإيمان والاعتقاد بالإمامة وكونها من أُصول الدين، إلّا بدليل قطعي سواء كان عقلياً أم نقلياً (تواتر)، ولكن ما علاقة هذا بهذا حتّى تخلط بينهما؟!

وما ذكرناه هنا في هذه النقطة هو غير كون التواتر طريقاً لثبوت أخبار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وإنّ أخبار الإمام عليه السلام طريق آخر لثبوت أخبار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؛ فلاحظ وتأمّل!


الصفحة 418

(البحث عن وجود المعصوم في الأُمّة)

« أحمد أبو ليلى ــ مصر ــ حنفي »

السؤال:

ما هو الفرق بين أن يكون الحكم للإمام عليّ أو غيره لو كان غيره صالحاً وعادلاً؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ينبغي أن يتّضح أنّ للمسألة هنا عدّة جوانب قد تختلف نتيجة اختلاف النقطة التي ينطلق منها الباحث، أو الغاية المتوخّاة من بحثه، أو القضية التي يريد إثباتها، وهذه الجوانب في الحقيقة يترتّب بعضها على بعض، بل هي في عمقها تنصب على هدف واحد، وهو: الحكومة الإلهية العادلة على الأرض، والعدل هنا ركيزة من ركائز هذا الهدف المنشود، وسمة بارزة له.

فقد ينصب البحث في جانب إثبات وجوب وجود إمامة كلّية إلهية في كلّ زمان، وهذا يستدلّ به من العقل والنقل، أو ينصب البحث على لزوم وجود نص يشير ويعيّن خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن يثبت له عقلاً مجموعة من الصفات اللازمة لقيادة الأُمّة، كالعلم والعصمة والأفضلية، وبالتالي فإنّ في هذين الجانبين يفرق في أنّه من هو الإمام، هل هو عليّ عليه السلام، أم غيره حتّى لو كان عادلاً؟


الصفحة 419
ومرّة يكون البحث من جانب إشراق الكمال الإلهي من جهة صفة العدل، التي يفرد لها الشيعة الإمامية مكانة خاصّة في أُصول الدين ويعدّونها أحد الأُصول، وأنّ هدف الحكومة الإلهية على الأرض هو: تجسيد العدل الإلهي، وإنّ العدل محور وركيزة أساسية تدور عليها مجمل فلسفة خلقة الإنسان وتكامله في هذه الدنيا حتّى يصل إلى كماله الآخر، وأنّه هدف الرسل والأنبياء والأوصياء والأولياء والشهداء..

إذ العدل يتوسّط كلّ الصفات الأخلاقية في جانب الإفراط والتفريط، وأنّه الصفة التي يقاس إليها جميع ما عداها من الصفات الخُلقية، وهو أُم القضايا في العقل العملي للإنسان بما له من قيمة ذاتية مقابل الظلم، وبالتالي يجب أن يسعى المكلّف، كلّ مكلّف، لتحقيق العدل، سواء في نفسه، أو مجتمعه، أو عالمه الدنيوي، مع وعيه أنّه يحتاج في ذلك إلى مرشد وقائد يريه الطريق ويعرّفه وسائله وغاياته، وأنّ هذا المرشد هو المعيار، بما يجسّده من صفة العدل في كلّ شيء، للبشرية في سيرها التكاملي التي خلقت من أجله، وهو القدوة والإمام الذي يحثّنا العقل على البحث عنه ومعرفته لاتّباعه.

ونجد هذا واضحاً ساطعاً في مسيرة الشيعة الإمامية وتراثهم؛ فعندهم الحسين عليه السلام سيّد الشهداء وإمام الأحرار، وهم ينتظرون إمامهم الأخير المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، الذي سيطهّر الأرض من الرجس ويحكمها بالقسط والعدل، والحكم بالقسط والعدل أوضح وأؤكد سمات هذا الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف، والبشارة به تدور حول تحقيق هذا الحلم، بل في الحقيقة تجد أنّ كلّ شيعيّ يعيش بداخله تحقيق هذه الغاية والهدف على الأرض؛ لشدّة ارتباط عقيدة الإمامية


الصفحة 420
بالعدل، وأنّه سوف لا يستطيع أن يحقّقه أحد إلّا مَن له صفات وسمات خاصّة، والذي نسمّيه الإمام، أو الولي.

فما ذكرته أيّها الأخ العزيز هو بعينه الذي تنطوي عليه عقيدة الشيعة الإمامية، فليس المهم لو كان النظر من جهة ذاتية قيمة العدل أن يحكم عليّ عليه السلام كشخص أو يحكم غيره، فالمهم هو: إحقاق الحقّ بالصلاح والعدل وإبطال الباطل.

ولكنّا نعتقد أنّ هذا المعنى لا يمكن إحرازه إلّا بشخص الإنسان المعصوم عن الخطأ، وبعد أن ثبت الدليل عندنا بعصمة عليّ عليه السلام، قلنا: هو الحاكم الحقّ الذي ينبغي أن يجلس للحكم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة، ولا يحقّ لأحد أن يتقدّم عليه في ذلك؛ إذ غيره ليس بمعصوم بالإجماع.

فروح البحث أيّها الأخ الكريم تكمن هنا.. ونعني بها: البحث عن وجود المعصوم في الأُمّة، فإذا ثبت وجوده، فالعقل والشرع يحكمان بلزوم قيادته وحكمه للمجتمع، ولا ينبغي لأحد أن يتقدّم عليه؛ فتقديم المفضول على الفاضل قبيح.

فالمهم هو أن يحكم عليّ عليه السلام الإمام الذي يحقّق العدل، لا عليّ الشخص ابن أبي طالب، على تسليمنا بعظمته وسموّه! نعم في الخارج اتّحد الشخص مع الإمام فكان عليّ الإمام عليه السلام، ولذا كنّا وما زلنا نصر على إمامته عليه السلام.

ودونك في هذه المباحث المهمّة، بأن تدقّق الموضوع من مصادره الأصلية لتنتهي إلى القول الفصل فيه، مع ملاحظة أنّ العصمة أمر باطني لا نستطيع


الصفحة 421
الصفحة السابقةالصفحة التالية