المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 6) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج6 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 421 - ص 450) التعرّف عليه إلّا بالنص والإشارة إليه من الله، فضلاً عمّا لو أردنا الدخول في مبحث الاصطفاء الإلهي، ومن هم المصطفون، ومقام الإمامة الإلهية!

(ويمكنك أن تطّلع على هذه المباحث في العناوين التي جعلناها للعديد من الأسئلة، كعنوان: (الإمامة)، و(العصمة)).

(من شروط الإمامة كون الإمام أفضل الرعية)

« عبد الله ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

من الأدلّة التي تستدلّ بها الشيعة على إمامة عليّ عليه السلام: احتياج الغير إليه وعدم احتياجه للغير، ويردّ عليهم: بأنّ موسى عليه السلام كان نبيّاً وقد رجع إلى الخضر عليه السلام!

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

تنسب هذه العبارة إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي؛ فقد نقل الخوانساري صاحب (الروضات): ((قيل: وسئل أيضاً ــ أي الفراهيدي ــ : ما هو الدليل على أنّ عليّاً إمام الكلّ في الكلّ؟ فقال: احتياج الكلّ إليه، وغناه عن الكلّ))(1).

وهذه العبارة وجه من وجوه مقدّمات الدليل، لا كدليل مستقل، بل قد يكون من مؤيّدات الدليل.

____________

1- روضات الجنّات ٣: ٣٠٠ (٢٩٤) الشيخ البارع الإمام أبو عبد الرحمن خليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي.


الصفحة 422
فنحن نقول: إنّ الإمام يجب أن يكون أفضل الرعيّة من جميع الجهات، كالنبيّ، خاصّة في العلم، من باب أنّ تقديم المفضول على الفاضل قبيح؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿أَفَمَن يَهدِي إِلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إلّا أَن يُهدَى فَمَا لَكُم كَيفَ تَحكُمُونَ(1)، وقد كان عليّ عليه السلام هكذا, وفي الواقع التاريخي نرى أنّ الخلفاء احتاجوا إليه، ولم نجد في مورد أنّه احتاج إليهم فيما يتعلّق بشيء من القضايا الدينية والمسائل العلمية.

فالدليل مكوّن من: كبرى، وهي: أنّ الإمام يجب أن يكون أفضل الرعية. وصغرى، وهي: أنّ عليّاً عليه السلام كان الأفضل، فينتج أنّ عليّاً عليه السلام هو الإمام. والدليل على الكبرى: ما قدّمنا من قبح تقديم المفضول على الفاضل، وهو عقلي، والآية المباركة السابقة الذكر، وهو سمعي.. والدليل على الصغرى: ما يورده الشيعة كون عليّ عليه السلام الأفضل علماً وديناً وزهداً، وشجاعة وتدبيراً، وشرفاً ونسباً، بأدلّة وشواهد كثيرة من الكتاب والسُنّة والسيرة والتاريخ، ومنها ما أشار إليه الفراهيدي من احتياج الكلّ إليه، وغناه عن الكلّ؛ فهو أحد شواهد الأفضلية، وبجمعها مع الكبرى المذكورة ينتج: أنّه إمام الكلّ.

فيقال: احتياج الكلّ إليه، وغناه عن الكلّ يدلّ على أنّه إمام الكلّ، والكبرى مطوية هنا لبداهتها في العقول.

وأمّا ما سألتموه عن قصّة الخضر عليه السلام، فنقول: إنّ العلم الذي كان يريد أن يتعلّمه موسى عليه السلام من الخضر عليه السلام، هو في دائرة العلوم التكوينية لا التشريعية،

____________

1- يونس (١٠): ٣٥.


الصفحة 423
وهذا ممّا لا بأس به بعد أن عرفنا أنّ وظيفة الأنبياء عليهم السلام هي وظيفة تشريعية، ورجوع الغير إليهم أوّلاً وبالأصالة رجوع تشريعي لا تكويني..

ونحن قولنا: إنّ النبيّ أو الإمام يشترط فيه أن يكون أفضل الرعية، أي: أفضل المبعوث إليهم إذا كان نبيّاً، وأفضل من رعيته إذا كان إماماً، وليس من المعلوم أنّ الخضر عليه السلام كان من رعية موسى عليه السلام أو من ضمن المبعوث إليهم، وهناك خلاف بين العلماء في أنّ موسى عليه السلام هل كان رسولاً لكافة البشر أو بعث لبني إسرائيل خاصّة، كما تشير إليه بعض الآيات.

وقد ذكر بعض العلماء أنّه يشترط في النبيّ أن يكون أفضل في ما يرجع إلى الدين والدنيا، ولا يدخل بها العلم بالأُمور التكوينية التي هي من اختصاص الملائكة وبعض عباد الله كالخضر عليه السلام.

نعم، لو ثبت أنّ الخضر عليه السلام كان من رعية موسى عليه السلام فالإشكال في محلّه، ولكن لا سبيل إلى إثبات ذلك، بل ظاهر القصّة في القرآن ينفيه.

(الإمامة جعل من الله)(١)

« حسين ــ السعودية »

السؤال:

نريد توضيح: أنّ الإمامة جعل من الله.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


الصفحة 424
إنّ الشيعة الإمامية تعتقد بأنّ: الإمامة ــ والتي من خصائصها: قيادة الأُمّة الإسلامية ــ منصب إلهي, وجعل من الله تعالى, وأنّها حقّ من حقوق الله تعالى كالنبوّة.

فالمولى عزّ وجلّ هو الذي ينصّب من يكون إماماً للناس, وهو الذي يختار هذا الإنسان ويجعله إماماً دون غيره.

ودليلنا على هذا: آيات قرآنية، منها:

١ــ قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(1).

٢ــ قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ(2).

٣ــ قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا(3).

٤ــ قوله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ(4).

٥ــ قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا(5).

إذن، فالإمامة جعل من الله تعالى وعهد لا يناله من اتّصف بالظلم ــ سواء كان ظالماً لنفسه أو لغيره ــ ولا من تجبّر، ولا من لا يهدي إلّا أن يُهدى، ولا

____________

1- البقرة (٢): ١٢٤.

2- القصص (٢٨): ٥.

3- الأنبياء (٢١): ٧٣.

4- ص (٣٨): ٢٦.

5- السجدة (٣٢): ٢٤.


الصفحة 425
الذي لا يصبر، وليس من حقّ الأُمّة أن تختار لها إماماً؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِيناً(1).

(الإمامة جعل من الله)(٢)

« أبو معمر ــ العراق »

السؤال:

عند أهل السُنّة: لا بدّ من كون وليّ الأمر قرشياً من صلب فهر بن مالك، وعند الشيعة الإمامية لا بدّ من كونه من أبناء فاطمة؛ ألا تعتقدون أنّها عنصرية تتفوّق على أيّ عنصرية؟ وألا تعتقدون أنّ ذلك يتناقض مع ما تروّجوه من أنّ الدين يدعو إلى المساواة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الذي نعتقد به أنّ إمامة الناس وخلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هداية الناس هي جعل من الله تعالى وتنصيب منه؛ لأنّه أعلم بخلقه، فاختار لإمامة الناس أُناساً معصومين مطهّرين مصطفين، وجعلهم من ذرّية نبيّه، كما كان الاصطفاء في ذرّية الأنبياء السابقين؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ _ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ(2)، وهذا الاختيار ليس اعتباطاً أو

____________

1- الأحزاب (٣٣): ٣٦.

2- آل عمران (٣): ٣٣، ٣٤.


الصفحة 426
بسبب النسب والوراثة، وإنّما لوجود كفاءة وعلوّ رتبة يعلمها الله فيهم.

بينما الذي تدعو له الديمقراطية، هو: جعل حاكمية الناس بيد أُناس جهّال، يتلاعب بهم السياسيون، وتأخذهم الأهواء يميناً وشمالاً، ويبيعون مصير أنفسهم بأبخس الأثمان، بل بالوعود الكاذبة.

فهل المنهج الأوّل من الاختيار الإلهي هو الصحيح للحكم، أم المنهج الآخر من اختيار البشر لأنفسهم؟!

(استفادة الإمامة من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا)

« محمّد ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ(1).

الشيعة تقول: نزلت في الأئمّة الاثني عشر عليهم السلام، والسُنّة تقول: نزلت في بني إسرائيل؛ وذلك لأن سبقتها الآية: ﴿وَلَقَد آتَينَا مُوسَى الكِتَابَ فَلا تَكُن فِي مِريَةٍ مِّن لِّقَائِهِ وَجَعَلنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسرَائِيلَ‎(2).

أيّ القولين أصحّ؟ مع الشرح المفصّل.

____________

1- السجدة (٣٢): ٢٤.

2- السجدة (٣٢): ٢٣.


الصفحة 427
وشكراً.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

في كتاب تفسير (الأمثل) للشيخ ناصر مكارم الشيرازي، قال: ((لقد ذكرت الآية هنا شرطين للإمامة, أحدهما: الإيمان واليقين بآيات الله عزّ وجلّ, والثاني: الصبر والاستقامة والصمود. وهذا الأمر ليس مختصّاً ببني إسرائيل, بل هو درس لكلّ الأُمم, ولجميع مسلمي الأمس واليوم والغد بأن يحكّموا أُسس يقينهم, ولا يخافوا من المشاكل التي تعترضهم في طريق التوحيد, وأن يتحلّوا بالصبر والمقاومة ليكونوا أئمّة الخلق وقادة الأُمم ومرشديها في تاريخ العالم))(1).

وقال الشيخ الوحيد: ((... فما هي الإمامة؟ نستعرض آية من القرآن هي أصل المطلب, ونذكر معناها بالإجمال, وهي: قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ, وفيها أربعة مباحث, أرجو أن تتأمّلوا فيها:

المبحث الأوّل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ.. فالإمامة أمر مجعول من الله تعالى, لا من السقيفة! والقرآن يعطي هدايته لجميع الناس بالعبارة وبالإشارة, والعلماء والواعون يفهمون هدايته, ولا ذنب للقرآن إذا لم يهتد به غلاظ القلوب والأذهان! وعندما ندرس أصحاب المستويات العالية من العلماء، نجد أنّهم بعد أن يستكملوا مراحلهم العلمية يعودون إلى مطالعة القرآن، ومطالعة القرآن غير هذه القراءة العادية المعروفة.

____________

1- الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ١٣: ١٣٨ ــ ١٣٩.


الصفحة 428
وهذه الآية في مطلق الإمامة وليست في الإمامة المطلقة؛ لأنّها في إمامة عدد من أئمّة بني إسرائيل, ومع ذلك لا يصحّ فيهم جعل البشر, بل لا بدّ فيهم من جعل الله تعالى. وإذا كان هذا حال مطلق الإمامة, فكيف بالإمامة المطلقة بعد خاتم الأنبياء والرسل صلى الله عليه وآله وسلم؟!

إنّ إمامة أئمّتنا المعصومين عليهم السلام، وإمامة صاحب العصر والزمان أرواحنا فداه، إمامة مطلقة, وليست مطلق إمامة, والفرق بينهما كبير.

المبحث الثاني: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً.. و(من) هنا للتبعيض؛ فالذين يصلحون لهذا المنصب الإلهي هم: بعض المؤمنين مع الرسل, وليسوا كلّهم.

المبحث الثالث: في بيان أصل الإمامة.

المبحث الرابع: في بيان فرع الإمامة. فما هو أصل الإمامة, وما هو فرعها؟

أمّا أصل الإمامة، فهو: ﴿لَمَّا صَبَرُوا.

وأمّا فرعها، فهو: ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا.

وهذا هو إعجاز القرآن؛ فإعجاز الفصاحة والبلاغة فيه إعجاز لفظي, ولكن إعجازه لكبار المفكّرين من العلماء أنّه في آية واحدة، بل في جزء من آية, يقدّم العجائب! وهو هنا يوجب على الباحث أن يفهم معنى الصبر أوّلاً, ثمّ يفهم معنى الهداية, ثمّ يفهم معنى الأمر في الآية, ثمّ يفهم معنى الهداية بالأمر..

أمّا الصبر فهو في اللغة: حبس النفس, وهو مقولة نسبية متفاوتة المراتب, أو مشكّكة بالتعبير المنطقي, وهو الجذر والطريق لوصول الإنسان إلى مستويات عالية من الكمال الإنساني؛ فبالصبر وصل كبار الأنبياء والأئمّة عليهم السلام إلى أن تكون عوالم الكون في قبضة يدهم...)).


الصفحة 429
وقال أيضاً: ((وإذا تمّ له ذلك, وحبس نفسه عن كلّ عالم المادّة, وما فيه من مال ومقام ولذائذ, فلم يصل إلى درجة الإنسان الكامل أيضا؛ لأنّ قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا, يعني: أنّهم صبروا عن الدنيا وعن البرزخ أيضاً! والبرزخ هنا هو: الصور الخيالية, والصبر عليها يعني: محوها من عالم النفس والروح.

فإذا تمّ له محو عالم الدنيا وعالم البرزخ, يصل إلى المرحلة الثالثة، وهي: الصبر عن شؤون عالم الآخرة.

فإذا استطاع أن يصبر على الآخرة بكلّ ما فيها من نعيم, يكون بذلك محا الدنيا والبرزخ والآخرة من روحه, وحينئذٍ يمكنه أن يفرّغ نفسه وروحه لله تعالى دون أن يكون له فيه شريك, ويصل إلى درجة العبد المطلق.. إنّ الله تعالى لا يقبل الشريك, ولا يصحّ أن تكون الدنيا ولا الآخرة شريكاً له في نفس العبد المطلق.

وما لم يمح الإنسان من نفسه وروحه كلّ الدنيا والبرزخ والآخرة, فلا يستطيع أن يجمع نفسه ويقدّمها لله تعالى.. وكما قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّ الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ليلة ظلماء).(وسائل الشيعة ١٦: ٢٥٤ طبعة آل البيت).

وهذا الكلام لم يقله النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لي ولك, بل قاله لأعيان الإنسانية الذين وصلوا إلى هذه المراحل. وعندما يصل الإنسان إلى درجة العبد المطلق يكون كما نقرأ في زيارة الجامعة: (وذلّ كلّ شيء لكم, وأشرقت الأرض بنوركم).(عيون أخبار الرضا ١: ٣٠٤)..


الصفحة 430
كلّ شيء.. كلّ ما يصدق عليه أنّه شيء في تلك الحضرة ذليل.. وجبرئيل شيء، وميكائيل شيء, والكرسي واللوح والقلم أشياء.. وكلّها ذليلة أمام الإمام الحجّة ابن الحسن صلوات الله عليه! وذلّ كلّ شيء لكم.. لماذا؟ لأنّه صار عبداً مطلقاً.

وقد قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لعليّ عليه السلام: (يا عليّ, من خاف الله عزّ وجلّ خاف منه كلّ شيء, ومن لم يخف الله عزّ وجلّ أخافه الله من كلّ شيء).(من لا يحضره الفقيه ٤/٣٥٧ باب النوادر).

وهذه العبودية هي التي قالوا عنها: (العبودية جوهرة كنهها الربوبية)، أي: ربوبية للأشياء بالله تعالى.

أرأيتم النتيجة التي ينتهي إليها الصبر؟! وكيف يصل الإنسان الذي صبر نفسه في جنب الله تعالى إلى مقام العبد المطلق, ويستحقّ الإمامة المطلقة؟ فماذا نستطيع أن نقول في مقام الإمام صاحب الزمان عليه السلام؟ أليس الأفضل أن نصمت ونكتفي بذكر اسمه الشريف فقط؟!...)).

وقال أيضاً: ((هذا هو الصبر الذي نتجت عنه الإمامة الكبرى, وهو نفسه صبر صاحب الزمان أرواحنا فداه, الذي يرى هذا المشهد كلّ يوم صباحاً ومساءً.. إنّ حياته عليه السلام كلّها امتحان, وقد ورد: أنّه يوجد عنده في البيت الذي يسكن فيه قميص جدّه الحسين عليه السلام معلّق فوق رأسه وهو يراه, فإذا حان وقت ظهوره يراه قد صار دماً عبيطاً!

إنّ صبره لا يشبه صبر أحد من الناس, بسبب سعة علمه، ورقّة قلبه، وشفافية مشاعره عليه السلام؛ فهو يرى كلّ مظالم العالم وجناياته, وهو يرى مظالم جدّه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأجداده الطاهرين عليهم السلام أمام عينيه, ولاشكّ أنّه يتجوّل في زيارة مشاهدهم المشرّفة,


الصفحة 431
من بيت الله في مكّة, إلى قبر جدّه المصطفى وأجداده المعصومين في المدينة المنورة, إلى قبر جدّه أمير المؤمنين عليه السلام في النجف, إلى قبر جدّه الحسين في كربلاء, إلى بقيّة مشاهد المعصومين عليهم السلام, وتتجسّد أمام عينيه مظالمهم ومصائبهم! وهو في ذلك يعيش حياته بقلب حيّ وإحساس نابض, يعيش بقداسة روح جدّه أمير المؤمنين عليه السلام، الذي لا يتحمّل أن يسلب نملة جلب شعيرة, حتّى لو أُعطي مقابلها الأقانيم السبعة بما تحت أفلاكها.. والذي عنده الموت أهون من أن يرى امرأة مسلمة أو ذمّية تسلب حليّها, ولا يستطيع أن يدافع عنها!

فأيّ صبر هو صبر الإمام المهدي أرواحنا فداه؟! ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا(1)، هذا هو الصبر المطلق الذي يوصل إلى الإمامة المطلقة!

فما هو الفرق بين مطلق الإمامة, والإمامة المطلقة؟

إنّ الإمامة مقولة لها شروط ترتفع درجتها بها حتّى تصل طبقاً لنظام العلّة والمعلول إلى الإمامة المطلقة, وتكون النسبة بينها وبين مطلق الإمامة كنسبة مطلق الوجود إلى الوجود المطلق, ومطلق العلم إلى العلم المطلق, ومطلق القدرة إلى القدرة المطلقة!

فإذا التفتّم إلى هذه الفروق عرفتم معنى الرحمة المطلقة التي وصف بها الأئمّة عليهم السلام في الزيارات والأدعية, فالرحمة المطلقة هي التي وسعت كلّ شيء, ومطلق الرحمة لا تسع كلّ شيء.

____________

1- السجدة (٣٢): ٢٤.


الصفحة 432
وينبغي هنا أن نعرف أنّ الآية في الأئمّة المختارين من بني إسرائيل, وهؤلاء ليسوا كأئمّتنا عليهم السلام أهل الصبر المطلق والإمامة المطلقة. فالإمام المهدي صاحب الزمان أرواحنا فداه, صاحب الإمامة المطلقة وليس مطلق إمام, وهذا يعني: أنّه صاحب العلم المطلق بتعليم الله تعالى, والقدرة المطلقة بإقدار الله تعالى, والرحمة المطلقة بعطاء الله تعالى. فهو كلمة الله التامّة ورحمته الواسعة.. صلوات الله عليه))(1).

(إشكالات حول بعض الآيات والنصوص المتعلّقة بالإمامة)

« تميم ــ الدنمارك ــ إمامي »

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

ردّ أهل السُنّة على مسألة الإمامة والنصّ الإلهية بهذا الردّ‎:

((نقول: كيف يكون منصب إلهي وعليّ بن أبي طالب نفسه يقول: (دعوني والتمسوا‎ غيري؟!!)(نهج البلاغة ج١ ص١٨١)، بل وقال أيضاً: (وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلّي أسمعكم وأطوعكم لمن ولّيتموه أمركم, وأنا لكم وزيراً خير لكم منّي أميراً!!)(نهج البلاغة ج١ ص١٨٢).

____________

1- الحقّ المبين في معرفة المعصومين، للوحيد الخراساني، بقلم الكوراني: ٥٢٥ ــ ٥٣٢ الفصل العاشر (٣٤)، كيف يستحقّ الإمام مقام الإمامة.


الصفحة 433
أمّا استدلالهم بالآية الكريمة: ‎﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً(1).

فنقول: كيف تفسّرون إذن قوله تعالى‎: ‎﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ(2)، فهل الله تعالى جعل عبادة‎ الطاغوت منصب إلهي؟! أو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً(3)، فهل قسوة القلوب أمر إلهي؟! ألا قبح الله الجهل!

ثمّ إذا كان معنى (الإتيان) أي: النبوّة، فكيف يفسّر قوله تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ(4)‎، وقوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا(5)؟ فهذا‎ يعني أنّ بني إسرائيل الملعونين إخوة القردة والخنازير أصبحوا أنبياء بمقياسكم العجيب!!

وإذا كان (الاصطفاء) يعني النبوّة، فكيف يفسّر قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ(6)، وبعد ذلك قال‎: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً _ فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً(7)؟ فهذا يعني أنّ هناك من‎ الأنبياء من آمن ومنهم من صدّ عنه، أي: كفر!! ويقول: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا

____________

1- البقرة (٢): ١٢٤.

2- المائدة (٥): ٦٠.

3- المائدة (٥): ١٣.

4- البقرة (٢): ٢١١.

5- الأعراف (٧): ١٧٥.

6- آل عمران (٣): ٣٣.

7- النساء (٤): ٥٤ ــ ٥٥.


الصفحة 434
فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ(1).. وهذه الآيات لو أنزلناها على الأنبياء أو الأئمّة لاتّضح لنا أنّ منهم ظالم ومنهم مقتصد ومنهم سابق!! فهل يقول بذلك عاقل؟!)).

ونرجوا منكم الردّ راجين من المولى لكم العون والسداد.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

في جوابنا على قولهم: ((كيف تكون الإمامة منصباً إلهياً وعليّ بن أبي طالب نفسه يقول: (دعوني والتمسوا غيري)؟ بل قال أيضاً: (وإن تركتموني فأنا كأحدكم...)(2)))).

نقول: إنّ هذه الكلمات قالها الإمام عليّ عليه السلام بعد مقتل عثمان مباشرة, وفي وقت كانت الفتنة تعصف بالمسلمين من كلّ حدب وصوب, وكان هناك من يتّهمه عليه السلام بأنّه ممّن شارك في مقتل عثمان، أو ممّن أعان عليه, لذا كان من الوجيه سياسياً أن يظهر براءته عليه السلام من هذه الافتراءات والشبهات التي بدأت تبثّها هذه الدعاية الأموية, وذلك بأن يبيّن للمسلمين أنّه غير راغب بالحكم بما هو حكم وسلطة, وأنّ الشبهات التي تطاله لا أساس لها, وإنّ أدّل دليل على ذلك هو عدم سعيه للوصول إلى الحكم، بل هو في هذا الجانب كأحد المسلمين..

____________

1- فاطر (٣٥): ٣٢.

2- نهج البلاغة ١: ١٨١، ١٨٢ خطبة (٩٢).


الصفحة 435
فكانت كلماته عليه السلام هنا مختصّة بمرحلة سياسية خطيرة معروفة، وبخصوص السلطة المدنية الدنيوية، ولا علاقة لها بإثبات الإمامة الإلهية أو نفيها.. بل لك أن تراجع ما قاله الإمام عليه السلام في نفس المصدر الذي ينقلون منه هذه المقاطع, ونعني به: (نهج البلاغة), لتطالع النصوص الكثيرة الواردة في إثباته عليه السلام لإمامته وأنّها ــ أي: الإمامة ــ حقّ له لا يحقّ لأحد منازعته فيه..

كما في قوله عليه السلام من خطبته المعروفة بالشقشقية: (أما والله؛ لقد تقمّصها ابن أبي قحافة، وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحا، ينحدر عنّي السيل، ولا يرقى إلَيَّ الطير. فسدلتُ دونها ثوباً، وطويتُ عنها كشحاً، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه، فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهبا. حتّى مضى الأوّل لسبيله، فأدلى بها إلى ابن الخطّاب بعده)(1).

وقوله عليه السلام: (وقد قال قائل: إنّك على هذا الأمر يا بن أبي طالب لحريص، فقلت: بل أنتم والله لأحرص وأبعد، وأنا أخصّ وأقرب، وإنّما طلبت حقّاً لي وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه، فلمّا قرعته بالحجّة في الملأ الحاضرين، هبّ كأنّه بهت لا يدري ما يجيبني به!

اللّهمّ إنّي أستعديك على قريش ومن أعانهم؛ فإنّهم قطعوا رحمي، وصغّروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمراً هو لي، ثمّ قالوا: ألا إنّ في الحقّ أن

____________

1- شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ١: ١٥١ ــ ١٦٢ خطبة (٣).


الصفحة 436
تأخذه، وفي الحقّ أن تتركه)(1).

وقوله عليه السلام: (أين الذين زعموا أنّهم الراسخون في العلم دوننا، كذباً وبغياً علينا؟!... إنّ الأئمّة من قريش، غرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم)(2).

وغيرها من النصوص لا حاجة بنا إلى سردها كلّها؛ فراجع!

وأمّا قولهم: ((أمّا استدلالهم بالآية الكريمة: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ــ إلى قولهم ــ فهل قسوة القلوب أمر إلهي؟)).

نقول: إنّ هذا الرادّ بلسان أهل السُنّة لم يقرّر استدلال الشيعة بهذه الآية حتّى يتبيّن لنا طريقة ومقدّمات استدلالهم بها، والمعنى الذي أقاموه للجعل فيها، ولم يبيّن لنا في المقابل أيضاً ما يفهمه أهل السُنّة من الآية ومعنى الجعل فيها، وإنّما أورد نقضاً على شكل تساؤل بآيتين من القرآن، ثمّ اتهمنا بالجهل!

مع أنّ لفظة الجعل ومشتقاتها الواردة في القرآن لم تأت على معنى واحد في المراد من ماهية الجعل وكيفيته، وإن كان فاعل الجعل واحداً وهو الله سبحانه وتعالى؛ فإنّ تحديد ذلك يكون من خلال تشخيص ما تعلّق به الجعل (أي: المجعول)، سواء عبر وضوح المراد منه أو بالقرائن الموجودة في النص، من كون المتعلّق (المجعول) أمراً تكوينياً كأعيان الممكنات ومراتبها وعلاقاتها، والسنن الإلهية المنصبّة عليها التي قدّرها الله لها، فيكون الجعل المتعلّق بها جعلاً

____________

1- شرح نهج البلاغة ٩: ٣٠٥ خطبة (١٧٣).

2- شرح نهج البلاغة ٩: ٨٤ خطبة (١٤٤).


الصفحة 437
تكوينياً، أو أمراً تشريعياً من غير الأعيان، كالمناصب والألقاب والعناوين الصرفة والتكاليف الشرعية، فيكون الجعل المتعلّق بها جعلاً تشريعياً يحتاج إلى نصب وإقرار ووضع وحكم ممّن له حقّ التشريع المطلق وصاحب الولاية المطلقة، وهو المالك الحقّ سبحانه وتعالى.

وهناك أمرٌ ثالث له جهتان، أحدهما متوقّفة على الأُخرى، فهو من جهة أمرٌ تكويني خاضع للسنن الإلهية المقدّرة على نسق الحكمة والعدل، ومن جهة أُخرى متوقّفة على حصول الجهة الأُولى أمرٌ تشريعي يحتاج إلى نصب وإقرار، فمن الجهة الأُولى يكون جعله تكوينياً، ومن الجهة الثانية يكون جعله تشريعياً، كالمناصب الحقيقية ذات الرتبة الكمالية كالنبوّة والرسالة والإمامة.

ولعلّنا نستطيع تقريب الأمر من خلال التمثيل بالرتب والمقامات العلمية: إنّ الحصول على شهادة الدكتوراه لا يكون جزافاً من دون الحصول على مستوى علميّ حقيقيّ وبذل الجهد من أجله، ثمّ يترتّب عليه منح الشهادة وإعطاء الرتبة والمقام العلمي، وهذا المنح يحتاج إلى إقرار وحكم من الجهة المانحة للرتبة العلمية.

والإمامة، كقريناتها النبوّة والرسالة، في إحدى جهاتها، وهي: المرتبة الوجودية الكمالية الملكوتية، التي يصل إليها الإمام بعد ترقّيه في مدارج الكمال، أمراً تكوينياً مجعولاً من قبل الله سبحانه وتعالى، لا على نحو الاعتباط والجزاف، وإنّما خاضع للسنن الإلهية المهيمنة على نظام الخلقة غير الخارج عن الجود والفضل واللّطف والعدل الإلهي..

فإنّ الترقّي إلى مرتبة النبوّة فالرسالة فالإمامة يتم على مراحل، لكلّ منها شروطها الوجودية الحقيقية ذات الأثر التكويني المترتّب على تحقّقها في نفس


الصفحة 438
المبعوث نبيّاً، أو المرسل رسولاً، أو المجعول إماماً؛ فانظر إلى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ(1)!

فدخالة الصبر واليقين (العلم) واضحة في الحصول على مرتبة الإمامة الهادية في الآية، لا على نحو الجبر كما قد يتوهّم، ولكن بما علمه الله في سابق علمه من استعدادهم وصفاتهم واختيارهم، فاصطفاهم وفضّلهم وجعلهم أئمّة للهدى.

وقد تقول: إنّ هذه المراتب يحصل عليها العبد بفعله، فكيف ينسب الجعل إلى الله؟

نقول: إنّ تمكّن العبد من الحصول على هذه المراتب كان بإقدار الله وهدايته وفضله، فصحّ نسبتها إلى الله من هذه الجهة، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى(2).

ثمّ إنّ الإمام بمعناه اللغوي، هو: المقتدى به، سواء في الهداية أو الضلال، فيصدق في مقابل الأئمّة المجعولين للهدى أئمّة للضلال، وهم المقتدى بهم في الضلالة والكفر والغيّ والعصيان، بعد أن تنطبق عليهم أيضاً السنن الإلهية وشروطها ذات الأثر التكويني عند حصولها، حتّى يصلوا إلى مرتبتهم الوجودية السلبية الشيطانية الدنيوية، فيصبحوا أعلاماً للضلالة، لا عن جبر وإكراه، بل بما علمه الله في سابق علمه من صفاتهم وأفعالهم وجبروتهم وعنادهم، قال سبحانه

____________

1- السجدة (٣٢): ٢٤.

2- الأنفال (٨): ١٧.


الصفحة 439
وتعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ(1)، فنبّه إلى سُنّة من سننه فيهم مقابل سُنّته في أئمّة الهدى، إذ قال عزّ من قائل: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ(2)..

وكلا الجعلين يرجعان في الأصل إلى قدرة الله وتمكينه، ولكن الاختيار بيد العبد، فإذا اختار طريق الهداية وصبر على الابتلاء وتحمّل العلم، كان من المجعولين أئمّة للهداية، وإن اختار طريق الضلال وتمادى في اتّباع هواه، فيتركه الله لنفسه وعماها، فيكون من المجعولين أئمّة للكفر.

وأمّا جهة الإمامة الأُخرى المترتّبة والمتوقّفة على الجهة الأُولى، فهي: الحصول على مرتبة المطاعية والحاكمية، التي يثبت بها للإمام حقّ الطاعة من قبل الناس، وله التصرّف في أُمورهم وشؤونهم وأنفسهم، وهي مختصّة بإمام الهدى ولا تشمل إمام الكفر؛ إذ لا مطاعية له، كما هو واضح، وهذه الجهة أمر تشريعي يحتاج إلى إقرار ونصب وتفويض ممّن له حقّ التشريع بالأصالة، وهو المالك المطلق سبحانه وتعالى، لمن اختاره لمنصب الإمامة؛ قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم(3)، فتكون طاعته في طول طاعة الله وبتفويض منه، ولو نصب العبد نفسه إماماً أو نصبه الناس، كان متعدّياً، وهم متعدّين، على حقّ الله المطلق، ومتصرّفين في ما ليس لهم التصرّف فيه من التشريع.

____________

1- القصص (٢٨): ٤١.

2- الأنبياء (٢١): ٧٢.

3- النساء (٤): ٥٩.


الصفحة 440
ومن خلال ما توضّح نحتاج إلى تحديد الجهة والرتبة المقصودة من الإمامة، التي تعلّق بها الجعل الصادر من الله تعالى، لمعرفة نوع الجعل من كونه تكوينياً أو تشريعياً، وتحديد الجهة المقصودة بالجعل يكون عن طريق القرائن المحتفّة بالنصّ القرآني.

ومن هنا.. نرجع إلى آية مورد البحث، وهي: قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً، لنرى ما هي جهة الإمامة التي تعلّق بها الجعل في الآية: هل هي جهة التكوين؟ أو جهة التشريع؟

فإنّ الله سبحانه سمّى الإمامة عهداً عند قوله: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(1)، فبيّن أنّها هنا من العهود، والعهود تحتاج إلى إقرار؛ لأنّها من الأحكام الوضعية، والأحكام كلّها من المجعولات الشرعية، فإذا كانت الإمامة هنا من المجعولات الشرعية، فإنّها تحتاج إلى (جعل) شرعي، أي: تنصيب وتعيين، وهذا التنصيب الشرعي بصريح الآية مختص بالله سبحانه وتعالى؛ فإنّ فاعل (الجعل) هنا هو الله، وقد أُعطي لإبراهيم بعد النبوّة والرسالة؛ لأنّه كان يوحى إليه حينذاك، وجيء باسم الفاعل (جاعل) ليدلّ على الحال أو الاستقبال، لا وقوع الجعل في الماضي الذي ربّما يوهم كون (الجعل) جعلاً تكوينياً.

وأنت ترى ترتّب جهتي الإمامة التكوينية والتشريعية واضحة في الآيات الخاصّة بجعل إبراهيم عليه السلام إماماً؛ قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ(2)، وهي مبيّنة للجهة التكوينية وشروطها، وقال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ

____________

1- البقرة (٢): ١٢٤.

2- البقرة (٢): ١٢٤.


الصفحة 441
لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي، وهي مبيّنة لترتّب جهة الجعل المولوي التشريعي للإمامة على الجهة التكوينية لها بقرينة قوله: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ، التي توضّح أنّ هذا العهد المجعول يختصّ بأهل العصمة.

ومنها قوله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ(1)، فإنّ الحكم بين الناس الذي هو مظهر الإمامة والولاية قد فرّع بالفاء على جعل داود خليفة، وهو قرينة على أنّ (الجعل) هنا بمعنى: التعيين والتنصيب، والإشارة إلى ترتّب هذا الجعل المولوي على مرتبة الأمر التكويني في الإمامة نجده في قوله تعالى الخاص بأئمّة بني إسرائيل وداود منهم: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ(2)، وكذلك تجد مثل هذا الربط والترتّب في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً إلى قوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا(3).

ولا تجد مثل هذا الربط والترتّب في آية جعل أئمّة الكفر: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ، فلا ذكر للعهد أو الحكم بالعدل أو إيجاب الطاعة هنا، وإنّما الإشارة فقط إلى فعلهم وسمتهم، وهي: الدعوة إلى النار، فالآية مقتصرة فقط على الجعل التكويني من غير جبر، وإنّما بإقدار الله واختيارهم لأنفسهم كسُنّة إلهية فيهم مقابل سُنّته في أئمّة الهدى.

ومثل (جعل) أئمّة الكفر، (جعل) عبدة الطاغوت في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ

____________

1- ص (٣٨): ٢٦.

2- السجدة (٣٢): ٢٤.

3- البقرة (٢): ٣٠ ــ ٣١.


الصفحة 442
مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ(1)، وأمّا جعل القردة والخنازير إذا كان المراد منه: جعل أجسامهم أجسام القردة والخنازير، فهو: جعل تكويني مباشر، وأمّا إذا كان المراد: جعل أرواحهم، فهو: كجعل عبدة الطاغوت، والجعلين ــ أي: جعل الأجسام أو الأرواح ــ كان بما كسبت أيديهم لا جبر فيه البتة.

ومثل الجعل التكويني الصرف كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً(2)، فعليك أن تستوضح المراد من لفظة الجعل الواردة في القرآن كلٌ حسب الآية الواردة فيها؛ فتأمّل!

وأخيراً نقول: نعم، قبّح الله الجهل، وقبّح من يتعالم بغير علم!!

وقولهم: ((ثمّ إذا كان معنى (الإتيان) أي: النبوّة، فكيف يفسّر قوله تعالى: ﴿سَل بَنِي إِسرائيلَ كَم آتَينَاهُم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ...(3)...))، إلى آخر ما قالوه.

نقول: لم يذكروا هنا المصدر الذي يفسّر الإتيان بالنبوّة, وإن ورد ذلك في كتاب ما أو تفسير ما، فهو ناظر إلى متعلّق الإتيان لا الإتيان نفسه.. فهذه من غرائب الإشكالات وطرائفها. والكلام في المراد منه على نسق ما بيّناه في المراد من (الجعل).

قولهم: ((وإذا كان (الاصطفاء) يعني: النبوّة، فكيف يفسّر قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ...)), إلى آخر المقال.

____________

1- المائدة (٥): ٦٠.

2- الأنعام (٦): ٩٦.

3- البقرة (٢): ٢١١.


الصفحة 443
نقول: إنّ الاصطفاء على العالمين نوع اختيار وتقديم وتفضيل للمصطفى على العالمين في أمر ما، لا يملكه الآخرون، وهذا الأمر لا بدّ أن يكون فيه ميزة وفضيلة حتّى يفضّل به المصطفى عن غيره.

والاصطفاء هنا لبعض ذرّية إبراهيم عليه السلام؛ لأنّ معنى (الآل) يطلق على من يختص بالإنسان الشريف من أهله وقرابته، والآية عطفت آل عمران على آل إبراهيم، وآل عمران بعض ذرّية إبراهيم، فإخراجهم منهم وتخصيصهم بالذكر والعطف على آل إبراهيم يدلّ على أنّ المراد بعض ذرّية إبراهيم عليه السلام لا كلّ ذرّيته(1).

وأمّا قوله تعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً _ فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً، فقد سبقه آيات تبيّن المعنى المراد منه، ولكن المستشكل قطع تلك الآيات عن هذه ليحرّف كلام الله، وقد لعن الله الذين يحرّفون الكلم عن مواضعه.

قال تعالى في آيات عديدة تذمّ بني إسرائيل، منها: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاَءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً _ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً _ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لاَ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً _ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً _ فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ

____________

1- انظر: تفسير الميزان، للطباطبائي ٣: ١٤٤ سورة آل عمران، قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً...).


الصفحة 444
سَعِيراً(1)، فالضمير (هم) في ﴿مِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ يعود على: الذين أوتوا نصيباً من الكتاب وآمنوا بالجبت والطاغوت، ولعنهم الله، ولم يكن لهم نصيب من الملك، وحسدوا الناس على ما آتاهم.. لا على الأنبياء والأئمّة من آل إبراهيم عليه السلام، الذين آتاهم الله الكتاب والحكمة والملك، كما يدّعي هذا المدّعي المحرّف لكلمات الله!

والملك العظيم المعطى لآل إبراهيم عليه السلام، وهم بعض ذرّيته، والذي حسدهم عليه الحاسدون هو: الإمامة، التي طلبها إبراهيم عليه السلام لذرّيته، في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(2).

وأمّا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا... الآية، فقد فصّلنا الكلام في تفسيرها ضمن عنوان: (القرآن وتفسيره)، فراجع يتّضح لك أن لا نقض فيها على ما قلناه.. وخلاصة القول فيها: إنّ المفسّرين اختلفوا في المراد من ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا في الآية على أقوال كثيرة، واختلفوا في المراد من الضمير (هم) في موارده في الآية على أقوال أكثر، وضرب هذه الاحتمالات مع بعضها يؤدّي إلى أقوال كثيرة جدّاً، لا يصلح للنقض منها إلّا بعض الأقوال الشاذّة غير الصحيحة عندنا.

وأيضاً قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ, ليس المراد به: أنّ الظالم من المصطفين, بل المراد به: أنّ من الناس من يكون ظالماً لنفسه، ومنهم من هو

____________

1- النساء (٤): ٥١ ــ ٥٥.

2- البقرة (٢): ١٢٤.


الصفحة 445
مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات, ويفسّر العلماء هؤلاء الثلاثة بالكافر والمنافق والمؤمن ــ على نحو اللف والنشر المرتّب ـ.(1).

(معنى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا)

« عبد الله ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

عرفنا أنّ الإمامة هي منصب يجعله الله ويصطفي فيه أحداً من خلقه، وهو لهداية الناس، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا(2).

في المقابل هناك أئمّة يدعون إلى النار, حيث نرى أنّ الله يقول: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ(3), فالجعل في هذه الآية ــ كما هو ظاهر ــ من الله, فما المقصود هنا بأنّ الله يجعل أئمّة يدعون إلى النار؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الظاهر أنّ (الجعل) في الآيتين بمعنى: الجعل التكويني في أصل الخلقة, لا بما يلزم منه الجبر، بل ذلك بما علمه الله في سابق علمه من صفات أئمّة الهدى وصفات أئمّة الكفر، فالله علم من أئمّة الهدى عملهم بالخيرات وصبرهم

____________

1- انظر: تفسير السمرقندي ٣: ١٠٠.

2- الأنبياء (٢١): ٧٣.

3- القصص (٢٨): ٤١.


الصفحة 446
ويقينهم، فجعلهم، أي: اصطفاهم ونصّبهم أئمّة هدى, وعلم من أئمّة الكفر دعوتهم للضلال والنار وظلمهم وجبروتهم، فجعلهم أئمّة الكفر..

والكلام هنا في السنن الإلهية، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الأِنسِ وَالجِنِّ يُوحِي بَعضُهُم إِلَى بَعضٍ زُخرُفَ القَولِ غُرُوراً وَلَو شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرهُم وَمَا يَفتَرُونَ(1).

فالجعل هنا بمعنى الجعل هناك، وكما أشار هنا إلى نفي الجبر، لا يلزم من الجعل هناك الجبر أيضاً, وإنّما كان جعله لهم بما علمه من اختيارهم للهدى أو الضلال..

فعن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إنّ الأئمّة في كتاب الله عزّ وجلّ إمامان، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا, لا بأمر الناس، يقدّمون أمر الله قبل أمرهم، وحكم الله قبل حكمهم، وقال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ, يقدّمون أمرهم قبل أمر الله، وحكمهم قبل حكم الله، ويأخذون بأهوائهم خلاف ما في كتاب الله عزّ وجلّ)(2).

وفي رسالة الإمام الصادق عليه السلام إلى أصحابه، جاء فيها: (فقد كُذّب نبيّ الله والرسل من قبله وأُوذوا مع التكذيب بالحقّ، فإن سرّكم أمر الله فيهم الذي خلقهم له في الأصل ــ أصل الخلق ــ من الكفر الذي سبق في علم الله أن يخلقهم له في الأصل ومن الذين سمّاهم الله في كتابه في قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ, فتدبّروا هذا واعقلوه ولا تجهلوه...)(3) الرواية.

____________

1- الأنعام (٦): ١١٢.

2- الكافي، للكليني ١: ٢١٦ كتاب الحجّة، باب أنّ الأئمّة في كتاب الله إمامان.

3- الكافي ٨: ٥ رسالة أبي عبد الله عليه السلام إلى جماعة الشيعة.


الصفحة 447
فمن هذا يظهر أنّ الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ في الآيتين إلى عالم التكوين، والله أعلم.

والجعل في هاتين الآيتين يختلف عن (الجعل) في قوله تعالى مخاطباً إبراهيم عليه السلام: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(1)؛ لوجود القرينة في هذه الآية على أنّ المراد بالجعل فيها: الجعل التشريعي، لا التكويني؛ إذ سمّى الله سبحانه وتعالى الإمامة هنا بالعهد، والعهد يحتاج إلى إقرار وتنصيب، ثمّ عبّر في الآية بلفظ (جاعل) على هيئة اسم الفاعل، الدالّ على الحال أو الاستقبال، فكان أخذ عهد الإمامة على إبراهيم بعد النبوّة والرسالة زماناً، لا أنّ الجعل في الآية يدلّ على الجعل السابق في عالم التكوين.. وقد فصّلنا بعض القول في هذه الآية في الجواب عن السؤال السابق؛ فراجع!

ثمّ إنّ بعضهم قد استدلّ بآية أئمّة الهدى في عالم الإثبات أيضاً على أنّها تدلّ على ثبوت النصّ لأئمّة الهدى من الله, فيمكن الالتزام بأنّ الجعل في آية أئمّة الكفر يدلّ على النصّ عليهم أيضاً، وبما أنّ الوحي والنصّ الإلهي مختصّ وينزل عل أئمّة الهدى، فطريق معرفة النصّ على أئمّة الكفر لا بدّ أن يكون من طريق أئمّة الهدى لا غير؛ لأنّ أئمّة الكفر لا وحي لهم..

والشواهد على وجود النصّ والتعيين لأشخاص أئمّة الكفر كثيرة في تراثنا الحديثي الصادر عن المعصومين، منها: ما أخبر به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حذيفة ليلة العقبة(2).

____________

1- البقرة (٢): ١٢٤.

2- انظر: البداية والنهاية، لابن كثير ٥: ٢٤ أحداث سنة (٩)، تفسير ابن كثير ٢: ٣٨٧، الدرّ المنثور، للسيوطي ٣: ٢٥٩.


الصفحة 448
ومنها: الرؤيا التي رآها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن تسوّر بني أُميّة لمنبره(1)، والكثير غيرها عن أهل العصمة.

وأمّا من جانب الحكم الشرعي، فإنّه وإن كان معنى الإمام لغةً هو: ما يُقتدى به، ولكن ليس معنى جعل الله لأئمّة الكفر هو وجوب الاقتداء بهم, بل إنّ التشريع الإلهي أوجب على المكلّفين الاقتداء بأئمّة الهدى وعدم الاقتداء بأئمّة الكفر؛ فلا وجه لدخول الشبهة عن كيفية جعل الله لأئمّة الكفر من جهة توهّم لزوم اتّباعهم؛ فإنّ الاتّباع لازم مأخوذ من المعنى اللغوي للإمام، وليس هو لازم شرعي، بمعنى: الوجوب للمعنى اللغوي؛ فلاحظ!

(الإمامة الإلهية وردّ شبهات تتعلّق بجعلها)

« مرتضى ــ بلجيكا ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

وردت شبهة علينا وتحتاج إلى جواب علمي مفصّل حتّى لا يبقى هناك مجال للتشكيك، حيث إنّ المسألة أخذت طابعاً آخر من الأهمية، إذ صار المخالفون يستخدمونها كوسيلة جديدة للتشكيك في أصل المسألة، لذلك التفصيل العلمي الموسّع مطلوب من سماحتكم بخصوص قضية: (الجعل الإلهي للإمامة).

____________

1- انظر: شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٩: ٢٢ خطبة (١٥٩)، فتح الباري، لابن حجر ٨: ٣٠٢ سورة بني إسرائيل.


الصفحة 449
الشبهة باختصار هي: أنّنا ــ أي: الشيعة الجعفرية الاثني عشرية، أعزّ الله رايتها بظهور إمام زمانها عجل الله تعالى فرجه الشريف ــ نقول: بأنّ الإمامة جعل إلهي. ونستدلّ بقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً(1).

وقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ(2).

وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ(3).

وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ(4).

وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ...(5).

وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ(6).

وقوله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ(7).

____________

1- البقرة (٢): ١٢٤.

2- العنكبوت (٢٩): ٢٧.

3- الحديد (٥٧): ٢٦.

4- السجدة (٣٢): ٢٤.

5- الأنبياء (٢١): ٧٣.

6- المؤمنون (٢٣): ٥٠.

7- ص (٣٨): ٢٦.


الصفحة 450
وقوله تعالى: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ(1).

وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً(2).

حيث نؤكّد بذلك أنّ الإمامة هي من اختيار وجعل إلهي لا دخل باختيار الناس وجعلهم خليفة لهم من خلال الشورى أو غيرها من بدعهم، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِيناً(3).

ولكن المخالفين أجابونا: بأن لا خصوصية في مسألة الجعل الإلهي؛ إذ لا يمكن أن يُبنى عليه بأنّ الإمامة هي إمامة منصوصة.. ولا تدلّل على أنّ الإمام المجعول هو إمام معصوم أبداً؛ إذ أنّ الله عزّ وجلّ قد جعل كذلك أئمّة الكفر أيضاً، استناداً إلى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنْصَرُونَ(4)، فيدلّ أيضاً هذا على أنّ الإمامة ينالها الظالم أيضاً، فهذه الآية تدلّل بأنّ هذه الإمامة الكافرة مجعولة أيضاً من الله عزّ وجلّ، فلا دلالة بعدئذ للقول بأنّ الإمامة لا بدّ وأن تكون من ذرّية إبراهيم والأئمّة كلّهم معصومون؛ إذ أنّ هذه الآية تنفيها وتثبت أنّ الإمامة، وكلّ جعل في القرآن، هي جعل تكويني، فكلّ الأُمور بيد الله عزّ وجلّ ولا تدلّل على النص في مسألة الخلافة، بخلاف مسألة النبوّة حيث هي اختيار إلهي بحت.

____________

1- القصص (٢٨): ٥.

2- الفرقان (٢٥): ٧٤.

3- الأحزاب (٣٣): ٣٦.

4- القصص (٢٨): ٤١.


الصفحة 451
الصفحة السابقةالصفحة التالية