المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 6) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج6 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 451 - ص 480) هذا مختصر شبهتهم، وإن كان الكلام أكثر في هذه القضية ولكنّي اختصرتها في هذه الأسطر.

المرجو منكم أن تفصّلوا تفصيلاً علمياً دقيقاً وواسعاً للجواب على هذه الشبهة من خلال هذه الأسئلة:

١ــ ما هي حقيقة وماهية (الجعل الإلهي) في القرآن الكريم؛ إذ تكرّرت كثيراً في آيات عدّة، وفي كلّ آية لها معنى خاصّاً؟

٢ــ ما هو المائز بين هذه المعاني المختلفة للكلمة وللفظة (الجعل) في القرآن الكريم، حتّى نسدّ الباب على من يُفسّر الكلمة على هواه بحسب رغبته لفهم الآية المعينة؟

٣ــ ما هو الفرق بين جعل أئمّة الحقّ الذين يهدون بأمر الله، وبين جعل أئمّة الكفر الذين يدعون إلى النار؟

٤ــ ألا يدلّل جعل أئمّة يدعون إلى النار بأنّ الإمامة ينالها الظالم؟

٥ــ ما الدليل على أنّ الإمامة المجعولة في ذرّية إبراهيم عليه السلام هي في ذرّية إسماعيل عليه السلام؛ إذ الآية: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ، والآية: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ تدلّل على أنّ الإمامة كانت في ذرّية إسحاق عليه السلام؟


الصفحة 452

٦ ــ ما الفرق بين هذه الإمامة وجعلها إلهياً في الآية: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً، وبين الإمامة الإبراهيمية المجعولة إلهياً أيضاً: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(1)؟

٧ــ ما المراد بالإمامة للكتاب في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَاناً عَرَبِيّاً لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ(2)، وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ(3)؟ ما فرق إمامة الكتاب عن الإمامة الإبراهيمية؟

٨ ــ كيف يكون الجواب على من يقول بأنّ إمام زمانه هو القرآن؛ استناداً إلى هذه الآية: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً، ويدّعي أنّ الإمامة المجعولة في ذرّية إبراهيم قد يكون من مصاديقها، بل على زعمه: القرآن الكريم أعظم مصاديق الإمامة؛ استناداً إلى قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ؟

____________

1- البقرة (٢): ١٢٤.

2- الأحقاف (٤٦): ١٢.

3- هود (١١): ١٧.


الصفحة 453
ما الدلالة على أنّ الإمامة الإبراهيمية مستمرّة لحدّ الآن، وأنّ حجّة الله بن الحسن العسكري عجل الله تعالى فرجه الشريف هو حجّة الله وخليفته بالحقّ في الأرض والسماء؟

نرجو منكم التفصيل والتوسّع في شرح وبيان الأجوبة العلمية على هذه الشبهات، فنحن بحاجة إلى مثل هذه الأجوبة العلمية الرصينة والمفصّلة.

وشكراً لكم وجزاكم الله عنّا كلّ الخير، ونسألكم الدعاء.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا بدّ من تقديم مقدّمتين حتّى يتسنّى الجواب على هذه الشبهات:

المقدّمة الأُولى: الشيعة لا يحصرون الإمامة بالإمامة الحقّة؛ إذ معنى الإمام: المقتدى به، فثمّة إمامة لأهل الباطل..

فقد ورد عن الإمام الصادق صلوات الله عليه: (إنّ الأئمّة في كتاب الله عزّ وجلّ إمامان؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لا بأمر الناس، يقدّمون أمر الله قبل أمرهم، وحكم الله قبل حكمهم.. وقال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ(1)، يقدّمون أمرهم قبل أمر الله، وحكمهم قبل حكم الله، ويأخذون بأهوائهم خلاف ما في كتاب الله عزّ وجلّ)(2).

وكذلك لا يحصرون الجعل التكويني بأئمّة الحقّ، بل يشمل أئمّة الباطل، ومنه يتبيّن أنّ الجعل التكويني ليس هو العنصر الوحيد المقوّم للإمامة الإلهية التي

____________

1- القصص (٢٨): ٤١.

2- الكافي، للكليني ١: ٢١٦ كتاب الحجّة، باب إنّ الأئمة في كتاب الله إمامان.


الصفحة 454
هي خلافة عن الله تعالى، بل يفتقر الجعل كذلك إلى عنصر آخر، هو: الهداية بأمر الله عزّ وجلّ حسب ما جاء في الآيات، ومن ثمّ ينصب عليها الجعل التشريعي.

وبعبارة أُخرى: نحن لا نقول: إنّ الجعل التشريعي للإمامة ينصب على مطلق الجعل التكويني المجرّد عن الهداية بأمر الله تعالى، وبه يخرج عن الحدّ جعل أئمّة الضلال. وقد بيّنا هذا مفصّلاً في جواب السؤال السابق، فراجع!

المقدّمة الثانية: العصمة، التي هي ركن أساسي من أركان الإمامة الحقّة، مترتّبة على الهداية بأمر الله عزّ وجلّ، ولذلك افتقرت الإمامة الإلهية بالإضافة إلى الجعل إلى وجود النص منه تبارك وتعالى، وهو إظهار للجعل التشريعي في عالم الإثبات؛ لأنّ العصمة أمر باطني لا يعلمه إلّا الله، وغير المعصوم لا يكون مهدياً ولا هادياً بأمر الله عزّ وجلّ.

والآن نأتي إلى الإجابة عن أسئلتكم:

١ــ حقيقة الجعل الإلهي هو: الإيجاد، فقد يكون الجعل منه تعالى بما هو جاعل هويات الممكنات والعلاقات بينها، المسمّى بـ(السنن)، فيتمحّض في التكوين، وقد يكون الجعل منه تعالى بما هو شارع الشرائع والأحكام والمناصب بالنظر إلى مصالح العباد ودفع ما فيه فسادهم، فيكون جعلاً تشريعياً.

٢ــ المائز بين ما يدلّ عليه لفظ الجعل من المعاني يفهم من متعلّق الجعل والقرائن الموجودة في النص القرآني؛ فقد يكون تكوينياً محضاً، كجعل الليل والنهار، وقد يكون تكوينياً بإضافة الهداية، كجعل أئمّة الحقّ، وقد يكون تكوينياً بسلب الهداية، وما يترتّب على ذلك من حصول الدعاوى الباطلة، كجعل


الصفحة 455
أئمّة الضلال، وقد يكون تشريعياً، كالنصب لإمام الحقّ. وقد بيّنا ذلك في السؤال السابق؛ فراجع!

٣ــ قد تبيّن الفرق بينهما، بأنّ جعل أئمّة الحقّ يلزمه الهداية بأمر الله تعالى، وهو مترتّب على الصبر واليقين حسب نص الآية، وجعل أئمّة الباطل والضلال يلزمه الدعوة إلى النار، وهو مترتّب على اختيار الضلال وعدم الهداية بتقديم أمر النفس والأخذ بالأهواء. ثمّ يتميّز أئمّة الهدى بالجعل التشريعي دون أئمّة الكفر، كما أوضحنا سابقاً.

٤ــ قد تبيّن ممّا سبق أنّ الجعل لأئمّة الكفر جعل تكويني على طبق السُنن الإلهية بما لا يلزم الجبر، وإمامة الضلال هي غير الإمامة الإلهية التي فيها جعل تشريعي إضافة إلى الجعل التكويني المطابق للسُنن الإلهية.

٥ــ لا دلالة في قوله تعالى من سورة العنكبوت: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ...(1) الآية، على تخصيص النبوّة والكتاب في إسحاق ويعقوب؛ فإنّ الآية تذكّر بالتفضّل على إبراهيم ووهبه إسحاق ويعقوب بعد الكبر واليأس من الذرّية، ولذا لم تذكر إسماعيل، وحصر الذرّية بإسحاق ويعقوب باطل قطعاً، ثمّ ذكرت الآية التفضّل الثاني، وهو: جعل النبوّة من بعده في ذرّيته، وذرّية إبراهيم تشمل إسماعيل وذرّيته أيضاً. وهناك آيات أُخرى تنصّ على نبوّة إسماعيل، منها: قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ...(2)، الآية.

____________

1- العنكبوت (٢٩): ٢٧.

2- البقرة (٢): ١٣٦.


الصفحة 456
وأمّا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ(1)، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ(2)، فهي وإن كانت نازلة في أئمّة بني إسرائيل، ولكنّها لا تحصر الإمامة فيهم دون غيرهم، بل إنّها تذكر صفة الإمامة بصورة عامّة، وهي: الهداية بأمر الله وفعل الخيرات بالوحي، كما تذكر أنّ نيل الإمامة يكون بالصبر واليقين، فهما علّتا الإمامة، وتنصّ الآتيان على أنّ الجعل للإمامة، أيّ نوع من الجعل كان، هو جعل من الله، وقد ذكر القرآن أنّ الإمامة تكون في ذرّية إبراهيم مطلقاً: ﴿قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(3).

٦ــ الإمامة الإبراهيمية هي أصل هذه الإمامة التي عند أئمّة أهل البيت عليهم السلام؛ لأنّ إبراهيم عليه السلام سألها لذرّيته ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي، فجاء الجواب باستحقاقها لمن لم يكن ظالماً منهم: ﴿قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ، فهي عهد أعطاه الله تعالى لإبراهيم عليه السلام بأن سيكون في ذرّيته أئمّة حقّ لا أئمّة باطل، وأئمّة عدل لا أئمّة ظلم.

فالسؤال في الآية: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً، إذا قلنا بأنّها خاصّة بأهل البيت عليهم السلام حسب الروايات، سؤال عن جعلهم من أُولئك الأئمّة الذين وعدهم الله إبراهيم عليه السلام.

٧ــ وأمّا قوله: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً، فقد جاء (إماماً) حال من كتاب موسى في الآيتين، والمعنى: إنّ كتاب موسى يقتدى به ويأتم به في الدين.

____________

1- السجدة (٣٢): ٢٤.

2- الأنبياء (٢١): ٧٣.

3- البقرة (٢): ١٢٤.


الصفحة 457
نعم، ذكر بعض المحقّقين أنّه: لا يتبيّن المراد من قوله: ﴿إِمَاماً وَرَحْمَةً في الآية الثانية، وهي: قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً: هل الإمام والرحمة حالان من الشاهد أو من كتاب موسى؟ حتّى قال العلاّمة الطباطبائي: ((وأمر الآية في ما تحتمله مفردات ألفاظها وضمائرها عجيب، فضرب بعضها في بعض يرقى إلى أُلوف من المحتملات، بعضها صحيح وبعضها خلافه))(1)..

إلّا أنّ الآية الكريمة بمعونة الأخبار الكثيرة المستفيضة التي جاءت من طريق العامّة والخاصّة تدلّ على أنّ من كان على بيّنة من ربّه هو: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنّ الشاهد التالي منه هو عليّ المرتضى عليه السلام وأنّه منه، أي: كأنّه بعض من رسول صلى الله عليه وآله وسلم وجزء منه، بل أوصياؤه الكرام شهداء منه واحداً بعد واحد.

فلاحظ كلام الفخر الرازي ونظرائه من العامّة كيف أجرى الله الحقيقة على لسانهم! قال في تفسيره: ((وثالثها ــ أي: من الأقوال ــ: أنّ المراد هو: عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، والمعنى أنّه يتلو تلك البيّنة، وقوله: (منه)، أي: هذا الشاهد من محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وبعض منه. والمراد منه: تشريف هذا الشاهد بأنّه بعض من محمّد عليه السلام))(2).

وعلى أيّ حال، فإنّ كون التوراة إماماً ــ أي: قدوة ــ لا ينفي الإمامة والقدوة الثابتة لبعض البشر المصطفين من ذرّية إبراهيم، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ، وأيّ تنافٍ بين الأمرين حتّى ينفي أحدهما الآخر؟!

____________

1- تفسير الميزان ١٠: ١٧٨ سورة هود.

2- التفسير الكبير ١٧: ٢٠٠.


الصفحة 458
بل كما أنّه يجب الائتمام بالقرآن لأنّه إمام ككتاب موسى، كذلك يجب الائتمام بمن جعلهم الله أئمّة من ذرّية إبراهيم عليه السلام، وهذا هو عين مفاد حديث الثقلين؛ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، لن تضلّوا ما إن تمسّكتم بهما...)(1)..

وقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ... دالّ على بقاء النبوّة والكتاب في ذرّية إبراهيم عليه السلام، وأنّ النبوّة فيهم والكتاب عندهم، لا أنّ الكتاب إمام دونهم، بل هم الماسكين بأزمّة الكتاب مهيمنين على ما فيه، حتّى قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ(2)، فدعوى أنّ إمامة الكتاب من مصاديق إمامة ذرّية إبراهيم عليه السلام هذر من القول بما لا يفقه!

٨ــ قد تبيّن من النقطة السابقة.

وأمّا مسألة استمرار الإمامة الإبراهيمية حتّى الآن، فقد ذكرنا أنّ إبراهيم عليه السلام طلبها لذرّيته، قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي...، ولم يردّ عليه القرآن طلبه، وإنّما نفى الإمامة عن الظالمين منهم: ﴿قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ، وقد وردت آية أُخرى، هي: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَومٍ

____________

1- انظر: مسند أحمد بن حنبل ٣: ١٤، ١٧/ ٢٦/ ٥٩ مسند أبي سعيد الخدري،
٤: ٣٦٧ حديث زيد بن أرقم، صحيح مسلم ٧: ١٢٣ كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عليّ، سنن الدارمي ٢: ٤٣٢ كتاب فضائل القرآن، فضائل الصحابة، للنسائي: ١٥، ٢٢، المستدرك على الصحيحين، للنيسابوري ٣: ١٠٩، ١٤٨ كتاب معرفة الصحابة، وغيرها.

2- النحل (١٦): ٤٣.


الصفحة 459
هَادٍ(1)، تثبت وجود هادٍ لكلّ قوم إلى يوم القيامة، فلا بدّ من وجود هادٍ لنا في هذا الزمان، ووجود هادٍ لما بعدنا، وهناك روايات كثيرة تذكر: أنّ الأرض لا تخلو من حجّة، وقد حصرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأهل بيته في أحاديث كثيرة، منها: حديث الثقلين المار ذكره.

وأمّا أنّ الإمام في هذا العصر هو: الحجّة بن الحسن، فيطلب من الروايات المتواترة لفظاً ومعنى، منها ما يثبت وجود إمام من أهل البيت عليهم السلام في الجملة قطعاً، كحديث الثقلين المتواتر: (إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي... وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا علَيَّ الحوض)؛ فعدم افتراق العترة عن كتاب الله تعالى يستلزم وجود بعضهم في كلّ عصر، وإلّا لحصل الافتراق..

ومنها: روايات الأئمّة الاثني عشر، ومنها: الروايات الكثيرة المتواترة بألسنة مختلفة بأنّ: الأئمّة من ولد الحسين عليه السلام، وأنّ: المهدي هو التاسع من ولده، وروايات أُخرى تبشّر بالمهدي خاصّة.

(اعتراض على استدلال الشيعة بآيات تنصيب طالوت)

« سالم السيلاوي ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قال لي أحد المخالفين: إنّ قوله تعالى: ﴿إِذ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابعَث لَنَا مَلِكاً

____________

1- الرعد (١٣): ٧.


الصفحة 460
نُّقَاتِل فِي سَبِيلِ اللّهِ(1)، إنّكم الشيعة تقولون: إنّ هذا الملك يمثّل معنى الإمامة في القرآن إلى جنب النبوّة، وهذا واضح من طلب بني إسرائيل من نبيّهم ملكاً، بينما يجب أن نحتجّ عليكم نحن أبناء السُنّة والجماعة بهذه الآية، كون أنّ الطلب كان للقيادة العسكرية والسياسية لمقاتلة جالوت، وهذا يثبت النظرية القائلة بانفصال القيادة السياسية عن الدينية، وممّا يؤيّد ذلك: قوله تعالى، على لسانهم لفظة: ﴿مَلِكاً، فهي أخصّ من الإمامة الإلهية التي تقولون بها.

وجزاكم الله خيراً.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

بل هذا الاستدلال أدحض لقولهم؛ فإذا كانت القيادة السياسية والعسكرية ــ أي: القيادة الدنيوية ــ تحتاج إلى تنصيب من الله بنصّ القرآن، فما بالهم يعارضونه ويقولون: إنّها بالاختيار والشورى؟!

فهل هذا إلّا من رمي كلام الله وراء الظهور؟!

إنّ في القرآن لحجّة بالغة تسدّ على أهل السُنّة كلّ مخرج، خاصّة قولهم: إنّ القيادة والحكم من شؤون الدنيا، وإنّ الله فوّضها للأُمّة.

ونحن نقول: الكلّ متّفقون على أنّ الزعامة الدينية هي تنصيب من قبل الله، وهذا مفهوم من خلال قول هذا المخالف، ولا نعتقد أنّ هناك مسلم يناقش في ذلك؛ للنصوص الكثيرة من القرآن والسُنّة على أنّ الله هو الذي يصطفي أولياءه

____________

1- البقرة (٢): ٢٤٦.


الصفحة 461
وأنبياءه، ولكنّنا أيضاً ندّعي أنّ الحكم والزعامة الدنيوية شأن من شؤون الإمامة، كما كان ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وليست هي الإمامة؛ فالإمامة رتبة إلهية يكون الإمام فيها نائباً للرسول وله كلّ وظائفه وهو الصلة بين السماء والأرض، وإذا كان كذلك فلا يوجد أوْلى منه بالحكم في الدنيا.

ولكن تنزّلاً على ما يقوله الخصم من عدم الالتزام بذلك، تكون هذه الآية المعنية أوّل دليل على أنّ الحاكم الحقّ يجب أن يكون منصّباً من الله، وبطريق شرعي.

ولاحظ! أنّنا نقول: إنّ الحكم شأن من شؤون الإمامة، وفي الآية: أنّ بني إسرائيل طلبوا من نبيّ لهم، ووظيفة النبيّ: الإنذار والتبشير، ولا تثبت له الوظائف الأُخرى إلّا إذا نال مرتبة الإمامة.

هذا، والصحيح من استدلال الشيعة بالآية جاء على لسان عليّ عليه السلام؛ قال في خطبة له: (اسمعوا ما أتلو عليكم من كتاب الله المنزّل على نبيّه المرسل لتتّعظوا؛ فإنّه والله عِظَة لكم، فانتفعوا بمواعظ الله، وازدجروا عن معاصي الله، فقد وعظكم الله بغيركم، فقال لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿أَلَم تَرَ إِلَى المَلإِ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ مِن بَعدِ مُوسَى إِذ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابعَث لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِل فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَل عَسَيتُم إِن كُتِبَ عَلَيكُمُ القِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَد أُخرِجنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيهِمُ القِتَالُ تَوَلَّوا إلّا قَلِيلاً مِّنهُم وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ _ وَقَالَ لَهُم نَبِيُّهُم إِنَّ اللّهَ قَد بَعَثَ لَكُم طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَا أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلكُ عَلَينَا وَنَحنُ أَحَقُّ بِالمُلكِ مِنهُ وَلَم يُؤتَ سَعَةً مِّنَ المَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصطَفَاهُ عَلَيكُم وَزَادَهُ بَسطَةً


الصفحة 462
فِي العِلمِ وَالجِسمِ وَاللّهُ يُؤتِي مُلكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(1).

أيّها الناس! إنّ لكم في هذه الآيات عبرة، لتعلموا أنّ الله تعالى جعل الخلافة والإمرة من بعد الأنبياء في أعقابهم، وأنّه فضّل طالوت وقدّمه على الجماعة باصطفائه إياه، وزيادته بسطة في العلم والجسم، فهل تجدون الله اصطفى بني أًميّة على بني هاشم، وزاد معاوية علَيَّ بسطة في العلم والجسم؟!)(2).

والاستدلال واضح: بأنّ الأوْلى بالملك والإمارة من اصطفاه الله وزاده بسطة في العلم والجسم، كما أنّ الآيات صريحة في أنّ الملك لله: ﴿وَاللّهُ يُؤتِي مُلكَهُ مَن يَشَاءُ، لا للناس، وأنّه يصطفي من يشاء لملكه مع ما يعطيه من العلم والقوّة.

وقال الطوسي في تفسير الآية: ((وقال أصحابنا: فيها دلالة على أنّ من شرط الإمام أن يكون أعلم رعيّته، وأفضلهم في خصال الفضل؛ لأنّ الله تعالى علّل تقديمه عليهم بكونه أعلم وأقوى، فلولا أنّه شرط، وإلّا لم يكن له معنى))(3).

نقول: فإذا كان الحكم من شؤون الدنيا على قولكم، فهذا شرط فيها بنصّ القرآن.. وإذا كانت الإمامة بمعناها عندنا، فهذا الشرط أوْلى فيها.

ثمّ إنّ الشيعة لا يقولون: إنّ (الإمامة) تساوي (الملك)، حتّى تدّعي علينا مثل ذلك، وإنّما يقولون: إنّ الملك شأن من شؤون الإمامة، وتحقّقه أو عدم تحقّقه لا يؤثر في ثبوت منصب الإمامة أو عدمه، فصلاحيات ورتبة الإمامة أوسع من

____________

1- البقرة (٢): ٢٤٦ ــ ٢٤٧.

2- الإرشاد، للمفيد ١: ٢٦٢ ــ ٢٦٣.

3- التبيان ٢: ٢٩٢ ذيل الآية (٢٤٧) من سورة البقرة.


الصفحة 463
صلاحيات الملك، وبالتالي فكلّ إمام يدخل من ضمن وظائفه الحكم والملك، وليس كلّ ملك فهو إمام، وبالتالي فما قاله في آخر كلامه من أنّ: الملك أخصّ من الإمامة خطأ، فالأمر بالعكس، فإنّ الإمامة أخصّ من الملك؛ لأنّ مصاديقها أقلّ من مصاديق الملك.

وأمّا إذا كان المراد من قوله أخصّ: إنّ صلاحيات الملك أقلّ من صلاحيات الإمامة عندكم، فهو وإن كان خلاف الاصطلاح، ولكنّه يدحض قوله؛ لأنّه بهذا يتمّ قول الإمامية بالأولوية.. أي: إذا كان الملك باختيار وتنصيب من الله وهو من المهام الدنيوية وأقلّ صلاحيات، فالتنصيب من الله أوْلى في الإمامة الإلهية الأوسع صلاحيات.

(قوله تعالى: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ هل ينفي وجوب الإمامة؟)

« هيثم ــ مصر ــ سُنّي »

السؤال:

﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً(1)، هذه الآية هل تعني: أنّ حجّية الرسل كافية للناس؟ فالله يقول فيها: إنّ الإنذار حجّة للناس، ولم يذكر الإمامة، ونفى أن تكون هناك حجّة أُخرى.. فأُريد تفسيرها منكم بإذن الله؟

____________

1- النساء (٤): ١٦٥.


الصفحة 464
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هذا فهم خاطئ للآية أيّها الأخ العزيز، وذلك:

أوّلاً: إنّ الله تعالى يتكلّم عن إرساله الرسل إلى الناس مبشّرين ومنذرين لهم، لئلا يحتجّ الناس على الله يوم القيامة بأنّه تعالى لم يخبرهم ولم ينبّههم، ولم يعلموا ما يريد تعالى منهم، فقطع تعالى عذرهم واعتذارهم.

ثانياً: وكذلك فإنّ الله تعالى أتمّ إنذاره للناس بإرساله الرسل إليهم، وجعلهم حجّة بينه وبينهم، وأوجب طاعتهم وتشريعاتهم، فقطع بذلك الطريق على المعاندين بأن يحتجّوا عليه بعدم البيان، وعدم وجود الحجّة الواجب الطاعة، وعدم وجود المنذر.

ثالثاً: أمّا الأئمّة عليهم السلام والأوصياء فهم هداة مهديون، وخلفاء راشدون، تتفرّع حجّيتهم عن أوامر الرسل للناس بطاعتهم، حافظين لحجّتهم، فهم امتداد لتلك الحجّة الرسالية لتستمرّ الحجّية، وإلّا انقطعت الحجج الإلهية بانقطاع الرسل، كما هو حالنا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فنحن لم نر ولم يأت لنا رسول، ولم يرسل الله حجّته إلينا، فهل يستطيع أحد بأن يدّعي عدم إقامة الحجّة علينا لعدم إرسال الرسل إلينا؟!

أم أن كلّ مسلم عاقل يجب أن يقول: بأنّ الآية لا تنفي وجود حجج الله تعالى على خلقه، ولا تتكلّم عن هذا أصلاً، وإنّما هي تثبت أنّ الله تعالى أقام حججه من الرسل على الناس لينذرهم يوم الحساب والمعاد، حتّى لا يقول قائل ولا يحتجّ مقصّر بأنّه لم يُنذَر، ولم يسمع شيئاً عن الله تعالى ووجوب طاعته.. وهذا شيء، وما جاء به الرسل وما أمروا به وأوصوا بالتزامه وحجّيته شيء آخر.


الصفحة 465
وبعبارة أُخرى: الآية تتكلّم عن إرسال الله تعالى الرسل للناس مبشّرين ومنذرين، فلا يقبل يوم القيامة اعتذار أحد بأنّه لم يسمع برسل الله ووجوب الإيمان به وطاعته وعبادته، فلا توجد حجّة لأحد من الناس على الله بعد إرسال الله تعالى الرسل لينذروهم ويبلّغوهم ويقطعوا عذرهم واعتذارهم بالجهل والغفلة، كما ذكر تعالى ذلك بقوله: ﴿أَن تَقُولُوا يَومَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَن هَذَا غَافِلِينَ _ أو تَقُولُوا إِنَّمَا أَشرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعدِهِم أَفَتُهلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المُبطِلُونَ(1), وبالتالي فالرسل سوف ينذرون الناس بعقيدة وشريعة، ويوجبون عليهم التسليم والطاعة والقبول، وقولهم حجّة على الناس لا يمكن رفضه أو التشكيك به أو التردّد فيه، فيجب قبول كلّ ما يأتي به الرسول وما يأمر به، ومنه: إقامته الحجج على الناس بعده، وهم: الأوصياء، وهؤلاء ليسوا حججاً مستقلّين في عرض الرسل حتّى يقال أنّ الآية تنفي هذا النوع من الرسل، وإنّما هم امتداد لحجّة الرسل.

رابعاً: وإقامة الرسول للدين وللشريعة والأركان والواجبات للناس يجب قبوله بداهة وبالاتّفاق، والإمامة والأئمّة والأوصياء والخلفاء هم من الدين ومن الشريعة ومن الأركان ومن الواجبات، فكيف يُنفى ذلك؟!

خامساً: ومن ينكر أو يستغرب ذلك نقرّب له الفكرة، فنقول:

أ ــ هل القرآن الكريم حجّة عندك أم لا؟

ب ــ هل السُنّة النبوية حجّة عندك أم لا؟

ج ــ هل الإجماع حجّة عندك أم لا؟

____________

1- الأعراف (٧): ١٧٢ ــ ١٧٣.


الصفحة 466

د ــ هل القياس حجّة عندك أم لا؟

هـ ــ هل الصحابة الذين أرسلهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للأُمّم والشعوب والناس حجّة عندك أم لا؟

و ــ هل الأنبياء حجّة عندك أم لا؟

ز ــ هل العقل حجّة من حجج الله أم لا؟

ح ــ هل آيات الله التي في الآفاق وفي الأنفس حجج أم لا؟

ط ــ هل الأدلّة والبراهين حجج عندك أم لا؟

فإذا أجاب عن هذه الأُمور كلّها أو بعضها بأنّها حجّة.

فيكون هذا اعتراف بوجود حجج أُخرى غير الرسل، وهي لا تنفي حجّية الرسل، بل هي على امتدادها، فيثبت المطلوب، ويرد إشكالكم عليكم.

ولذلك نقول: بأنّ الآية لا تنفي أبداً وجود حجج أُخرى على الناس غير الرسل، وإنّما تنفي أن يكون للناس على الله حجّة بعدم إقامته للحجّة؛ فحجّة الله تعالى قائمة على خلقه بعد إرسال الرسل لا بالرسل فقط، وإنّما بما جاء به الرسل أيضاً.

سادساً: إنّ حجّية الإمام ووظيفته ليست النذارة المباشرة عن الله تعالى، وإنّما هو حافظ للشريعة وقائداً وهادياً للناس، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَومٍ هَادٍ(1).

____________

1- الرعد (١٣): ٧.


الصفحة 467
سابعاً: ونختم كلامنا وفهمنا هذا للآية الكريمة بذكر قول من يقول به من علماء أهل السُنّة:

أ ــ قال الإيجي في (المواقف): ((﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ بوعده بنعيمه المقيم ووعيده بنار الجحيم، فأقام بهم على المكلّفين الحجّة، وأوضح المحجّة، فانقطعت بذلك أعذارهم بالكلّية، قال الله تعالى: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ))(1).

ب ــ وقال الطبري في تفسيره (جامع البيان): ((﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ، يقول: أرسلت رسلي إلى عبادي مبشّرين ومنذرين لئلا يحتجّ من كفر بي وعبد الأنداد من دوني، أو ضلّ عن سبيلي، بأن يقول، إن أردت عقابه: ﴿لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى(2)، فقطع حجّة كلّ مبطل ألحد في توحيده، وخالف أمره بجميع معاني الحجج القاطعة عذره، إعذاراً منه بذلك إليهم؛ لتكون للهّ الحجّة البالغة عليهم وعلى جميع خلقه))(3).

ونقل بسنده عن الربيع بن أنس، قال: ((نفذ علمه فيهم أيّهم المطيع من العاصي، حيث خلقهم في زمان آدم... وقال في ذلك: ﴿وَلَو رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنهُ وَإِنَّهُم لَكَاذِبُونَ(4), وفي ذلك قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً(5),

____________

1- شرح المواقف، للجرجاني ١: ١٣ شرح مقدّمة المصنّف.

2- طه (٢٠): ١٣٤.

3- جامع البيان ٦: ٤١.

4- الأنعام (٦): ٢٨.

5- الإسراء (١٧): ١٥.


الصفحة 468
وفي ذلك قال: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ، ولا حجّة لأحد على الله))(1).

ج ــ وقال الواحدي في تفسيره: ((﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ, فيقولوا: ما أرسلت إلينا رسولاً يعلّمنا دينك، فبعثنا الرسل قطعاً لعذرهم))(2).

د ــ وقال السمعاني في تفسيره: ((قوله تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ, أي: أرسلنا رسلاً ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ, وهذا دليل على أنّ الله تعالى لا يعذّب الخلق قبل بعثه الرسل، وهذا معنى قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً, وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى))(3).

هـ ــ وقال البغوي عن هذه الآية في تفسيره: ((فيقولوا: ما أرسلت إلينا رسولاً، وما أنزلت إلينا كتاباً، وفيه دليل على أنّ الله تعالى لا يعذّب الخلق قبل بعثة الرسول، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً))(4).

و ــ وقال ابن الجوزي في (زاد المسير): ((قوله تعالى: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ, أي: لئلاّ يحتجّوا في ترك التوحيد والطاعة بعدم الرسل، لأنّ هذه الأشياء إنّما تجب بالرسل))(5).

____________

1- جامع البيان ٩: ١٥،١٦ قوله تعالى: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ).

2- الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (تفسير الواحدي) ١: ٣٠٢ قوله تعالى: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ).

3- تفسير السمعاني ١: ٥٠٣ قوله تعالى: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ).

4- معالم التنزيل في تفسير القرآن (تفسير البغوي) ١: ٥٠٠ قوله تعالى: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ).

5- زاد المسير ٢: ٢٢٣ قوله تعالى: (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ).


الصفحة 469

ز ــ وقال القرطبي في تفسيره: ((فيقولوا: ما أرسلت إلينا رسولاً، وما أنزلت علينا كتاباً، وفي التنزيل: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً, وقوله تعالى: ﴿وَلَو أَنَّا أَهلَكنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَولاَ أَرسَلتَ إِلَينَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ))(1).

ح ــ وقال القرطبي أيضاً: ((قوله تعالى: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ(2)، وقرئ: (وجاءتكم النذر)، واختلف فيه؛ فقيل: القرآن، وقيل: الرسول، قاله زيد بن علي وابن زيد، وقال ابن عبّاس وعكرمة وسفيان ووكيع والحسين بن الفضل والفرّاء والطبري: هو الشيب، وقيل: النذير: الحمّى، وقيل: موت الأهل والأقارب، وقيل: كمال العقل، والنذير بمعنى: الإنذار)).

وبعد أن بيّن أن أكثر هذه النذر نذر للموت، قال: ((وأمّا كمال العقل فبه تعرف حقائق الأُمور ويفصل بين الحسنات والسيئات، فالعاقل يعمل لآخرته ويرغب في ما عند ربّه، فهو نذير. وأمّا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم فبعثه الله بشيراً ونذيراً إلى عباده قطعاً لحججهم؛ قال الله تعالى: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ, وقال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً))(3).

فلا يمكن بعد كلّ ما قدّمناه أن يقول قائل ما تفضلت أنت به، حيث قلت: هل تعني أنّ حجّية الرسل كافية للناس؟ فالله يقول فيها أنّ الإنذار حجّة للناس، ولم يذكر الإمامة، ونفى أن تكون هناك حجّة أُخرى؟!

____________

1- الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) ٦: ١٨ قوله تعالى: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ).

2- فاطر (٣٥): ٣٧.

3- الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) ١٤: ٣٥٣، ٣٥٤ قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ).


الصفحة 470
وأنت تريد منّا تفسيرها، ونحن ذكرنا لك تفسير علماء السُنّة المعتبرين أنفسهم، ولم يقل واحد منهم بمثل ما ذكرته أنت أبداً! فالآية الكريمة تثبت النذارة للنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ولا تنفيها عن غيره، فهي تقول: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ، ولا تقول: لئلا يكون لله على الناس حجّة بعد الرسل، ولم تتكلّم عن الإمام والإمامة إلّا في ضمن حجّية ما جاء به الرسل، بل قال تعالى عن الإمام في آية أُخرى: أنّه هادي، حين قال لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَومٍ هَادٍ, فلم يسمّ الإمام: منذر، أو: نذيراً، بل إنّ الإمام هادي وقائد ومعلّم للأُمّة وحافظ للشريعة، وامتداد متفرّع عن حجج الله رسله الكرام عليهم السلام.

(قوله تعالى: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وإثبات وجود الإمام المعصوم)

« أمّ محمّد ــ السعودية ــ إمامية »

السؤال:

الآية تقول: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ(1)، سؤالي: أين حجّية الأئمّة في الآية؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

____________

1- النساء (٤): ١٦٥.


الصفحة 471
قال العلاّمة الحلّي قدس سره في كتابه (الألفين) في بحث عصمة الإمام: ((قوله تعالى: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ، المراد منه: أن لا يكون لأحد ــ من ــ الناس شيء من وجوه الحجج.. نعم، في الناس ــ أي: من جميع الناس ــ وهو ظاهر، وفي الحجّة ــ أي: أيّ حجّة ــ لأنّها نكرة في معرض النفي، وإنّما يتم ذلك ــ أي: عدم وجود حجّة لهم ــ في حقّ من يأتي بعد عصر الرسول مع عصمة ناقل الشرع، وقائم مقام الرسول في جميع ما يراد منه سوى النبوّة، ولا يتحقّق ذلك ــ أي: انتفاء الحجّة ــ إلّا مع عصمة الإمام؛ فيجب عصمة الإمام.

لا يقال: نفى الحجّة بعد مجيء الرسول ــ أي: مطلقاً ــ فلا يتوقّف على إمام معصوم ــ أي: سواء كان هناك معصوم أو لا ــ وإلّا لزم التناقض؛ لأنّه لو لم يكن إمام معصوم يثبت ــ تثبت ــ الحجّة بقولكم، لكنّها منفية بالآية ــ مطلقاً ــ والزمان واحد، فشرائط التناقض متحقّقة.

لأنّا نقول: الإمام المعصوم لازم بإرشاد ــ أي: تعيين ــ الرسول؛ للوجه المذكور ــ وهو: أن يكون للناس حجّة ــ وذكر الملزوم ــ أي: مجيء الرسول ــ ووجه الملازمة ــ هي: لئلا يكون للناس حجّة ــ كافٍ ــ عن ذكر اللازم، وهو: لا بدّية وجود المعصوم بعد الرسول ــ لأنّ قوله تعالى: ﴿بَعْدَ الرُّسُلِ، ــ إمّا ــ هو قوله بعد الإمام المعصوم ــ أي: أن يشمل الإمام المعصوم ــ أو ملزومه ــ أي: أو أنّ بعد الرسل ملزوم للإمام المعصوم ــ و ــ ذلك ــ لأنّه ليس المراد: بعد مجيء الرسول، بمجرّده، بل المراد: بعد الرسول وإتيانه بجميع الشريعة وتقريرها وإظهارها وجميع ما يتوقّف إيصالها عليه والعلم بها والعمل، ورأس ذلك وأهمّه: الإمام


الصفحة 472
المعصوم؛ لأنّه هو المؤدّي للشريعة وبه يعلم، ولا تناقض؛ لاستحالة مجيء الرسول ووفاته وخلوّ الزمان من إمام معصوم وإلّا لثبتت الحجّة))(1).

(أدلّة الإمامة من القرآن الكريم)

« حسين علي ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

إذا قلنا بأنّ الإمامة أصل من أُصول الدين، فهذا يعني أنّها من الأُسس والمرتكزات التي يُبنى عليها الدين الإسلامي‎.

وبما أنّ القرآن الكريم الكتاب المقدّس عند المسلمين، وفيه الأحكام المجملة والأساسية في الدين، كالإيمان بالله تعالى والنبوّة الخاتمة وذكر لبعض قصص الأنبياء السابقين عليهم السلام... فهذا يعني أنّه يفترض أن توجد الإمامة بشكل واضح في القرآن الكريم، قياساً على وضوح التوحيد في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إلّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ(2)، ووضوح النبوّة بشكل لا يحتاج لدليل معه في قوله تعالى بنص‎ّ الآية الصريحة: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ...(3).

وعندما نقول: إنّ الإمامة يجب أن تكون واضحة أو موجودة في القرآن الكريم بهذه الصورة، فهذا يبطل الاستدلال بالآيات المعتادة مثل: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى

____________

1- الألفين: ٧٨ المبحث السابع: في عصمة الإمام: الرابع والعشرون.

2- البقرة (٢): ٢٥٥، آل عمران (٣): ٢.

3- الفتح (٤٨): ٢٩.


الصفحة 473
إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ...(1)، و﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ...(2)، وغيرها من الآيات المتعارف‎ عليها..

وكذلك فإنّ الإمامة عندما تكون أصلاً من أُصول الدين، ويفترض حينها أن تكون واضحة في القرآن الكريم، كما اتّضح، فهذا أيضاً يبطل الاستدلال بالروايات، وإن كانت متّفق عليها وصحيحة ومفسّرة لنزول الآيات بنصّ صريح وواضح..

فإنّ عدم وجود الإمامة بهذا الشكل في القرآن، يعني: أنّها من القضايا الجزئية غير المهمّة، حيث تمّ بيان بعض أحكام فروع الدين، كالصوم والصلاة (ولو إجمالاً)، وتمّ ترك توضيح الإمامة.

فنرجوا منكم التكرّم بالجواب ولو بعدّة طرق مختلفة ومعمّقة ومعقدة لا يفهمها إلّا أهل العلم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ كلّ نتاج فكري يقدّم على أنّه علمي، سواء كان دليلاً أو إشكالاً أو إجابة حلّية أو نقضية، لا بدّ وأن يبنى على مقدّمات ثابتة معروفة محدّدة، وخاصّة المصطلحات المستخدمة في الأدلّة، وخاصّة إذا كانت هي الحدّ الوسط من القياس البرهاني، وإلّا كان الناتج مغالطة لا برهان؛ لاختلاط المراد من المصطلحات وضبابيتها، فلا نفع في الأساليب الخطابية التي تستخدم فيها المفاهيم العامّة غير المحدّدة وغير الدقيقة.

____________

1- البقرة (٢): ١٢٤.

2- الأحزاب (٣٣): ٣٣.


الصفحة 474
نقول هذا.. لتوضيح أنّ دعوى الوضوح أو المطالبة بالوضوح من القرآن في هذا الإشكال، أو النقض الدائر على الألسن كثيراً، خصوصاً من الوهابية، لم يحدّد المراد منها بدقّة علمية، وهي لحدّ الآن غير محدّدة اصطلاحاً، ولذا يكون ادّعاء الوضوح وعدم الوضوح والإصرار عليها سهلاً من الطرفين، وجهات الإبهام في المراد من الوضوح كثيرة جدّاً، أهمّها: عدم وجود معايير ثابتة محدّدة يقاس عليها هذا الوضوح المدّعى، أو المطالب به، وما هو مرتكزة العلمي، وهل المراد الوضوح في الألفاظ أو في المداليل، وغير ذلك من جهات الإبهام لا يسع المجال لإيراد أمثلة لها، وتعتمد على فهم السائل المطّلع على إفراز بعضها.

وعلى كلّ حال، فلنا أن نوضّح ما نريد قوله بسؤال ابتدائي مختصر بـ : ما هو هذا الوضوح المراد، أو: ما معنى الوضوح المدّعى؟

ولو فرضنا أنّه تمت الإجابة على هذا التساؤل البسيط، فإنّه مع ذلك لا يكفي؛ إذ لا بدّ من تحديد المقتضيات العقلية للمطالبة بهذا الوضوح في هذا المورد أو ذاك من القرآن، ولا يكفي إيراد مقدّمات فرضية مدّعاة غير مبرهنة، أو استخدام طريقة التمثيل والقياس على النبوّة والتوحيد للاستدلال على لا بدّية الوضوح في الإمامة أو غيرها، وأنّه يتّسق مع المنهج القرآني، أو الغاية من نزوله؛ فإنّه كتاب هداية لا كتاب تفاصيل ومشتهيات.

فمثلاً، قلت: ((فهذا يعني أنّه يفترض أن توجد الإمامة بشكل واضح في القرآن الكريم)).


الصفحة 475
ولنا أن نجيب بالقول: بأنّه من قال بصحّة هذا الافتراض؟! إذ لا بدّ من إثباته عن طريق مقدّمات لا تصمد أمام المناقشة، أو على الأقلّ نريد أن نقول: إنّه لا بدّ من إثبات هكذا فرضيات شرعاً وعقلاً أوّلاً، ثمّ يأتي دور التطبيق على الإمامة.

ثمّ إنّنا قد ندّعي وجود مستوى معيّن من الاستدلال على الإمامة في القرآن، وندّعي وضوحه وكفايته لإقامة الحجّة، ولكن المقابل يطالب بمستوى آخر من الاستدلال، فينصبّ على خصوصية معيّنة، ويطالب بدرجة من الوضوح فيه حسب ما يراه ويدّعي لزومه لإثبات الحجّية عنده، وهكذا كلّما أراد التهرّب من ما نقيمه من أدلّة، فلا يخرج الأمر عنده عن دعوى بغير دليل، ودفعاً بالصدور.

ثمّ إنّه لا يخفى عليك اختلاف المورد المطالب فيه بالوضوح من القرآن، فمرّة يراد وضوح الألفاظ على أصل الإمامة، فإذا أوردنا الآيات، كانت المطالبة بالوضوح في لوازمها كالعصمة! فإذا أقمنا الحجّة بالآيات أيضاً، انتقلت المطالبة على الوضوح أو التصريح بأسماء الأئمّة عليهم السلام إلى المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف! هكذا تتصاعد مدّعيات الوضوح مرحلة بعد مرحلة، مع أنّه لا يوجد أيّ دليل شرعي أو عقلي لهذه المطالبة بالوضوح من القرآن بمعزل عن السُنّة!!

ونريد أن ننبّهك على وجود خلط في المطالب به، فمرّة يراد دليل واضح على الإمامة من القرآن، ويقاس ذلك على التوحيد والنبوّة، كما فعلت أنت، ولكن غاب عنك أنّ الاستدلال على التوحيد والنبوّة لا يتم من القرآن؛ لأنّه يلزم الدور! وإنّما قامت الأدلّة الفطرية العقلية على وجود وتوحيد الله، وقامت المعجزة مثلاً على إثبات نبوّة نبيّنا، فإذا قامت الأدلّة على الإمامة أيضاً، فلا يسعنا إلّا الإيمان بها.


الصفحة 476
وينحصر السؤال الفرضي عند ذاك بأنّه: لماذا لم تذكر الإمامة في القرآن؟ وأدنى جواب له يمكن أن يقال بعد أن ثبتت الإمامة بأدلّتها الأُخر، أنّه: العلم عند الله، لو سلّمنا بعدم ذكرها، ولا يكون لازم عدم ذكرها الفرضي عدم وجود أدلّة أُخر عليها، أو عدم وجوب الاعتقاد بها.

ثمّ إنّا لا نعرف لماذا أنّ المطالبة بالوضوح يبطل الاستدلال بآية: جعل إبراهيم إماماً؟! أو آية التطهير؟! إلّا إذا كان الوضوح المطالب به مزاجي وحسب تشهّي المدّعي!!

فإنّ آية جعل إبراهيم عليه السلام واضحة في الدلالة على أصل الإمامة، وأنّها بجعل من الله، وأنّها عهد لا يناله الظالمين؛ وكذلك دلالة آية التطهير على إذهاب الرجس وإثبات التطهير مطلقاً، وهو معنى: العصمة.

ولا يصحّ النقض هنا بوجود اعتراضات وشبهات على الاستدلال باللآيتين؛ لأنّ الشبهات والأوهام لا تخرجهما من الوضوح، كما أنّ المغالطة بالدليل لا تخرجه عن الدليلية، وإنكار البديهي لا يخرجه عن بداهته!

وأخيراً؛ فلنا أن نجيب على الاعتراض، بردّه مباشرةً، فنقول:

لقد وردت الإمامة في القرآن الكريم بشكل واضح وصريح, ولكن محنة التأويل والمعاندة ولَيّ النصوص إلى غير وجهتها التي قادها المناوئون لهذا الخط ــ أي: خط الإمامة ــ هو الذي أوقع البعض في هذه الضبابية في فهم النصوص القرآنية الواردة بهذا الشأن..

وإلّا فالعربي السليم الذهن، الخالي من الشبهات والموروث القبلي والاجتماعي تجاه هذه المسألة، لو قرأ آية الولاية، وهي: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ


الصفحة 477
وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(1), لفهم منها على الفور معنى القيادة والإمرة وإدارة شؤون الأُمّة؛ إذ لا يمكن أن يتصوّر من معاني الولاية هنا سوى معنى: ولاية الأمر, ولا يمكن أن نتصوّر فيها معنى المحبّة أو النصرة؛ لعدم انحصار هذين المعنيين بالمذكورين في هذه الآية فقط, أي: الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليّ عليه السلام, بل آية الولاية التي يراد بها المحبّة والنصرة هي: قوله تعالى: ﴿وَالمُؤمِنُونَ وَالمُؤمِنَاتُ بَعضُهُم أَولِيَاءُ بَعضٍ(2), وإنّما الآية (٥٥) من سورة المائدة فهي تفسّر ــ لمحلّ ﴿إِنَّمَا ــ بـ(ولاية الأمر).. وقد أجمع المفسّرون على نزول هذه الآية بحقّ أمير المؤمنين عليه السلام عند تصدّقه بالخاتم أثناء الركوع.

وأيضاً يكفيك أن تراجع قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم(3), وما ذكره الرازي في تفسيره لهذه الآية الكريمة, وأنّ المراد منها: المعصومون(4).

فإذا قلنا بوجود المعصومين في الأُمّة، وهم: الأئمّة الطاهرون عليهم السلام؛ إذ لم يدّعِ أحد غيرهم العصمة بالإجماع, ثبت المطلوب, وإن قلنا بعدم وجود المعصوم، فهذا يعني التكليف بالمحال، والتكليف بالمحال باطل..

وهذا شيء يسير ممّا جاء في القرآن الكريم في شأن الإمامة وهناك المزيد.

____________

1- المائدة (٥): ٥٥.

2- التوبة (٩): ٧١.

3- النساء (٤): ٥٩.

4- تفسير الرازي ١٠: ١٤٤ ذيل الآية (٥٥) من سورة المائدة، المسألة الثالثة.


الصفحة 478

تعليق (١):

« صلاح ــ العراق ــ إمامي »

لكن هذا ليس رأي الرازي..

نرجوا التوضيح.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ذكر الرازي في تفسيره للآية: أنّ الله تعالى أمر بطاعة (أُولي الأمر) على سبيل الجزم والقطع، ومن أمر الله بطاعته كذلك لا بدّ أن يكون معصوماً.

نعم، هو قال بعد ذلك أنّ طاعة أُولي الأمر مشروطة بكوننا عارفين بهم، قادرين على الوصول إليهم والاستفادة منهم.

ثمّ قال: ونحن نعلم بالضرورة أنّا في زماننا هذا عاجزون عن معرفة الإمام المعصوم، عاجزون عن الوصول إليهم. ثمّ استند من خلال هذه الحالة: أنّه ليس المراد بالمعصوم بعض من أبعاض الأُمّة، بل: إجماع الأُمّة.

ونحن نقبل منه أنّ يكون (أُولي الأمر) كما قال، ولكن لا نقبل منه أنّنا غير عارفين بهم! بل نقول: إنّنا نعرف المعصومين، وهم: الأئمّة الاثني عشر عليهم السلام، الذين أمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم باتّباعهم(1).

تعليق (٢):

« أحمد ــ العراق ــ إمامي »

هل من آيات أُخرى للاستدلال على الإمامة؟

____________

1- انظر: تفسير الرازي ١٠: ١٤٤ ذيل الآية (٥٥) من سورة المائدة، المسألة الثالثة.


الصفحة 479
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

بالإضافة إلى الآيتين اللّتين ذكرناهما، هناك آيات آُخر سنقتصر على إيرادها دون وجه الاستدلال بها:

١ــ آية: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(1).

٢ــ آية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيراً(2).

٣ــ آية: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لا أَسأَلُكُم عَلَيهِ أَجراً إلّا المَوَدَّةَ فِي القُربَى(3).

٤ــ آية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشرِي نَفسَهُ ابتِغَاءَ مَرضَاتِ اللَّهِ(4).

٥ــ آية: ﴿فَمَن حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلمِ فَقُل تَعَالَوا نَدعُ أَبنَاءَنَا وَأَبنَاءَكُم وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُم وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُم ثُمَّ نَبتَهِل فَنَجعَل لَعنَتَ اللَّهِ عَلَى الكَاذِبِينَ(5).

٦ــ آية: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِمَاتٍ(6).

____________

1- المائدة (٥): ٦٧.

2- الأحزاب (٣٣): ٣٣.

3- الشورى (٤٢): ٢٣.

4- البقرة (٢): ٢٠٧.

5- آل عمران (٣): ٦١.

6- البقرة (٢): ٣٧.


الصفحة 480

٧ــ آية: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي(1).

٨ــ آية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجعَلُ لَهُمُ الرَّحمَنُ وُدّاً(2).

٩ــ آية: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَومٍ هَادٍ(3).

١٠ــ آية: ﴿وَقِفُوهُم إِنَّهُم مَسؤُولُونَ(4).

وآيات أُخُر كثيرة غير ما ذكرنا هنا، تستطيع أن تراجعها مع وجه الاستدلال فيها في كتاب (دلائل الصدق) للشيخ المظفّر.

(دعوى تناقض أهمية الإمامة مع عدم ذكرها صريحاً في القرآن)

« أحمد إبراهيم ــ الأردن ــ سُنّي »

السؤال:

إذا كانت الولاية على قدر كبير من الأهمية بحيث إنّها تدخل في العقيدة، ولا يتمّ الدين إلّا بها، فأين إثبات ذلك من القرآن الكريم صراحة بدون تأويل، كما تمّ ذكر أشياء صراحة بالقرآن، وهي أقلّ أهمّية بكثير من الولاية.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

____________

1- البقرة (٢): ١٢٤.

2- مريم (١٩): ٩٦.

3- الرعد (١٣): ٧.

4- الصافات (٣٧): ٢٤.


الصفحة 481
الصفحة السابقةالصفحة التالية