المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 6) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج6 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 481 - ص 510) لا يقاس الأمر بهذا القياس، ولا يمكن أن يقول مسلم يؤمن إيماناً صحيحاً بهذا القول؛ إذ الكثير من الأُمور قد ذكرت في القرآن الكريم بصورة مجملة غير مفصّلة، وكثير من الأُمور المباحة أو المستحبّة أو المكروهة قد ذكرت في القرآن دون ذكر بعض الأُمور الواجبة أو المحرّمة، ولذلك أمرنا الله تعالى في كتابه العزيز أن نطيع الرسول كما نطيع الله، وأن نأتمر بما يأمرنا به الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وننتهي عمّا نهانا عنه، إذ قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ(1)، وقال: ﴿قُل إِن كُنتُم تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحبِبكُمُ اللّهُ(2)، وقال عزّوجلّ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا(3).

ثمّ إنّه ليس كلّ أمر يجب أن يكون مفصّلاً أو واضحاً في القرآن لا يمكن تأويله أو طلب البيان والإيضاح له! فقد أوكل الله تعالى بيان القرآن الكريم للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؛ إذ قال: ﴿وَأَنزَلنَا إِلَيكَ الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِم وَلَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُونَ(4).

والإمامة ذكرت صريحاً في القرآن الكريم وترك تفصيلها وتعيين أشخاصها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(5)، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا

____________

1- النساء (٤): ٥٩.

2- آل عمران (٣): ٣١.

3- الحشر (٥٩): ٧.

4- النحل (١٦): ٤٤.

5- البقرة (٢): ١٢٤.


الصفحة 482
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(1)، نزلت في عليّ عليه السلام وأكّد ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صراحةً.

ثمّ إنّ اعتقاد السُنّة بأحد أُصول الدين، وهو أصل: (إنّ القدر خيره وشرّه من الله) لم يذكر بوضوح في القرآن، لا من ضمن آية الإيمان: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيهِ مِن رَّبِّهِ وَالمُؤمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعنَا وَأَطَعنَا غُفرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ المَصِيرُ(2)، ولا في غيرها. وهو أصل من أُصول أهل السُنّة!

وكذلك مسألة خلق القرآن أو عدم خلقه، التي كانت معياراً للكفر عندهم، لا توجد واضحة في القرآن، بل وصف القرآن بأنّه (مُحدَثٍ) في القرآن، ومحدَث تعني: مخلوق!

وكذلك عذاب القبر لم يذكر واضحاً صريحاً في القرآن! وكذلك الحوض، وعدالة الصحابة التي يدّعيها السُنّة! ومثلها مسألة أفعال العباد، التي هي ركن من أركان عقيدة أهل السُنّة... وغيرها كثير.

ومن هنا يظهر أنّ المطالبة بآية صريحة لا تقبل التأويل، أو ذكر اسم أمير المؤمنين عليّ عليه السلام في القرآن، ليس لها موضوعية، وغير منطقية، مع وضوح الرفض لذلك من أكثر المسلمين في زمن التشريع، وخصوصاً في أواخر عهد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وتردّد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في تبليغه للناس في حجّة الوداع حتّى وصوله إلى غدير

____________

1- المائدة (٥): ٥٥.

2- البقرة (٢): ٢٨٥.


الصفحة 483
خمّ بعد الحجّ، ونزول التحذير الشديد للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والتطمين له صلى الله عليه وآله وسلم بعصمته من الناس؛ إذ أنزل الله تعالى على رسوله الأعظم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ(1)..

ثمّ نزلت آية إكمال الدين هذه، ونزولها كان بعد تبليغ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بولاية عليّ أمير المؤمنين عليه السلام.

فهل يوجد شيء أوضح من هذه الآيات؟!!

(آيات صريحة في الإمامة)

« أحمد ناجي ــ النروج ــ إمامي »

السؤال:

أرجو الردّ على هذه الشبهة التي ذكرها أحد الأشخاص في أحد المنتديات:

((﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(2).

الآية تأمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بتبليغ ما نزل، أو بمعنى كلّ ما أنزل، ولنذكر الأركان الخمس:

١ــ شهادة أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّداً رسول الله؛ قال تعالى: ﴿لاَ إِلَهَ إلّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ(3), وقال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ(4).

____________

1- المائدة (٥): ٦٧.

2- المائدة (٥): ٦٧.

3- البقرة (٢): ٢٥٥، آل عمران (٣): ٢.

4- آل عمران (٣): ١٤٤.


الصفحة 484

٢ــ الصلاة.

٣ــ الزكاة؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(1).

٤ــ الصوم؛ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(2)

٥ــ حجّ بيت الله لمن استطاع عليه سبيلاً؛ قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً(3).

إنّ هذه الأركان من احتجّ بها يلاقي آيات محكمة للاحتجاج بها، حتّى على غير المسلمين.

والسؤال الآنّ: إنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بلّغ بأركان الإسلام والباقي الإمامة، أين الآية التي يجب أن نحتجّ بها، وهي صريحة مثل صراحة الأركان الخمسة؟))

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا يمكن أن يكون الأمر في الآية تبليغ كلّ ما نزل؛ لأنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد بلّغ معظم الأحكام سابقاً، والآية نزلت في أواخر حياته، فلا معنى لقوله تعالى: ﴿وَإِن لَّم تَفعَل(4)، فإنّه قد فعل ذلك. هذا أوّلاً.

____________

1- المائدة (٥): ٥٥.

2- البقرة (٢): ١٨٣.

3- آل عمران (٣): ٩٧.

4- المائدة (٥): ٦٧.


الصفحة 485
وثانياً: هناك آيات صريحة في الإمامة، مثل قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(1).

وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ؛ فإنّها نزلت في عليّ عليه السلام بالإجماع.

وقوله تعالى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم(2).

وإن قلت: إنّها غير صريحة؛ لأنّها لم تفصّل من هم الأئمّة.

قلنا: إنّ آيات الصلاة والزكاة والحجّ والصوم التي أوردتها لم تذكر التفصيل المتعلّق بها، وإنّما التفصيل جاء من السُنّة، فكذلك الحال في الإمامة.

(بيان الإمام عليّ عليه السلام لرواية جبرائيل في الإيمان)

« جبر البكري ــ الأردن ــ سُنّي »

السؤال:

لماذا لم يذكر النبيّصلي الله عليه وسلم أنّ الإمامة ركن من أركان الإيمان، عندما جاء جبرئيل عليه السلام على هيئة رجل يسأل عن أركان الإيمان في الحديث المشهور؟

____________

1- البقرة (٢): ١٢٤.

2- النساء (٤): ٥٩.


الصفحة 486

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ هذه الرواية وردت عند أهل السُنّة بطرقهم عن ابن عبّاس وغيره، وهي لا تلزمنا بشيء؛ إذ لا يعقل أن ينقل رواة أهل السُنّة رواية فيها هدم لمذهبهم، مع أنّها على ما هي عليه مجملة تحتاج إلى شرح وتوضيح، كما سنورده عن عليّ عليه السلام..

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الإيمان: أن تؤمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيّين، وتؤمن بالموت وبالحياة بعد الموت، وتؤمن بالجنّة والنار والحساب والميزان، وتؤمن بالقدر كلّه خيره وشرّه)(1)، يدخل فيه الإيمان بالإمامة والوصاية؛ لأنّها من الإيمان بالكتاب والنبيّين.

فنحن نقول: إنّ الإمامة دلّ عليها القرآن ونصّ عليها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وإلّا فإنّه صلى الله عليه وآله وسلم لم يذكر الإيمان بأوصياء الأنبياء قبل نبيّنا وهي سُنّة إلهية، ولا يقول أحد بعدم وجوب الإيمان بهم.

وأمّا الرواية في مصادرنا، فهي طويلة، رواها سليم بن قيس عن عليّ عليه السلام، وفيها شرح من عليّ عليه السلام لما جاء في قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..

فعن أبان بن أبي عيّاش، عن سُليم بن قيس، قال: سمعت عليّ بن أبي طالب عليه السلام وسأله رجل عن الإيمان.. فقال عليّ عليه السلام: (جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وسأله عن مثل ما

____________

1- انظر: مسند أحمد بن حنبل ١: ٢٧، ٢٨، ٥١، ٣١٩ مسند عمر، ومسند عبد الله ابن عبّاس، صحيح البخاري ١: ١٨ كتاب الإيمان، و٦: ٢٠ سورة لقمان، صحيح مسلم ١: ٢٩ ــ ٣١ كتاب الإيمان، باب الإيمان ما هو وبيان خصاله.


الصفحة 487
سألتني... ثمّ أقبل عليّ عليه السلام على الرجل، فقال: (أما علمت أنّ جبرئيل أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صورة آدمي، فقال له: ما الإٍسلام؟...).

ثمّ أورد الرواية مع بعض الاختلاف، وقال سُليم: ثمّ قال عليّ عليه السلام ــ بعدما فرغ من قول جبرئيل ــ : (صدقت، إلّا أنّ الإيمان بني على أربع دعائم..).

إلى أن قال: فقال له: يا أمير المؤمنين! ما أدنى ما يكون به الرجل مؤمناً، وأدنى ما يكون به كافراً، وأدنى ما يكون به ضالاً؟

قال: (قد سألت، فاسمع الجواب: أدنى ما يكون به مؤمناً: أن يعرف الله نفسه، فيقرّ له بالربوبية والوحدانية، وأن يعرفه نبيّه، فيقرّ له بالنبوّة والبلاغة، وأن يعرفه حجّته في أرضه، وشاهده على خلقه، فيقرّ له بالطاعة...

إلى أن قال: وأدنى ما يكون به ضالاً: أن لا يعرف حجّة الله في أرضه، وشاهده على خلقه، الذي أمر الله بطاعته وفرض ولايته).

فقال: يا أمير المؤمنين! سمّهم لي... إلى أن ذكر عليّ عليه السلام الأئمّة من ولده عليهم السلام(1).

فأنت تلاحظ أنّ ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجملاً بينّه عليّ عليه السلام مفصّلاً، وأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيّن مجمل ما يدخل في الإيمان، ولكن الرجل سأل عن أدنى الإيمان الذي لا يُقبل غيره، ومن لا يؤمن به لا يُعدّ مؤمناً، فأجابه عليّ عليه السلام بـ(الإيمان بالله ورسوله وإمامه)، وفوق هذا الإيمان مراتب أعلى منه، كلّها تدخل في ما أجمله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن من لم يؤمن بالإمامة والحجّة بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يُعدّ مؤمناً، بل ضالاً؛ فلاحظ، وراجع الرواية فهي طويلة.

____________

1- كتاب سليم بن قيس: ١٧٥ ــ ١٧٨ الحديث (٨).


الصفحة 488

(دلائل استمرار الإمامة)

« جعفر ــ ايطاليا ــ إمامي »

السؤال:

ما هي دلائل استمرار الإمامة وعدم انقطاعها؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

للجواب على سؤالك ننقل لك بحثاً مختصراً ورد في كتاب: (مدخل إلى الإمامة):

((يمكن الاستدلال على إثبات هذه الحقيقة من خلال الآيات القرآنية أوّلاً, ومن طريق الروايات ثانياً.

الطريق الأوّل: الآيات القرآنيّة:

الآية الأُولى: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ(1).

أشارت هذه الآية المباركة إلى:

أوّلاً: أنّ هذا الخليفة أرضي, وهو موجود في كلّ زمان, والدالّ على ذلك قوله: ﴿جَاعِلٌ لأنّ الجملة الاسمية, وكون الخبر على صيغة (فاعل) التي هي

____________

1- البقرة (٢): ٣٠.


الصفحة 489
بمنزلة الفعل المضارع, تفيد الدوام والاستمرار, مضافاً إلى أنّ الجعل في اللغة، كما يقول الراغب في (المفردات)، له استعمالات متعدّدة، ومنها: (تصيير الشيء على حالة دون حالة)(1)، وهذا ما أكّده جملة من المفسّرين, كالرازي في (التفسير الكبير)(2)، والآلوسي في (روح المعاني)(3), وعندما يقارن هذا الجعل بما يناظره من الموارد في القرآن الكريم، نجد أنّه يفيد معنى: السُنّة الإلهيّة، كقوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً(4)، و﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً(5)، ونحوهما.

ثانياً: إنّ هذا الخليفة ليس هو مطلق الإنسان، فيكون من قبيل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ(6). وإنّما المقصود به: إنسان بخصوصه, وذلك بقرينة اللآيات اللاحقة التي أثبتت أنّ هذا الموجود الأرضي إنّما استحقّ الخلافة الإلهيّة لأنّه عُلّم الأسماء كلّها مباشرة منه تعالى؛ ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا(7)، ثمّ صار واسطة بينه تعالى وبين ملائكته؛ ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ(8)، ومن الواضح أنّه لا يمكن أن يراد به كلّ إنسان, حتّى أُولئك الذين عبّر عنهم القرآن الكريم: ﴿أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ(9), إذاً فهذه الآية تدلّ على ضرورة استمرار الخلافة الإلهيّة.

____________

1- انظر: المفردات في غريب القرآن: ٩٤ كتاب الجيم، مادّة (جعل).

2- التفسير الكبير ٢: ١٦٥ المسألة السادسة.

3- روح المعاني ١: ٢٢٠ قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ...).

4- النحل (١٦): ٨١.

5- نوح (٧١): ١٦.

6- فاطر (٣٥): ٣٩.

7- البقرة (٢): ٣١.

8- البقرة (٢): ٣٣.

9- الأعراف (٧): ١٧٩.


الصفحة 490
الآية الثانية: قوله تعالى لإبراهيم الخليل عليه السلام: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(1).

وهذه الإمامة هي غير النبوّة والرسالة التي كانت لإبراهيم عليه السلام، والشاهد على ذلك:

١ــ طلب الإمامة للذرّية، حيث قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي.. ومن الواضح أنّ حصول إبراهيم عليه السلام على الذرّية كان في كبره وشيخوخته، كما قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ(2), وحكى سبحانه عن زوجة إبراهيم: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ(3), ولا يصحّ هذا الطلب إلّا لمن كان عنده ذرّية، أمّا من كان آيساً من الولد ويجيب مبشّريه بقوله: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ(4), فلا يصحّ منه والحالة هذه أن يطلب أيّ شيء لذرّيته(5).

ولو كان ذلك في أوائل حياته وقبل أن يرزق الذرّية، لكان من الواجب أن يقول: (ومن ذرّيتي إن رزقتني ذرّية)، وإلّا لزم منه أن يخاطب الخليل عليه السلام ربّه الجليل بما لا علم له به، وهذا ما يتنزّه عنه مقام إبراهيم عليه السلام.

٢ــ ((إنّ قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً، يدلّ على أنّ هذه الإمامة الموهوبة إنّما كانت بعد ابتلائه بما ابتلاه الله به من الامتحانات، وليست هذه إلّا أنواع البلاء التي ابتلي عليه السلام بها في حياته، وقد

____________

1- البقرة (٢): ١٢٤.

2- إبراهيم (١٤): ٣٩.

3- هود (١١): ٧٢.

4- الحِجر (١٥): ٥٤.

5- العصمة: ٣٢ تمهيد.


الصفحة 491
نصّ القرآن على أنّ من أوضحها قضيّة ذبح إسماعيل عليه السلام، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ، إلى أن قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ(1))))(2).

وهذا ما أكّدته جملة من الروايات الصحيحة الواردة في المقام، عن الإمام الصادق عليه السلام في حديث مطوّل يقول فيه: (وقد كان إبراهيم عليه السلام نبيّاً وليس بإمام حتّى قال الله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً)(3).

وهذه الإمامة التي تثبت لإبراهيم عليه السلام طلبها لذرّيته من بعده، حيث قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي وقد استجاب الحقّ سبحانه دعاءه، ولكن لم يجعلها في الظالمين من ذرّيته، وإنّما في غيرهم.

يقول الرازي في ذيل هذه الآية: ((وقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي طلب للإمامة التي ذكرها الله تعالى، فوجب أن يكون المراد بهذا العهد: هو الإمامة، ليكون الجواب مطابقاً للسؤال، فتصير الآية كأنّه تعالى قال: (لا ينال الإمامة الظالمين, وكلّ عاصٍ فإنّه ظالم لنفسه)، فكانت الآية دالّة على ما قلناه.

فإن قيل: ظاهر الآية يقتضي انتفاء كونهم ظالمين ظاهراً وباطناً، ولا يصحّ ذلك في الأئمّة والقضاة.

قلنا: أمّا الشيعة، فيستدلّون بهذه الآية على صحّة قولهم في وجوب العصمة ظاهراً وباطناً. وأمّا نحن فنقول: مقتضى الآية ذلك. إلّا أنّا تركنا اعتبار الباطن، فتبقى العدالة الظاهرة معتبرة))(4).

____________

1- الصافات (٣٧): ١٠٢ ــ ١٠٦.

2- الميزان في تفسير القرآن، للطباطبائي ١: ٢٦٨ قوله تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ...).

3- الكافي، للكليني ١: ١٧٥ كتاب الحجّة، باب طبقات الأنبياء والرسل والأئمّة.

4- التفسير الكبير ٤: ٤٦ قوله تعالى: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً).


الصفحة 492
لكن لم يبيّن لنا الرازي، لماذا ترك ما دلّت عليه الآية من وجوب العصمة ظاهراً وباطناً, واكتفى بالعدالة الظاهريّة، مع اعترافه بدلالة الآية على ذلك.. وكيف كان ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ(1)!

ومن الواضح أنّ استجابة دعائه في ذرّيته، لا يختص بالصُلبيّين فقط، بل هو شامل لجميع ذرّيته شريطة أن لا يكون ظالماً. وهذا ما أكّده الإمام الرضا عليه السلام بقوله: (إنّ الإمامة خصّ الله عزّ وجلّ بها إبراهيم الخليل عليه السلام بعد النبوّة والخلّة مرتبة ثالثة، وفضيلة شرّفه بها وأشاد بها ذكره، فقال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً، فقال الخليل عليه السلام سروراً بها: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ.. فأبطلت هذه الآية إمامة كلّ ظالم إلى يوم القيامة، وصارت في الصفوة..

ثمّ أكرمه الله تعالى بأن جعلها في ذرّيته أهل الصفوة والطهارة، فقال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ _ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ(2)..

فلم تزل في ذرّيته، يرثها بعضاً عن بعض, قرناً فقرناً، حتّى ورّثها الله تعالى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ(3)، فكانت له خاصّة, فقلّدها عليّاً عليه السلام بأمر الله تعالى على رسم ما فرض الله.

____________

1- الزخرف (٤٣): ١٩.

2- الأنبياء (٢١): ٧٢، ٧٣.

3- آل عمران (٣): ٦٨.


الصفحة 493
فصارت في ذرّيته الأصفياء، الذين آتاهم الله العلم والإيمان، بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ(1)، فهي في ولد عليّ عليه السلام خاصّة إلى يوم القيامة))(2).

الآية الثالثة: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ _ إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ _ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(3).

ذهب جمع من المفسّرين إلى أنّ الكلمة الباقية في عقب إبراهيم عليه السلام هي: كلمة التوحيد؛ إذ براءته ممّا يعبد قومه، واتجاهه نحو الذي فطره، هو عين معنى كلمة التوحيد (لا إله إلّا الله)، وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ, أي: يرجع المشرك منهم بدعوة الموحّد إلى الله تعالى(4).

إذن فقد جعل الله تعالى التوحيد باقياً في ذرّية إبراهيم عليه السلام وعقبه، ولا تخلو ذرّيته من الموحّدين. وقد بيّنا في كتاب (العصمة) أنّ جميع المعاصي نوع، بل مرتبة من مراتب الشرك بالله تعالى، والتوحيد الذي جعله الله تعالى باقياً في عقب إبراهيم عليه السلام لا بدّ أن يكون التوحيد الحقيقي، الذي لا يشوبه شيء من الشرك أبداً؛ ليستحقّ الإشادة به في القرآن الكريم، وإلّا فلا يمكن أن يريد به التوحيد الذي وصفه الله سبحانه بقوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إلّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ(5).

____________

1- الروم (٣٠): ٥٦.

2- الكافي، للكليني ١: ١٩٩ ــ ٢٠٠ كتاب الحجّة، باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته.

3- الزخرف (٤٣): ٢٦ ــ ٢٨.

4- التبيان في تفسير القرآن، للطوسي ٩: ١٩٣ سورة الزخرف، جامع البيان، للطبري ٢٥: ٨١ قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ...)، الكشّاف، للزمخشري
٣: ٤٨٤، التفسير الكبير، للرازي ٢٧: ٢٠٨ قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ...)، تفسير الميزان، للطباطبائي ١٨: ٩٦ سورة الزخرف.

5- يوسف (١٢): ١٠٦.


الصفحة 494
هذا مضافاً إلى: أنّ ظاهر الآية يفيد أنّ هذا التوحيد الباقي في عقبة هو التوحيد الإبراهيمي الذي لم يخالطه أدنى شرك بالله العظيم. لكن من كان يتحلّى بمثل هذا التوحيد الحقيقي علماً وعملاً؟ ومن كان يحمل بين جوانحه ما يحمله شيخ الموحّدين الذي ﴿قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ(1)؟

لا شكّ أنّ الذي يتحلّى بذلك هو الذي ناله عهد الله سبحانه من ذرّية الخليل عليه السلام حينما: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(2).

ومن هنا يتّضح جليّاً بقاء الإمامة التي جعلها الله تبارك وتعالى لخليله إبراهيم، ببقاء تلك الكلمة المباركة في عقبة وذرّيته(3)..

الطريق الثاني: الروايات:

هناك طوائف متعدّدة من الروايات تشير إلى أنّ ظاهرة الإمامة مستمرّة غير منقطعة، نقف عند بعضها:

الطائفة الأُولى: روايات حديث الثقلين:

هذا الحديث يكاد يكون متواتراً، بل هو متواتر فعلاً، إذا لوحظ مجموع رواته من الشيعة والسُنّة وفي مختلف الطبقات، واختلاف بعض الرواة في زيادة النقل ونقيصته تقتضيه طبيعة تعدّد الواقعة التي صدر فيها، ونقل بعضهم له بالمعنى، وموضع الالتقاء بين الرواة متواتر قطعاً.

____________

1- البقرة (٢): ١٣١.

2- البقرة (٢): ١٢٤.

3- انظر: العصمة، محاضرات للسيّد كمال الحيدري: ٣٧ تمهيد، استمرار الإمامة.


الصفحة 495
وحسب الحديث لأن يكون موضع اعتماد الباحثين, أن يكون من رواته كلّ من: صحيح مسلم, وسنن الدارمي, وخصائص النسائي, وسنن أبي داود, وابن ماجة, ومسند أحمد, ومستدرك الحاكم, وذخائر الطبري, وحلية الأولياء, وكنز العمّال, وغيرهم.. وأن تعنى بروايته كتب المفسّرين، أمثال: الرازي, والثعلبي, والنيسابوري, والخازن, وابن كثير, وغيرهم.. بالإضافة إلى الكثير من كتب التاريخ, واللغة, والسير, والتراجم..

وما أظنّ أنّ حديثاً يملك من الشهرة ما يملكه هذا الحديث، وقد أوصله ابن حجر في (الصواعق المحرقة) إلى نيّف وعشرين صحابيّاً، يقول في كتابه: ((ثمّ اعلم أنّ لحديث التمسّك بذلك طرقاً كثيرة وردت عن نيّف وعشرين صحابيّاً))(1).

وفي (غاية المرام) وصلت أحاديثه من طرق السُنّة إلى (٣٩) حديثاً، ومن طرق الشيعة إلى (٨٢) حديثاً(2).

بل في (نفحات الأزهار) في خلاصة عبقات الأنوار للإمام السيّد حامد حسين اللكهنوي, ذكر أنّ هذا الحديث: ((رواه عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من ثلاثين صحابيّاً, وما لا يقلّ عن ثلاثمائة عالم من كبار علماء أهل السُنّة, في مختلف العلوم والفنون, في جميع الأعصار والقرون, بألفاظ مختلفة وأسانيد متعدّدة, وفيهم أرباب الصحاح والمسانيد وأئمّة الحديث والتفسير والتاريخ, فهو حديث صحيح متواتر بين المسلمين))(3).

____________

1- الصواعق المحرقة ٢: ٤٤٠، الباب (١٢) الفصل الأوّل، الآية الرابعة.

2- الأُصول العامّة للفقه المقارن، للسيّد الحكيم: ١٦٥، غاية المرام ٢: ٣٠٤ ــ ٣٦٧ الباب (٢٨، ٢٩).

3- نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار، السيّد الميلاني ١: ١٨٥ كلمة المؤلّف.


الصفحة 496
ولسان الحديث, كما في رواية زيد بن أرقم: (إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي, أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله، حبل ممدود من السماء إلى الأرض, وعترتي أهل بيتي, ولن يفترقا حتّى يردا علَيَّ الحوض, فانظروا كيف تخلّفوني فيهما)(1).

ومقتضى عدم افتراق العترة عن القرآن الكريم، هو بقاء العترة إلى جنب القرآن إلى يوم القيامة، وعدم خلوّ زمان من الأزمنة منهم؛ لأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليه الحوض.

يقول ابن حجر: ((وفي أحاديث الحثّ على التمسّك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهّل منهم, للتمسّك به إلى يوم القيامة, كما أنّ الكتاب العزيز كذلك, ولهذا كانوا أماناً لأهل الأرض))(2).

الطائفة الثانية: روايات: (لا تخلو الأرض من قائم لله بحجّة):

ورد مضمون هذا الحديث بعبارات مختلفة في كلمات الأعلام من الفريقين، منهم: الإسكافي المعتزلي في (المعيار والموازنة)... واليعقوبي في (تاريخه), وابن عبد ربّه في (العقد الفريد), وأبو طالب المكّي في (قوت القلوب)... وغيرهم(3).

____________

1- سنن الترمذي ٥: ٣٢٨ مناقب أهل البيت عليهم السلام الحديث (٣٨٧٦).

2- الصواعق المحرقة ٢: ٤٤٢، الباب (١١) الفصل الأوّل، الآية الرابعة.

3- المعيار والموازنة: ٨١، باب في بعض ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام من ينابيع الحكم، تاريخ اليعقوبي ٢: ٢٠٦ خلافة أمير المؤمنين عليه السلام، المناقب، للخوارزمي: ٣٦٦ الفصل (٢٤) الحديث (٣٨٣).


الصفحة 497
يقول ابن أبي الحديد: ((كي لا يخلو الزمان ممّن هو مهيمن لله تعالى على عباده, ومسيطر عليهم, وهذا يكاد يكون تصريحاً بمذهب الإمامية, إلّا أنّ أصحابنا يحملونه على أنّ المراد به: الأبدال))(1).

وقال ابن حجر: ((وفي صلاة عيسى عليه السلام خلف رجل من هذه الأُمّة, مع كونه في آخر الزمان, وقرب قيام الساعة, دلالة للصحيح من الأقوال: أنّ الأرض لا تخلو عن قائم لله بحجّة))(2).

أمّا في المجاميع الحديثية الشيعية, فقد وردت المئات من الروايات التي تؤكّد هذه الحقيقة, وهي: أنّ الأرض لا تخلو من حجّة لله تعالى, وأنّها لو خلت لساخت بأهلها.

ويمكن مراجعة جملة منها في بحار الأنوار, بحيث بلغت زهاء (١٢٠ رواية) بهذا المضمون، أو ما يقرب منه, ومن أمثلة ذلك:

١ــ عن الإمام الصادق عليه السلام: (ولولا ما في الأرض منّا لساخت بأهلها, ثمّ قال: ولم تخلو الأرض منذ خلق الله آدم من حجّة لله فيها ظاهر مشهور أو غائب مستور, ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجّة لله فيها)(3).

٢ــ قال الصادق عليه السلام: (لو لم يبق في الأرض إلّا رجلان لكان أحدهما الحجّة)(4).

____________

1- شرح نهج البلاغة ١٨: ٣٥١ (١٤٣).

2- فتح الباري في شرح صحيح البخاري ٦: ٣٥٨، ٣٥٩ كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ).

3- الأمالي، للصدوق: ٣٥٣ المجلس (٣٤) الحديث (١٥).

4- علل الشرائع، للصدوق ١: ١٩٧ الباب (١٥٣)، بحار الأنوار، للمجلسي ٢٣: ٥، باب الاضطرار إلى الحجّة، الحديث (١٠ و٢٤).


الصفحة 498

الطائفة الثالثة: روايات: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة)، أو ما يقرب من مضمونه:

مثل: (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهليّة)، أو: (من مات وليس عليه إمام جماعة, فإنّ موتته موتة جاهليّة)، أو: (من مات بغير إمام مات ميتة جاهليّة).

وتناقلت كتب الحديث السُنيّة فضلاً عن الموسوعات الحديثية الشيعية, هذا الحديث بألفاظ مختلفة, فقد نقله... ومسلم, وابن حنبل, وابن حبّان, والطبراني, والحاكم النيسابوري, وأبو نعيم الأصفهاني, وابن الأثير الجزري, والطيالسي, والدولابي, والبيهقي... وابن أبي الحديد, والنووي, والذهبي, وابن كثير, والتفتازاني, والهيثمي, والمتقي الهندي... والقندوزي الحنفي, والإسكافي المعتزلي, وغيرهم(1).

____________

1- صحيح مسلم ٦: ٢٢ كتاب الإمارة، باب حكم من فرّق أمر المسلمين وهو مجتمع، الحديث (١٨٤٩)، مسند أحمد بن حنبل ٤: ٩٦ حديث معاوية، صحيح ابن حبّان ١٠: ٤٣٤ كتاب السير، المعجم الكبير، للطبراني ١٢: ٣٣٧، ١٩: ٣٥٥، المستدرك على الصحيحين، للنيسابوري ١: ٧٧ كتاب الإيمان، من خرج من الجماعة قيد شبر، حلية الأولياء، لأبي نعيم ٣: ٢٦٠ الحديث (٣٨٩٠) ترجمة زيد بن أسلم، جامع الأُصول، لابن الأثير ٤: ٦٢ الحديث (٢٠٦٤) كتاب الرابع في الخلافة والإمارة، الباب الأوّل، الفصل السابع، مسند الطيالسي: ٢٥٩، الكنى والأسماء، للدولابي ١: ٤٥٩، باب الشين رقم (١٦٢٧)، سنن البيهقي ٨: ١٥٦ كتاب أهل البغي، باب الترغيب في لزوم الجماعة، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٩: ١٥٥، ١٣: ٢٤٢، شرح صحيح مسلم، للنووي ١٢: ٢٣٨، تلخيص المستدرك، للذهبي ١: ١٧٦ الحديث (٢٦٠)، تفسير ابن كثير ١: ٥٣٠، شرح المقاصد، للتفتازاني ٢: ٢٧٥، مجمع الزوائد، للهيثمي ٥: ٢١٨، ٢٢٤، ٢٢٥ كتاب الخلافة، باب لزوم الجماعة، كنز العمّال، للمتّقي الهندي ١: ١٠٣ كتاب الإيمان، ينابيع المودّة، للقندوزي ١: ٣٥١ الباب (٣٨، ٩١)، العثمانية، للجاحظ: ٣٠١.


الصفحة 499
ولا بدّ من الإشارة هنا إلى نكتة, وهي: قد يستشكل بعض على جملة من هذه الروايات التي ترد في مثل هذه البحوث بأنّها ضعيفة السند, إلّا أنّ هذا الإشكال غير تام بحسب الموازين العلميّة الثابتة في محلّها؛ لأنّ هذه الروايات ليست هي آحاد, حتّى يمكن الإشكال السندي فيها, مع مراعاة الخصوصيّات والعوامل الموضوعيّة والذاتيّة التي أشار إليها أُستاذنا الشهيد الصدر قدس سره في نظرية حساب الاحتمالات، فإنّه مع الأخذ بعين الاعتبار تلك العوامل، فلا ريب في حصول الاطمئنان للباحث المنصف، في صدور كثير من هذه الأحاديث عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأئمّة أهل البيت عليهم السلام))(1).

(لا بدّ من وجود خليفة على الأرض)

« أبو مجتبى ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم والرحمة..

ما هي الضرورة لإيجاد الخليفة (النبيّ أو الإمام) على الأرض؟ ولماذا الله ابتدأ الخلق بإيجاد الخليفة؟

____________

1- مدخل إلى الإمامة: ٢٤ ــ ٤٠ المحور الأوّل.


الصفحة 500
ما معنى قول الصادق عليه السلام: (الخليفة قبل الخلق، ومع الخلق، وبعد الخلق)؟

ولكم وافر الشكر.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: في كتاب (الإمامة الإلهية) للشيخ محمّد السند أجاب عن هذا التساؤل بما ملخّصه:

إنّه لا بدّ من ارتباط غيب الغيوب، وهو: الذات المقدّسة، بالعوالم النازلة، وبالأخصّ عالم الإنسان الصغير، وإرادته وهدايته الأرائية والإيصالية، وهذا التنزّل بلا شكّ يجب أن يكون عبر قناة وجودية خلقية وإلّا لاقتضت وجود طفرة...

وقد أثبتنا في ما سبق وجوب الارتباط وعدم انقطاع الاتّصال بين الأرض والسماء، ثمّ إنّ الاتّصال إمّا أن يكون من خلال ارتباط الذات المقدّسة بكلّ فرد فرد وبكلّ نفس بشرية، وهذا يعني أن تكون كلّ النفوس أنبياء ورسل وأئمّة، وهذا وإن أمكن ثبوتاً وليس بممتنع على الحقّ تعالى، لكنّه على خلاف نظام الخلقة؛ إذ أنّه قائم على أن لا يكون الكلّ كذلك..

فالاتّصال حينئذٍ لا بدّ أن يكون عبر أفراد، ولا يخلو أمرهم أن يكونوا إمّا بشراً أو ملائكة، ولكنّنا اشترطنا أن يكون فيهم جنبة بشرية، وإلّا لفُقدت خيرية الاقتداء والأُسوة؛ فلا بدّ أن يكون الاتّصال عبر نفس بشرية تعالت عن مزالق الشهوات إلى مراتب الكمال، فأصبحت تهدي بأمر ملكوتي.

ثمّ إنّ هذا الشخص لا بدّ أن يكون له عصمة علمية، مضافاً إلى العصمة العملية والكمالات النفسانية العالية؛ لأنّنا نشاهد في حياتنا العملية حال التشريعات


الصفحة 501
الوضعية والمراقبة المستمرّة لها، مع ذلك توجد موارد عديدة للنقض والخطأ،

فلا بدّ في القانون الإلهي من وجود المعصوم عصمة علمية يؤمن عن الوقوع في الخطأ.

(وللمزيد راجع: الإمامة الإلهية ج١ ص٢٨٧ ــ ٢٨٩).

ثانياً: أمّا معنى قول الإمام الصادق عليه السلام: (الخليفة قبل الخلق، ومع الخلق، وبعد الخلق...)(1)، فيراد به: أنّ الخليفة قبل الخلق: أي: في الميثاق، ويحتمل أن يراد به: آدم عليه السلام، وبعد الخلق: يحتمل أن يراد في الدار الآخرة والبرزخ، أو أنّ الخليفة والحجّة آخر من يموت، ومع الخلق: فهم سائر الرسل والأئمّة، وهذا الحديث يدلّ على أنّ الخلق لا بدّ لهم من حجّة وأنّ الأرض لا تخلو منه(2).

(الإمامة أعلى رتبة من النبوّة)

« عبد الرسول عبد الله ــ أمريكا »

السؤال:

أيّ الرتب أرفع: الإمامة أم النبوّة؟

____________

1- انظر: شرح أُصول الكافي، للمازندراني ٥: ١٧٧ كتاب الحجّة، باب أنّ الحجّة لا تقوم لله على خلقه إلّا بإمام.

2- انظر: شرح أُصول الكافي ٥: ١٢١ كتاب الحجّة، باب أنّ الحجّة لا تقوم لله على خلقه إلّا بإمام.


الصفحة 502
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ النبوّة هي رتبة لمن يتلقّى أخبار الغيب ليوصلها إلى الناس, والرسول هو: النبيّ الذي يأتي بشريعة خاصّة بوحي يوحى إليه؛ فهو أرفع مكانةً من النبيّ.. هذا عند أهل الاصطلاح, وقد يستعمل كلّ منهما في مقام الآخر تسامحاً ومجازاً.

وأمّا الإمام فهو: من كانت له مهمّة التطبيق وقيادة المجتمع البشري وتنفيذ الوحي، فهو أعلى رتبةً من النبيّ والرسول, وممّا يدلّ عليه ــ على سبيل المثال لا الحصر ــ أنّ الإمامة أُعطيت لإبراهيم عليه السلام بعد مدّة طويلة من نبوّته ورسالته، وبعد خضوعه عليه السلام لأوامر امتحانية صعبة: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً(1), والمتيقّن: أنّه عليه السلام كان نبيّاً ورسولاً قبل هذه الامتحانات لتلقّيه الكلمات من ربّه وحياً.

تعليق (١):

« منير ــ السعودية »

نقول نحن الشيعة: بأنّ الإمام يكون أعلى رتبة من النبيّ, بدليل وصول النبيّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى مرتبة الإمامة بعد مرتبة النبوّة, ولكن كيف لا نجد الوحي مثلاً ينزل على أئمّة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام.

فقد يقول قائل: بأنّ هذا دليل على أنّ النبيّ أفضل من الإمام، فكيف نردّ عليه؟

____________

1- البقرة (٢): ١٢٤.


الصفحة 503
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ هذا التساؤل ليس في محلّه؛ فإنّنا نقول بتقدّم رتبة الإمامة على النبوّة ــ بالأدلّة المقرّرة في محلّها ــ والوحي من خصائص النبوّة, فلا يرد علينا أنّه: لماذا لم تشتمل الإمامة على مختصّات النبوّة؟

وبعبارة أوضح: إنّ الاستدلال في المقام يبتني على تقديم الإمامة بكافّة مميزاتها على النبوّة بجميع مواصفاتها، ومنها: نزول الوحي, فلا معنى حينئذٍ ــ وبعد تمامية الأدلّة ــ أن نقول: لماذا لم يكن الإمام متّصفاً بصفة النبيّ؛ إذ لو كان كذلك كان الإمام نبيّاً, فلا يبقى مجال للبحث والاستدلال.

هذا, والتحقيق: أنّ مجرّد قابلية نزول الوحي لا تدلّ على أفضلية النبيّ على الإمام؛ إذ أنّ الخلافة الإلهية على الأرض ــ والتي هي أعلى الرتب والمناصب، وأقربها إلى الله عزّ وجلّ ــ تتمثّل في الإمامة, فالاستخلاف عن الله تبارك وتعالى أعلى درجة من تلقّي الوحي, ألا ترى أنّ الأنبياء والأئمّة عليهم السلام هم أرقى شأناً من جبرئيل عليه السلام الذي يأتي بالوحي؟!

فيتّضح لنا، أنّ مجرّد الوسيط بين الخالق والمخلوق في إيصال الوحي لا يدلّ على تقديمه على الإمامة التي هي مقام النيابة عن الله عزّ وجلّ في قيادة المجتمع وهدايته.

تعليق (٢):

« منير ــ السعودية »

هل يمكن القول: بأنّ الإمام نبيّ أيضاً؛ لأنّ جوابكم السابق قد يفسّر هكذا.


الصفحة 504
أرجو التوضيح وشكراً.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ليس كلّ نبيّ إماماً, بل بعض الأنبياء اتّسموا بصفة الإمام أيضاً, كما أنّه ليس كلّ إمام نبيّاً, فأئمّتنا عليهم السلام أئمّة وأوصياء, وهم ليسوا بأنبياء.

تعليق (٣):

« ياسمين ــ الأردن ــ إمامية »

يعني: هل الإمام عليّ أحسن من الأنبياء الباقين؟

ومن أحسن: النبيّ محمّد أم الإمام عليّ؟

إذا كان هذا صحيحاً، فلماذا إذاً لم يكلّف هو بالرسالة؟

يعني: الإمام عليّ عليه السلام دافع وجاهد وطبّق الإسلام، لكن الله اختار أنبياءه وأعطاهم ما لم يعطِ لأيّ أحد، ألا وهو الوحي.

وإذا كانت النبوّة أقلّ من الإمامة، فلماذا لا يتمتّع الأعلى بما لدى الأقلّ؟

طبعا هذه قاعدة، فلا يمكن أن نكون قد حصلنا على الأعلى بدون أن نكون قد حصلنا على مميزات الأقلّ.

أتمنّى أن تتقبّلوا سؤالي برحابة صدر؛ والله إنّي لم أتمكّن من تقبّل هذه الفكرة لحدّ الآن.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


الصفحة 505
الإمام عليّ عليه السلام أفضل من جميع الأنبياء السابقين عدا نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم؛ فإنّه أفضل من عليّ عليه السلام، ولذا تميّز النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن عليّ عليه السلام بالنبوّة والرسالة مع كونه إماماً أيضاً، فالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالإضافة إلى نبوّته ورسالته لديه مرتبة الإمامة أيضاً، ولذا قلنا بأفضليّته صلى الله عليه وآله وسلم على عليّ عليه السلام؛ لأنّه إمام ونبيّ، بينما عليّ عليه السلام إمام فقط ولم يكن نبيّاً.

والنبوّة لها مراتب، وكذا الإمامة، فقد يكون هناك إمام في مرتبة عليا من الإمامة أفضل من نبيّ معيّن، وقد يكون هناك نبيّ في مرتبة عليا أفضل من إمام من الأئمّة في الأُمم السابقة، مثلاً.

تعليق (٤):

« عبد الرحمن ــ العراق ــ إمامي »

يجب أن تكونوا واضحين في مسألة تفضيل الإمامة والنبوّة.

سمعت من أحد مراجعنا الأعلام: أنّ النبوّة والرسالة والإمامة إذا اجتمعت في شخص واحد، مثل النبيّ إبراهيم عليه السلام في هذه الحالة، تكون الإمامة أفضل من النبوّة.

نرجوا التوضيح.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يظهر من مراجعة بعض الأدلّة التي ذكرت للاستدلال على أفضلية الإمامة على النبوّة، عدم اختصاص ذلك بما إذا كانت الإمامة مجتمعة مع النبوّة في شخص واحد؛ فهي مطلقة من هذه الناحية، أي: أنّ الإمام أفضل سواء أكان نبيّاً أم لم يكن.


الصفحة 506
كما أنّا لا نفهم خصوصية لنبيّ الله إبراهيم عليه السلام؛ لأنّ المورد لا يخصّص الوارد.. فلاحظ ما رواه زيد الشحّام، قال: ((سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (إنّ الله تبارك وتعالى اتّخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتّخذه نبيّاً، وإنّ الله اتّخذه نبيّاً قبل أن يتّخذه رسولاً، وإنّ الله اتّخذه رسولاً قبل أن يتّخذه خليلاً، وإنّ الله اتّخذه خليلاً قبل أن يجعله إماماً، فلمّا جمع له الأشياء قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً(1)، قال: فمن عظمها في عين إبراهيم قال: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(2)، قال: لا يكون السفيه إمام التقي)))(3).

وهذا لا يعني: أنّ الإمام أفضل من النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنّ الخاتم جمعت له النبوّة والإمامة.

تعليق (٥):

« محمّد المقداد ــ أمريكا ــ إمامي »

السلام عليكم..

ولكن ورد في كتاب (عيون أخبار الرضا عليه السلام) للشيخ الصدوق أنّه قال رجل للإمام الرضا عليه السلام: ((أصلحك الله كيف صرت إلى ما صرت إليه من المأمون؟ وكأنّه أنكر ذلك عليه! فقال له أبو الحسن الرضا عليه السلام: يا هذا! أيّهما أفضل: النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أو الوصي؟ فقال: لا بل النبيّ. قال: فأيّهما أفضل: مسلم أو مشرك؟ قال: لا

____________

1- البقرة (٢): ١٢٤.

2- البقرة (٢): ١٢٤.

3- الكافي، للكليني ١: ١٧٥ كتاب الحجّة، باب طبقات الأنبياء والرسل والأئمّة، الحديث (٢).


الصفحة 507
بل مسلم. قال: فإنّ العزيز عزيز مصر كان مشركاً وكان يوسف عليه السلام نبيّاً، وإنّ المأمون مسلم وأنا وصيّ، ويوسف سأل العزيز أنّ يولّيه حين قال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأََرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ، وأنا أُجبرت على ذلك))(عيون أخبار الرضا ٢: ١٥٠).

فالإمام (سلام الله عليه) يؤكّد أنّ الأنبياء هم أفضل من الأوصياء والأئمّة عليهم السلام؛ لأنّ النبيّ يتّصل بالله، وهو مُرسل من قِبله، والإمام مرتبطٌ بالله من خلال النبيّ..

ما جوابكم يرحمكم الله؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: بغضّ النظر عن سند الرواية ــ إذ هي مرسلة، وفيها ما قد يناقش؛ فإنّ يوسف عليه السلام طلب الولاية من ملك مصر وليس من العزيز، ثمّ بعد ذلك عندما قبل الملك أصبح هو العزيز بدل العزيز السابق ــ فإنّها واردة في مقام الاحتجاج؛ فالإمام الرضا عليه السلام يريد أن يقنع المقابل بأنّه قَبِل ولاية العهد كما قَبلها نبيّ الله يوسف عليه السلام، وليس الإمام عليه السلام بصدد تقرير أنّ النبيّ أفضل من الإمام.

ثمّ إنّ في الرواية سؤال الإمام عليه السلام بـ(أيّهما أفضل النبيّ أو الوصي؟)، والوصي أعمّ من الإمام، إذ قد يكون الوصي إماماً، كما في أئمّتنا عليهم السلام، وقد يكون وصيّاً فقط، كما في أكثر أوصياء الأنبياء، فليس منصب الوصاية على عمومه أفضل من النبوّة، بل النبوّة بعمومها أفضل من الوصاية بعمومها، وهنا فإنّ


الصفحة 508
الإمام عليه السلام من جهة الاحتجاج استدلّ بمنصب وصايته للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لا إمامته؛ إذ لم يأت في الرواية: ((أيّهما أفضل: النبيّ أو الإمام))؛ فافهم!

ثانياً: لا شكّ أنّ للنبوّة مراتب، فبعض مراتبها تكون أعلى من مقام الوصيّ، كما هو الحال في النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؛ فهو أرفع مقاماً من الوصيّ، ولا شكّ أنّ بعض مراتب الأوصياء أعلى من مرتبة النبوّة، بل إذا كانوا أئمّة فهم أعلى مرتبة، كما هو الحال في شأن الإمام عليّ عليه السلام والأئمّة الباقين من أولاده عليهم السلام؛ فإنّهم أعلى مرتبة من بقية الأنبياء غير الخاتم.

تعليق (٦):

« علي ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

هل من الممكن لأيّ نبيّ من الأنبياء السابقين أن يكون برتبة الإمام قبل أن يكون برتبة الرسول.

بمعنى أصحّ: إنّ الله يجعل أحد أنبيائه برتبة الإمام دون رتبة الرسول؟

وهل الرسول محمّد صلى الله عليه وآله وسلم كان برتبة الإمام؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


الصفحة 509
قد تقدّم ذكر رواية زيد الشحّام عن الإمام الصادق عليه السلام التي يظهر منها أنّ الرسالة هي مرتبة أعلى من النبوّة، وأنّ الإمامة أعلى مرتبة من الرسالة، ولكن لا يفهم منها أنّ من شروط إعطاء الإمامة أن يكون الشخص رسولاً.

نعم، تحقّق ذلك في إبراهيم بنصّ الآية، وفي نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم بعد الفراغ من رسالته وثبوت الإمامة له بعدّة آيات، ولكن نصّ القرآن الكريم في بعض أنبياء بني إسرائيل أنّهم كانوا أئمّة مع أنّهم لم يكونوا رسلاً، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ(1).

(هل كلّ من كان نبيّاً يجب أن يكون إماماً؟)

« هيثم ــ مصر ــ سُنّي »

السؤال:

تأمّلت في ثلاث مناهج إسلامية هي الشيعة والسُنّة والقرآنيين، ووجدت أنّ الخلاف الجوهري هو في حقيقة بعث الرسل والأنبياء.

فمثلاً القرآني: يعتقد أنّ الرسول مجرّد سائق يرسل رسالة لقوم وهي الكتاب، ولا يوجد له عصمة إلّا في تبليغ تلك الرسالة التي هي الكتاب، فلهذا تركوا أيّ شيء عدا الكتاب؛ لأنّهم يحسبون أنّ هذا هو السبب الحقيقي لبعث الرسول.

____________

1- السجدة (٣٢): ٢٤.


الصفحة 510
أمّا السُنّة: فتخبّطوا تخبّطاً شديداً في هذه النقطة؛ إذ إنّهم قالوا معصوم فقط في التبليغ، واعتبروا التبليغ كتاب وسُنّة، والسُنّة لا تشمل كلّ حياة النبيّ، بل في أشياء لا نستطيع نحن الآن التفريق بين كونها تبليغاً أو غير تبليغ.

ثمّ وجدت أنّ الشيعة: يعتقدون أنّ الرسول وجه الله، ومعصوم عصمة مطلقة، يُقتدى به في كلّ شيء من أُمور الدين والدنيا، وسمّوا هذا الوجه: (الإمامة)، على حدّ فهمي لكم. وهذا الرأي مقنع جدّاً وهو أفضلهم بلا ريب.

ولكن أجد ثغرات في منهجكم، وليس في هذا الرأي، وهو: أنّكم لا تعتبرون كلّ رسول إماماً، ولو أنّكم كنتم تعتقدون أنّ كلّ رسول إمام لكان هذا أوضح جدّاً، وكان الحقّ لا ريب؛ لأنّ الله لا يطلب منّا أن نؤمن به، وأن نؤمن بالوحي فقط، بل يطلب منّا أن نؤمن بقيادة الرسول لنا وإمامته علينا.

أي: إنّه يأمرنا أن لا نعتبر الرسول مجرّد رجل ينقل وحي الله، ولكن نعتبره قائداً (إماماً كما يعبّر الشيعة)، وهذا هو الواضح في قول الله تعالى: ﴿وَمَن يطع اللَّهَ وَالرَّسولَ فَأولَئكَ مَعَ الَّذينَ أَنعَمَ اللَّه عَلَيهم منَ النَّبيّينَ وَالصّدّيقينَ وَالشّهَدَاء وَالصَّالحينَ وَحَسنَ أولَئكَ رَفيقاً(1)، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ(2)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إلّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ

____________

1- النساء (٤): ٦٩.

2- المائدة (٥): ٨١.


الصفحة 511
الصفحة السابقةالصفحة التالية