المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 6) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج6 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 541 - ص 570)

ــ (الكافي، للكليني ١: ٢٧٠): عن محمّد بن مسلم، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (الأئمّة بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلّا أنّهم ليسوا بأنبياء، ولا يحلّ لهم من النساء ما يحلّ للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فأمّا ما خلا ذلك فهم فيه بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم).

أقول: هل الفرق بينه وبين النبيّ هو أمر الزوجات فقط؟

ــ الشيخ علي الكوراني، كتاب (العقائد الإسلامية ١: ٣٤١ ط٢):

((المقنعة/٣٢: ويجب على كلّ مكلّف أن يعرف إمام زمانه ويعتقد إمامته وفرض طاعته، وأنّه أفضل أهل عصره وسيّد قومه، وأنّهم في العصمة والكمال كالأنبياء عليهم السلام، ويعتقد أن كلّ رسول لله تعالى فهو نبيّ إمام، وليس كلّ إمام نبيّاً ولا رسولاً).

وقال المفيد في (المقنعة ص٣٠): (باب ما يجب من الاعتقاد في أنبياء الله تعالى ورسله عليهم السلام: ويجب أن يعتقد التصديق لكلّ الأنبياء عليهم السلام، وأنّهم حجج الله على من بعثهم إليه من الأُمم، والسفراء بينه وبينهم، وأنّ محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف صلى الله عليه وآله وسلم خاتمهم وسيّدهم وأفضلهم، وأنّ شريعته ناسخة لما تقدّمها من الشرائع المخالفة لها، وأنّه لا نبيّ بعده ولا شريعة بعد شريعته، وكلّ من ادّعى النبوّة بعده فهو كاذب على الله تعالى، ومن يغيّر شريعته فهو ضال، كافر من أهل النار، إلّا أن يتوب ويرجع إلى الحقّ بالإسلام، فيكفّر الله تعالى حينئذ عنه بالتوبة ما كان مقترفاً من الآثام.

ويجب اعتقاد نبوّة جميع من تضمّن الخبر عن نبوّته القرآن على التفصيل، واعتقاد الجملة منهم على الإجمال. ويعتقد أنّهم كانوا معصومين من الخطأ، موفّقين للصواب، صادقين عن الله تعالى في جميع ما أدّوه إلى العباد، وفي كلّ


الصفحة 542
شيء أخبروا به على جميع الأحوال، وأنّ طاعتهم طاعة لله ومعصيتهم معصية لله، وأنّ آدم، ونوحاً، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وإدريس، وموسى، وهارون، وعيسى، وداود، وسليمان، وزكريا، ويحيى، وإلياس، وذا الكفل، وصالحاً، وشعيباً، ويونس، ولوطاً، وهوداً، كانوا أنبياء الله تعالى ورسلاً له، صادقين عليه، كما سمّاهم بذلك، وشهد لهم به، وأنّ من لم يذكر اسمه من رسله على التفصيل، كما ذكر من سمّيناه منهم، وذكرهم في الجملة، حيث يقول: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ(1)،كلّهم أنبياء عن الله، صادقون وأصفياء له، منتجبون لديه، وأنّ محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم سيّدهم وأفضلهم، كما قدّمناه). (ورواه في علل الشرائع ١: ٢٠٤، وأمالي الصدوق: ٧٣١، والخصال: ٢١٥))). انتهى كلام الكوراني هنا...

أقول: هذا يخالف كلام الكليني حينما قال: ((كراهية القول فيهم بالنبوّة)).

ــ قال الشيخ المجلسي في (بحار الأنوار ٢٦: ٨٢): ((إنّ استنباط الفرق بين النبيّ والإمام من تلك الأخبار لا يخلو من إشكال))، ثمّ قال: ((ولا نعرف جهة لعدم اتّصافهم بالنبوّة إلّا رعاية خاتم الأنبياء، ولا يصل عقولنا فرق بين النبوّة والإمامة)).

أقول: هذا اعتراف خطير للمجلسي بعجزه عن حلّ هذه المشكلة العويصة في مسألة الإمامة؛ لأنّه وردت روايات كثيرة في مصادر الشيعة تنصّ على أنّ الأئمّة كانوا يرون الملائكة التي توحي إليهم.

____________

1- النساء (٤): ١٦٤.


الصفحة 543

ــ (أصل الشيعة وأُصولها: ٢٢٤) لكاشف الغطاء:

((إنّ الإمامية تعتقد أنّ الله سبحانه لا يخلي الأرض من حجّة على العباد، من نبيّ أو وصيّ)).

أقول: هل يعني هذا الكلام أنّ كلّ الأنبياء كانوا أئمّة؟ وهل يعني أنّ الأوصياء كلّهم كانوا أئمّة؟

ــ (المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي: ٢٩٩ ط٢) للشيخ علي الكوراني العاملي، تحت عنوان (يحكم بعد المهدي اثنا عشر من ولده)، وقد ذكر الشيخ عدّة مصادر تذكر ذلك، منها: غيبة الطوسي: ٢٨٥، ومنتخب الأنوار: ٢٠١، والإيقاظ: ٣٩٣، والبحار ٥٣: ١٤٥و ١٤٨، ومختصر البصائر: ١٥٩ و ١٨٢، وشرح الأخبار ٣: ٤٠٠، وغيبة الطوسي: ١٥١، وقال الشيخ الكوراني بعد ذلك ص(٣٠٣) من نفس الكتاب: ((وقد وقع المرحوم البياضي العاملي رحمه الله في شبهتهم (يقصد علماء السُنّة)، فردّ حديث الاثني عشر مهدياً بعد الإمام المهدي عليه السلام، وناقش الشريف المرتضى في ذلك في الصراط المستقيم ٢: ١٥٢)).

الأسئلة:

ما تعريف كلّ من الرسول والإمام والنبيّ والحجّة والوصيّ والمهديين لديكم، وما هو الشيء المشترك بينهم، وما هو الشيء غير المشترك؟

الإمام عليّ حتّى يصبح نبيّاً ماذا ينقصه؟

هل كلّ رسول إمام؟

هل كلّ نبيّ إمام؟

هل كلّ وصيّ إمام؟


الصفحة 544

هل كلّ إمام محدّث؟ وهل العكس صحيح؟

هل تشترطون وجود الرسول أو الإمام أو النبيّ أو الحجّة أو الوصيّ في كلّ زمان؟

هل الإمام يكون إماماً منذ ولادته، أم الأمر يكون بالتدريج، أم حتّى تنتهي إمامة من قبله؟

ما الفرق بين الإمام الناطق والصامت، وهل يجوز أن يكون الإمام الصامت أفضل من الناطق؟

هل إبراهيم عليه السلام لم يكن إماماً ثمّ كان؟ وإذا كان الأمر كذلك هل أنّ إبراهيم كان تابعاً لإمام آخر قبل أن يصبح هو إمام، أو أنّكم لا تشترطون وجود إمام في كلّ زمان؟

من هو الحجّة أو الإمام أو الوصيّ قبل النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة؟

هل يكره القول بنبوّة الأئمّة أو يحرم؟

هل الإمام المهدي هو آخر إمام؟ وهل يوم القيامة بعده مباشرة؟ وهل يحكم أحد بعده، وهل يكون معصوماً؟ وهل يكون إمام أو وصيّ أو مهدي من المهديين؟ وهل بذلك يصبح عدد الأئمّة أكثر من (١٢)؟

روت بعض المصادر: أنّ أبا طالب كان وصيّاً، فهل انتهت وصايته بولادة النبيّ، أم بقي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تابعاً لأبي طالب حتّى وفاته (أي: وفاة أبي طالب)، أم أنّ الإمام لا يشترط أن يكون الأعلم، وأنّه المتبوع وليس التابع؟


الصفحة 545
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لكثرة الأسئلة التي طرحتها وكرّرتها بالرغم من إجابتنا عنها سابقاً، سوف يكون الجواب إجماليّاً مع إهمال بعض الأسئلة المتكرّرة.

أوّلاً: إنّ هناك روايات قد يفهم منها أنّ أبا طالب كان من أوصياء عيسى عليه السلام، ولكن الذي عليه الرأي الأدقّ هو كونه من أوصياء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام كما أشار إلى ذلك صاحب (البحار)، وكونه من أوصياء إسماعيل وإبراهيم عليهما السلام لا ينافي كونه مستودعاً لوصية أحد أوصياء عيسى عليه السلام، فإنّ الوصاية غير استيداع الوصاية؛ فلاحظ!

ثانياً: إنّ الروايات تختلف في تعداد الأنوار التي لا يطفئها نور أبي طالب، فواحدة من الروايات ما ذكرتها أنت، والأُخرى تذكر: نور محمّد ونور عليّ ونور فاطمة ونور الحسن ونور الحسين وولده الأئمّة التسعة عليهم السلام(1).

ثالثاً: قد يثبت أنّه كلّ رسول إمام، أي: أنّ نوحاً عليه السلام وإبراهيم عليه السلام وموسى عليه السلام وعيسى عليه السلام ومحمّد صلى الله عليه وآله وسلم وهم رسل قد يثبت لهم أنّهم أئمّة، ولكن ليس كلّ إمام فهو رسول، إذ أنّ أئمّتنا الاثني عشر عليهم السلام ليسوا رسلاً قطعاً، فدائرة الأئمّة أوسع من دائرة الرسل، وقد تكون دائرة الرسل أخصّ من وجه، أي: أنّ يوجد رسول وهو ليس إمام، كما دلّت عليه الرواية، فإنّ إبراهيم عليه السلام كان رسولاً قبل أن يكون إماماً.

____________

1- انظر: الأمالي، للطوسي: ٧٠٢ المجلس (٤٠) الحديث (١٤٩٩).


الصفحة 546
رابعاً: قال المفيد رحمه الله: ((وقد كان من أنبياء الله ــ عزّ وجلّ ــ حفظة لشرائع الرسل وخلفائهم في المقام))، أي: أنّ بعض الأنبياء بما هم أنبياء ولكن دورهم كان حفظ شريعة من تقدّمهم من الرسل، كهارون عليه السلام بالنسبة لموسى عليه السلام؛ فإنّ هارون عليه السلام مع كونه نبيّاً فهو وصيّ موسى عليه السلام، ولم يكن دوره إلّا حفظ شريعة موسى عليه السلام، ثمّ إنّ هؤلاء الخلفاء مع كونهم خلفاء وأنبياء قد يكونوا أئمّة أيضاً.

ثمّ قال رحمه الله: ((وإنّما منع الشرع من تسمية أئمّتنا بالنبوّة، دون أن يكون العقل مانعاً من ذلك))، هذا جواب على إشكال ذكره متأخّراً عن الجواب، وخلاصة الإشكال هو: إذا كان هناك أنبياء دورهم حفظ شريعة الرسول الذي قبلهم فلماذا لا نسمّي أئمّتنا أنبياء مع أنّ دورهم مماثل لدور هؤلاء الأنبياء، أي: أنّ دورهم هو حفظ شريعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا مانع عقلي من أن نسمّي أئمّتنا أنبياء لحصول نفس الدور الذي حصل للأنبياء الذين خلفوا رسلهم.

وبعبارة أُخرى: أن لا مانع عقلي أن يبعث الله أنبياء بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحفظون رسالته، كما بعث أنبياء حفظوا رسالة من سبقهم من الرسل، ويكون هؤلاء الأنبياء بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هم أئمّتنا (لحصولهم على المعنى)، أي: الدور والوظيفة، (الذي حصل لمن ذكرناه من الأنبياء عليهم السلام) الذين كانوا بعد رسلهم.

وأجاب عن هذا الإشكال: بأنّ المانع من ذلك: الشرع. أي: أنّ الله سبحانه وتعالى ختم النبوّة والرسالة بنبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم ولم يبعث بعده بنبيّ، وإن كان العقل لا يجد مانعاً من ذلك، ولكن الأمر لله سبحانه وتعالى، ولذلك فإنّ شريعتنا الخاتمة تمنع من الاعتقاد ببعثة أنبياء بعد نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم.


الصفحة 547
ثمّ قال: ((واتّفقوا على جواز بعثة رسول يجدّد شريعة من تقدّمه ــ أي: من الرسل ــ وإن لم يستأنفه شرعاً، ويؤكّد نبوّة من سلف وإن لم يفرض غير ذلك فرضاً))(1)، كما أرسل عيسى عليه السلام مجدّداً لشريعة موسى عليه السلام ولم يبعثه بشريعة جديدة.

خامساً: بعض الروايات عامّة تشير إلى أنّه لا تخلو الأرض من حجّة، والحجّة أعمّ من الإمام والنبيّ والرسول، وأمّا تلك الروايات فيمكن حملها على فترة ما بعد نبوّة نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم؛ حيث لا نبوّة ولا رسالة، فيجيب الإمام: أنّه لا تخلو الأرض من الإمام، باعتبار أنّ الحجّة بعد نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم هو الإمام لا غير..

وأمّا الخبر الذي لا يحتمل ذلك، فلا بدّ من فهم الإمام بمعنى: الهادي، والنبيّ والرسول أئمّة بهذا المعنى، أو نلتزم بوجود إمام في كلّ زمان وهو الحجّة، ولكن لا نعرفهم، وإنّما نعرف بعضهم كإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام إماماً، أمّا ما بينهم فلا نعرفهم.

وهذا الأخير هو الأصحّ، والتزم به كثير من علمائنا، ورواية الباقر عليه السلام تدلّ عليه؛ قال: (والله ما ترك الله أرضاً منذ قبض آدم عليه السلام إلّا وفيها إمام يهتدى به إلى الله وهو حجّته على عباده، ولا تبقى الأرض بغير إمام حجّة لله على عباده)(2)، وقال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً(3).

وربّما اجتمعت الإمامة مع النبوّة والرسالة، فيكون الرسول أو النبيّ إماماً على غيره من الأنبياء وليس كلّ الأنبياء أئمة؛ قال أبو عبد الله عليه السلام: (الأنبياء والمرسلون

____________

1- أوائل المقالات: ٤٥.

2- الكافي، للكليني ١: ١٧٨ كتاب الحجّة، باب إنّ الأرض لا تخلو من حجّة.

3- البقرة (٢): ٣٠.


الصفحة 548
على أربع طبقات: فنبيّ منبّأ في نفسه لا يعدو غيرها، ونبيّ يرى في النوم ويسمع الصوت ولا يعاينه في اليقظة، ولم يبعث إلى أحد وعليه إمام، مثل: ما كان إبراهيم على لوط عليهما السلام، ونبيّ يرى في منامه ويسمع الصوت ويعاين الملك، وقد أُرسل إلى طائفة قلّوا أو كثروا، كيونس... وعليه إمام، والذي يرى في نومه ويسمع الصوت ويعاين في اليقظة، وهو إمام، مثل: أُولي العزم، وقد كان إبراهيم عليه السلام نبيّاً وليس بإمام، حتّى قال الله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي، فقال الله: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(1)، من عبد صنماً أو وثناً لا يكون إماماً)(2).

عن يزيد الكناسي، قال: ((سألت أبا جعفر عليه السلام: أكان عيسى بن مريم عليه السلام حين تكلّم في المهد حجّة لله على أهل زمانه؟

فقال: كان يومئذ نبيّاً حجّة لله غير مرسل، أما تسمع لقوله حين قال: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً _ وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً(3)؟!

قلت: فكان يومئذ حجّة لله على زكريا في تلك الحال وهو في المهد؟

فقال: كان عيسى في تلك الحال آية للناس ورحمة من الله لمريم حين تكلّم فعبّر عنها، وكان نبيّاً حجّة على من سمع كلامه في تلك الحال، ثمّ صمت فلم يتكلّم حتّى مضيت له سنتان، وكان زكريا الحجّة لله عزّ وجلّ على الناس بعد

____________

1- البقرة (٢): ١٢٤.

2- الكافي ١: ١٧٤ كتاب الحجّة، باب طبقات الأنبياء والرسل والأئمّة عليهم السلام.

3- مريم (١٩): ٣٠ ــ ٣١.


الصفحة 549
صمت عيسى بسنتين، ثمّ مات زكريا فورثه ابنه يحيى الكتاب والحكمة وهو صبي صغير، أما تسمع لقوله عزّ وجلّ: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً(1)؟!

فلمّا بلغ عيسى عليه السلام سبع سنين تكلّم بالنبوّة والرسالة حين أوحى الله تعالى إليه، فكان عيسى الحجّة على يحيى وعلى الناس أجمعين.

وليس تبقى الأرض يا أبا خالد يوماً واحداً بغير حجّة لله على الناس منذ يوم خلق الله آدم عليه السلام وأسكنه الأرض.

قلت: جعلت فداك، أكان عليّ عليه السلام حجّة من الله ورسوله على هذه الأُمّة في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟

فقال: نعم، يوم أقامه للناس ونصبه علماً، ودعاهم إلى ولايته، وأمرهم بطاعته.

قلت: وكانت طاعة عليّ عليه السلام واجبة على الناس في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبعد وفاته؟

فقال: نعم، ولكنّه صمت فلم يتكلّم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت الطاعة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أُمّته وعلى عليّ عليه السلام في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت الطاعة من الله ومن رسوله على الناس كلّهم لعليّ عليه السلام بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان عليّ عليه السلام حكيماً عالماً)(2).

سادساً: العنوان الذي ذكره صاحب (الكافي) من عنده وليس هو بنصّ معصوم! ومعنى الكراهية هنا لا يدلّ على الجواز، فهو ليس بصدد بيان حكم شرعي، بل يقصد: أنّ النبوّة لا تطلق عليهم.

____________

1- مريم (١٩): ١٢.

2- الكافي ١: ٣٨٢ كتاب الحجّة، باب حالات الأئمّة عليهم السلام في السن.


الصفحة 550
وقد شرحنا لك المراد من قول المفيد في النقطة (الرابعة).

سابعاً: الفرق بين الإمام وبين النبيّ: هو أنّ النبيّ له ميزة خاصّة لم تثبت للإمام، وهي رتبة النبوّة، ولهذه الرتبة خصوصيات، وأمّا السماح له بتعدّد الزوجات فهي ميزة عرضيّة، ذكرها الإمام ليتّضح الفرق بينهما في ذهن السائل.

ثامناً: الذي نقطع به أنّ أئمّتنا عليهم السلام ليس عندهم ميزة وصفة النبوّة، فلذا فهمنا عبارة الكليني وفق هذا القطع من أنّهم ليسوا بأنبياء.

تاسعاً: ما قاله المجلسي أنّهم عليهم السلام أفضل من الأنبياء ولكن مع ذلك هم ليسوا بأنبياء، وعلّل ذلك برعاية خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم، وبعد ذكره لعدّة وجوه للفرق بين الأنبياء والأئمّة، ذكر أنّه لا يستطيع الوصول إلى حقيقة الفارق عقلاً بين النبوّة والإمامة، مع أنّه ذكر عدّة وجوه للمسألة تبعاً للأخبار لكنّه أقرّ بوجود الإشكال فيها.

وكلامه وجه آخر لكلام المفيد الذي شرحناه.

عاشراً: يمكن أن يكون هناك أنبياء ليسوا أئمّة، وأئمّة ليسوا بأنبياء، وذكرنا أنّ الحجّة أعمّ من النبيّ أو الإمام، ولو أردنا أن نقول: إنّ الحجّة هو الإمام، يبقى كلامكم غير دقيق من افتراض أنّ كلّ الأنبياء لا بدّ أن يكونوا أئمّة!

فالصحيح أن تقولوا: إنّ كلّ زمان لا يخلو من حجّة، وهو إمّا إمام، أو نبيٍّ إمام، أو رسول إمام.


الصفحة 551

(توضيح لمعنى الرسول والنبيّ والإمام والوصيّ والحجّة المهدي)

« العالمي ــ سوريا ــ سُنّي »

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه أسئلة من طالب حقّ أودّ أن أُوجّهها لحضرتكم..

فبعد طول بحث لم أتوصّل حتّى الآن لنتيجة ترضيني، فأرجو أن تجيبوني أجوبة حاسمة للموضوع.

قد حاولت كثيراً أن أجد إجابة لهذه الأسئلة من كتبكم، ولكنّي لم أجد شيئاً واضحاً، بل وجدت كلاماً متناقضاً وخصوصاً في مقام الإمام، وقد أتبعت هذه الأسئلة ببعض أقول علمائكم المتناقضة والغريبة أحياناً.

فأرجو الردّ سريعاً, وأرجو المعذرة إن أطلت.

ما تعريف كلّ من: الرسول والإمام والنبيّ والحجّة والوصيّ والمهديين لديكم؟ وما هو الشيء المشترك بينهم، وما هو الشيء غير المشترك؟ هل من الممكن للشخص أن يحمل أكثر من صفة من الصفات السابقة؟ الإمام عليّ حتّى يصبح نبيّاً ماذا ينقصه؟ هل كلّ رسول إماماً؟ هل كلّ نبيّ إمام؟ هل كلّ وصيّ إماماً؟

هل تشترطون وجود الرسول أم الإمام أم النبيّ أم الحجّة أم الوصيّ في كلّ زمان؟

هل الإمام يكون إماماً منذ ولادته، أم الأمر يكون بالتدريج؟

ما الفرق بين الإمام الناطق والصامت؟


الصفحة 552
هل إبراهيم عليهم السلام لم يكن إماماً ثمّ كان؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل إبراهيم كان تابعاً لإمام آخر قبل أن يصبح هو إماماً، أم أنّكم لا تشترطون وجود إمام في كلّ زمان؟

من هو الحجّة، أو الإمام، أو الوصيّ قبل النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة؟

هل الإمام المهدي آخر إمام؟ وهل يوم القيامة يكون بعده مباشرة؟ وهل يحكم أحد بعده؟ وهل يكون معصوماً؟ وهل يكون إمام أم وصيّ أم مهدي من المهديين؟ وهل بذلك يصبح عدد الأئمّة أكثر من ١٢؟

هل العصمة إجبارية؟

هل العصمة بمعنى: أنّ الله يجبرهم على العصمة، ولكنّهم في أنفسهم يشعرون أنّهم غير معصومين، فيأخذون الأجر لذلك؟ وهل هذا يعقل؟

هل العصمة من المعصومين، أم من الله، أم منه ومن الله؟ وكيف يكون ذلك؟

هل هم معصومون منذ أن خلقهم الله، أم أنّ الله أجرى لهم اختباراً ثمّ أصبحوا معصومين؟

هل العصمة تكون من الذنب، أم من الخطأ، أم أنّهم يتركون أنواعاً معيّنة من الخطأ؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل يتكرّر منهم، أم لمرّة واحدة فقط؟

هل هم معصومون من المكروهات؟

هل المعصومون يتركون فعل الأوْلى؟ وهل يتكرّر منهم ذلك؟ ولماذا يتركون فعل الأوْلى؟


الصفحة 553
هل عصمتهم كعصمة الملائكة؟

لماذا لا يكون للمعصومين مكانة واحدة؟ وهل تتفاوت مقاماتهم بسبب ترك بعض الأولويات، أو ترك بعض السنن؟ (مهم جدّاً، راجع: الكافي ج١ باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته).

ــ كتاب (أصل الشيعة وأُصولها) لكاشف الغطاء، ص٢٢٢: ((وعرفت أنّ مرادهم بالإمامة: كونها منصباً إلهياً يختاره الله بسابق علمه بعباده، كما يختار النبيّ، ويأمر النبيّ بأن يدلّ الأُمّة عليه، ويأمرهم باتّباعه)).

ــ كتاب (العصمة) للسيّد علي الميلاني، ص١٥: ((وقد رأيت في بعض الكتب أنّ سلمان الفارسي أيضاً معصوم، ولا يهمّنا الآن البحث عن ذلك القول)).

ــ كتاب (العصمة) للسيّد علي الميلاني، ص١٧: ((العصمة ومسألة الجبر: أوضح علماؤنا أنّ هذه الحالة تجتمع تماماً مع ما ذهبت إليه الطائفة من أنّ: لا جبر ولا تفويض، بل أمر بين الأمرين.. وذلك بأنّ العصمة تمسك المعصوم وتمنعه عن أيّ مناف, ولكن لا تلجئه إلى الطاعة, ولا تلجئه إلى ترك المعصية أو المنافي.

وهذا المعنى قد أشار إليه العلاّمة رحمه الله في تعريفه من جهتين: الأُولى: قوله: بالمكلّف، إذ قال: العصمة لطف يفعله الله بالمكلّف؛ فإنّه يريد أن يفهمنا بأنّ المعصوم مكلّف, أي: أنّه مأمور بالطاعة وترك المعصية, وأنّه إذا أطاع يثاب, وإذا عصى يعاقب, ولذا جاء في القرآن الكريم: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ


الصفحة 554
وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ(1), يعني: إنّ المرسلين كسائر أفراد أُممهم مكلّفون بالتكاليف, فلا يكون من هذه الناحية فرق بين الرسول وبين أفراد أُمّته, وعلى الرسول أن يعمل بالتكاليف, كما أنّ على كلّ فرد من أفراد أُمّته أن يكون مطيعاً وممتثلاً للتكاليف, فلو كان المعصوم مسلوب القدرة على المعصية, مسلوب القدرة على ترك الإطاعة, فلا معنى حينئذ للثواب والعقاب, ولا معنى للسؤال.

وقد بيّنا بالإجمال هذا المطلب في بحثنا عن آية التطهير.

والجهة الثانية: الموجودة في كلام العلاّمة رحمه الله: قوله: بحيث لا يكون له داعٍ إلى ترك الطاعة وفعل المعصية؛ ففي هذه العبارة إشارة إلى أنّ ترك الطاعة وفعل المعصية إنّما يكون بداع نفساني، يحمل الإنسان على الإطاعة, أو يحمل الإنسان على إتيان المعصية وارتكابها, وهذا الإنسان قد أودع الله سبحانه وتعالى فيه مختلف القوى التي يستخدمها لأغراضه، الصحيحة وغير الصحيحة, إلّا أنّ العصمة تمسك المعصوم, بحيث لا يبقى له داع إلى ارتكاب المعصية، أو ترك الطاعة والتكليف الشرعي.

ثمّ إنّ السيّد الطباطبائي صاحب (الميزان) رحمه الله, عبّر عن هذا اللطف الإلهي بـ(الموهبة), فالعصمة عبّر عنها بالموهبة الإلهية, وأرجع العصمة إلى العلم, وذكر أنّها ــ أي: العصمة ــ نوع من العلم والشعور يغاير سائر أنواع العلم في أنّه غير مغلوب لشيء من القوى الشعورية البتة, بل هي الغالبة القاهرة عليها، المستخدمة إياها, ولذلك كانت تصون صاحبها من الضلال والخطيئة مطلقاً.

____________

1- الأعراف (٧): ٦.


الصفحة 555
وإذا كانت العصمة راجعة إلى العلم, فيكون الأمر أوضح؛ لأنّ الإنسان إذا علم بقبح شيء فلا يريده, وإذا علم بالآثار المترتّبة على الفعل الذي يريد أن يقدم عليه, تلك الآثار إن كانت حسنة فإنّه يقدم, وإن كانت سيئة فإنّه يحجم, فتكون العصمة حينئذٍ منبعثة عن العلم.. ويكون الفارق بين المعصوم وغير المعصوم: أنّ غير المعصوم لم يحصل له ذلك العلم الذي حصل عليه المعصوم, ولذا لا يبلغ غير المعصوم مرتبة العصمة؛ لعدم وجود العلم اللازم فيه, وعدم حصول ذلك العلم الخاص له, وكثير من الأشياء يعجز الإنسان عن درك حقائقها من محاسن ومساوي, أمّا إذا كان الإنسان عالماً وبتلك المرحلة من العلم, وكانت عنده تلك الموهبة الإلهية ــ كما عبّر السيّد الطباطبائي رحمه الله ــ فإنّه يعلم بحقائق الأشياء، ويمتنع صدور ما لا يجوز عنه.

ولا بدّ من التحقيق الأكثر في نظرية السيّد الطباطبائي رحمه الله, وأنّه: هل يريد أنّ العصمة منبعثة من العلم, وأنّه هو المنشأ لهذه الحالة المعنوية الموجودة عند المعصوم, كما قرأنا في هذه العبارة, أو أنّه يريد أنّ العصمة نفس العلم؟

وعلى كلّ حال, فإنّ الإنسان إذا كان عالماً بحقائق الأشياء وما يترتّب على كلّ فعل يريد أن يفعله, أو حتّى على كلّ نية ينويها فقط, عندما يكون عالماً ومطّلعاً على ما يترتّب على ذلك, فسيكون عنده رادع على أثر علمه عن أن يقدم على ذلك العمل إذا كانت آثاره سيئة, أو أنّه سيقدم على العمل إذا كانت آثاره مطلوبة وحسنة)).

ــ قال الشيخ المفيد رحمه الله في (النكت الاعتقادية): ((العصمة لطف يفعله الله بالمكلّف بحيث يمتنع منه وقوع المعصية وترك الطاعة مع قدرته عليهما)).


الصفحة 556
ــ قال الشيخ المفيد في كتاب (أوائل المقالات)، ص٢٦: ((واتّفقت الإمامية على أنّ كلّ رسول فهو نبيّ، وليس كلّ نبيّ فهو رسول، وقد كان من أنبياء الله ــ عزّ وجلّ ــ حفظة لشرائع الرسل وخلفائهم في المقام، وإنّما منع الشرع من تسمية أئمّتنا بالنبوّة، دون أن يكون العقل مانعاً من ذلك؛ لحصولهم على المعنى الذي حصل لمن ذكرناه من الأنبياء عليهم السلام.

واتّفقوا على جواز بعثة رسول يجدّد شريعة من تقدّمه وإن لم يستأنف شرعاً، ويؤكّد نبوّة من سلف وإن لم يفرض غير ذلك فرضاً.

وأجمعت المعتزلة على خلاف هذين القولين، ومع الإمامية في تصحيحه جماعة من المرجئة وكافّة أصحاب الحديث)).

ــ قال الشيخ المفيد في كتاب (أوائل المقالات)، ص٦٣: ((القول في عصمة الأنبياء عليهم السلام:

أقول: إنّ جميع أنبياء الله ــ صلوات الله عليهم ــ معصومون من الكبائر، قبل النبوّة وبعدها، وما يستخفّ فاعله من الصغائر كلّها، وأمّا ما كان من صغير لا يستخف فاعله، فجائز وقوعه منهم قبل النبوّة وعلى غير تعمّد، وممتنع منهم بعدها على كلّ حال.. وهذا مذهب جمهور الإمامية، والمعتزلة بأسرها تخالف فيه.

القول في عصمة نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم:

وأقول: إنّ نبيّنا محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم ممّن لم يعص الله عزّ وجلّ منذ خلقه الله عزّ وجلّ إلى أن قبضه، ولا تعمّد له خلافاً، ولا أذنب ذنباً على التعمّد ولا النسيان، وبذلك نطق القرآن وتواتر الخبر عن آل محمّد عليهم السلام، وهو مذهب جمهور الإمامية، والمعتزلة بأسرها على خلافه)).


الصفحة 557
ــ قال الشيخ المفيد في كتاب (أوائل المقالات)، ص٦٤: ((وأقول: إنّ تعليق النبوّة تفضّل من الله تعالى على من اختصّه بكرامته؛ لعلمه بحميد عاقبته، واجتماع الخلال الموجبة في الحكمة بنبوّته في التفضيل على من سواه)).

ــ قال الشيخ المفيد في كتاب (أوائل المقالات)، ص٦٦: ((وأقول: إنّ الأئمّة القائمين مقام الأنبياء عليهم السلام في تنفيذ الأحكام، وإقامة الحدود، وحفظ الشرائع، وتأديب الأنام، معصومون كعصمة الأنبياء، وإنّهم لا يجوز منهم صغيرة إلّا ما قدّمت ذكر جوازه على الأنبياء، وإنّه لا يجوز منهم سهو في شيء في الدين، ولا ينسون شيئاً من الأحكام، وعلى هذا مذهب سائر الإمامية إلّا من شذّ منهم، وتعلّق بظاهر روايات لها تأويلات على خلاف ظنّه الفاسد من هذا الباب)).

ــ قال الشيخ المفيد في كتاب (أوائل المقالات)، ص١٣٦: ((القول في العصمة ما هي؟

أقول: إنّ العصمة في أصل اللغة هي ما اعتصم به الإنسان من الشيء كأنّه امتنع به عن الوقوع في ما يكره، وليس هو جنساً من أجناس الفعل. ومنه قولهم: (اعتصم فلان بالجبل)، إذا امتنع به، ومنه سمّيت: (العصم)، وهي: وعول الجبال؛ لامتناعها بها.

والعصمة من الله تعالى، هي: التوفيق الذي يسلم به الإنسان ممّا يكره إذا أتى بالطاعة، وذلك مثل: إعطائنا رجلاً غريقاً حبلاً ليتشبّث به فيسلم، فهو إذا أمسكه واعتصم به، سمّي ذلك الشيء: عصمة له لمّا تشبّث به وسلم من الغرق، ولو لم يعتصم به لم يسمّ: (عصمة)، وكذلك سبيل اللطف، إنّ الإنسان إذا أطاع سمّي (توفيقاً) و(عصمة), وإن لم يطع لم يسمّ (توفيقاً) ولا (عصمة)..


الصفحة 558
وقد بيّن الله ذكر هذا المعنى في كتابه بقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً(1)، وحبل الله هو: دينه؛ ألا ترى أنّهم بامتثال أمره يسلمون من الوقوع في عقابه، فصار تمسّكهم بأمره اعتصاماً، وصار لطف الله لهم في الطاعة عصمة، فجميع المؤمنين من الملائكة والنبيّين والأئمّة معصومون؛ لأنّهم متمسّكون بطاعة الله تعالى. وهذه جملة من القول في العصمة ما أظنّ أحداً يخالف في حقيقتها، وإنّما الخلاف في حكمها: كيف تجب، وعلى أيّ وجه تقع؟)).

ــ (الكافي) ج١ ص١٥٨: ((الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الحسن بن علي الوشّاء، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، قال: سألته فقلت: الله فوّض الأمر إلى العباد؟ قال: الله أعزّ من ذلك. قلت: فجبرهم على المعاصي؟ قال: الله أعدل وأحكم من ذلك. قال: ثمّ قال: قال الله: يا ابن آدم أنا أوْلى بحسناتك منك، وأنت أوْلى بسيئاتك منّي، عملت المعاصي بقوّتي التي جعلتها فيك)).

ــ الكافي ج١ ص١٦١: ((محمّد بن أبي عبد الله، عن حسين بن محمّد، عن محمّد بن يحيى، عمّن حدّثه، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين. قال: قلت: وما أمر بين أمرين؟ قال: مثل ذلك: رجل رأيته على معصية، فنهيته، فلم ينته، فتركته، ففعل تلك المعصية، فليس حيث لم يقبل منك فتركته كنت أنت الذي أمرته بالمعصية)).

ــ (الكافي) ج١ ص١٧٥: ((١ــ محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن أبي يحيى الواسطي، عن هشام بن سالم، ودرست بن أبي منصور، عنه، قال: قال أبو

____________

1- آل عمران (٣): ١٠٣.


الصفحة 559
عبد الله عليه السلام: الأنبياء والمرسلون على أربع طبقات: فنبيّ منبّأ في نفسه لا يعدو غيرها، ونبيّ يرى في النوم ويسمع الصوت ولا يعاينه في اليقظة، ولم يبعث إلى أحد، وعليه إمام، مثل: ما كان إبراهيم على لوط عليهما السلام، ونبيّ يرى في منامه ويسمع الصوت ويعاين الملك، وقد أُرسل إلى طائفة، قلّوا أو كثروا، كيونس؛ قال الله ليونس: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ(1)، قال: يزيدون: ثلاثين ألفاً، وعليه إمام، والذي يرى في نومه ويسمع الصوت ويعاين في اليقظة، وهو إمام، مثل: أُولي العزم، وقد كان إبراهيم عليه السلام نبيّاً وليس بإمام حتّى قال الله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(2)، من عَبَد صنماً أو وثناً لا يكون إماماً.

٢ــ محمّد بن الحسن، عمّن ذكره، عن محمّد بن خالد، عن محمّد بن سنان، عن زيد الشحّام، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إنّ الله تبارك وتعالى اتّخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتّخذه نبيّاً، وإن الله اتّخذه نبيّاً قبل أن يتّخذه رسولاً، وإنّ الله اتّخذه رسولاً قبل أن يتّخذه خليلاً، وإنّ الله اتّخذه خليلاً قبل أن يجعله إماماً، فلمّا جمع له الأشياء قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً، قال: فمن عظمها في عين إبراهيم، قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ، قال: لا يكون السفيه إمام التقي)).

____________

1- الصافات (٣٧): ١٤٧.

2- البقرة (٢): ١٢٤.


الصفحة 560

ــ (الكافي) ج١ ص١٧٧: ((محمّد بن يحيى العطار، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن الحسن بن محبوب، عن داود الرقّي، عن العبد الصالح عليه السلام، قال: إنّ الحجّة لا تقوم لله على خلقه إلّا بإمام حتّى يعرف.

محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن البرقي، عن خلف بن حمّاد، عن أبان بن تغلب، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الحجّة قبل الخلق، ومع الخلق، وبعد الخلق.

أحمد بن مهران، عن محمّد بن علي، عن الحسين بن أبى العلاء، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت له: تبقى الأرض بغير إمام؟ قال: لا)).

ــ الكافي ج١ ص١٧٩: ((عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قال: والله ما ترك الله أرضاً، منذ قبض آدم عليه السلام، إلّا وفيها إمام يهتدي به إلى الله، وهو حجّته على عباده، ولا تبقى الأرض بغير إمام حجّة لله على عباده)).

ــ كتاب (براءة آدم حقيقة قرآنية) للسيّد جعفر مرتضى العاملي، ص٢٦: ((خلاف الأوْلى: وربّما نجد: أنّ بعضهم قد اختار في توجيه قضية آدم عليه السلام التعبير الذي يقول: إنّ ذلك كان من قبيل ترك الأوْلى؛ فقد قال العلاّمة الطباطبائي رحمه الله): ابتلاء آدم عليه السلام كان قبل تشريع الشرايع، فكان المتوجّه إليه إرشادياً. وما ابتلي به من المخالفة كان من قبيل: ترك الأوْلى (تفسير الميزان ج١٤ ص٢٢٧).

وقال أيضاً عن التعبير القرآني الذي يوحي بصدور المعصية من آدم عليه السلام: إنّما هي معصية أمر إرشادي، لا موْلوي. والأنبياء عليهم السلام معصومون من المعصية والمخالفة في أمر يرجع إلى الدين الذي يُوحى إليهم، فلا يخطئون، ومن جهة حفظه، فلا ينسون ولا يحرّفون، ومن جهة إلقائه إلى الناس وتبليغه قولاً، فلا


الصفحة 561
يقولون إلّا الحقّ الذي أُوحي إليهم، وفعلاً، فلا يخالف فعلهم قولهم، ولا يقترفون معصية صغيرة ولا كبيرة؛ لأنّ في الفعل تبليغاً كالقول.

وأمّا المعصية بمعنى: مخالفة الأمر الإرشادي الذي لا داعي فيه إلّا إحراز المأمور خيراً أو منفعة من خيرات حياته ومنافعها بانتخاب الطريق الأصلح، كما يأمر وينهى المشير الناصح نصحاً؛ فإطاعته ومعصيته خارجتان من مجرى أدلّة العصمة. وهو ظاهر. وليكن هذا معنى قول القائل: إنّ الأنبياء عليهم السلام على عصمتهم يجوز لهم ترك الأوْلى، ومنه: أكل آدم عليه السلام من الشجرة.

ونقول: أوّلاً: علينا أن نحمل كلامهم على أنّ مقصودهم هو: الترك المستند إلى المقدّمات الصحيحة التي تناسب عصمة النبيّ أو الوصيّ، وحكمته، وعقله، وتدبيره، بحيث يكون تركه للأوْلى من أجل أنّه رأى في مرحلة الظاهر هذا الترك هو الأوْلى. وليس المقصود أنّه عرف أنّه الأوْلى، ثمّ تركه..

فإذا ظهر أنّ الواقع كان مخالفاً للظاهر، فإنّ ذلك لا يضرّ؛ لأنّه تكليفه هو العمل بما ثبت له في مرحلة الظاهر..

والسبب في ذلك هو: أنّ تركه للأوْلى، إذا كان من أجل أنّه لم يدرك أوْلويته، وكان عدم إدراكه لذلك يمثّل نقصاناً في مستوى وعيه، وفهمه، وحكمته، أي: أنّه لا يدرك ما هو أوْلى وراجح، ولا يدرك أيضاً: أن عليه أن يأخذ بالراجح، ويلتزم به)).

ــ (الكافي)، للكليني ج١ ص٢٦٩: ((باب في أنّ الأئمّة بمن يشبّهون ممّن مضى وكراهية القول فيهم بالنبوّة)).


الصفحة 562
ــ (الكافي)، للكليني ج١ ص٢٧٠: ((عن محمّد بن مسلم، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: الأئمّة بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلّا أنّهم ليسوا بأنبياء، ولا يحلّ لهم من النساء ما يحلّ للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فأمّا ما خلا ذلك فهم فيه بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)).

ــ الشيخ علي الكوراني كتاب (العقائد الإسلامية) ج١ ص٣٤١: ((المقنعة ٣٢، ويجب على كلّ مكلّف أن يعرف إمام زمانه، ويعتقد إمامته وفرض طاعته، وأنّه أفضل أهل عصره وسيّد قومه، وأنّهم في العصمة والكمال كالأنبياء عليهم السلام، ويعتقد أنّ كلّ رسول لله تعالى إمام، وليس كلّ إمام نبيّاً ولا رسولاً)).

ــ (تفسير نور الثقلين)، للشيخ عبد علي الحويزي ج٣ ص١٤٢: ((في كتاب (معاني الأخبار)، بإسناده إلى موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين عليهم السلام، قال: الإمام منّا لا يكون إلّا معصوماً, وليست العصمة في ظاهر الخلقة فيعرف بها, وكذلك لا يكون إلّا منصوصاً. فقيل: يا بن رسول الله فما معنى المعصوم؟

فقال: هو المعتصم بحبل الله, وحبل الله هو: القرآن, والقرآن يهدي إلى الإمام, وذلك قول الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ(1)))).

ــ وقال المفيد في (المقنعة)، ص٣٠: ((باب ما يجب من الاعتقاد في أنبياء الله تعالى ورسله عليهم السلام: ويجب أن يعتقد التصديق لكلّ الأنبياء عليهم السلام، وأنّهم حجج الله على من بعثهم إليه من الأُمم، والسفراء بينه وبينهم، وأنّ محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف صلى الله عليه وآله وسلم خاتمهم وسيّدهم وأفضلهم، وأنّ

____________

1- الإسراء (١٧): ٩.


الصفحة 563
شريعته ناسخة لما تقدّمها من الشرائع المخالفة لها، وأنّه لا نبيّ بعده ولا شريعة بعد شريعته، وكلّ من ادّعى النبوّة بعده فهو كاذب على الله تعالى، ومن يغيّر شريعته فهو ضالّ كافر من أهل النار، إلّا أن يتوب ويرجع إلى الحقّ بالإسلام، فيكفّر الله تعالى حينئذٍ عنه بالتوبة ما كان مقترفاً من الآثام.

ويجب اعتقاد نبوّة جميع من تضمّن الخبر عن نبوّته القرآن على التفصيل، واعتقاد الجملة منهم على الإجمال، ويعتقد أنّهم كانوا معصومين من الخطأ، موفّقين للصواب، صادقين عن الله تعالى في جميع ما أدّوه إلى العباد، وفي كلّ شيء أخبروا به على جميع الأحوال، وأنّ طاعتهم طاعة لله ومعصيتهم معصية لله، وأنّ آدم، ونوحاً، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وإدريس، وموسى، وهارون، وعيسى، وداود، وسليمان، وزكريا، ويحيى، وإلياس، وذا الكفل، وصالحاً، وشعيباً، ويونس، ولوطاً، وهوداً، كانوا أنبياء الله تعالى ورسلاً له، صادقين عليه، كما سمّاهم بذلك، وشهد لهم به، وأنّ من لم يذكر اسمه من رسله على التفصيل ــ كما ذكر من سمّيناه منهم ــ وذكرهم في الجملة، حيث يقول: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ(1)،كلّهم أنبياء عن الله صادقون، وأصفياء له، منتجبون لديه، وأنّ محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم سيّدهم وأفضلهم، كما قدّمناه)).

ــ ألف سؤال وإشكال، للشيخ علي الكوراني العاملي ج٢ ص١٤٨: ((نؤمن بالعدالة المطلقة لله تعالى، والعصمة التامّة للأنبياء والأئمّة، امتاز الشيعة عن غيرهم من جميع مذاهب المسلمين والأديان الأُخرى, بعقيدتهم بالعدالة الكاملة

____________

1- النساء (٤): ١٦٤.


الصفحة 564
لله تعالى, والعصمة الكاملة لأنبيائه وأوصيائه، فهم ينزّهونهم عن جميع المعاصي والمعائب, قبل البعثة والإمامة وبعدها, في تبليغ الرسالة, أو في سلوكهم الشخصي والعام.

وقد عرّف الإمام الصادق العصمة كما في (معاني الأخبار) للصدوق، ص١٣٢: قال: سألت أبا عبد الله عن ذلك؟ فقال: المعصوم هو: الممتنع بالله من جميع محارم الله, وقال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(1).

وفي (معاني الأخبار)، ص١٣٢: عن الإمام موسى بن جعفر, عن أبيه جعفر ابن محمّد, عن أبيه محمّد بن علي, عن أبيه علي بن الحسين، قال: الإمام منّا لا يكون إلّا معصوماً, وليست العصمة في ظاهر الخلقة فيُعرف بها, ولذلك لا يكون إلّا منصوصاً. فقيل له: يا ابن رسول الله فما معنى المعصوم؟

فقال: هو: المعتصم بحبل الله، وحبل الله هو: القرآن، لا يفترقان إلى يوم القيامة, والإمام يهدي إلى القرآن، والقرآن يهدي إلى الإمام, وذلك قول الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ(2).

وفي (معاني الأخبار)، ص١٣٢: عن محمّد بن أبي عمير، قال: ما سمعت ولا استفدت من هشام بن الحكم في طول صحبتي له شيئاً أحسن من هذا الكلام في صفة عصمة الإمام؛ فإنّي سألته يوماً عن الإمام أهو معصوم؟ فقال: نعم. فقلت: فما صفة العصمة فيه؟ وبأيّ شيء تُعرف؟

____________

1- آل عمران (٣): ١٠١.

2- الإسراء (١٧): ٩.


الصفحة 565
فقال: إنّ جميع الذنوب لها أربعة أوجه، ولا خامس لها: الحرص والحسد والغضب والشهوة, فهذه منفية عنه..

لا يجوز أن يكون حريصاً على هذه الدنيا وهي تحت خاتمه؛ لأنّه خازن المسلمين, فعلى ماذا يحرص؟!

ولا يجوز أن يكون حسوداً؛ لأنّ الإنسان إنّما يحسد من فوقه وليس فوقه أحد, فكيف يحسد من هو دونه؟!

ولا يجوز أن يغضب لشيء من أُمور الدنيا إلّا أن يكون غضبه لله عزّ وجلّ, فإنّ الله عزّ وجلّ قد فرض عليه إقامة الحدود, وأن لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا رأفة في دينه حتّى يقيم حدود الله عزّ وجلّ.

ولا يجوز له أن يتّبع الشهوات ويؤثر الدنيا على الآخرة؛ لأنّ الله عزّ وجلّ حبّب إليه الآخرة كما حبّب إلينا الدنيا, فهو ينظر إلى الآخرة كما ننظر إلى الدنيا، فهل رأيت أحداً ترك وجهاً حسناً لوجه قبيح، وطعاماً طيّباً لطعام مرّ, وثوباً ليناً لثوب خشن, ونعمةً دائمة باقية لدنيا زائلة فانية؟!

(رواه في علل الشرائع ١: ٢٠٤، وأمالي الصدوق ص٧٣١، والخصال ص٢١٥))). انتهى كلام الكوراني.

ــ (الشيعة في عقائدهم وأحكامهم), للكاظمي القزويني, ص٣٢٢: ((قوّة في العقل تمنع صاحبها من مخالفة التكليف مع قدرته على مخالفته)).

((إنّ استنباط الفرق بين النبيّ والإمام من تلك الأخبار لا يخلو من إشكال)). (بحار الأنوار: ٢٦/٨٢.).

ثمّ قال: ((ولا نعرف جهة لعدم اتّصافهم بالنبوّة إلّا رعاية خاتم الأنبياء، ولا يصل عقولنا فرق بين النبوّة والإمامة))(بحار الأنوار: ٢٦/٨٢).


الصفحة 566
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قد ذكرنا الفرق بين الرسول والنبيّ في أجوبتنا ضمن عنوان: (النبوّة والأنبياء/ الفرق بين النبيّ والرسول)؛ فراجع!

أمّا تعريف الإمامة فقد عرّفها العلاّمة الحلّي بأنّها: رياسة عامّة في أُمور الدين والدنيا لشخص من الأشخاص نيابة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

وقال المقداد السيوري: ((الإمامة رياسة عامّة في أُمور الدين والدنيا لشخص إنساني))(1)، وقد عرّفناها نحن هنا في هذا العنوان بأنّها: رئاسة عامّة إلهية لشخص من الأشخاص خلافة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؛ فراجع!

ومعنى كون (الأنبياء والأئمّة حجّة الله على عباده)، أي: أدلّته وعلاماته التي بها يهتدون إليه سبحانه، إذ بهم يعرفون وعده ووعيده وصراطه وغاية وجودهم، وبهم يحتجّ الله تعالى عليهم يوم القيامة(2).

ومعنى وصيّ النبيّ، هو: القائم مقامه في الأمر والنهي بعهد من النبيّ إليه.

وأمّا المقصود من (المهديين)، فمرّة يراد بهم: الأئمّة الأطهار عليهم السلام(3)، وأُخرى هناك أخبار آحاد تشير أنّ بعد القائم اثني عشر مهدياً، وهم ليسوا بأئمّة كما تصرّح بعض الروايات(4).

____________

1- النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر: ٩٤ الفصل السادس.

2- انظر: شرح أُصول الكافي، للمازندراني ٤: ٢٢٩ كتاب التوحيد، باب النوادر.

3- انظر: كامل الزيارات، لابن قولويه: ٤٣٨ الباب (٨٤)، الأمالي، للصدوق: ١٨٨ الحديث (١٩٧) المجلس (٢٦)، وغيرها.

4- انظر: إكمال الدين وإتمام النعمة، للصدوق: ٣٥٨ الحديث (٥٦) الباب (٣٣).


الصفحة 567
ومن الممكن أن يكون هناك شخص يحمل أكثر من صفة من تلك الصفات؛ فالإمام عليّ عليه السلام هو إمام ووصيّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو حجّة الله على خلقه في فترة إمامته، ونبيّ الله إبراهيم عليه السلام نبيّ ورسول وإمام وحجّة الله على خلقه في فترة نبوّته.

والإمام عليّ عليه السلام لا يمكن أن يكون نبيّاً؛ فإنّ درجته الكمالية التي وصل إليها والتي اختاره الله واصطفاه هي: الإمامة لخاتم الأنبياء. ويمكنك الرجوع إلى عنوان: (الإمامة/ أعلى رتبةً من النبوّة) لاستيضاح الأمر.

وليس كلّ رسول إماماً ــ على خلاف في هذه المسألة؛ فبعضهم يقول: إنّ كلّ رسول إمام ــ ولا كلّ نبيّ إمام، ولا كلّ وصيّ إمام، فقد يكون هناك نبيّ أو رسول ــ على الخلاف ــ دون أن يصل إلى الإمامة، كما حصل مع إبراهيم عليه السلام قبل إمامته، ويمكن أن يكون هناك وصيّ ليس بإمام كأن يكون نبيّاً ، كما هو الحال في بعض أنبياء بني إسرائيل الذين كانوا أوصياء لمن سبقهم من الأنبياء عليهما السلام.

نعم، الشيخ المفيد يرى أنّ كلّ رسول فهو نبيّ إمام؛ فهو يرى أنّ العلاقة بين الرسول والنبيّ هي العموم والخصوص المطلق(1)، وقد عرفت الحال منها سابقاً، والروايات تشير إلى أنّه لا تخلو الأرض من حجّة بشكل مطلق، وهو يشمل النبيّ والرسول والإمام والوصيّ، وطريق الجمع بينها وبين الروايات التي تشير إلى أنّه لا تبقى الأرض بغير إمام: أنّ الإمام المقصود في هذه الروايات بمعنى: الهادي، الذي يشمل النبيّ والرسول والإمام بالمعنى الأخصّ، فيكون المدار على وجود

____________

1- انظر: المقنعة: ٣٢، الباب الثالث.


الصفحة 568
الحجّة في الأرض، أو القول بأنّ الحجّة مساوق للإمام كما عليه الكثير من علمائنا التزاماً بالروايات، وقد مضى بيان ذلك في السؤال السابق.

والإمام يختاره الله ويصطفيه لعلمه به منذ ولادته إماماً.

ويطلق الإمام الصامت في بعض الروايات على الإمام: الذي يكون مع إمام آخر، الذي يكون هو الإمام الفعلي، الذي يحقّ له التكلّم، والآخر يكون صامتاً(1).

وكان إبراهيم عليه السلام هو الحجّة في زمانه حتّى قبل أن يكون إماماً على القول بالمعنى المطلق للحجّة، وأمّا على القول الآخر، فلا بدّ من أن يكون عليه إمام لا نعرفه.

وربّما كان الحجّة قبل نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم هو: أبو طالب، كما تشير بعض الروايات. وأوضحنا ذلك في عنوان (أبو طالب/ هو الحجّة قبل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم)، وهل كان عليه إمام؟ العلم عند الله في ذلك؛ إذ لم يصلنا شيء من الروايات بهذا الخصوص.

وآخر الأئمّة عليهم السلام هو: الإمام المهدي عليه السلام. لكن تشير بعض الروايات إلى رجوع بعض الأئمّة عليهم السلام بعد ظهوره عجل الله تعالى فرجه الشريف(2).

ولا يزيد عدد أئمّتنا عن اثني عشر إماماً.

نعم، هناك روايات تشير إلى اثني عشر مهدياً، وهم غير الأئمّة وليسوا المعصومين(3)، ولعلّهم سيكونون قادة في ظلّ حكومة أحد المعصومين عليهم السلام في الرجعة.

____________

1- انظر: بصائر الدرجات، للصفّار: ٣٩٢ الجزء الثامن والعاشر، الإمامة والتبصرة، لابن بابويه: ١٠١، باب إمامة القائم، الكافي، للكليني ١: ١٧٨ كتاب الحجّة، باب أنّ الأرض لا تخلو من حجّة.

2- انظر: بحار الأنوار، للمجلسي ٥٣: ٤٦ الباب (٢٩).

3- انظر: الغيبة، للطوسي: ٤٧٨ الحديث (٥٠٤) فصل (٨).


الصفحة 569
أمّا أسئلة العصمة، فقد فصّلنا القول فيها في عنوانها الخاص بها؛ فراجع!

(الإمامة منصب يحصل بعد الاختبار)

« عماد علي ــ السعودية ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

سؤالي هو: هل هناك أنبياء نالوا منصب الإمامة غير نبيّنا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، ونبيّ الله إبراهيم عليه السلام؟

وهل الآية الكريمة: قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ _ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ(1)، تعني: أنّ نبيّ الله إسحاق، ونبيّ الله يعقوب عليهما السلام نالا منصب الإمامة؟

فإن كان كذلك، فكيف نفسّر كون نبيّ الله إبراهيم عليه السلام حصل على منصب الإمامة بعد عدّة ابتلاءات، بينما نبيّ الله إسحاق ونبيّ الله يعقوب عليهما السلام لم يأتِ ذكر لابتلاءاتهما؟ هل يعني هذا أنّهما أفضل من نبيّ الله إبراهيم عليه السلام؟

____________

1- الأنبياء (٢١): ٧٢ ــ ٧٣.


الصفحة 570
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ عدم ذكر الابتلاء أو الاختبار الذي جعل لهما لا يدلّ على عدم حصوله أصلاً وأنّهما حصلاً على الإمامة من دون اختبار أو استحقاق، بل السكوت في هذه الآية أعمّ من حصول الاختبار وعدمه.

وقد أشارت آيات أُخرى إلى ما يدلّ على ذلك؛ فقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ(1)، فالصبر واليقين هما السبب في تنصيبهم للإمامة..

ولعلّ في سورة يوسف بعضاً من تلك الابتلاءات التي لم تذكر في هذه الآية، والتي على أساسها حصل الاجتباء؛ فقد قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(2).

(من صفاتها: تنزّه الإمام عمّا تنفر منه الطباع)

« زينب ــ بريطانيا ــ إمامية »

السؤال:

نشكر لكم جهودكم ونتمنّى لكم كلّ خير وصلاح.

____________

1- السجدة (٣٢): ٢٤.

2- يوسف (١٢): ٦.


الصفحة 571
الصفحة السابقةالصفحة التالية