المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 6) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج6 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 31 - ص 60) فأجاب قائلاً: ولو وفّقت أن أكتشف آلة, تمكّنني من التكلّم مع الميكروبات, فتكلّمت مع ميكروب صغير واقف على رأس شعرة من شعرات رأس إنسان, وسألته: أين تجد نفسك؟ لقال لي: إنّي أرى نفسي على رأس شجرة شاهقة! أصلها ثابت وفرعها في السماء. عند ذلك أقول له: إنّ هذه الشعرة التي أنت على رأسها, إنّما هي شعرة من شعرات رأس إنسان.. وإنّ الرأس عضو من أعضاء هذا الإنسان.. ماذا تنظرون؟ هل لهذا الميكروب المتناهي في الصغر: أن يتصوّر جسامة الإنسان وكبره؟كلاّ! إنّي بالنسبة إلى الله تعالى, لأقلّ وأحطّ من ذلك الميكروب, بمقدار لا يتناهى فأنّى لي أن أحيط بالله الذي أحاط بكلّ شيء, بقوى لا تتناهى, وعظمة لا تُحد؟

فقام المتشاجرون من عند (آينشتاين), وأذعنوا للقائلين بوجود الله عزّ وجلّ))(1).

(إثبات أنّ للكون علّة غير محتاجة)

« أُمّ محمّد ــ البحرين ــ إمامية »

السؤال:

كيف نثبت أنّ للكون علّة غير محتاجة؟

وفّقكم الله لما يحبّ ويرضى.

____________

1- هل تحبّ معرفة الله، الفصل الأوّل: مع الإلحاد والمادية.


الصفحة 32
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نثبت ذلك عن طريق الدليل العقلي والدليل الشرعي:

أمّا الدليل العقلي، فنقول: لو كانت علّة الكون محتاجة للزم التسلسل, وهو باطل عقلاً.

وذلك ببيان: معنى كون العلّة محتاجة، أي: مفتقرة ومعلولة إلى علّة ثانية توجدها, وهي غير محتاجة, وإلّا لاحتاجت العلّة الثانية إلى علّة ثالثة, وهكذا, فيكون بعضها معلول لبعض آخر, وذلك البعض الآخر معلول لآخر من غير أن ينتهي إلى علّة ليست بمعلول, وهو ممتنع وباطل, لاستحالة التسلسل.

فيثبت أنّ علّة الكون ليست بمعلول, أي ليست بمحتاجة, وهو المطلوب.

وأمّا الدليل الشرعي، فنقول: وردت آيات وروايات كثيرة تنص على أنّ الخالق والموجِد لهذا الكون هو الله تعالى, ووصفته بأنّه غني غير محتاج:

١ــ قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ(1).

٢ــ قوله تعالى: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لاَ يُوقِنُونَ(2).

٣ــ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ(3).

٤ــ قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى(4).

____________

1- الطور (٥٢): ٣٥.

2- الطور (٥٢): ٣٦.

3- فاطر (٣٥): ١٥.

4- النجم (٥٣): ٤٨.


الصفحة 33

٥ــ قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ(1).

(لا بدّ من الدليل العقلي في إثبات الله تعالى)

« حامد محل ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

أرجو الردّ على الإشكال جزاكم الله خير الجزاء.

أصل المعرفة: إثبات الخالق بالعقل (الإمامية), أمّا الأشاعرة قالوا (بالنقل) الدليل النقلي.

ما هو الدليل العقلي على إثبات الخالق؟ نقول: هو دفع الضرر الذي يقول بوجود الخالق, أمّا أن يكون (نبيّاً), فإذا كان (نبيّاً) فأنت تطيع الدليل (النقلي) وليس الدليل العقلي, وأمّا إذا كان غير (نبيّ) فمن أين له أن يعرف أنّ هناك خالقاً؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الله سبحانه منح الإنسان العقل وميّزه به عن البهائم والدواب بهذه المنحة، وقد وصف القرآن الكريم من لا يستفيد من عقله وفكره بأنّه شرّ الدواب، قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ(2)..

____________

1- محمّد (٤٧): ٣٨.

2- الأنفال (٨): ٢٢.


الصفحة 34
وفي العقل قدرة ذاتية منحه الله إياها للوصول إلى معرفة وجود خالق للكون, بل حتّى له قدرة في بيان جملة من صفات هذا الخالق، وعودة سريعة إلى قصّة ابن طفيل (حيّ بن يقظان) تستطيع أن تستشف قدرة الإنسان المنعزل عن الوحي والاتّصال بالأنبياء في الوصول بل التيقّن من وجود خالق ومدبّر لهذا الكون.

وفي هذا المعنى يقول الإمام الصادق عليه السلام في وصف العقل ودوره في الإلهيات: (إنّ أوّل الأُمور ومبدأها وقوّتها وعمارتها، التي لا ينتفع شيء إلّا به: العقل، الذي جعله الله زينةً لخلقه، ونوراً لهم، فبالعقل عرف العباد خالقهم، وأنّهم مخلوقون، وأنّه المدبّر لهم، وأنّهم المدبّرون، وأنّه الباقي وهم الفانون، واستدلّوا بعقولهم على ما رأوا من خلقه، من سمائه وأرضه وشمسه وقمره وليله ونهاره، وبأنّ لهم خالقاً ومدبّراً لم يزل ولا يزول، وعرفوا به الحسن من القبيح، وأنّ الظلمة في الجهل، وأنّ النور في العلم، فهذا ما دلّهم عليه العقل)(1).

وقال الرضا عليه السلام: (افترقت فدلّت على فرقها، وتباينت فأعربت من مبانيها لمّا تجلّى صانعها للعقول، وبها احتجب عن الرؤية وإليها تحاكم الأوهام، وفيها أثبت غيره، ومنها أُنيط الدليل، وبها عرفها الإقرار، وبالعقل يعتقد التصديق بالله، وبالإقرار يكمل الإيمان به..

ولا ديانة إلّا بعد المعرفة، ولا معرفة إلّا بالإخلاص، ولا إخلاص مع التشبيه، ولا نفي مع إثبات الصفات للتشبيه، فكلّ ما في الخلق لا يوجد في خالقه، وكلّ ما يمكن فيه يمتنع عن صانعه)(2).

____________

1- الكافي، للكليني ١: ٢٩ حديث (٣٤) كتاب (العقل والجهل).

2- التوحيد، للصدوق: ٤٠ حديث (٢)، باب التوحيد ونفي التشبيه.


الصفحة 35

أمّا من يستدلّ بالدليل النقلي فقط على إثبات الخالق وغير ذلك من مسائل الإلهيات, فنقول: إنّ آيات القرآن الكريم تحرّض كلّ التحريض على التدبّر في آيات الله، وبذل الجهد في تكميل معرفة الله ومعرفة آياته، بالتذكّر والتفكّر والنظر فيها، والاحتجاج بالحجج العقلية.. وقد استدلّ القرآن على بعض المطالب الإلهية بالأدلّة العقلية وسلك المنهج العقلي، فاستدلّ على التوحيد مثلاً بقوله: ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلهَةٌ إلَّا اللَّه لََفسَدَتَا(1)، وقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إذن لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ(2).

واستدلّ في إبطال مقالة من زعم من المشركين أنّ له سبحانه ولداً قال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ(3).

فالقوّة العاقلة هي هبة سماوية من الله سبحانه إلى البشر، وهي وإن لم تكن بقادرة على كشف جميع الأخبار السماوية وتحتاج إلى الوحي الإلهي، لكنّها ليست بعاجزة مطلقاً!

ومن هنا لا يجوز التقليد في أُصول الدين، فإن دلّ هذا على شيء فإنّما يدلّ على أنّ بعض المسائل الإلهية، كإثبات وجود الخالق، ومعرفة بعض صفاته، قابلة الحصول لدى العقل البشري.

وعليه فالبحث عن وجود الله لا يقتصر على الدليل النقلي فقط، بل العقل ــ بما هو عقل وله قدرة ذاتية على تشخيص الضرر ــ يأمرنا بدفع الضرر المحتمل،

____________

1- الأنبياء (٢١): ٢٢.

2- المؤمنون (٢٣): ٩١.

3- البقرة (٢): ١١٦.


الصفحة 36
وكذلك يستقلّ العقل بلزوم شكر المنعم، وإلّا خالف الإنسان إنسانيته ولم يعد أهلاً للتميّز عن العجماوات، ولا يتحقّق الشكر إلّا بمعرفة هذا المنعم.

ومن هنا كان للعقل دور في هذه المعرفة، ولعلّ الأدلّة التي ذكرها الفلاسفة والمتكلّمون، مثل: دليل النظم، وبرهان الإمكان، وبرهان حدوث المادّة، كافية في بيان قدرة العقل المستقلّة عن الوحي في الوصول إلى معرفة وجود الخالق وصفاته..

بل وحتى الإيمان بالأنبياء والتصديق بهم يحتاج إلى مقدّمات عقلية، منها: مطالبتهم الإثبات بالمعجزة وإظهارها، كي يُسدّ الطريق على مدّعي النبوّة..

فللعقل دور مهم في مسائل الإلهيات لا يمكن تجاوزه، أو الاكتفاء بالنقل في إثبات هذه المسائل دونه.

(الأدلّة العقلية على وجود الله تعالى)

« م/ إحسان ــ لبنان »

السؤال:

كيف نستطيع معرفة الله؟

وما هي الأدلّة العقلية لوجوده سبحانه وتعالى؟

وما هو أفضل كتاب يفضّل قراءته في هذا المجال؟

وكيف نؤمن بربّ لا نراه؟

وكيف وجد الله ومن أين؟


الصفحة 37
أرجو الإجابة, وأنا مؤمن بالله, ولكن للاطمئنان ودمتم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ وجود الله تعالى أغنى من أن يحتاج إلى بيان أو يتوقّف على برهان, إذ أدركه كلّ ذي عقل, وأحسّ به كلّ ذي شعور, وفهمته كلّ فطرة. حتّى الذي ينكره بلسانه لا محالة يتوجّه إليه عند الاضطرار بقلبه وجَنانه, بل يمكن القول بأنّ وجوده تعالى فطري لا يحتاج في الحقيقة إلى دليل, ولكن نذكر لكم بعض الأدلّة العقلية على وجوده تعالى حسبما طلبتموه:

الأوّل: برهان النظم؛ أوضح الأدلّة على إثبات الله تعالى الذي يحكم به العقل, هو: دليل النظم والتدبير؛ فالكلّ يرى العالم بسماواته وأراضيه, وما بينهما من مخلوقاته ورواسيه من المجرّة إلى النملة، فنرى أجزاءها وجزئياتها مخلوقة بأحسن نظم, وأتقن تدبير، وأحسن صنع, وأبدع تصوير, فيحكم العقل بالصراحة أنّه لا بدّ لهذا التدبير من مدبّر, ولهذا التنظيم من منظم, ولهذا السير الحكيم من محكم, وذلك هو الله تعالى.

الثاني: امتناع الصدفة؛ فإنّا إذا لم نؤمن بوجود الخالق لهذا الكون العظيم, فلا بدّ وأن نقول: بأنّ الصدفة هي التي أوجدته، أو: أنّ الطبيعة هي التي أوجدته. لكن من الواضح أنّه لا يقبل حتّى عقل الصبيان أن تكون هذه المخلوقات اللامتناهية وجدت بنفسها بالصدفة العمياء، أو بالطبيعة الصماء.

الثالث: برهان الاستقصاء؛ فإنّ كلاً منّا إذا راجع نفسه يدرك ببداهة أنّه لم يكن موجوداً أزليّاً, بل كان وجوده مسبوقاً بالعدم, وقد وجد في زمان خاص,


الصفحة 38
إذاً فلنفحص ونبحث: هل أنّنا خلقنا أنفسنا؟ أم خلقنا أحد مثلنا؟ أم خلقنا القادر الله تعالى؟ ولا شكّ أنّنا لم نخلق أنفسنا؛ لعدم قدرتنا على ذلك, ولا شكّ أيضاً أنّ أمثالنا لم يخلقونا؛ للسبب نفسه, إذاً لا يبقى بعد التفحّص والاستقصاء إلّا أنّ الذي خلقنا هو: الله تعالى؛ لأنّه القادر على خلق كلّ شيء.

الرابع: برهان الحركة؛ إنّا نرى العالم بجميع ما فيه متحرّكاً, ومعلوم أنّ الحركة تحتاج إلى محرّك؛ لأنّ الحركة قوّة، والقوّة لا توجد بغير علّة، إذاً لا بدّ لهذه الحركات والتحوّلات والتغيّرات من محرّك حكيم قدير, وهو: الله تعالى.

الخامس: برهان القاهرية؛ إنّ الطبيعة تنمو عادة نحو البقاء لولا إرادة من يفرض عليها الفناء؛ فالإنسان الذي يعيش، والأشجار التي تنمو لا داعي إلى أن يعرض عليها الموت أو الزوال إلّا بعلّة فاعلة قاهرة، فمن هو المميت؟ ومن هو المزيل؟ ذلك الذي له القدرة على فناء مخلوقاته، وهو: الله تعالى(1).

هذه أدلّة خمسة من بين الأدلّة العقلية الكثيرة التي تبرز الإيمان الفطري بوجود الله تعالى.

وأمّا كيف وجد وأين وجد، فذلك ممنوع شرعاً من التحدّث عنه! بل ولا يمكن للعقل أن يدركه. والكتاب المفضّل لمعرفة هذه الأُمور هو كتاب (الإلهيات) للشيخ السبحاني، وكتاب (العقائد الحقّة) للسيّد علي الحسيني الصدر.

____________

1- العقائد الحقّة، للصدر: ٣٦ أصل التوحيد.


الصفحة 39

(بيان أحد الأدلّة على وجود الله عزّ وجلّ)

« منذر ــ لبنان ــ إمامي »

السؤال:

أعطِ دليلاً على وجود الخالق؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الأدلّة على وجود الله سبحانه متكثّرة، وهي كما قيل: ((بعدد أنفاس الخلائق))، وهناك ثلاثة أدلّة تطرّق إلى ذكرها الشيخ جعفر السبحاني في كتابه (الإلهيات) في الجزء الأوّل، يمكنكم مطالعتها والاستفادة منها، ونحن بدورنا سننقل إليكم هنا ما ذكره في الدليل الأوّل فقط، وهو المسمّى بـ(برهان النظم).

قال: ((يبتنى برهان النظم على مقدّمات أربع:

الأُولى: إنّ وراء الذهن الإنساني عالَماً مليئاً بالموجودات, محتفّاً بالظواهر الطبيعية. وإنّ ما يتصوّره الإنسان في ذهنه هو انعكاس للواقع الخارجي, وهذه المقدّمة قد أطبق عليها الإلهي والمادّي، رافضين كلّ فكرة قامت على نفي الواقعية ولجأت إلى المثالية, بمعنى: نفي الحقائق الخارجية.

إنّ كلّ إنسان واقعي يعتقد بأنّ هناك قمراً وشمساً وبحراً ومحيطاً وغير ذلك. كما يعتقد بوجوده, وذهنه والصور المنعكسة فيه, وهذه هي الخطوة الأُولى في مضمار معرفة الله, وهي: التصديق بالواقعيات. ويشترك فيها الفلاسفة الواقعيون, دون المثاليين بمعنى الخياليين.


الصفحة 40
وبذلك يظهر أنّ رمي الإلهي بالمثالية، بمعنى: نفي الواقعيات, افتراء وكذب عليه, إذ لا يوجد على أديم الأرض من يكون إلهياً وفي الوقت نفسه ينفي واقعيات الأشياء والظواهر الطبيعية. ولو وجد هناك إنسان بهذه العقيدة فليس من تلك الزمرة, وإنّما هو من المنحرفين عن الفطرة السليمة الإنسانية.

وما ربّما يحكى عن بعض العرفاء من أنّ الموجود الحقيقي هو الله سبحانه وما سواه موجود بالمجاز, فله معنى لطيف لا يضرّ بما قلناه, وهذا نظير ما إذا كان هناك مصباح في ضوء الشمس, فيقال إنّ الضوء ضوء الشمس ولا ضوء لغيرها, فهكذا وجود الممكنات, المفتقرات المتدليات بالذات, بالنسبة إلى واجب الوجود القائم بالذات.

الثانية: إنّ عالم الطبيعة خاضع لنظام محدّد, وإن كلّ ما في الكون لا ينفك عن النظم والسُنن، التي كشفت العلوم الطبيعية عن بعضها, وكلّما تطوّرت هذه العلوم خطا الإنسان خطوات أخر في معرفة الكون والقوانين السائدة عليه.

الثالثة: أصل العلّية, والمراد منه: أنّ كلّ ما في الكون من سُنن وقوانين لاينفك عن علّة توجده، وأن تكوّن الشيء بلا مكوّن وتحقّقه بلا علّة أمر محال لا يعترف به العقل, بالفطرة, وبالوجدان والبرهان. وعلى ذلك فكلّ الكون وما فيه من نظم وعلل نتيجة علّة أوجدته وكوّنته.

الرابعة: إنّ دلالة الأثر تتجلّى بصورتين:

أ ــ وجود الأثر يدلّ على وجود المؤثّر, كدلالة المعلول على علّته, والآية على صاحبها, وقد نقل عن أعرابي أنّه قال: ((البعرة تدلّ على البعير, وأثر الأقدام يدلّ على المسير)), إلى غير ذلك من الكلمات التي تقضي بها الفطرة. وهذه


الصفحة 41
الدلالة ممّا لا يفترق فيها المادّي والإلهي, وإنّما المهم هو الصورة الثانية من الدلالة.

ب ــ إنّ دلالة الأثر لا تنحصر في الهداية إلى وجود المؤثّر, بل لها دلالة أُخرى في طول الدلالة الأُولى, وهي: الكشف عن خصوصيات المؤثّر، من عقله وعلمه وشعوره, أو تجرّده من تلك الكمالات والصفات وغيرها. ولنوضّح ذلك بمثال:

إنّ كتاب (القانون) المؤلّف في الطب, كما له الدلالة الأُولى، وهي: وجود المؤثّر, له الدلالة الثانية وهي: الكشف عن خصوصياته، التي منها: أنّه كان إنساناً خبيراً بأُصول الطب وقوانينه, مطّلعاً على الداء والدواء, عارفاً بالأعشاب الطبية, إلى غير ذلك من الخصوصيات.

والملحمة الكبيرة الحماسية لشاعر إيران (الفردوسي) لها دلالتان:

دلالة على أنّ تلك الملحمة لم تتحقّق إلّا بظل علّة أوجدتها, ودلالة على أنّ المؤلّف كان شاعراً حماسياً مطّلعاً على القصص والتواريخ, بارعاً في استعمال المعاني المتناسبة مع الملاحم.

ومثل ذلك كلّ ما تمر به ممّا بقي من الحضارات الموروثة، كالأبنية الأثرية, والكتب النفيسة, والصنائع المستظرفة اليدوية والمعامل الكبيرة والصغيرة, إلى غير ذلك ممّا يقع في مرأى ومنظر كلّ إنسان, فالمهم في هذا الباب هو عدم الاقتصار على الدلالة الأُولى بل التركيز على الدلالة الثانية بوجه علمي دقيق.

وعلى ضوء هذه القاعدة يقف العقل على الخصوصيات الحافّة بالعلّة,


الصفحة 42
ويستكشف الوضع السائد عليها, ويقضي بوضوح بأنّ الأعمال التي تمتاز بالنظام والمحاسبة الدقيقة, لا بدّ أن تكون حصيلة فاعل عاقل, استطاع بدقّته أن يوجِد أثره وعمله هذا.

كما يقضي بأنّ الأعمال التي لا تراعى فيها الدقّة اللازمة والنظام الصحيح, تكون ناشئة عن عمل عامل غير عاقل, وفاعل بلا شعور ولا تفكير, فهذا ما يصل إليه العقل السليم بدرايته.

ولتوضيح الحال نأتي بالمثالين التاليين:

المثال الأوّل: لنفترض أنّ هنا مخزناً حاوياً لأطنان عدّة من مواد البناء بما فيها الحجر والحديد والإسمنت والجص والخشب والزجاج والأسلاك والأنابيب، وغيرها من لوازم البناء, ثمّ وضع نصف ما في هذا المخزن تحت تصرّف أحد المهندسين أو المعماريين, لينشئ به عمارة ذات طوابق متعدّدة على أرض منبسطة. وبعد فترة من الزمن جاء سيل جارف وجرف ما تبقى في المخزن من مواد الإنشاء وتركها على شكل تل على وجه الأرض.

إنّ العمل الأوّل (العمارة) قد نتج عن عمل وإرادة مهندس عالم. أمّا الثاني (التل) فقد حدث بالفعل الطبيعي للسيل من دون إرادة وشعور.

فالعقلاء بمختلف مراتبهم وقومياتهم وعصورهم يحكمون بعقلانية صانع العمارة, ومدى قوّة إبداعه في البناء, من وضعه الأعمدة في أماكنها المناسبة، وإكسائه الجدران بالمرمر, ونصبه الأبواب في مواضعها الخاصّة, ومدّه الأسلاك وأنابيب المياه الحارة والباردة ووصلها بالحمامات والمغاسل, وغير ذلك ممّا يتبع هندسة خاصّة ودقيقة.


الصفحة 43
ولكن عندما نخرج إلى الصحراء كي نشاهد ما صنعه السيل, فغاية ما نراه هو انعدام النظام والترتيب فالحجر والمرمر قد اندثر تحت الطين والتراب, والقضبان الحديدية قد طرحت إلى جانب, والأسلاك تراها مقطعة بين قطعات الآجر, والأبواب مرمية هنا وهناك, وغير ذلك من معالم الفوضى والتبعثر. وبشكل عام, إنّ المعدوم من هذا الحشد هو النظام والمحاسبة؛ إذ لا هندسة ولا تدبّر. فالذي يُستنتج: إنّ المؤسّس للبناء ذو عقل وحكمة, والمُحْدِِث للتل فاقد لهما, فالمهندس ذو إرادة، والسيل فاقد لها, والأوّل نتاج عقل وعلم, والثاني نتاج تدفّق الماء وحركته العمياء.

المثال الثاني: لنفترض أنّنا دخلنا إلى غرفة فيها شخصان كلّ منهما جالس أمام آلة طابعة يريدان تحرير قصيدة لأحد الشعراء، فالأوّل يحسن القراءة والكتابة, ويعرف مواضع الحروف من الآلة، والآخر أُمّي لا يجيد سوى الضغط بأصابعه على الأزرار, فيشرعان بعملهما في لحظة واحدة. الذي نلاحظه أنّ الأوّل دقيق في عمله، يضرب بأصابعه حسب الحروف الواردة في القصيدة دون أن يسقط حرفاً أو كلمة منها.

وأمّا الآخر, الأُمّي البصير, فيضرب على الآلة دون علم أو هدى ولا يستطيع أن يميز العين من الغين, والسين من الشين: ونتيجة عمله ليست إلّا الهباء وإتلاف الأوراق, ولا يأتي بشيء ممّا أردناه..

فنتاج الأوّل محصول كاتب متعلّم, ونتاج الثاني محصول جاهل لا علم له ولا خبرة، ولو أُعطي المجال للأُلوف ممّن كفّ بصرهم وحُرموا لذّة العلم والتعلّم أن يحرّروا نسخة صحيحة من ملايين النسخ التي يحرّرونها لاستحال


الصفحة 44
ذلك؛ لأنّهم يفقدون ما هو العمدة والأساس..

ولعلّنا نشاهد في كلّ جزء من هذا الكون مثل تلك الصفحة التي حُرّرت فيها قصيدة الشاعر وترانا ملزمين بالاعتراف بعلم ومعرفة وحُسن أُسلوب كاتبها، ونجزم بأنّه بصير لم يكن فاقداً للعلم, ولم يكن فعله مشابهاً لفعل صبي رأى نفسه في غرفة خالية, فطرق في خياله أن يلهو ويلعب على آلة طابعة كي ينتج تلك الصفحة من قصيدة الشاعر.

وبعد ذكر الأمثلة المتقدّمة يتّضح لنا الفرق بين الأعمال التي تصدر عن إرادة وتدبّر, والتي تحدث عن طريق الصدفة؛ إذ لا إرادة فيها ولا تدبّر.

وهذه القاعدة التي يدركها العقل (لا بفضل التجربة بل في ظلّ التفكّر والتعقّل) هي روح برهان النظم، الذي هو من أوضح براهين الإلهيّين في إثبات الصانع ورفض الإلحاد والمادّية, وأشملها لجميع الطبقات.

وملخّص بيانهم في تطبيق هذه المقدّمة على العالم هو: أنّ العلم لم يزل يتقدّم ويكشف عن الرموز والسُنن الموجودة في عالم المادّة والطبيعة، والعلوم كلّها بشتّى أقسامها وأصنافها وتشعّبها وتفرّعها تهدف إلى أمر واحد، وهو: أنّ العالم الذي نعيش فيه, من الذرّة إلى المجرّة، عالم منسجم تسود عليه أدقّ الأنظمة والضوابط, فما هي تلك العلّة؟

أقول: إنّها تتردّد بين شيئين لا غير:

الأوّل: إنّ هناك موجوداً خارجاً عن إطار المادّة، عالماً قادراً واجداً للكمال والجمال, قام بإيجاد المادّة وتصويرها بأدق السُنن, وتنظيمها بقوانين


الصفحة 45
وضوابط دقيقة, فهو بفضل علمه الوسيع وقدرته اللامتناهية, أوجد العالم وأجرى فيه القوانين, وأضفى عليه السُنن، التي لم يزل العلم من بدء ظهوره إلى الآن جاهداً في كشفها, ومستغرقاً في تدوينها, وهذا المؤثّر الجميل ذو العلم والقدرة هو: الله سبحانه.

الثاني: إنّ المادّة الصمّاء العمياء القديمة التي لم تزل موجودة, وليست مسبوقة بالعدم, قامت بنفسها بإجراء القوانين الدقيقة, وأضفت على نفسها السُنن القويمة في ظلّ انفعالات غير متناهية حدثت في داخلها، وانتهت على مرّ القرون والأجيال إلى هذا النظام العظيم الذي أدهش العقول وأبهر العيون.

إذا عرضنا هاتين النظريتين على المقدّمة الرابعة لبرهان النظم, وهي قادرة على تمييز الصحيح من الزائف منهما, فلا شكّ أنّها ستدعم أُولاهما وتبطل ثانيتهما؛ لما عرفت من أنّ الخصوصيات الكامنة في وجود المعلول والأثر, تعرب عن الخصوصيات السائدة في المؤثّر والعلّة, فالسُنن والنُظم تكشف عن المحاسبة والدقّة, وهي تلازم العلم والشعور في العلّة, فكيف تكون المادّة العمياء الصماء الفاقدة لأي شعور هي التي أوجدت هذه السُنن والنُظم؟

وفي ضوء ذلك فالسُنن والنُظم, التي لم يتوفّق العلم إلّا لكشف أقلّ القليل منها, تثبت النظرية الأُولى، وهي: احتضان العلّة واكتنافها للشعور والعلم وما يناسبهما, وتبطل النظرية الثانية، وهي: قيام المادّة الصماء العمياء بإضفاء السُنن على نفسها بلا محاسبة ودقّة، بتخيّل أنّ انفعالات كثيرة, حادثة في صميم المادّة, انتهت إلى ذاك النظام المبهر تحت عنوان (الصدفة) أو غيرها من الصراعات الداخلية التي تلوكها ألسنة الماركسيين.


الصفحة 46
وعلى ذلك فكلّ علم من العلوم الكونية, التي تبحث عن المادّة وخصوصياتها وتكشف عن سُننها وقوانينها, كعملة واحدة لها وجهان, فمن جانب يعرّف المادّة بخصوصياتها, ومن جانب آخر يعرّف موجدها وصانعها. فالعالم الطبيعي ينظر إلى واحد من الوجهين، كما أنّ العارف ينظر إلى الجهة الأُخرى، والعالم الربّاني ينظر إلى كلّتا الجهتين ويجعل الأُولى ذريعة للثانية.

وبهذا نستنتج أنّ العلوم الطبيعية كلّها في رحاب إثبات المقدّمة الرابعة لبرهان النظم, وأنّ اكتمال العلوم يعين ذلك البرهان بأوضح الوجوه وأدقّ الطرق, وأنّ الاعتقاد بالصانع العالم القادر يصاحب العلم في جميع العصور والأزمان.

وفي الختام نركّز على نقطتين:

النقطة الأُولى: إنّ القرآن الكريم مليء بلفظة (الآية) و(الآيات), فعندما يسرد نظم الطبيعة وسُننها, ويعرض عجائب العالم وغرائبه, يعقبه بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، أو ﴿يَذَّكَّرُونَ، أو ﴿يَعْقِلُونَ، إلى غير ذلك من الكلمات الحاثّة على التفكّر والتدبّر, وهذه الآيات تعرض برهان النظم بأوضح أشكاله على لسان الفطرة, بدلالة آيوية مشعرة(1) بأنّ التفكّر في هذه السُنن اللاحبة والنظم المحيّرة يكشف بوضوح عن أنّ جاعلها موجود, عالم, قادر, بصير، ومن المحال أن تقوم المادّة الصماء العمياء بذلك.

ولأجل أن يقف القارئ الكريم على بعض هذه الآيات نشير إلى ما ورد في سورة النحل في هذا المضمار:

١ــ قوله سبحانه: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ

____________

1- قال في الهامش: الآيوية: منسوب إلى الآية.


الصفحة 47
الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(1).

٢ــ قوله سبحانه: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ(2).

٣ــ قوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ(3).

٤ــ قوله سبحانه: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(4).

٥ــ قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(5).

النقطة الثانية: إنّ برهان النظم وإن كان يعتمد على مقدّمات أربع غير أنّ الثلاثة الأُول ممّا اتّفق فيه جميع العقلاء إلّا شذّاذ الآفاق من المثاليين المنكرين للحقائق الخارجية. وإنّما المهم هو التركيز على توضيح المقدّمة الرابعة باستعانة من العلوم الطبيعية والفلكية وغيرها، التي تعدّ روحاً وأساساً لتلك المقدّمة.

وفي هذا المضمار نجد كلمات بديعة لخبراء العلم من المخترعين والمكتشفين:

____________

1- النحل (١٦): ١١.

2- النحل (١٦): ١٣.

3- النحل (١٦): ٦٥.

4- النحل (١٦): ٦٧.

5- النحل (١٦): ٦٩.


الصفحة 48

يقول (كلودم هزاوي) مصمّم العقل الألكتروني: طُلب منّي قبل عدّة سنوات القيام بتصميم آلة حاسبة كهربائية، تستطيع أن تحلّ الفرضيات والمعادلات المعقدة ذات البعدين، واستفدت لهذا الغرض من مئات الأدوات واللوازم الألكتروميكانيكية، وكانت نتائج عملي وسعيي هذا هو: (العقل الألكتروني). وبعد سنوات متمادية صرفتها لإنجاز هذا العمل، وتحمّل شتّى المصاعب وأنا أسعى لصنع جهاز صغير، يصعب علَيَّ أن أتقبّل هذه الفكرة، وهي: أنّ الجهاز هذا يمكن أن يوجد من تلقاء نفسه دون حاجة إلى مصمم!

إنّ عالمنا مملوء بالأجهزة المستقلّة لذاتها والمتعلّقة بغيرها في الوقت ذاته، وتعتبر كلّ واحدة منها أعقد بكثير من العقل الألكتروني الذي صنعته، وإذا استلزم أن يكون للعقل الألكتروني هذا مصمّم فكيف يمكننا إذاً أن ننفي هذا القول بالنسبة إلى أجسامنا بما فيها من خواص حياتية وأعمال فيزيائية وتفاعلات كيميائية، فلا بدّ من وجود مصمّم حكيم خالق لهذا الكون والذي أنا جزء حقير منه.

والعجب من الفرضية التي يعتمد عليها المادّيون، خلفاً عن سلف، ويقولون: بأنّ الانفعالات اللامتناهية اللاشعورية انتهت صدفة إلى هذا النظام البديع؛ يقول البروفسور (أدوين كونكلين) في حقّ هذه النظرية: إنّ هذا الافتراض لا يختلف عن قولنا: (إنّ قاموساً لغوياً ضخماً أنتجته المطبعة إثر انفجار فيها)!

إنّ نظام الكون الدقيق يجعل العلماء يتنبؤون بحركة السيارات والأقمار الفلكية، والتعبير عن الظواهر الطبيعية بمعادلات رياضية. إنّ وجود هذا النظام في الكون بدلاً من الفوضى، لدليل واضح على أنّ هذه الحوادث تجري وفق


الصفحة 49
قواعد وأُسس معينة، وأنّ هناك قوّة عاقلة، مهيمنة عليه، ولا يستطيع كلّ من أوتي حظّاً من العقل أن يعتقد بأنّ هذه المادّة الجامدة الفاقدة للحسّ والشعور ــ وعلى أثر الصدفة العمياء ــ قد منحت نفسها النظام، وبقيت ولا تزال محافظة عليه.

إنّ هناك مئات الكلمات حول تشييد برهان النظم وعرضها بشكل أدبي، علمي، موافق لروح العصر، وقد اكتفينا بعرض هذا المقدار))(1).

(عالم الطبيعة له نظم على نحو الكلّية الموجبة)

« طالب الحقّ ــ عمان ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

المقدّمة الصغرى في برهان النظم هي: العالم الطبيعي له نظم, وفي معرض إثبات‎ هذه المقدّمة يثبت الإلهيون النظم في (بعض) عالم الطبيعة، وليس (كلّ) عالم الطبيعة‎.

في العلوم الطبيعية يتمّ تبرير تعميم تمدّد (بعض) الحديد بالحرارة على (كلّ‎) الحديد مثلاً، اعتماداً على قاعدة التماثل التي تقول أنّ الأشياء المتماثلة من كلّ الجهات لها نفس الأحكام.

____________

1- الإلهيات ١: ٣٣ ــ ٤٢ الفصل الثاني: برهان النظم.


الصفحة 50
فكيف تبرّرون تعميمكم لنظم (بعض) الطبيعة على (كلّ) الطبيعة؟ هل باستخدام قاعدة التماثل؟

إذا كان نعم، فأين يكمن هذا التماثل التام؟

أو بتعبير آخر: ما هي الأشياء التي جعلتكم تقولون: إنّ كلّ أجزاء الطبيعة متماثلة، وبالتالي ما ينطبق على بعضها ينطبق على كلّها؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

المقدّمة الصغرى المذكورة بديهية؛ لأنّ ((بعض عالم الطبيعة له نظم)) حكم يحصل لدى الإنسان من خلال الحسّ، وبعضها الآخر الغير مدرك لا بدّ أن يكون له نظم أيضاً ويدرك بالحدس؛ لأنّه لو فرضنا أنّ البعض غير المدرك أو غير المشاهد من عالم الطبيعة لم يكن له نظم؛ فنتساءل: هل له ارتباط بالبعض الذي له نظم أم لا؟

فإن لم يكن له ربط فليس هو من عالم الطبيعة، وذلك خلاف الفرض، وإن كان له ربط فكيف يعقل ارتباط ما لا نظم له بما له نظم؟

فإذا قلنا: بإمكان الربط بينهما بحيث يكون جزء عالم الطبيعة له نظم وجزؤه الآخر لا نظم له، فالربط والعلاقة التي خولّت لنا إطلاق لفظ عالم الطبيعة على الكلّ لا بدّ أن يكون قد لوحظ فيها تماثل الجزءين، وإلّا لا يمكن أن يحصل ربط وعلاقة بين الجزءين، ولكن الجزءين متناقضان، فالنظام واللانظام لا يجتمعان في عالم واحد ولا يرتفعان، فكيف حصل الارتباط بينهما؟

أي: أنّنا نصل إلى تناقض في نهاية المطاف, ومعنى ذلك: أنّ عالم الطبيعة


الصفحة 51
له نظم على نحو الكلّية الموجبة.

(مسائل في قانون النظم)

« الميرزا ــ عمان ــ إمامي »

السؤال:

س١: ما معنى كلمة الاستقراء؟

س٢: يقول بعضهم في صياغة قانون النظم ما يلي: ((إنّ عالم الطبيعة خاضع لنظام معيّن ومحدّد، وإنّ كلّ ما في الكون لا ينفكّ عن النظم والسُنن التي كشفت العلوم الطبيعية عن بعضها))، كما هو موجود في موقع سفينة النجاة.

وفي الردّ على ذلك يقال ما يلي: ((يقرّ صاحب البرهان أنّ العلوم الحديثة لم تكشف كلّ القوانين التي يتصوّر وجودها مسبقاً، فإن كان دليله على وجود هذه القوانين الحاكمة هو العلوم الحديثة، فإنّ دليله هو استقراء ناقص؛ لأنّ العلم لم يكشف كلّ هذه القوانين التي يزعم وجودها)). فماذا تقولون؟

س٣: وأيضاً في برهان النظم هناك ردّ يقول: ((لا يوجد قوانين تحكم الكون ولها وجود موضوعي... ما يسمّيه الفيزيائيون: قوانين الكون، لا تعدو أن تكون الطريقة التي تتصرّف بها الأجسام أو المادّة بصورة عامّة، ولا يعني هذا أنّ هناك قانوناً يحكم حركة جسم، بل ما يحكم حركة الجسم هو: صفات الجسم، ونمط تفاعل هذه الصفات مع المحيط)). فماذا تقولون؟

س٤: النظام الذي يقول بوجوده برهان النظم، ما المقصود به بالضبط؟ هل


الصفحة 52
المقصود به أنّ الكواكب في مدارات خاصّة لا تصطدم ببعضها، ومن هذا القبيل، أم ماذا بالضبط؟

س٥: من يستطيع كشف النظام يستطيع كشف اللانظام، فكلّ ما لا أُصنّفه على أنّه نظام يكون لا نظام، وكما ترى أنت في الكون نظاماً فأنا أيضاً أستطيع أن أرى لا نظاماً، فإذا كان الأوّل يدلّ على خالق فعلام يدلّ الثاني؟

س٦: ليس هناك في العلم الحديث نظرية تنظيم دقيق تفسّر وجود الكون، وتعتبر كلّ النظريات التي تتطلّب افتراض نظام دقيق بأنّها خاطئة؛ لمخالفتها مبدأ الاقتصاد أو موس أو كام. فإذاً لا يوجد في العلم الحديث ما يساند ما يقوله من وجود نظام دقيق في الكون، فما هو ردّكم؟ ألا يسقط هذا برهان النظم أم ماذا؟

س٧: ماذا يُقصد بمصطلح: ((كلّيات العالم، أو الكون))؟

س٨: يقولون: ((إنّ مناط الحاجة إلى علّة هو: الفقر الوجودي عند المؤمنين بأصالة الوجود، وكلّيات العالم ليس فيها خلاء وجودي حتّى تكون محتاجة إلى موجود آخر تستمد منه وجودها)). ما هو ردّكم؟

س٩: أمّا أن تقولون لي: إنّ مناط الحاجة إلى علّة هو: صدور الفعل عن الفاعل بنمط معيّن، فإنّ هذا يجعلني أسألكم: ما علّة صدور الفعل الإلهي على النحو الذي يصدر عليه؟

س١٠: ما معنى أنّ التخصيص غير جائز في الأدلّة العقلية؟

س١١: القوانين الكونية ليست ضوابط تضاف إلى المادّة لتحكمها، ولو شاءت المادّة لجرت على غيرها، بل المادّة فاعل طبعي، وأنّ صورة جريان المادّة على هذا الشكل هو الطبع الموجود في هذه المادّة، وهو ما يجعل الحجر


الصفحة 53
يسقط والماء سائلاً. بل المادّة هذه لها صفات وطباع، ونحن درسنا هذه الصفات وضمنّاها في قوانين، وهذه القوانين لا تعدو أن تكون أوصافاً لنمط تصرّف المادّة. ولو احتاج الوصف إلى علّة تضبطه وتوجده لجاز لنا أن نسأل: من الذي جعل الله رحيماً وعدلاً وحكيماً؟ فماذا تقولون؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ج١: الاستقراء: هو أن يدرس الذهن عدّة جزئيات فيستنبط منها حكماً عامّاً، كما لو درسنا عدّة أنواع من الحيوان، فوجدنا كلّ نوع منها يحرك فكّه الأسفل عند المضغ، فنستنبط منها قاعدة عامّة وهي: إن كلّ حيوان يحرك فكّه الأسفل عند المضغ.

والاستقراء هو الأساس لجمعية من أحكامنا الكلّية وقواعدنا العامّة.

وهو على قسمين: تام، وناقصٍ؛ لأنّه إمّا أن يتصفّح فيه حال الجزئيات بأسرها، أو بعضها، والأوّل هو: التام، وهو يفيد اليقين، والثاني وهو: الناقص، وهو لا يفيد اليقين، بل الظنّ، إذ أنّ استقراء عدد كبير من الجزئيات لا يبرّر القفز إلى الحكم الكلّي العام، ففي حالة استقراء حركة فكّ الحيوان، يمكن أن تكون بعض الحيوانات تحرك فكّها الأعلى عند المضغ لا الأسفل، كما في التمساح..

ولكن بعض علمائنا المتأخّرين، وهو السيّد محمّد باقر الصدر، قد حاول أن يبرّر هذا التعميم عقلياً عن طريق حساب الاحتمال، فانتهى إلى نتيجة مفادها أنّ الدليل الاستقرائي دليل معتبر يصحّ الركون إليه في جميع المعارف بما فيها المعارف الدينية، إذ قال: ((إنّ الأسس المنطقية التي تقوم عليها كلّ الاستدلالات


الصفحة 54
العلمية المستمدّة من الملاحظة والتجربة هي نفس الأسس المنطقية التي يقوم عليها الاستدلال على إثبات الصانع المدبّر لهذا العالم، عن طريق ما يتّصف به العالم من مظاهر الحكمة والتدبير؛ فإنّ هذا الاستدلال، كأي استدلال علمي آخر، استقرائي بطبيعته))(1).

ج٢: حيثما وجد تركيب، أو أمكن أن يوجد في هذا الكون الفسيح، فلا بدّ أن يكشف عن وجود نظام خاص على أساسه كان التركيب، وإلّا لانفراط عقد المركّبات وتناثر الكون أشلاء، فما أشكل به المعترض على قانون النظم ليس بصحيح؛ لأنّه لا يستطيع أن يثبت، بجميع وسائل الإثبات المادّية والمعنوية، وجود جسم لا تركيب فيه، والكون المادّي ليس إلّا مجموعة من الأجسام المتفاوتة حجماً وشكلاً ووضعاً ترتبط فيما بينها في أنساق جزئية متماثلة ليتولّد منها في نهاية المطاف نظام عام ذو نواميس ثابتة، وهذا النظام العام هو: عالم الطبيعة.

والأجسام المكوّنة للطبيعة مؤلّفة من وحدات صغيرة مترابطة بكيفية خاصّة، تدعى: الذرّات، وهذه الأخيرة مكوّنة من وحدات أصغر، هي: الألكترونات والبروتونات والنيوترونات، وعدد هذه الوحدات له دخل في تنوّع العناصر المادّية، فكلّ شيء إذاً مرتبط بكلّ شيء، وبالإضافة إلى هذا الترتّب العرضي هناك ترتّب طولي؛ فعالم الطبيعية مترتّب على عالم المثال، وعالم المثال مترتّب على عالم الملكوت، وهو على عالم الجبروت، فالنظام سائد في جميع العوالم،

____________

1- الأُسس المنطقية للاستقراء، للشهيد الصدر: ٥٠٧ الكلمة الأخيرة.


الصفحة 55
وهو يدلّ على وجود صانع حكيم مدبّر، لا حدود لعلمه وقدرته.

أمّا الاعتراض بـ(عدم كشف العلوم الحديثة عن جميع القوانين بحيث لا يصحّ التعميم والقول بأنّ الكون لا ينفك عن النظم والسُنن)، فاعتراض ساقط ومتهافت؛ لأنّ الدليل قد دلّ على أنّ كلّ ما في الكون المادّي مؤلّف من جزئيات مترابطة، والترابط الجزيئي هو ملاك النظام الخاص الجزئي في كلّ مفردات الكون، ولذلك لا يُتصوّر أن يكون هناك ثمّة موجود مادّي لا ينطوي في تكوينه الخاص على نظام.

ثمّ إنّ القوانين المشار إليها ليست أدلّة على وجود النظام حتّى يصحّ أن يستشكل المعترض، بل هي مجرّد شواهد ومؤيّدات على وجوده، والفرق بين الدليل والشاهد كبير، لو تأمّلت! لأنّا نقول: إنّ الدليل الذي يحكم به عامّة الناس على وجود النظام هو: الوجدان، وإن لم يدرك هؤلاء وجود ثمّة قوانين أو نواميس تحكمه؛ فتنبّه!

ويمكن لنا أن نبرهن على شمول النظام لجميع جزئيات الكون، بالقياس لا بالاستقراء الناقص كما يزعم المعترض، والقياس البرهاني يفيد اليقين، كما لا يخفى، وهذا هو:

كلّ مركّب فله نظام.. كلّ ما في الكون فهو مركّب.. كلّ ما في الكون له نظام..

وهو قياس من الشكل الأوّل مؤلّف من مقدّمات بديهية لا يمكن التشكيك فيها، فالنتيجة إذاً يقينية.

ويمكن البرهنة على نفس النتيجة عن طريق بعض الروايات، كما ورد عن الرضا عليه السلام أنّه قال: (ولم يخلق شيئاً فرداً قائماً بذاته دون غيره للذي أراد من


الصفحة 56
الدلالة على نفسه وإثبات وجوده...)(1) الحديث.

وقد اشتهر على لسان الحكماء: ((أنّ كلّ ممكن زوج تركيبي)) والفردانية هي من صفات الواجب بذاته عزّ شأنه.

ج٣: هذا الاعتراض غير تام، بل هو نوع من التلاعب بالألفاظ؛ إذ لا معنى للطريقة التي تتصرّف بها الأجسام أو المادّة إلّا الكشف عن وجود نظام فيها، وأنّ استعمال كلمة (تتصرّف) غايته: الإيهام بوجود فعل قصدي للأجسام، أي: طبقاً لإرادة واعية، وكأنّه يريد بذلك إرجاع تلك النظم والقوانين إلى الأشياء نفسها وليس إلى حكمة وقدرة موجدها، وهو تسليم منه بوجود النظم والقوانين، أمّا إثبات موجدها فأمر آخر، ونحن نكتفي منه بهذا الإقرار.

ج٤: معنى النظام، هو وجود نوع من العلاقات بين جميع الأشياء في العالم ما يعكس حالة من الانسجام التام بين مجموع تلك الأشياء وبين بعضها والبعض الآخر، وهو يدلّ بدون أدنى شكّ على وجود صانع منظّم ومدبّر يتّصف بالوحدة والقدرة والعلم وجميع الصفات الكمالية.

ج٥: يستحيل وجود اللانظام؛ إذ هو لا شيء، فكيف يوجد؟!

أمّا قوله: بأنّه يستطيع أن يرى لا نظاماً، فهو محض هراء، ولعلّه يريد باللانظام الذي يراه هو: ما يتعلّق بجهله ببعض الظواهر الطبيعية، كالبراكين والزلازل والفيضانات، وما أشبه ذلك.

ولكنّا نقول له: إنّ العلم الحديث الذي يتشدّق به قد أثبت وجود قوانين

____________

1- التوحيد، للصدوق: ٤٣٩.


الصفحة 57
تهيمن على نشاط البراكين والزلازل وكذلك الفياضانات، فهي مسبّبة عن عوامل خاصّة مرصودة، كذوبان الجليد في المناطق المتجمّدة بفعل ارتفاع نسبي في درجات الحرارة وغير ذلك, وعليه فإنّ ما يراه لا نظاماً ناتج عن جهله لا أكثر.

ج٦: الجواب على هذا السؤال كالجواب على سابقه؛ لأنّ عدم وجود نظرية علمية حديثة تفسّر نشوء الكون لا يدلّ على أنّ الكون بكافّة نظمه ونواميسه مسبّب عن اللانظام، فعدم الدليل على وجود ما يبرّر نشوء الكون ليس دليلاً على عدم وجود النظام، والعيب أو الخلل في الحقيقة لا يتعلّق إلّا بقصور العلم الحديث عن الكشف عن ذلك..

أمّا مخالفة افتراض النظام لمبدأ الاقتصاد، فليس بشيء، لاحتمال أن يكون هذا المبدأ خاطئاً، أو أنّه لا يصحّ تطبيقه خارج مجاله الخاص. بل لأنّ الاقتصاد يتأثّر بمبدأ الاختيار لدى الإنسان، بأفراده أو مجتمعه، والاختيار يتبع الإرادة، وهي لها قانونها الخاص، وتدخل في دائرة الإرادة التشريعية لا الإرادة التكوينية، وقانونها لا يخضع للحتمية الرياضية، كما هو متصوّر لدى المستشكل، ونحن لا نقول بالحتمية، كما يقولها ماركس.

ج٧: الظاهر أنّ المراد من (كلّيات العالم)، أو (كلّيات الكون) هو: العناصر الوجودية الأساسية التي تشكّل منها الكون، وإلّا فإنّ المصطلح غير واضح بتاتاً.

ج٨: إذا كان المراد من قولهم: ((ليس فيها خلاء وجودي)) أنّها: مستغنية بذاتها عن المؤثّر، إذ لا يخلو الشيء إمّا أن يكون واجباً بذاته، أو ممكناً بذاته، أو ممتنعاً بذاته، فهذه الكليات لا يمكن أن تكون واجبة بذاتها، لمكان تعدّدها، والكثرة تنافي الوجوب بالذات، كما ثبت في محلّه من كتب الحكمة، فهي إذاً


الصفحة 58
ممكنة الوجود بذاتها؛ إذ لا معنى لكونها ممتنعة بذاتها بعد فرض كونها موجودة، والممكن بذاته يفتقر إلى العلّة من جهة إمكانه؛ لأنّ مناط الحاجة إلى العلّة هو: الإمكان، الذي يساوق الفقر الوجودي (عند الملا صدرا)، ولا يلزم من كونها ليست بذات خلاء وجودي ــ إذا كان المراد منه: إنّها موجودة بالقدم الزماني ــ أن تكون غنيّة الوجود ومستغنية بذاتها عن الموجد؛ إذ ليست ثمّة ملازمة بين عدم الخلاء الوجودي ــ على فرض تحقّقه المعنى المفروض ــ وبين الغنى أو الوجوب بالذات؛ فتنبّه!

ج٩: اعلم أنّ الله تعالى لتقدّسه عن شوائب الإمكان وجهات القوّة والنقصان فاعل وجاعل بنفس ذاته العليمة المريدة، وبما أنّه صرف الوجود، وصرف الوجود: صرف الخير، فهو مبتهج بذاته أتمّ الابتهاج، وينبعث من هذا الابتهاج الذاتي ابتهاج في مرحلة الفعل؛ فإنّ من أحبّ شيئاً أحبّ آثاره، وهذه المحبّة الفعلية هي الإرادة التي صدرت عنها جميع الكائنات.

وسنضرب لك مثلاً، ولله المثل الأعلى: إنّ الشمس من جهة كونها ضياء، وأنّ الضياء هو نفس حقيقتها يصدر عنها أشعة وهي فعلها، وهذه الأشعة متفاوتة في قربها وبعدها عن المصدر الذي هو قرص الشمس، ولذلك تختلف نورية تلك الأشعة بحسب المسافة، وتتفاوت من جهة المستنيرات بها، ككونها غاسقة أو شفافة أو ملونة، فإذا استنارت هذه الأشياء بالأشعة تكثرت.

وهكذا حال الممكنات مع الواجب تعالى: فإنّ فيض الواجب الصادر عن ذاته هو: فعله الإيجادي، أو هو: الوجود، ويتكثّر هذا الفعل بحسب بعده عنه رتبة؛ نتيجة لتعدّد وسائط الفيض، ولذلك يكون عالم الطبيعة هو عالم الكثرة؛


الصفحة 59
لأنّه آخر العوالم الوجودية. هذا في السلسلة الطولية..

أمّا في السلسلة العرضية، فإنّ الكائنات تتفاوت فيما بينها بحسب المواصفات وأنحاء الإضافات والنسب التي أطلقنا عليها آنفاً (العلاقات والقوانين)، وهي الأنظمة الجزئية المنضوية تحت نظام كلّي عام شامل.

والفرق بين صدور الأشياء عنه تعالى وصدور الأشعة عن الشمس، أنّ الصدور الأوّل بالاختيار؛ لأنّه متعلّق بالإرادة والمشيئة، دون الصدور الثاني؛ فإنّه قهري. وقد جاء في الحديث: (خلق الله المشيئة بنفسها ثمّ خلق الأشياء بالمشيئة)(1).

ج١٠: المراد بالدليل العقلي هنا: الأحكام البديهية للعقل، مثل: النقيضان لا يجتمعان، والكلّ أكبر من الجزء، والأشياء المساوية لشيء واحد متساوية، ونظائرها.

فهذه الأحكام كلّية الصدق، أي أنّها تنطبق على جميع مصاديقها من دون تخلّف، فهي في الحقيقة أحكام كلّية، والألف واللام في موضوعاتها عبارة عن سور كلّي، ومن المعلوم والثابت أنّ كلّ قضية كلّية موجبة فنقيضها قضية جزئية سالبة، فلو عثرنا على مصداق واحد لا يندرج تحت حكم العقل، فقد ظهرت لنا قضية جزئية سالبة تنقض وتبطل حكم العقل..

ففي قضية: النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، لو وجدنا نقيضين قد اجتمعا أو ارتفع كلاهما، فقد ضربنا عموم القضية العقلية الكلّية؛ لأنّ هذا الفرد قد دخل

____________

1- الكافي، للكليني ١: ١١٠ حديث (٤) كتاب التوحيد، باب (الإرادة أنّها من صفات الفعل وسائر صفات الفعل).


الصفحة 60
في موضوع القضية ومع ذلك لم يكن مشمولاً للحكم، فتكون القضية العقلية قد تخصّصت به، أي: خرجت عن عمومها، وهذا هو الذي يبطلها.

ج١١: قد أوضحنا سابقاً، بأنّ النظام الكلّي إنّما ينشأ من الأنظمة الجزئية، وهذه الأنظمة الجزئية التي أسميتموها بـ(طبع المواد) ناجمة عن أمرين: الأوّل: التركيب الخاص لأصناف تلك المواد. والثاني: النسب والإضافات القائمة بين مجموعها، وبين بعضها والبعض الآخر، فسقوط الحجر ناجم عن كونه كتلة من المادّة ذات قوام خاص، ومن قانون الجاذبية الناجم عن حركات باطن الأرض وحرارتها.

وكلا هذين الأمرين يُعدّان نظاماً جزئياً مندرجاً في النظام الكلّي، وهذه الخصائص التي تجري عليها الأنظمة الجزئية مسبّبة عن منظّم حكيم وقدير؛ لأنّ المادّة الصمّاء عاجزة عن أن تأتي بفعل محكم يحاكي هذه الدقّة والإحكام في النظام، فلا بدّ إذاً من وجود صانع له جميع صفات الكمال، وهو الذي أوجد تلك الخصائص التي برز عنها النظام.

وفي الختام نرجو منك أن تكون أسئلتك في إطار العقيدة أكثر ممّا هي في إطار الفلسفة؛ فإنّ الفلسفات المعاصرة مظنّة الشكوك والشبهات، وهي وإن أمكن الإجابة عنها لكنّها ليست بذات فائدة كثيرة، فإذا رغبت في التوسّع في أمثال هذه المباحث، يمكنك الرجوع إلى المصادر الموثوقة، ككتاب (الإلهيات) للشيخ جعفر السبحاني، وكتاب (عقائدنا) للدكتور محمّد الصادقي، وكتاب (عقائد الإمامية) للشيخ محمّد رضا المظفر، وكتاب (شرح الباب الحادي عشر) للفاضل المقداد السيوري.. وغيرها كثير. هذا في علم الكلام، وفي الفلسفة فلك الرجوع إلى كتاب (نهاية الحكمة) للعلاّمة الطباطبائي وشروحه.


الصفحة 61
الصفحة السابقةالصفحة التالية