المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 6) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج6 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 558 - ص 587) من صفات اختيار الأنبياء والأئمّة عليهم السلام: السلامة من العاهات والأمراض المعدية.

س١: فلماذا شاء الله تعالى أن يبلى النبيّ أيّوب بالأمراض المعدية؟

س٢: عندما استلم الإمام عليّ السجّاد عليه السلام الإمامة، هل كان عليلاً، أم سليماً؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يجب في النبيّ أو الإمام أن يكون منزّهاً عن كلّ ما هو منفّر، سواء كانت هذه المنفّرات خَلقية أو خُلقية، وذلك لأنّ هذه الأُمور صارفة عن الأخذ منه والقبول لقوله، فكان تنزيهه عنها من اللطف المقرّب للخلق على طاعته واستمالة القلوب إليه، فوجودها يكون منافياً للغرض من البعثة أو الإمامة(1).

ومنه يعرف أنّه لا يجب تنزيه النبيّ أو الإمام عليه السلام من كلّ مرض، بل يجب تنزيهه من الأمراض المنفّرة؛ لما ذكرناه في الكبرى، وعلى هذا ما جاء في بعض الروايات عن أئمّتنا عليهم السلام:

روى الصدوق في (الخصال): ((حدّثنا أحمد بن الحسن القطان، قال: حدّثنا الحسن بن علي السكري، قال: حدّثنا محمّد بن زكريا الجوهري، قال: حدّثنا جعفر بن محمّد بن عمارة، عن أبيه، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه عليهم السلام، قال: (إنّ أيّوب عليه السلام ابْتُلي من غير ذنب، وإنّ الأنبياء لا يذنبون؛ لأنّهم معصومون مطهّرون، لا يذنبون ولا يزيغون، ولا يرتكبون ذنباً صغيراً ولا كبيراً).

____________

1- انظر: قواعد المرام، للبحراني: ١٢٧ القاعدة السادسة، الركن الثاني، البحث الثاني.


الصفحة 572
وقال عليه السلام: (إنّ أيّوب عليه السلام مع جميع ما ابتلى به لم ينتن له رائحة، ولا قَبُحت له صورة، ولا خرجت منه مدّة من دم ولا قيح، ولا استقذره أحد رآه، ولا استوحش منه أحد شاهده، ولا يدوّد شيء من جسده، وهكذا يصنع الله عزّ وجلّ بجميع من يبتليه من أنبيائه وأوليائه المكرّمين عليه، وإنّما اجتنبه الناس لفقره وضعفه في ظاهر أمره؛ لجهلهم بما له عند ربّه تعالى ذكره من التأييد والفرج...))(1) الخ.

وعلّق المجلسي على هذه الرواية بقوله: ((هذا الخبر أوفق بأُصول متكلّمي الإمامية من كونهم عليه السلام منزّهين عمّا يوجب تنفّر الطباع عنهم؛ فتكون الأخبار الأُخر محمولة على التقيّة، موافقة للعامّة في ما رووه، لكن إقامة الدليل على نفي ذلك عنهم مطلقاً، ولو بعد ثبوت نبوّتهم وحجّيتهم، لا يخلو من إشكال، مع أنّ الأخبار الدالّة على ثبوتها أكثر وأصحّ.. وبالجملة للتوقّف فيه مجال))(2).

ومراده من الأخبار الدالّة على ثبوتها: ما ورد من إصابة أيّوب عليه السلام بالقرحة في بدنه حتّى ظهر الدود فيه ونتن، فأخرجه أهل القرية ورموه على المزبلة(3)، وهو موافق لما ورد عن العامّة بأنّه عليه السلام أُصيب بالجذام.

وممّا بيّنه المجلسي يمكن أن يلتزم بقولٍ ثان، وهو: أنّ الدليل على تنزّههم عن الأمراض المنفّرة تام في بداية البعثة حتّى لا ينصرف الناس عنهم، فإذا ثبتت

____________

1- الخصال: ٣٩٩ الحديث (١٠٨)، باب السبعة.

2- بحار الأنوار ١٢: ٣٤٩ الحديث (١٣) باب (١٠).

3- انظر: تفسير القمّي ٢: ٢٣٩ قوله تعالى: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) (ص (٣٨): ٤١).


الصفحة 573
نبوّتهم وقامت حجّتهم فلا مانع من ابتلائهم بمثل هذه الأمراض؛ إذ بعد ثبوت الحجّية على الناس قد تم اللطف المقرّب لهم.

وربّما يقال: إنّ ما وقع لأيّوب عليه السلام كان ابتلاء خاصاً به، كما هو ظاهر من الروايات؛ إذ أنعم الله عليه بنعم كثيرة، فشكر، فابتلاه وامتحنه، فصبر وشكر، ولا مانع من ابتلائه بمثل هذه الأمراض، أو بما يتسبّب بهجران الناس له بعد أن عرفوا نبوّته أوّلاً، ولما يعلمه الله من عاقبته وما سيردّه عليه من النعم ثانياً، لأنّه يكون من المعجزة الظاهرة له تؤكّد نبوّته ومنزلته.

ثمّ إنّ كلّ ما جاء في القرآن الكريم فهو إرشادات لنا لا إرشادات لأُمّة موسى أو عيسى أو أيّوب أو سليمان أو داود عليهم السلام... والله سبحانه وتعالى صنع بأيّوب عليه السلام ما صنع لكي يدلّ على شيء واحد، وهو: أنّ الله سبحانه وتعالى يرضى بأن يقتل نبيّه الذي بعثه لهداية الناس، فقد قال: ﴿قُل فَلِمَ تَقتُلُونَ أَنبِيَاء اللّهِ مِن قَبلُ إِن كُنتُم مُّؤمِنِينَ(1), وقال: ﴿فَبِمَا نَقضِهِم مِّيثَاقَهُم وَكُفرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتلِهِمُ الأَنبِيَاء بِغَيرِ حَقًّ وَقَولِهِم قُلُوبُنَا غُلفٌ بَل طَبَعَ اللّهُ عَلَيهَا بِكُفرِهِم فَلاَ يُؤمِنُونَ إلّا قَلِيلاً(2), وقال: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءكُم رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهوَى أَنفُسُكُمُ استَكبَرتُم فَفَرِيقاً كَذَّبتُم وَفَرِيقاً تَقتُلُونَ(3).. وهذا التأكيد في الآيات الكريمة يفيد بأنّ الله سبحانه وتعالى لا يعصم نبيّه عصمة مادية، أو بتعبير الحاضر: عصمة فيزيائية.

نعم، الله سبحانه وتعالى يعصم نبيّه عصمة معنوية، يعني: لا يرضى بهوان رسوله ولا بهوان نبيّه، ففي قصّة أيّوب عليه السلام التي جاء فيها: ﴿وَأَيُّوبَ إِذ نَادَى رَبَّهُ

____________

1- البقرة (٢): ٩١.

2- النساء (٤): ١٥٥.

3- البقرة (٢): ٨٧.


الصفحة 574
أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرحَمُ الرَّاحِمِينَ(1)، ابتلى الله سبحانه وتعالى أيّوب عليه السلام حتّى يمتحن صبره، فلمّا تحوّل إلى نوع من الاستهانة نادى أيّوب ربّه، فأجابه سبحانه وتعالى: ﴿وَاذكُر عَبدَنَا أَيُّوبَ إِذ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيطَانُ بِنُصبٍ وَعَذَابٍ _ اركُض بِرِجلِكَ هَذَا مُغتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ(2), ومثله في قصّة زكريا ﴿وَوَهَبنَا لَهُ يَحيَى وَأَصلَحنَا لَهُ زَوجَهُ(3).

وهذا دليل على أنّ الله سبحانه وتعالى يرضى بقتل أوليائه، ولكن لا يرضى بهوانهم، فمن أراد أو عمل شيئاً يهينهم، فالله سبحانه وتعالى سوف ينتقم منهم في دار الدنيا، ويفضحهم على رؤوس الأشهاد.

ثمّ إنّ رسل الله سبحانه وتعالى لهم مسؤوليتان، المسؤولية الأُولى: إبلاغ ما شرّعه الله لعباده من أحكام.

والمسؤولية الثانية: قيادة من آمن بهم، أي: قيادة الأُمّة، ولا بدّ أنّ لها نوعاً من الخصائص والامتيازات التي بها تنقاد الأُمّة، وإلّا فالأُمّة لا تنقاد إلى عالم بعلمه، وإنّما تنقاد لعالم يتمكّن من جعل علمه مركز قوّة وسيطرة عقلية، لا مادية، على من يؤمنون بعلمه.. فالأنبياء والأئمّة عليهم السلام بما أنّ مسؤوليتهم الثانية أنّهم قادة أُممهم، فلا بدّ أن تتوفّر فيهم المزايا والخصائص التي إن توفّرت في قائد تنقاد إليه الأُمّة، وبهذا لا يشترط أن يكون أجمل الخلق، لكن يشترط في حقّه أن لا يكون من حيث النظرة مشمئز النظرة، ومن حيث السلوك مشمئز السلوك.

____________

1- الأنبياء (٢١): ٨٣.

2- ص (٣٨): ٤١ ــ ٤٢.

3- الأنبياء (٢١): ٩٠.


الصفحة 575
فالعاهات إن كانت عاهات لا تمسّ كرامة النبيّ والوليّ فإنّهم يصابون بها، فالنبيّ والوليّ يصابون بالحمّى؛ لأنّ الحمّى والرمد وأمثال ذلك لا تشمئز منه النفوس، وأمّا البتور مثلاً أو التشوّهات، فهذه بما أنّ النفوس تشمئز منها، فالله سبحانه وتعالى يجنّب رسوله أو وليّه منها, والأساس هو: تملّك قلوب من ينقادون إليه، والناس اعتادوا أن تكون نظرتهم الحسّية مدخلاً للطاعة.

فمن هذه الناحية العاهات تختلف: عاهات لا تشمئز منها النفوس إن أُصيب بها واحد منهم، وإنّما يعالجونه، ويأتون لزيارته, وعاهات تشمئزّ منها النفوس، فالله سبحانه وتعالى لا يجنّب رسوله من كلّ مرض, ومن كلّ عاهة, ومن كلّ حمّى, ومن كلّ رمد، وأمثال ذلك, وأمّا الطاعون والبتور والأمراض المعدية، أو الأمراض التي توجب سوء المنظر، فالله سبحانه وتعالى يجنّب وليّه ونبيّه، لأنّه جعل له مسؤولية قيادة الأُمّة.

وهذا الدليل ربّما يكون تامّاً في مورد الأنبياء أصحاب الشرائع والرسل والأئمّة، المطلوب منهم قيادة الأُمّة، ولكن ربّما يمكن المناقشة فيه كما مرّ آنفاً، في بعض الموارد، لو ثبتت، كما في قصّة نبيّ الله أيّوب عليه السلام، أو عمى يعقوب عليه السلام، لو قلنا بوقوعه.

وأمّا بالنسبة لمرض الإمام السجّاد عليه السلام في كربلاء، فإنّه لم يكن من هذا النوع الذي يصدق عليه أنّه: منفّر، فضلاً عن إنّه كان لمصلحة واقعية يقتضيها الحال، ومن كان حوله من الناس في ذلك الوقت قد انحصروا بين أهل بيته العارفين لحقّه، وبين أعدائه غير المتورّعين عن قتله، وهم غير قابلين للاستمالة نحوه قطعاً حتّى يتم الغرض، بأن يكونوا مورداً لحصول اللّطف المقرّب لهم بخلوّ الإمام من المنفّرات؛ إذ الملاك هو: عدم وقوع نقض الغرض، والغرض بهدايتهم قد انتفى عنهم البتة،


الصفحة 576
ووقع عليهم غضب الله بعد قتلهم أبيه الإمام الحسين عليه السلام. وأمّا بعد رجوعه إلى المدينة فقد شُفي الإمام عليه السلام؛ لثبوت الملاك المشار إليه في حينه، من حيث حصول اللّطف المقرّب لممارسة مهام الإمامة وقبول الناس له.

(الهداية التكوينية والتشريعية للإمام)

« واثق ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أسأل ــ وفّقكم الله ــ عن الهداية التكوينية للإمام المعصوم، فهي تختلف بالتأكيد عن الهداية التشريعية؟

ويا حبّذا بمثال توضيحي.. وشكراً.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الهداية التشريعية: هي التي تتعلّق بالأُمور التشريعية، من بيان الاعتقادات الحقّة والتكاليف الشرعية، والأعمال الصالحة، وتتضمّن الإنذار والتبشير، وهي: وظيفة الأنبياء والرسل، قال تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ(1).

____________

1- النساء (٤): ١٦٥.


الصفحة 577
وهذه الهداية في واقعها: بيان وتعليم، وإراءة للطريق، من أخذ بها هُدي، ومن تركها ضلّ، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ(1).

وتسمّى بـ(الهداية الإرائية)، وهي هداية عامّة شاملة لكلّ الناس، وهي موجودة عند الأئمّة صلوات الله عليهم تبعاً لشريعة جدّهم صلى الله عليه وآله وسلم؛ فهم الوارثون لعلمه والمبيّنين لرسالته.

وأمّا الهداية التكوينية، فهي: ليست إراءة للطريق فقط، وإنّما إيصال في الطريق وسوق للكائنات إلى ما ينبغي لها من الكمال، فمن وفّق للحقّ واختار الهدى في الهداية التشريعية، واختار الاقتداء بالإمام واتّباعه في أفعاله وأقواله, سوف ينال الهداية التكوينية، وسيسوقه الإمام إلى كماله حتماً، بأخذ يده وقيادته في طريق الحقّ والخير، ولذا تسمّى: هداية إيصالية، أي: لا بدّ من إيصالها إلى المطلوب فلا يتخلّف.

فهي تختلف عن الهداية الأُولى المقتصرة على البيان والتعليم والإرشاد؛ فهذه تتضمّن القيادة والإيصال والأخذ باليد، وإذا كان القائد معصوماً عن الخطأ، فسوف يكون الوصول إلى المطلوب حتمياً، ولكن بعد أن يوفَّق المهتدي لاختيار هذا الطريق بالتسليم لقيادة الإمامة، فهي بالنتيجة لا تخرج عن اختيار العبد، فإذا اختار الحقّ وصل. فهذه الهداية خاصّة وليست عامّة مثل سابقتها، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ(2).

____________

1- إبراهيم (١٤): ٤.

2- الأنعام (٦): ١٢٥.


الصفحة 578
فالإمامة تتضمّن من جهة الهداية التكوينية النفوذ الروحي للإمام وتأثيره على القلوب المستعدّة للهداية المعنوية، فهو بمنزلة الشمس التي تبعث الحياة في الأرض، فالقوّة الروحية للإمام لها التأثير العميق على هداية الناس(1).

(علّة عدم بقاء الأرض بارتفاع الإمام)

« وسيم ــ سوريا ــ علوي »

السؤال:

لماذا لو أنّ الإمام رُفع من الأرض ساعة لساخت بأهلها وماجت؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا بدّ للأرض من حجّة، فإذا خلت من الحجّة ساخت بأهلها، فالإمام بمنزلة القطب من الرحى، والقلب من الإنسان، ولا رحى من دون قطب، وكذا لا إنسان من دون قلب، كذلك لا أرض من دون حجّة.

وقد روي في عظيم منزلة الإمام حديثاً جامعاً عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، ذكره صاحب (البحار) في باب صفات الإمام، نقتبس منه موضع الحاجة: (فهم (أي:

____________

1- انظر: تفسير الميزان، للطباطبائي ١: ٢٧٢ قوله تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ...)، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، لناصر مكارم ١: ٣٦٨ قوله تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ...).


الصفحة 579
العترة) رأس دائرة الإيمان، وقطب الوجود، وسماء الجود، وشرف الموجود، وضوء شمس الشرف ونور قمره، وأصل العزّ والمجد، ومبدأه ومعناه ومبناه...)(1) الخ.

(معنى: (لولا الحجّة لساخت الأرض))

« مرتضى ــ بلجيكا ــ إمامي »

السؤال:

سلام عليكم..

ما معنى: (لولا الحجّة لساخت الأرض بأهلها)؟ ولماذا ذلك؟ رجاءً رجاءً مع أدلّة قرآنية وعقلية رجاءً!

وشكراً لكم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

معنى (ساخ): أي: غاص، وساخت الأرض: أي: انخسفت، وساخ في الأرض، أي: دخل فيها، فمعنى (ساخت الأرض بأهلها): أي: غاصوا فيها، والمراد من قوله: (لولا الحجّة لساخت الأرض بأهلها): لولا وجود الإمام

____________

1- بحار الأنوار، للمجلسي ٢٥: ١٧٠ الحديث (٣٨)، باب جامع في صفات الإمام وشرائط الإمامة.


الصفحة 580
المعصوم حيّاً في الأرض لغاصت الأرض بأهلها. ويرشد إلى هذا المعنى ما ورد في حديث عن الإمام الباقر عليه السلام، قال: (لو أنّ الإمام رُفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها، كما يموج البحر بأهله)(1)، ففي قوله: (لساخت...) كناية عن هلاك البشر وفنائهم.

وروي عنه عليه السلام أنّه قال: (لو بقيت الأرض يوماً واحد بلا إمام لساخت الأرض بأهلها، ولعذّبهم الله بأشدّ عذابه.. إنّ الله تبارك وتعالى جعلنا حجّة في أرضه، وأماناً في الأرض لأهل الأرض، لن يزالوا بأمان من أن تسيخ بهم الأرض ما دمنا بين أظهرهم، فإذا أراد الله أن يهلكهم ثمّ لا يمهلهم ولا ينظرهم، ذهب بنا من بينهم ورفعنا إليه، ثمّ يفعل الله تعالى بهم ما شاء وأحبّ)(2).

وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: (لا تخلو الأرض من قائم لله بحجّة، إمّا ظاهراً مشهوراً، وإمّا خائفاً مغموراً)(3).

والدليل من القرآن الكريم:

قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ(4)..

فقد روي عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: ((قلت لأبي جعفر محمّد بن علي الباقر عليهما السلام: لأيّ شيء يحتاج إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والإمام؟ فقال: (لبقاء العالم على

____________

1- الكافي، للكليني ١: ١٧٩ الحديث (١٢) كتاب الحجّة، باب أنّ الأرض لا تخلو من حجّة.

2- إكمال الدين وإتمام النعمة، للصدوق: ٢٠٤ الحديث (١٤)، الباب الحادي والعشرون.

3- نهج البلاغة، شرح محمّد عبدة ٤: ٣٧ (١٤٧) ومن كلام له عليه السلام لكميل بن زياد.

4- الأنفال (٨): ٣٣.


الصفحة 581
صلاحه، وذلك أنّ الله عزّ وجلّ يرفع العذاب عن أهل الأرض إذا كان فيها نبيّ أو إمام؛ قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، وقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يكرهون، وإذا ذهب أهل بيتي أتى أهل الأرض ما يكرهون...)))(1).

والدليل من العقل:

من الثابت أنّ الله تعالى قد خلق الخلق لغاية|؛ لأنّه حكيم، وإلّا لكان عابثاً حاشاه، وقد خلق سبحانه الإنسان في هذه النشأة في أطوار من التدرّج، إذ جعل فيه قابلية التكامل، وجهّزه بالعقل لأجل هذا الهدف، غير أنّ العقل بمفرده لا يستقلّ بمعرفة الحقائق دائماً، فلا بدّ أن يسترشد بمنهاج إلهي يعينه على بلوغ الدرجة التي يمكن له أن يبلغها، ولا يجوز أن يبلغها من دون واسطة في التكامل، وهو: الرسول أو الإمام.

فوجب أن لا تخلو الأرض يوماً عن هذا المكمّل أو الإنسان الكامل، لئلا يضلّ الإنسان عن طريق بلوغه الغاية التي خُلق لأجلها، ممّا يترتّب عليه حصول الفساد في الأرض، وشيوع الاضطراب والتنازع والتصارع، وما ينجم عن ذلك من الكوارث التي يهلك فيه الخلق، وهو مصداق لقوله: (لساخت...)، وعندها تفوت الغاية ويلزم العبث، وقد تقدّم أنّه حكيم لا يعبث.

وأمّا من الناحية الفلسفية:

____________

1- علل الشرائع، للصدوق ١: ١٢٣ العلّة التي من أجلها يحتاج إلى النبيّ والإمام عليهما السلام.


الصفحة 582
فقد ذكر بعض الفلاسفة عدّة براهين على لزوم وجود موجود كامل يكون واسطة بين الله والخلق (الكون) يصل من خلاله الفيض الإلهي، ويعبّرون عنه بـ(واسطة الفيض)؛ إذ كلّ ما عدا الله فهو متحقّق في الفقر، ووجوده وجود غير مستقلّ يحتاج إلى استمرار الفيض من الغني المطلق، ولا يتمّ وصول الفيض إلّا بموصل، لنعبّر عنه بـ(الرابط)، فيكون هذا الموجود الكامل هو الرابط، أو الرابط الأعلى رتبة.

لكنّ هذه المعاني لا نستطيع الحكم بصدقها إلّا إذا وصلنا ما يشرحها من النقل عبر روايات أئمّة الهدى عليهم السلام؛ فلاحظ!

(إيراد القاضي عبد الجبّار على القول: ((لولا الإمام لما قامت السماوات...))، والجواب عليه)

« محمّد ظاهر ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

أرجو الإجابة على السؤال التالي:

((لولا الإمام لَما قامت السماوات والأرضون، ولَما قُبل من عبد عملاً)).. هل هذا الكلام من معتقداتنا، ومن أُصول المذهب؟

أرجو الإجابة.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لكي نحيط بالمسألة من جميع جوانبها نذكر عدّة نقاط:


الصفحة 583
الأُولى: إنّ هذه العبارة الواردة في السؤال، وهي: ((لولا الإمام لَما قامت السماوات والأرضون، ولَما قبل من عبد عملاً))، وردت بهذا النص في كتاب (الشيعة في الميزان) لمحمّد جواد مغنية(1)، نقلاً من كتاب (الشافي) للسيّد المرتضى.

لكن الظاهر أنّ نسخة (الشافي) التي نقل عنها الشيخ مغنية كان فيها بعض التصحيف؛ فنصّ العبارة في (الشافي)، نقلاً عن كلام القاضي عبد الجبّار في (المغني) هكذا: ((لولا الإمام لَما قامت السماوات والأرض، ولا صحّ من العبد الفعل))(2).. وهي كذلك في (المغني) للقاضي عبد الجبّار؛ قال: ((وزعم بعضهم ــ أي: الشيعة ــ أنّه: لولا الإمام لما قامت السماوات والأرض، ولما صحّ من العبد الفعل))(3).

والفرق واضح بين: ((ولما قبل من عبد عملاً))، وبين: ((ولا صحّ من العبد الفعل))؛ فإنّ الأُولى مطابقة لاعتقاد الشيعة بتوقّف قبول الأعمال على التولّي، وإن كان من الممكن تقريب معنى العبارة الثانية من هذا المعنى، ولكن ظاهرها معنى آخر، كما هو واضح، وسيأتي..

الثانية: إنّ المقطع المذكور يبيّن عقيدتين متقارنتين من عقائد الشيعة الإمامية؛ ففي المقطع الأوّل يبيّن رتبة الإمام في المنظومة التكوينة، وأنّه واسطة الفيض، المعبّر عنها بـ(الولاية التكوينية)، والمشار إليها في الروايات بأنّه: (لولا وجود الإمام لساخت الأرض بأهلها)(4).

____________

1- الشيعة في الميزان: ١٢١ الإمامة بين شيخ الشيعة وشيخ المعتزلة.

2- الشافي في الإمامة ١: ٤٢، فصل: في تتبّع ما ذكره ممّا يتعلّق بوجوب الإمامة.

3- المغني (المجلّد الأوّل من كتاب الإمامة) ٢٠: ١٨ الكلام في الإمامة، فصل: في أنّ الإمامة غير واجبة من جهة العقل.

4- انظر: الكافي، للكليني ١: ١٧٩ كتاب الحجّة، باب أنّ الأرض لا تخلو من حجّة.


الصفحة 584
وقد ذكر الصدوق رحمه الله أنّ هذه العبارة واردة في الأخبار، عند جوابه لركن الدولة عندما سأله بقوله: ((أنتم تقولون: إنّه غائب مستور, والحال أنّ إقامة الحدود والأحكام ورفع الظلم عن المظلوم من مناصب الإمام, فنصبه لهذه الأحكام لازم, ومع غيبته فلا بدّ من القول بعدم الحاجة إليه؟

قال الشيخ: إنّ الحاجة إلى وجود الإمام عليه السلام إنّما هو لبقاء النظام, وقد ورد بأنّه: (لولا الإمام لما قامت السماوات والأرض، ولما أنزلت السماء قطرة، ولا أخرجت الأرض بركتها)، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ(1), والإمام قائم مقام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلّا في اسم النبوّة ونزول الوحي..

واتّفق أهل السير والنقل على أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: (النجوم أمان لأهل السماء، فإذا ذهبت أتى أهل السماء ما يكرهون، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا هلك أهل بيتي أتى أهل الأرض ما يكرهون). وقال عليه السلام: (لو بقيت الأرض بغير حجّة ساعة لساخت بأهلها)، وفي رواية أُخرى: (لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله)))(2).

والمعنى ممّا ذكره الصدوق واضح..

وأمّا المقطع الثاني: ففيه إشارة إلى ما نعتقد، تبعاً للروايات الكثيرة: أنّ الموالاة للأئمّة عليهم السلام شرط قبول الأعمال وصحّتها, وقد ذكرنا بعضاً منها في عنوان (أهل البيت)، في أجوبة الأسئلة المتعلّقة بشرط ولايتهم عليهم السلام لقبول الأعمال.

____________

1- الأنفال (٨): ٣٣.

2- انظر: طرائف المقال، للبروجردي ٢: ٥١٣ ــ ٥١٤ ترجمة الشيخ الصدوق.


الصفحة 585
والمقطع الثاني في أصل كتاب (المغني) يمكن أن يُفهم بهذا السياق، وهو: عدم صحّة العمل العبادي من دون موالاة ومعرفة الإمام, مع أنّ ظاهره بالقرائن الموجودة في نفس الكلام له معنى آخر، وهو: أن لا يقع عمل ولا يتمّ من قبل العبد (البشر) إلّا بالإمام، أو بتوسّط الإمام.

وهو أوّلاً: معنى آخر غير صحّة العمل وتماميّته.

وثانياً: معنى خاطئاً إذا أُريد على ظاهره، كما فهمه القاضي عبد الجبّار, إلّا إذا أدخلناه في معنى المقطع الأوّل، ويكون ذكر لجزئية من تلك الكلّية المذكورة في المقطع الأوّل من باب ذكر الخاصّ بعد العامّ؛ فيكون المعنى: أنّ الإمام أيضاً واسطة للفيض في أعمال وأفعال العباد؛ إذ أنّ العباد وأفعالهم من ضمن الأرض وما فيها.

الثالثة: إنّ القاضي عبد الجبّار فهم من هذين المقطعين معنى خاطئاً، غير ما نريده: من أنّهم واسطة الفيض، كما بيّنه الصدوق، بعد أن اعتبرهما يدلان على معنى واحد، وأنّ معنى المقطع الثاني دخل في معنى المقطع الأوّل..

قال في (المغني): ((وزعم بعضهم أنّه: (لولا الإمام لما قامت السماوات والأرض، ولما صحّ من العبد الفعل)، فليس يخلو هذا القائل من أن يريد: أنّه تعالى لمكانه. أو لأنّ في المعلوم أنّه يخلقه ويخلق الأنبياء إمامها.. فإن يكن هذا مراده، فليس للإمامة تعلّق بالتمكين؛ لأنّه كان يجوز أن يخلقها ويقيمها مع فقد الإمام، وإنّما اختار ذلك ــ إن صحّ ما قاله ــ بمنزلة أن يكون في المعلوم أنّه لولا التكليف لما حسن في الحكمة خلق السماوات والأرض، وذلك لا يوجب أنّ المكلّف إنّما يتمكّن ممّا كلّف يريد.


الصفحة 586
وإن أراد: أنّ السماوات والأرضين لا يصحّ أن يقوما إلّا بإمام، فليس يخلو أن يريد: أنّه يقيمهما, وهذا هو الذي قدّمناه، ولا فرق بينه وبين من قال: هو الذي يخلقهما. وقد علمنا من حال الأئمّة والأنبياء خلاف ذلك.

فإذا لم يصحّ هذا الوجه، فمن أين صحّة قيامهما بالإمام, والمعلوم أنّه تعالى قادر على ذلك، ولا حاجة بهما إلى وجود الإمام, ولا إلى كونه إماماً؟

على أنّ الإمام لا يصحّ كونه على الصفة التي معها يكون إماماً إلّا مع قيامها, فلو لم يقوما إلّا به لكانا محتاجين إليه وهو محتاج إليهما، وذلك يتناقض. وهذا ركيك من القول، لولا أنّ بعضهم أورده لكان ذكره عبثاً))(1).

فمن الواضح أنّه لم يفهم المراد من هذين المقطعين، وأنّه أدخل المقطع الثاني في باب التمكين, وأنّ العبد لا يتمكّن من الفعل لولا الإمام, وزعم في الاحتمال الثاني أنّ المقصود: أنّ الإمام يخلقهما. وهذا ما لا يقوله الشيعة قطعاً.

ولذا كان جواب السيّد المرتضى رحمه الله في (الشافي) بالنفي القاطع لصدور مثل هذا الكلام بهذا المعنى الذي فهمه القاضي عن الشيعة, وقال: ((فأمّا ما حكاه عن بعضهم من أنّه: (لولا الإمام لما قامت السماوات والأرض، ولا صحّ من العبد الفعل) فليس نعرفه قولاً لأحد من الإمامية تقدّم ولا تأخّر، اللّهمّ إلّا أن يريد ما تقدّم حكايته من قول الغلاة))(2).

____________

1- المغني (المجلّد الأوّل من كتاب الإمامة) ٢٠: ١٨ ــ ١٩ الكلام في الإمامة، فصل: في أنّ الإمامة غير واجبة من جهة العقل.

2- الشافي في الإمامة ١: ٤٢، فصل: في تتبّع ما ذكره ممّا يتعلّق بوجوب الإمامة.


الصفحة 587
ومن الواضح أن النفي جاء بما تعلّق بهذا الكلام من المعنى الخاطئ عند القاضي، والموافق لقول الغلاة؛ فلاحظ!


الصفحة السابقة