المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 6) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج6 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 151 - ص 180) كلّ ما عداه.. فالتعبير بالوجه جاء كناية عن عزّته ومنعته سبحانه عن الفناء، فهو (سبحانه) الذي يجلّ ويترفّع عن معنى الفناء أبداً, لا أنّ وجهه يكون هو الباقي وما عداه من الأجزاء يصيبها الفناء والهلاك.. والقائل بإثبات الصفات على ظواهرها عليه أن يؤمن بإله مفرّق الأعضاء لا يبقى له من الوجود سوى الوجه! ولكن هذا إله مشوّه وناقص، ويا ترى هل يصحّ من هو على هذه الشاكلة أن يكون إلهاً؟!!

فعلى القوم أصحاب هذه المقالات أن يصحّحوا عقائدهم من هذه الناحية.

جواب الثاني: أجبنا عن هذا السؤال ضمن جواب السؤال الأوّل، فإنّ عينية الصفات تعني: أنّه سبحانه كلّه علم، وكلّه سمع، وكلّه بصر، وكلّه حياة، وكلّه قدرة، وكلّه إدراك.. لا أنّ هذه الصفات أجزاء تتركّب منها الذات، فهو سمع من حيث هو بصر، وهو بصر من حيث هو سمع، وهو علم من حيث هو سمع، وهو سمع من حيث هو علم, وهكذا بقية الصفات، فذاته صفاته، وصفاته ذاته, لا اثنينية بين الذات والصفات، كما هو شأننا نحن البشر، ولا تجزّؤ في الصفات نفسها, فإنّ هذا التجزّؤ يعني: الافتقار, أي: افتقار المركّب إلى أجزائه، بل قدم الأجزاء على الذات؛ لأنّه من الضرورة صيرورة المركّب مركّباً إنّما يكون بعد تمامية أجزائه, وهذا يعني تقدّمها عليه, وهذا كلّه باطل بالضرورة..

جواب الثالث: هذا السؤال أيضاً أجبنا عليه ضمناً في جواب السؤال الأوّل عند الحديث عن الآية الكريمة المتعلّقة بالوجه؛ فراجع!

جواب الرابع: اتّضح من جواب السؤال الأوّل.


الصفحة 152
جواب الخامس: مهما تحدّث الطرف الآخر عن كون ما يقوله من الصفات بأنّه لا يريد به التشبيه والتمثيل، فهو لا يمنع عنه صفة القول بالتشبيه والتمثيل, وذلك لأنّ للألفاظ معانٍ معلومة، فهو إمّا أن يثبت جوارحاً، وإمّا أنّ يتأوّلها, إذ الحمل على الظاهر وأن معناها الحقيقي هو المراد مع دعوى تقرير القرآن لذلك يكون ظاهراً في التجسيم؛ لأنّ ظواهرها تدلّ على الجوارح، وهي تفيد التبعيض, وحملها على غير ظاهرها فهو يعني: التأويل, وهم لا يلتزمون به، فثبت عليه ما يدّعي الفرار منه!!

(علمه تعالى بالمحدود لا يعني تركّب علمه)

« أحمد العبّاسي البحراني ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ما الردّ العقلي على الشبهة القائلة بأنّ: العلم بالمحدود محدود، ممّا يستلزم منه تركّب العلم الإلهي، أي: الذات الإلهية، والعياذ بالله؟

وفّقكم الله لكلّ خير.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


الصفحة 153
إنّ العلم بالمحدود بما هو محدود يكون علماً بالحدود لا علماً محدوداً، وكم فرق بين محدودية العلم والعلم بالحدود؛ إذ لا ملازمة بينهما؟!

ويمكن بيانه عن طريق النقض؛ فنقول: إنّ الله قادر على المحدودات ولكن قدرته غير محدودة. ثمّ إنّ العلم بالحدود لا يستلزم التركّب في العلم الإلهي، أو الذات الإلهية؛ لأنّ علمه تعالى بالأشياء هو على نحو العلم الإجمالي في عين الكشف التفصيلي, والمراد هنا بالعلم الإجمالي: العلم البسيط قبال المركّب.. وبيانه:

إنّ لكلّ مجرّد عن المادّة علماً بذاته؛ لحضور ذاته عند ذاته, وهو علمه بذاته, وبما أنّ الذات المتعالية هي صرف الوجود لا يحدّها حدّ ولا يشذّ عنها وجود أو كمال وجودي، فما في تفاصيل الخلقة من وجود أو كمال وجودي بنظامها الوجودي, فهو موجود عندها علماً إجمالياً في عين الكشف التفصيلي, وهو لا يلزم تكثّراً وتركّباً في الذات الإلهية.

أو كما يقول المعلّم الثاني (الفارابي): فكما أنّه تعالى بوجود واحد مظهر لجميع الموجودات بنحو البساطة، كذلك بعلم واحد يعلم جميع الموجودات. وهذا معنى العلم الإجمالي في عين الكشف التفصيلي.

وكأنّ هذه مبنية على أنّ علمه تعالى علم حصولي بارتسام الأشياء (المحدودات) في ذاته سبحانه، ولكنّه يثبت بما لا مجال للمناقشة أنّ علمه حضوري.


الصفحة 154

(علمه سبحانه بالمادّيات)

« خالد الحسني ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

كيف يتناسب علم الله عزّ وجلّ بالمادّيات مع علمه الحضوري بالأشياء؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّه سبحانه وتعالى يعلم بكلّ شيء يخلقه قبل وجوده، وأنّ علمه بالأشياء في مرتبة ذاته قبل وجودها هو علم إجمالي في عين الكشف التفصيلي.

ولكي يتّضح هذا الجواب لا بدّ من مقدّمات:

المقدّمة الأُولى: ذكر الحكماء: أنّ للتعقّل ثلاثة أنواع:

أوّلاً: العقل بالقوّة: إنّ الطفل أوّل ما يولد لا توجد لديه معلومات وإدراكات، وعلى هذا الأساس فالمعقولات لا تكون لديه بالفعل، وإنّما تكون بالقوّة؛ ﴿اللّهُ أَخرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُم لاَ تَعلَمُونَ شَيئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمعَ وَالأَبصَارَ وَالأَفئِدَةَ(1).

فالعقل يكون هنا مجرّد استعداد، مجرّد قابلية لقبول المعقولات، والنفس تكون خالية من عامّة المعلومات.

____________

1- النحل (١٦): ٧٨.


الصفحة 155
ثانياً: العقل التفصيلي: يبدأ العقل بتعقّل المعقولات، وتحصل لديه معقولات كثيرة بالفعل، ويستطيع أن يميّز بعض هذه المعقولات عن بعضها الآخر، فيحصل عنده علم تفصيلي بالأشياء، ويكون عالماً بالأشياء علماً فعلياً.

ثالثاً: العقل الإجمالي: أن تحصل معقولات كثيرة لديه ولكن لا يتميّز بعضها من بعض، وهنا يكون التعقّل بسيطاً ولكنّه يشتمل على كلّ التفاصيل، يعني: أن يكون العقل عقلاً إجمالياً ولكنّه في الوقت نفسه يشتمل على كلّ التفاصيل.

وينبغي الإشارة إلى أنّ مصطلح: (الإجمالي) قد يطلق ويراد به: الإجمال بمعنى البساطة، وهو ما نقصده هنا.

وقد يطلق ويراد منه: المعنى الأُصولي؛ إذ يقولون: (علم إجمالي)، بمعنى: علم مع إبهام وترديد، وقد يراد غيره.

أمّا هنا فالمقصود به هو البساطة، يعني: عقلاً إجمالياً، أي: عقلاً بسيطاً، ومثّلوا له بمثال: إنّ الإنسان لو أراد أن يقرأ قصيدة حفظها من قبل، فهذه القصيدة لا تكون كلّها موجودة على لوحة عقله في اللحظة عينها بتفاصيلها، وإنّما هي موجودة بشكل إجمالي بسيط، ثمّ تبدأ تتدفّق بشكل تدريجي، وكأنّها تنبع من منبع، وهذا المنبع تجري منه تمام التفاصيل.

المقدّمة الثانية: إنّ كلّ مجرّد يكون حاضراً لذاته وعالماً بها، فالباري سبحانه باعتباره مجرّداً فهو حاضرٌ لذاته، عالم بها بالعلم الحضوري.

المقدّمة الثالثة: أنّه سبحانه هو المفيض والمبدأ لكلّ عالم الإمكان ولكلّ ما سواه في عالم الوجود.


الصفحة 156
المقدّمة الرابعة: أنّ المفيض والمعطي لكمالٍ لا بدّ أن يكون واجداً له؛ لأنّ فاقد الشيء لا يعطيه.

وبعد ذكر هذه المقدّمات، نقول: إنّه تعالى باعتباره مفيض لهذا الوجود والكمال الوجودي، فهو واجد له في مقام ذاته، فهو عالم بالوجودات وكمالاتها في مقام ذاته قبل الإيجاد والخلق، وعلمه بالأشياء قبل وجودها علم إجمالي يشتمل على التفاصيل، أي: علمه بالأشياء قبل الإيجاد بنحو العلم الإجمالي في عين الكشف التفصيلي، وليس المراد بالتفصيل هنا: تميّز الأشياء بعضها من بعض، كما في النوع الثاني المار الذكر من التعقّل، وإنّما المراد من التفصيل هنا هو: الوضوح؛ فإنّه يعلم بها علماً بسيطاً واضحاً.

وإنّما يكون هذا العلم باعتبار أنّ كلّ ما سواه من الموجودات هي معلولة له، وهي منتهية إليه، إمّا بلا واسطة، أو بواسطة، أو بوسائط، وبالتالي هي قائمة الذات به قيام الرابط بالمستقل، فتكون حاضرة عنده بوجوداتها إن كانت مجرّدة، وحاضرة بصورها المجرّدة إن كانت مادية، هذا من جهة علمه بغيره قبل الإيجاد..

أمّا من جهة علمه بغيره بعد الإيجاد، فهو جلّ شأنه له علم حضوري تفصيلي بما سوى ذاته من الموجودات في مرتبة ذواتها، يعني بعد وجودها، لكن هذا العلم خارج عن ذاته، وأنّ علمه بها يقتضي العلم بما لديها من علم.

وبعبارة أُخرى: إنّ علمه بالأشياء بعد الإيجاد هو: فعله، وأمّا ما أوردوه من أنّ العلم بالجزئيات، وهي متغيّرة، يلزم منه التغيّر في علم العالم وهو واجب الوجود.


الصفحة 157
فقد أُجيب عنها بالنقض بالقدرة، فما يقال فيها يقال في العلم، وبالحلّ بأنّ هذه التغييرات زمانية والله فوق الزمان والمكان. ويتوضّح الجواب بعد اتّضاح أنّ علمه سبحانه حضوري والأشياء حاضرة عنده.

(هل تتعلّق قدرة الله بالممتنعات؟)

« سلمان ــ السعودية ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

في إحدى القنوات كان برنامج لأحد علماء أهل السُنّة اتّصل به أحد الملحدين سائلاً إيّاه بما معناه: ((إن كان الله سبحانه جلّ وعلا قادراً على كلّ شيء، فهل يستطيع أن يخلق حجراً هو لا يستطيع حمله؟))، جلّ وعلا سبحانه..

موفّقين لكلّ خير.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ قدرة الله عزّ وجلّ لا تتعلّق بالمحال (الممتنعات)، وليس ذلك تضييقاً لقدرته تعالى، وإنّما لقصور في القابل، وفرض سعة قدرته للمحال العقلي يؤدّي إلى الخلف، أو اجتماع النقيضين، كما في الرواية المعروفة من سؤال الإمام عليّ عليه السلام عن قدرة الله لأن يجعل العالم في بيضة دون أن يصغر العالم أو تكبر


الصفحة 158
البيضة؟ فأجاب عليه السلام بأنّ: ذلك لا يكون(1)، أي أنّه مستحيل وممتنع عقلاً؛ إذ يلزم أن يكون العالم كبيراً وصغيراً في نفس الوقت، وهو اجتماع النقيضين.

وكذا في السؤال المذكور، فإنّ مؤدّاه: هل أنّ الله قادر على إلغاء قدرته, أي: هل هو قادر على جعل نفسه غير قادر؟! وهذا محال؛ إذ يؤدّي إلى اجتماع النقيضين. وهو محال؛ فتأمّل!

(لا تتعلّق قدرته تعالى بالمستحيلات الذاتية)

« أبو دانية ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

سؤالي: عن قدرة الله تعالى:

إنّ مفهوم المسيحيين في قدرة الله تعالى يختلف عن مفهومنا نحن المسلمين؛ فإنّهم يطرحون سؤالاً لنا: هل الله تعالى يقدر أن يخلق خالقاً ثانياً بنفس المستوى لا يكون فرق بينهم أبداً، يكون أزلي ولا زمان ولا مكان... ووو؟

أو: هل يقدر أن يجعل رقم خمسة ستّة عشر؟

حسب علمي نحن المسلمون نقول: لا يمكن ذلك؛ لأنّه يعتبر من التناقض، لكن هذا لا يعني أنّ الله تعالى محدود.

____________

1- انظر: التوحيد، للصدوق: ١٣٠ حديث (٩)، باب القدرة.


الصفحة 159
فممكن من سماحتكم أن توضّحوا لي كيف يكون ذلك؟

فقد يقال عنه: أنّه غير قادر على كلّ شيء، وإن كان متناقضاً.

وشكراً لسماحتكم.

وصلوات الله على محمّد وآل محمّد.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

القدرة لا تتعلّق بما هو مستحيل أو ممتنع، بل تتعلّق بما هو ممكن، فالله تعالى على كلّ شيء قدير، ولكن لا تتعلّق قدرته بخلق خالق آخر مثله من جميع الجهات، عزّ شأنه وتعالى عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

وذلك لأنّ الإله المخلوق لا يمكن أن يكون إلهاً؛ لأنّه مخلوق، والمخلوق كيف يصحّ أن يكون إلهاً فضلاً عن أن يكون مثله، فلو فرضنا أنّ الله تعالى قادر على إيجاد مثل هذا الإله، فهل تتعلّق قدرته بجعل المقدور والمخلوق قادراً وخالقاً غير مقدور ولا مخلوق؟! هذا هو التناقض بعينه!

لأنّ الإله الثاني؛ المفروض أنّه مثله تعالى في جميع الجهات، فإمّا أن نقول: إنّه غير مخلوق، أو نقول: إنّه مخلوق، فإذا قلنا: بأنّه غير مخلوق، فكيف جاز أن نفرضه إلهاً ثانياً مقدوراً لله وهو عدم غير موجود؟ وهل معنى أن يوجده الله بعد ذلك إلّا أنّه مخلوق له؟!

وأمّا إذا قلنا: بأنّه مخلوق، فكيف يكون مثله تعالى من جميع الجهات؛ إذ الله تعالى غير مخلوق؟!


الصفحة 160
فثبت أنّ القدرة الإلهية لا تتعلّق بإيجاد هذا الإله، ولا يقدح ذلك في كونه تعالى قادراً على كلّ شيء؛ لأنّه قادر على الممكن دون المستحيل والممتنع الذاتي، فإنّه لا يقال: إنّ الله تعالى غير قادر على المستحيل والممتنع، بل يقال: أنّ قدرته لا تتعلّق بالمستحيلات الذاتية، التي لو أمكنت لكان قادراً عليها، ولكنّها تأبى عن الإمكان فلا تتعلّق بها القدرة، فالقصور ليس من الفاعل وإنّما من القابل.

وهذا الأمر ليس له علاقة بمعنى القدرة عند الطرفين (المسلمين والمسيحيين) بقدر ما له علاقة بالبداهة العقلية، وهو شبيه من هذه الجهة بقولهم بالثالوث.

(قدرته لا تتعلّق بالمحالات ومنها الحلول في شيء)

« جعفر الحسيني ــ الدانمارك ــ إمامي »

السؤال:

سلام عليكم..

وفّقكم الباري لكلّ خير ورعاكم.

كيف يمكننا أن نبطل حجّة بعض المغالين القائلين: إنّ الله يمكنه أن يتجسّد بصورة أحد أوليائه؛ لأنّه سبحانه يقول للشيء: كن، فيكون, وهو القادر على كلّ شيء؟

ولكم الشكر والامتنان..


الصفحة 161
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا تتعلّق قدرته تعالى بالمحالات أو المستحيلات الذاتية؛ فقدرته لا تتعلّق بأن يصير سبحانه وتعالى (وهو المنزّه عن شوب المادّة والصورة) ذا جسد فيتجسد في نبيّ أو وليّ أو من هو دونهما؛ لأنّ الحلول هو: قيام شيء في شيء على سبيل التبعية والإحاطة، وهو يستلزم افتقاره تعالى إلى المحلّ، وهو محال، وينافي وجوب وجوده؛ فإنّ المحتاج إلى محلّ ممكنٌ لا واجب.

(هل لقدرة الله حدود؟)

« مصطفى عبد الله ــ السعودية ــ إمامي »

السؤال:

مسألة: هل قدرة الله التي ليس لها حدود (اللامتناهية) نفس لا متناهية القيم العددية في الزمان؟

مثلاً: إنّ الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستّة أيام. فإذا قلنا: إنّ الله تعالى يستطيع أن يخلقهم في (١/٢ نصف ثانية)، أو في (١/٤ ربع ثانية)، أو في (١/٥ خمس)، أو في (١/٦ سدس) أو أو... أعداد لا متناهية.

فهل لا متناهية الأعداد هي نفس لا متناهية الله تعالى؟

أو هل لا محدودية الأعداد هي نفس لا محدودية الله تعالى؟


الصفحة 162
سؤال/ ما هي أقصر مدّة زمنية على الإطلاق يستطيع الله تعالى أن يخلق الشيء؟

سؤال/ هل يستطيع الله أن يخلق شيئاً من دون العدم (ليس له بداية)؟

نرجوا التوضيح، وشكراً.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الله تعالى لا يقاس بالأشياء ولا بالإعداد، فاللاتناهي الإلهي يختلف عن اللاتناهي الهندسي أو الرياضي أو العددي، ومن جهة ثانية فإنّ خلق الله للأشياء لا يتقيّد بقيود زمانية، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(1)، وقال عزّ من قائل: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(2)، فالنسب الزمانية التي ذكرتها لا تجري إلّا على الأشياء في هذا الكون المادي، ولا تجري على الله تعالى، يضاف إلى ذلك أنّ الزمان نفسه مخلوق من مخلوقات الله.

وأمّا سؤالك بخصوص خلق السماوات والأرض فارجع إلى موضوع: (الخلق والخليقة)، ضمن عنوان: (علّة خلق السماوات والأرض في ستّة أيام).

وأقصر مدّة زمانية غير متصوّرة؛ لأنّ كلّ مقدار من الزمان له جزء، ولجزئه جزء، وهكذا إلى غير نهاية، فالسؤال غير صحيح! وبما أنّ قدرة الله لا حدود لها فهي خارجة عن طوق الزمان والمكان؛ إذ كلّ مقدار يوجد ما هو

____________

1- النحل (١٦): ٤٠.

2- يس (٣٦): ٨٢.


الصفحة 163
أقلّ منه أو أكثر، إلى غير نهاية، فلو تعلّقت قدرة خلقه عزّ وجلّ للأشياء بالزمان لكانت قدرته محدودة، وهذا خلف.

وإن كنت تعني بـ(الذي ليس له بداية): القديم الزماني؟

فالجواب: نعم؛ فإنّ الزمان نفسه ليس له بداية زمانية لعدم وجود زمان قبله، وأمّا القديم بالذات، أو القديم الذاتي، فهو الله عزّ وجلّ.

(صفتي السمع والبصر)

« أُمّ السادة ــ البحرين ــ إمامية »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

اختلف بعض العلماء في معنى السمع والبصر بالنسبة إلى الله سبحانه وتعالى؛ أُريد بيان معنى كونه تعالى سميعاً بصيراً؟

وقع خلاف بين العلماء في كون السمع والبصر صفتان فعليتان، أم ذاتيتان؛ أريد بيان منشأ الخلاف مع بيان أدلّة كلّ من الفريقين؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: تجدر الإشارة إلى أنّ هذين الوصفين ــ السمع والبصر ــ وردا في القرآن الكريم بما يزيد عن الأربعين مرّة في حقّه سبحانه، منها: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَسمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ(1).

____________

1- المجادلة (٥٨): ١.


الصفحة 164
ومعنى كونه تعالى سميعاً بصيراً: أنّ جميع المسموعات، أي: الأشياء التي يصحّ أنّها تُسمع، وجميع المبصرات، أي: الأشياء التي يصحّ أنّها تُبصر، حاضرة عنده، عالم بها، كيف لا وهي مخلوقاته وأفعاله جلّ في علاه؟!

ثانياً: نذكر بيان موجز عن ضوابط جعل صفة ما، صفة ذاتية أو صفة فعلية للمولى سبحانه وتعالى، فنقول:

١ــ كلّ صفة أمكن نفيها عن الواجب القديم وصحّ إثبات نقيضها له، فهي فعلية، وإلّا فهي ذاتية.

٢ــ كلّ صفة لها ضدّ وجودي، فهي فعلية؛ إذ الذاتية عين الذات، ولا ضدّ للذات الواجبة. وأمّا إذا لم يكن لها ضدّ فلا يجب أن تكون ذاتية، فالملازمة من أحد الطرفين في هذا المقام.

٣ــ كلّ صفة اعتبرت في مفهومها الإضافة، فهي فعلية، لاحتياجها إلى غير الواجب، فلا يعقل كونها ذاتية، وكلّ صفة لم تكن إضافية محضة فهي ذاتية.

٤ــ كلّ ما وقع تحت قدرته فهو من الصفات الفعلية، وما لم يقع فهو من الصفات الذاتية؛ فإنّ الخارج عن القدرة ليس إلّا الواجب.

٥ــ كلّ صفة وقعت تحت الإرادة، فهي فعلية، وإلّا فهي ذاتية.

٦ــ كلّ صفة وقعت في حيز ألفاظ دالّة على الحدوث والإمكان، فهي فعلية لا محالة.

وإذا أصبح لدينا هذا الميزان أو الضابطة في تمييز ما هو ذاتي أو فعلي من الصفات للمولى سبحانه وتعالى، نعرّج الآن على ذكر أقوال علماء المسلمين


الصفحة 165
في حقيقة (السمع والبصر) بالنسبة إليه تعالى، وأمامنا الميزان المتقدّم ليتّضح الأمر من مرادهم في كونها من الصفات الذاتية.

فنقول: إنّ في معنى حقيقة صفتي (السمع والبصر) عند العلماء أقوال يمكن حصرها في قولين:

١ــ إنّهما عبارة عن العلم بالمسموعات والمبصرات؛ فهما فردان لمطلق العلم، قال به الفلاسفة، كما قيل، أو الفلاسفة النافون لعلمه بالجزئيات على وجه جزئي ــ كما ذكره في (الأسفار)ــ. وقال به أيضاً: الكعبي، وأبو الحسين البصري، وهذا مختار المفيد في (أوائل المقالات)، والعلاّمة في (شرح العقائد)، وبعض آخر من علماء الإمامية.

وحسب هذا التفسير فهما: من الصفات الذاتية؛ باعتبار أنّهما فردان لمطلق العلم، والعلم صفة ذاتية ثبوتية للمولى سبحانه.

٢ــ إنّهما زائدتان على العلم، كما عن جمهور الأشاعرة والمعتزلة والكرامية؛ فإنّه إذا علم شيئاً جليّاً ثمّ وقع عليه البصر يوجد بين الحالتين تفرقة ضرورة، هو الفرق بين العلم والإدراك، فإنّ الحالة الثانية تشتمل على زيادة حصول العلم فيهما، وفي البشر يحتاج إلى الآلة، أمّا الواجب فيحصل له الإبصار بلا آلة، وقد يكون هذا هو ما ذهب إليه السهروردي؛ فأرجع علمه إلى بصره، وصاحب الأسفار ومن تبعه.

وهذا الوجه في تفسير حقيقة الإبصار يستفاد منه أنّه: صفة ذاتية، لكن الاختلاف أنّها ليست فرداً من العلم، وإنّما صفة زائدة عليه.


الصفحة 166

(القِدم صفة ذاتية لله)

« الحوراء ــ الإمارات ــ إمامية »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته..

يذكر المتكلّمون بأنّ (القدم) ليس صفة ذاتية؛ فقد يوصف الممكن بالقدم. هل بإمكان سماحتكم التفضل بالإشارة إلى الفرق بين أن يكون القدم صفة ذاتية لله تعالى أم لا؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

وصف الممكن بالقديم إنّما يكون بالنسبة إلى ممكن غيره، أمّا وصف المولى سبحانه وتعالى بهذه الصفة، إنّما هو وصف ثابت مطلق يتفرّد به سبحانه دون الموجودات كلّها، وقد ورد في أحاديث كثيرة هذا المعنى:

كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (اللّهمّ أنت الله... الشهيد القديم، العليّ العظيم)(1).

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الحمد لله الملك الرحيم، الأوّل القديم...)(2).

وعن الإمام الصادق عليه السلام: (إنّ الأشياء لا تخلو أن تكون خلقت من شيء أو من غير شيء، فإن كانت خلقت من شيء كان معه، فإنّ ذلك الشيء قديم،

والقديم لا يكون حديثاً ولا يفنى ولا يتغيّر)(3).

____________

1- مهج الدعوات، لابن طاووس: ١٢٢، باب (في ذكر أحراز وعوذ مشرّفات وضراعات...).

2- مهج الدعوات: ١١٨، باب (في ذكر أحراز وعوذ مشرّفات وضراعات...).

3- الاحتجاج، للطبرسي ٢: ٧٨ احتجاج أبي عبد الله عليه السلام في أنواع شتى من العلوم الدينية.


الصفحة 167

وعن الإمام الرضا عليه السلام: (اعلَم ــ علّمك الله الخير ــ إنّ الله ــ تبارك وتعالى ــ قديم، والقدم صفته التي دلّت العاقل على أنّه لا شيء قبله ولا شيء معه في ديمومته)(1).

والمتحصّل: أنّ (القدم) هي صفة ذاتية لله باين بها جميع المخلوقات.

والضابط في كون الصفة ذاتية أو لا، هو أنّ الصفة الذاتية، هي تلك الصفة التي يتّصف بها المولى سبحانه ولا يتّصف بضدّها، كقولنا: عالم، حيّ، قادر؛ فإنّنا لا نستطيع وصفه بأضداد هذه الصفات من الجهل والموت والعجز.. وكذلك صفة (القدم)، فالمولى سبحانه يتّصف بها ولا يتّصف بضدّها، وهو: الحدوث.

وما ذكرتموه عن المتكلّمين لم نجد مصدره.

(خلق المشيئة بنفسها)

« محمّد مهدي ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

في ماذا تجلَّت وتتجلَّى المشيئةُ الإلهية التي بها خلقَ الله الأشياء؟ ومن هُمْ محالّ مشيئته تعالى؟

هل المشيئة الأُولى التي خلق الله بها الأشياء وأظهر بها سائر الموجودات، مخلوقة كسائر المخلوقات، بمعنى أنَّ المشيئة أيضاً ظهرت بالمشيئة؟

فإذا كانت المشيئة من جملة المخلوقات، فإنّها تحتاج إلى مشيئة أُخرى لتخلقها، وهكذا يتحقّق التسلسل الباطل. هذا من جهة.

____________

1- الكافي، للكليني ١: ١٢٠ حديث (٢) كتاب التوحيد، باب آخر وهو من الباب الأوّل إلا أنّ فيه زيادة.


الصفحة 168

ومن جهة أُخرى: كيف يمكن تفسير خلقة الشيء بنفسه؟ فندخل بالدور والسلسلة، وهذا باطل.

ولأنّ هذا الحديث أخافنا كثيراً: قال الرضا عليه السلام: (المشية والإرادة من صفات الأفعال، فمن زعم أنّ الله تعالى لم يزل مريداً شائياً فليس بموحّد).

أرجو الجواب بجواب شافٍ واسع تفصيلي، مدعوماً بالدليل العقلي والنقلي، مع ذكر المصادر.

جزاكم الله خير الجزاء، حفظكم الله وسدّد خطاكم في خدمة الدين والمذهب.

والسلام عليكم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

المشيئة من صفات الأفعال كما هو في الحديث المذكور عن الإمام الرضا عليه السلام(1)، ولكونها من صفات الأفعال فهي ليست عين ذاته، وإلّا لصارت الذات الإلهية محلاًّ للحوادث، وهو باطل، بل حال هذه الصفة كحال كلّ الصفات الفعلية الأُخرى، كالرازقية والخالقية والإماتة والإحياء وغيرها، منتزعة من أفعاله.

أمّا تلك الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: (خلق الله المشيئة بنفسها، ثمّ خلق الأشياء بالمشية)(2)، فإنّ خلق المشيئة بنفسها معناه: أنّه لا يحتاج إلى مشيئة

____________

1- التوحيد، للصدوق: ٣٣٨ حديث (٥)، باب (المشيئة والإرادة).

2- الكافي، للكليني ١: ١١٠ حديث (٤) كتاب التوحيد، باب (الإرادة أنّها من صفات الفعل وسائر صفات الفعل).


الصفحة 169
أُخرى، بل في حال خلقه لتلك المشيئة انتزعنا من هذا الفعل الذي صدر منه تعالى صفة، وهي: كونه تعالى شائياً.

ويقول آية الله الميرزا جواد التبريزي في (صراط النجاة): ((إنّ الأولوية في تعلّق مشيئته سبحانه وتعالى بالخلق للنبيّ والأئمّة سلام الله عليهم

أجمعين))(1).

هذا.. وهناك آراء أُخرى للمتكلّمين والفلاسفة تعد الإرادة من الصفات

الذاتية، وكلٌّ أخذها بمعنى معيّن، ولك مراجعتها في مظانّها.

(الأقوال في الإرادة)

« المجيب ــ السعودية ــ إمامي »

السؤال:

ما هو تعريف الإرادة عند الذين ذهبوا إلى أنّ الإرادة من الصفات الفعلية، وکذلک الذين ذهبوا إلی أنّها من صفات الذات؟

الجواب:

اختلف العلماء في (الإرادة): هل هي من صفات الذات، أو من صفات الأفعال؟ فبعضهم تبنّى رأي الفلاسفة القائلين بأنّها من صفات الذات، وهو أيضاً رأي عامّة المجبرة؛ فقد قالوا: إنّ الإرادة من صفات الذات، وأنّ الله لم يزل مريداً لكلّ ما يكون من فعله وفعل غيره.

____________

1- صراط النجاة ٣: ٤٣٨، فصل في العقائد.


الصفحة 170

وقال صاحب (الكفاية)، الذي ذهب إلى كونها من صفات الذات، وقسّمها إلى: الإرادة التكوينية وهي: العلم بالنظام على النحو الكامل التام. والإرادة التشريعية، وهي: العلم بالمصلحة في فعل المكلّف(1).

وتعريف صاحب (الكفاية) للإرادة قد أخذه من الحكماء الذين عرّفوها: العلم بالنظام الأتم(2).

ولكن متقدّمي الإمامية ذهبوا إلى كون الإرادة من صفات الفعل، وذلك تبعاً لأهل البيت عليهم السلام، ولم يوافقوا على ما ذهب إليه الفلاسفة والأشاعرة، الذين جعلوها من الصفات الذاتية الثبوتية..

فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: (خلق الله المشيئة بنفسها، ثمّ خلق الأشياء بالمشيئة)(3)، وقوله عليه السلام هذا نص في (فعلية) الإرادة.

وأكّد الشيخ المفيد أنّ الإرادة من صفات الفعل، وهي حادثة، قائلاً: ((إنّ إرادة الله تعالى لأفعاله هي نفس أفعاله.. وإرادته لأفعال خلقه أمره بالأفعال، وبهذا جاءت الآثار عن أئمّة الهدى من آل محمّد عليهم السلاموهو مذهب سائر الإمامية، إلّا من شذّ منها عن قرب وفارق ما كان عليه الأسلاف))(4).

____________

1- كفاية الأُصول، للآخوند: ٦٧ المقصد الأوّل، الفصل الأوّل.

2- الحكمة المتعالية، لصدر الدين الشيرازي ٦: ٣٣٣ السفر الثالث، الموقف الرابع، الفصل (٦).

3- الكافي، للكليني ١: ١١٠ حديث (٤) كتاب التوحيد، باب الإرادة أنّها من صفات الفعل.

4- أوائل المقالات: ٥٣ القول في الصفات.


الصفحة 171
ومشهور متكلّمي الإمامية بعد المفيد الموافقة مع قول الحكماء، كالخواجة الطوسي، والعلاّمة، واللاهيجي، ولكن بعض علمائنا المتأخّرين قد ميّز بين إرادتين: الإرادة في مقام الذات، والإرادة في مقام الفعل، وفي طليعتهم الشيخ محمّد حسين الأصفهاني في (نهاية الدراية)(1).

(الإرادة التكوينية والتشريعية)

« كميل ــ عمان ــ إمامي »

السؤال:

ما معنى الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الإرادة التكوينية هي: التصرّفات التي تقع في شؤون عالم الخلق، من التكوين والإبداع والمعاجز، ومطلق الأفعال والأعمال, في مقابل الإرادة التشريعية التي هي بمعنى: أحكام الدين والشرائع الإلهية.

وبعبارة أُخرى: كلّ ما كان من شأنه أن يدخل في دائرة الوجود ــ إثباتاً ونفياً ــ تتولاه الإرادة التكوينية لله عزّ وجلّ، فيحكم بوجوده تارةً فيصبح موجوداً, أو ينفي وجوده أحياناً فيدخل أو يبقى في ظلمات العدم.

____________

1- نهاية الدراية ١: ١٩٤ في اتّحاد الطلب والإرادة، الحكمة المتعالية، لصدر الدين الشيرازي ٦: ٣٣٣ السفر الثالث، الموقف الرابع، الفصل (٦).


الصفحة 172
ولكن الإرادة التشريعية هي: الأوامر والنواهي الصادرة من الله تبارك وتعالى، والتي تصل إلى ذوي العقول بصورة نزول الوحي إلى الأنبياء عليهم السلام.

وعليه, فالإنسان يجب أن يتبع الإرادة التشريعية, فيلتزم بأحكام الحلال والحرام والدين بصورة عامّة, ولكن لا يستطيع أن يخرج في أفعاله وأعماله عن دائرة الإرادة التكوينية؛ لأنّ كافّة تصرّفاته وتقلّباته في عالم الوجود تكون بالقدرة والإمكانية التي تعطى له من جانب الله جلّ وعلا.

(معنى: إنّ لله إرادتين)

« محمّد قاسم ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله..

في قضية آدم وحواء عليهما السلام، ما هي الحكمة من نهيهما عن الأكل من الشجرة، في حين أنّ الله كان يريدهما أن يأكلا؟

فعن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: (إنّ لله مشيئتين وإرادتين: مشيئة حتم، ومشيئة عزم، وقد ينهى الله وهو يريد، وقد يأمر وهو لا يريد، فعندما نهى آدم وزوجه عن الأكل من الشجرة كان يريدهما أن يأكلا، ولو لم يأكلا لغلبت إرادتهما إرادته، وأمر إبراهيم بذبح إسماعيل وهو لا يريد، ولو ذبحه لغلبت إرادته إرادة الله تعالى).

فكيف نوفّق بين الأمرين؟


الصفحة 173
أفيدونا جزاكم الله خيراً.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ لله إرادة تشريعية وأُخرى تكوينية، فبالإرادة التشريعية نهى آدم عليه السلام وحواء عن الأكل من الشجرة، وكذلك أمر إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل، ومعنى الإرادة التشريعية منه تعالى: أنّه أرشد آدم وحواء إلى عدم المصلحة بالأكل من الشجرة، وشرّع بحقّ إبراهيم ذبح ابنه إسماعيل، ولمّا تعلّقت مشيئة آدم عليه السلام وحواء بالأكل من الشجرة كان ذلك بمشيئة منه تعالى؛ لأنّه تعالى يقول: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إلّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ(1)، أو كما قال الإمام الرضا عليه السلام: (يا بن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء)(2).

ولمّا تعلّقت مشيئة إبراهيم عليه السلام وإرادته بذبح ابنه إسماعيل عليه السلام، وعلم الله صدقه في ذلك ونجاحه بالاختبار، وكانت له تعالى مشيئة وإرادة أُخرى تغاير مشيئة وإرادة إبراهيم عليه السلام، وهي: عدم تحقّق الذبح لإسماعيل، فهنا حصلت إرادته تعالى دون إرادة إبراهيم عليه السلام, وهذه الإرادة التي صدرت منه تعالى هي الإرادة التكوينية، وتعارضت مع الإرادة التشريعية؛ لأنّ الأمر كان لمحض الاختبار.

وأمّا الخبر المذكور فقد روي عن الإمام الرضا عليه السلام، وليس عن الإمام الصادق عليه السلام والمتن فيه بعض الاختلاف(3).

____________

1- التكوير (٨١): ٢٩.

2- الكافي، للكليني ١: ١٥٢ حديث (٦) كتاب التوحيد، باب (المشيئة والإرادة).

3- الكافي ١: ١٥١ حديث (٤) كتاب التوحيد، باب (المشيئة والإرادة).


الصفحة 174

(هل كلامه عزّ وجلّ قبل الزمان والمكان؟)

« سمير ــ الجزائر ــ سُنّي »

السؤال:

الكلام حدّه الزمان والمكان، وبالتالي قبل الزمان لا كلام، وخارج حيّز المكان يوجد الوهم، والوهم غير معرّف.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ما فهمناه من السؤال: أنّك بصدد الاعتراض على صفة الكلام عند الله عزّ وجلّ؛ إذ من غير المعقول أن يكون ثمّة كلام قبل الزمان والمكان.

وجوابنا: الكلام هو: تقطيع الأصوات، أو هو: اللفظ المركّب المفيد، الذي هو خصوص الحروف الهجائية ذات المعنى، وهي قائمة بالهواء قيام تحقّق، وهي تحتاج إلى الزمان دون المكان، وصفة الكلام ليست من الصفات الذاتية للباري عزّ وجلّ، بل هي من الصفات الحادثة، فلا مانع من قيامها بالهواء.

والكلام بالاصطلاح القرآني على ثلاثة أنحاء، كما يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ(1):

____________

1- الشورى (٤٢): ٥١.


الصفحة 175
ــ وحياً: ومنه الإلهام القلبي.

ــ من وراء حجاب: كأن يكلّم الله تعالى البشر من دون أن يراه، كتكلّمه مع موسى عليه السلام بتوسّط الشجرة.

ــ يرسل رسولاً، أي: ملكاً يكلّم النبيّ بإذن الله تعالى.

(تقسيمات التوحيد والدليل على وحدانيته)

« عبّاس حسين ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

ما التوحيد؟ وما هي أنواعه؟ وما هي دلائل وحدانية الله عزّ وجلّ؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

سؤالك واسع وكبير، وقد ألّفت في التوحيد مجلّدات، ولكن نذكر لك إحدى تقسيماته، ودليلاً واحداً على وحدانيته.

فينقسم التوحيد إلى:

١ــ التوحيد الذاتي، الواحدي بمعنى: أنّه لا ثاني له، والأحدي بمعنى: أن لا جزء له.

٢ــ التوحيد في الصفات.

٣ــ التوحيد في الخالقية.

٤ــ التوحيد في الربوبية.

٥ــ التوحيد في الحاكمية.


الصفحة 176

٦ــ التوحيد في الطاعة.

٧ــ التوحيد في التشريع.

٨ــ التوحيد في العبادة.

٩ــ التوحيد في الشفاعة والمغفرة.

أمّا الدليل العقلي على وحدانيته:

يذكر المتكلّمون دليلاً يسمّوه: (دليل التمانع)..

وتقريره: أنّه لو كان معه شريك للزم فساد نظام الوجود، وهو باطل؛ فلو تعلّقت إرادة أحدهما بإيجاد جسم متحرّك، فلا يخلو أن يكون للآخر إرادة سكونه، أو لا، فإن أمكن، فلا يخلو إمّا أن يقع مرادهما، فيلزم اجتماع المتنافيين، أو لا يقع مرادهما، فيلزم خلو الجسم عن الحركة والسكون، أو يقع مراد أحدهما، ففيه فسادان: أحدهما: الترجيح بلا مرجّح، وثانيهما: عجز الآخر، فإن لم يمكن للآخر إرادة سكونه فيلزم عجزه؛ إذ لا مانع إلّا تعلّق إرادة ذلك الغير، لكن عجز الإله باطل، والترجيح بلا مرجّح محال، فيلزم فساد النظام، وهو محال أيضاً(1).

(بعض أقسام التوحيد ونواقضها)

« محمّد ــ مصر ــ سُنّي »

السؤال:

أودّ من السّادة العلماء القائمين على المركز بإرسال شروط ونواقض التوحيد لدى إخواننا الشيعة، فهذا سيساعدني كثيراً في بحثي.

____________

1- انظر: النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر، للسيوري: ٥٨ الفصل الثالث: في صفاته السلبية: الخامسة.


الصفحة 177
والسلام عليكم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

تختلف المذاهب الإسلامية في تقسيمها للتوحيد، وما يذكره الإمامية من أقسام التوحيد سيكون كلّ ما هو خلافها ناقض للتوحيد، فمن أقسام التوحيد:

١ــ التوحيد الذاتي؛ ومعناه: أنّ الله واحد لا مثيل له ولا نظير ولا شبيه ولا عديل، وأنّ الذات الإلهية بسيطة لا كثرة فيها ولا تركيب، فالذي يعتقد بتعدّد الذات من كون لها نظير أو مثيل أو شبيه أو عديل، أو يعتقد أنّ الذات الإلهية مركّبة، يكون ناقضاً للتوحيد الذاتي.

٢ــ التوحيد في الصفات؛ ومعناه: أنّ صفات الله عين ذاته، فهي قديمة وأزلية، والذي يقول بخلاف ذلك من كون صفاته ليست عين ذاته، أو أنّها ليست قديمة ولا أزلية، فهو ناقض للتوحيد الصفاتي.

٣ــ التوحيد في الخالقية؛ بمعنى: أن لا خالق إلّا الله، فالذي يعتقد عدم قدرة الله على الخلق، أو قدرة بعض المخلوقات على الخلق من دون إقدار الله تعالى لها على ذلك، يكون ناقضاً للتوحيد في الخالقية.

٤ــ التوحيد في الربوبية؛ بمعنى: أنّ الله هو مدبّر الكون والإنسان، والذي يعتقد أنّ الله بعد أن خلق الكون فوّض أمر تدبيره وإدارته إلى الآخرين، أو الذي يعتقد أنّ هناك أرباب متفرّقون، أو الذي يعتقد أنّ بعض الأشياء مؤثّرة على نحو الاستقلال، أي: أنّها فاعلة في صفحة الكون من دون إذن الله ومشيئته، كلّ أُولئك يكونون ناقضي التوحيد الربوبي.


الصفحة 178

٥ــ التوحيد في الحاكمية والتقنين؛ بمعنى: أنّ تدبير أمر الإنسان في صعيد الشريعة، سواء على مجال الحكومة، أو التقنين، أو الطاعة، أو الشفاعة، أو المغفرة، برمّته بيده تعالى ومن شؤونه الخاصّة به، فلا يحقّ لأحد أن يتصرّف في هذه المجالات والأصعدة من دون إذن الله تعالى، والذي يعتقد بخلاف ذلك يكون ناقضاً للتوحيد في الحاكمية والتقنين.

٦ــ التوحيد في العبادة؛ بمعنى: وجوب عبادة الله وحده والاجتناب عن عبادة غيره، فالذي يعبد غيره يكون ناقضاً للتوحيد في العبادة، وأنّ العبادة التي نُفيت عن غير الله ونهى عنها عبارة عن: خضوع الإنسان أمام شخص أو شيء باعتقاد أنّ بيده مصير العالم كلّه أو بعضه، أو بيده اختيار الإنسان ومصيره وأنّه مالك أمره، وبتعبير آخر: ربّه.. أمّا إذا كان الخضوع أمام كائن ما لا بهذا الاعتقاد دائماً من جهة كونه عبداً صالحاً لله وصاحب فضيلة وكرامة، أو لكونه منشأ إحسان وصاحب يد على الإنسان، كان مثل هذا العمل مجرّد تكريم وتعظيم لا عبادة له(1).

هذه بعض أقسام التوحيد وبعض نواقضها، وهناك أقسام أُخرى تذكر للتوحيد.

(معنى الوحدة التي تجوز عليه سبحانه)

« علي مخلوف ــ سوريا ــ إمامي »

السؤال:

أنا لا أؤمن بقول: أنّ الله: (الواحد)، والعياذ بالله.. لكن يمكن أن تقول: واحد، إذا اقترنت بـ(الأحد).. لكن أن يكون (واحد) فقط.. لا.. لأنّ الله: (فرد صمد) غير داخل في عدد.. الله أحد..

____________

1- انظر: العقيدة الإسلامية، للشيخ جعفر السبحاني.


الصفحة 179

وللإشارة: فعلى الموالي أن يحلّ رمز الحقّ، ويعرف ماهية الأحد والواحد والوحدانية؛ ففيها النجاة والهداية.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الحقّ في مسألة (معنى التوحيد) هو: أنّ الوحدة على قسمين:

الأوّل: وحدة عددية، وهي عبارة عن: كون شيء واقعاً تحت مفهوم عام وُجد منه مصداق واحد، وذلك مثل: مفهوم (الشمس) الذي هو مفهوم وسيع قابل للانطباق على كثير، غير أنّه لم يوجد في عالم الحس منه إلّا مصداق واحد، مع إمكان وجود مصاديق كثيرة، وهذا هو المصطلح عليه بـ(الواحد العددي)، وهو لا يجوز عليه سبحانه.

الثاني: الوحدة الحقيقية: وهي عبارة عن كون الوجود لا ثاني له، بمعنى أنّه لا يقبل الاثنينية ولا التكثّر ولا التكرّر، وذلك كصرف الشيء المجرّد عن كلّ خليط، مثلاً: الوجود المطلق عن كلّ قيد واحد بالوحدة الحقيقية؛ لأنّه لا ثاني له ولا مثيل ولا شبيه ولا نظير(1).

وقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: (فقول القائل: واحد، يقصد به باب الأعداد، فهذا ما لا يجوز؛ لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد، أما ترى أنّه كفر من قال: ((ثالث ثلاثة))؟

____________

1- انظر: الإلهيات، للسبحاني ٢: ١٢، الباب الرابع: الصفات السلبية: التوحيد في ذات.


الصفحة 180

ثمّ قال عليه السلام: فقول القائل: هو واحد ليس له في الأشياء شبه، كذلك ربّنا، وقول القائل: إنّه عزّ وجلّ أحدي، يعني به: أنّه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم، كذلك ربّنا عزّ وجلّ)(1).

(الدليل العقلي على وحدانية الله تعالى)

« سهيلة صقر ــ البحرين ــ إمامية »

السؤال:

السلام عليكم..

ما الأدلّة العقلية على وحدانية الله؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قال العلاّمة الحلّي في (الباب الحادي عشر): في نفي الشريك عنه: للسمع، وللتمانع؛ فيفسد نظام الوجود، ولاستلزامه التركيب؛ لاشتراك الواجبين في كونهما واجب الوجود، فلا بدّ من مائز.

وقال المقداد السيوري في شرحه على الباب: اتّفق المتكلّمون والحكماء على سلب الشريك عنه تعالى لوجوه:

الأوّل: الدلائل السمعية الدالّة عليه, وإجماع الأنبياء عليهم السلام، وهو حجّة هنا لعدم توقّف صدقهم على ثبوت الوحدانية.

____________

1- التوحيد، للصدوق: ٨٣ حديث (٣)، باب (معنى الواحد والتوحيد والموحّد).


الصفحة 181
الصفحة السابقةالصفحة التالية