المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 6) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج6 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 211 - ص 240)

أشكلت في ما سبق عن (مستقلّة)... وأُعيد عليه:

هل لو اعتقد وجود قدرة (مشتركة) مع الله في التدبير والملك ــ أي: اعتقد أنّ الأمر الإلهي يتم شركة بين الله وبين فلان، فهل باعتقاده هذا يكون موحّداً وليس مشركاً؟

٣ــ (أمّا كون الشيء عبادة أم لا؟ فهذه هي المشكلة بين الوهابيين وسائر المسلمين؛ فالعبادة هي: الخضوع اللفظي أو العملي الناشئ عن الاعتقاد بإلوهية المخضوع له).

الاستشكال:

أوّلاً: تعريفه للعبادة ليس آية قرآنية ولا حديثاً عن معصوم، بل هو اجتهاد منه، وبالتالي فهو قابل للخطأ بمثل ما هو قابل للصواب.

ثانياً: هذا التعريف محتاج لتعريف أصلي ولازم، فما معنى الإلوهية التي يتحدّث عنها التعريف؟

ثالثا: تعريفه هذا يعني: أنّ الاعتقاد بالإلوهية هو شرط أساسي لاعتبار كون الفعل عبادة أم لا، وهذا خرق شنيع في التعريف.

ولبيان ذلك أقول:

لو خضعت لفظياً وعملياً ــ حسب التعريف ــ لشيء ما.. هل أكون عبدته؟... لا؛ فحسب التعريف لا بدّ أن أعتقد أيضاً بإلوهيّته.

طيب: لو جاء أحدهم بتمثال ــ وهو لا يعتقد بإلوهيّته ــ ثمّ سجد له؛ لأنّه يحترمه ويبجّله لكنّه لا يعتقد بإلوهيّته، ثمّ نذر له لمزيد من إثبات احترامه وتبجيله للتمثــال وهو لا يعتقد بإلوهيته، ثمّ أخذ يدعو التمثال ويرجوه أن يعينه


الصفحة 212
في كذا وكذا، مع اعتقاده الجازم بأنّ التمثال لا يفعل ذلك بقدرته هو بل بقدرة الله.. لن يكون من فعل ذلك مشركاً عندئذ؟

لن يكون مشركاً مع أنّه يسجد لله.. ويسجد للتمثال، ويدعو الله.. ويدعو التمثال، وينذر لله.. وينذر للتمثال، ويذبح لله.. ويذبح للتمثال؛ لأنّه ــ حسب التعريف ــ لا يؤمن ولا يعتقد مطلقاً بإلوهية.. التمثال؟

فهل من لا يسجد إلّا لله، ولا يدعو إلّا الله، ولا ينذر إلّا لله، ولا يذبح إلّا لله، من يُقصر هذا لله وحده، أيستوى هو ومن يجعل لله نصيباً في أفعاله هذه؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

١ــ ينبغي أن تعلم بأنّ السيّد الشيرازي قدس سره صاحب كتاب (ليالي بيشاور) لم يتكلّم في توحيد الصفات أو الشرك في الصفات أوّلاً، وإنّما تكلّم بحسب التسلسل المنطقي والمألوف والمعروف عند كلّ من تكلّم في العقائد والكلام؛ فقد قسّم الشرك إلى:

أ ــ الشرك في الذات.

ب ــ الشرك في الصفات.

ج ــ الشرك في الأفعال.

د ــ الشرك في العبادات(1).

فلا كلام على ترتيب السيّد ولا اعتراض؛ لأنّه راعى فيه الأشرفية، كما هو متّبع ومصطلح عند الجميع، وتقديمهم الخالق على المخلوق، وليس باعتبار

____________

1- ليالي بيشاور: ١٥٨ ــ ١٦١ المجلس الثالث، أقسام الشرك.


الصفحة 213
الأهمّية وعدمها، أو الكثرة والقلّة، أو الابتلاء وعدم الابتلاء، وهكذا فلا يُعترض عليه أبداً، بل حتّى ابن تيمية والسلفية والوهابية حينما يتكلّمون في التوحيد يقولون: توحيد الربوبية وتوحيد الإلوهية وتوحيد الأسماء والصفات، فهم يقدّمون توحيد الربوبية على الإلوهية.

أمّا بالنسبة إلى كلامنا السابق، فقد كان الترتيب فيه بحسب السؤال؛ فالسؤال والإشكال وردنا وعرض علينا بهذا الترتيب ولسنا نحن من جعل توحيد الصفات أوّلاً، بل الإشكال كان على الشرك في الصفات، ثمّ على الشرك في الأفعال، ثمّ أشكل على الشرك في العبادات، فكأنّ المستشكل لم يكن له إشكال أو اعتراض على القسم الأوّل منه، وهو الشرك في الذات، وبما أنّ الشرك في الصفات هو الثاني في الترتيب فقد استشكل المستشكل عليه أوّلاً وجعله أوّل الأقسام.

فهو إذاً ليس الأوّل في الترتيب على كلّ حال، لا عند السيّد ولا عند المستشكل ولا نحن جعلناه أوّل الأقسام، وإنّما هو أوّل الأقسام المعترَض عليها، ونحن فقط رددنا على من اعترض عليه.

وبالتالي فهذا الادّعاء غريب جدّاً من المستشكل، وكأنّه لم يطّلع على السؤال ولا على كلام السيّد الشيرازي أبداً!

٢ــ أمّا قوله: ((لا أظنّ أحداً من مشركي قريش كان يخوض في الكلام من عيّنة: هل الصفات زائدة على الذات، أم هي الذات نفسها؟..)).

فنقول وبالله التوفيق:

عدم خوض مشركي قريش في الصفات لا يعني عدمه، فمشركي قريش ليسوا حجّة علينا بل الإسلام حجّة عليهم، والإسلام دين عالمي خالد ومستمر


الصفحة 214
وخاتم، ويحاكي جميع العلوم ويناقش جميع الأديان والأُمم، وحتّى قيام الساعة، ﴿وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ(1).

فعدم معرفة الأعراب والجهلة بهذه العلوم وهذه المصطلحات لا يعني أبداً عدم أهمّيتها، مع أنّها ذكرت كثيراً في القرآن الكريم وفي موارد مهمّة، بل أساسية وفي صلب العقيدة والإيمان.

ثمّ إنّ العلوم تتطوّر وتتوسّع والانفتاح على العالم والعلوم أثار الكثير من المسائل الجديدة التي لم تكن مطروحة عند المسلمين في الجيل الأوّل ولا الثاني، وأصبحت من ضروريات الدين عند بعضهم، فكفّر وضلّل من خالفه فيها، ومنها: مسألة خلق القرآن، وعدالة الصحابة، والاستواء على العرش، وغيرها. فهل هذه المسائل لا قيمة لها أيضاً عندكم لأنّ المشركين لا يعرفونها ولم يمارسوها؟!

أمّا مسألة الشرك في العبادة فهي مسألة عظيمة ومهمّة، بل من أعظم المسائل، وقد أُرسل الرسل وبعثوا للناس لتصحيح عباداتهم وتوحيد الله بها وصرفها له تعالى، وعدم اتّخاذ الشركاء والأنداد، ولكن هناك أيضاً أُمور مهمّة أُخرى وعظيمة, بل أعظم من توحيد العبادة، مثل: توحيد الذات المقدّسة، وأعظم منها: الإيمان بالله تعالى وإثبات وجوده. فالكافر والملحد والزنديق والدهري أعظم جرماً بكلّ تأكيد من المشرك، فلا أدري كيف جعلت وصوّرت المشرك بأنّه أعظم الناس جرماً، وأشدهم عذاباً، مع أنّ القرآن الكريم مملوء بالردّ على الدهريين وذم الكافرين والمعاندين والجاحدين؟

____________

1- المائدة (٥): ٤٨.


الصفحة 215
ثمّ إنّ هناك صنفاً أعظم عذاباً من المشركين، وهم المنافقون؛ فقد قال تعالى عنهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً(1)، مع أنّهم لم يمارسوا الشرك ظاهراً، بل إنّهم يتظاهرون بالإيمان والإسلام ويبطنون الكفر، فلماذا نسيتهم وغفلت عنهم؟!

لأنّك توهّمت هذا الأمر، وهو: أنّ توحيد العبادة أو الشرك في العبادة هو أعظم الذنوب وأعظم المخالفات، وهو ليس كذلك، ثمّ توهّمت أنت، ومن على قولك هذا بعد ذلك، بأنّ المسلمين واقعون فيه ويمارسونه، كما فعله عبّاد الأوثان والأصنام، فوسموهم بـ(القبوريين) كذباً وزوراً، وبهتاناً وجهلاً.

أمّا كون المشركين موعودين بأشدّ العذاب، بل المنتهى في العقاب، كما عبّرتم، فيردّ هذه الدعوى قوله تعالى:

١ــ حينما يتكلّم عن الكفّار عموماً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ _ خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ(2).

﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ _ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ _ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ _ خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ(3).

____________

1- النساء (٤): ١٤٥.

2- البقرة (٢): ١٦١ ــ ١٦٢.

3- آل عمران (٣): ٨٥ ــ ٨٨.


الصفحة 216

﴿لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلاَدِ _ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(1).

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ(2).

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(3).

﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ(4).

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ _ لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ(5).

﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضاً _ الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً _ أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً _ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً_ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً _ أُولَئِكَ

____________

1- آل عمران (٣): ١٩٦ ــ ١٩٧.

2- النساء (٤): ٥٦.

3- المائدة (٥): ٣٦ ــ ٣٧.

4- المائدة (٥): ١١٥.

5- الأعراف (٧): ٤٠ ــ ٤١.


الصفحة 217
الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً_ ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً(1).

﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً _ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً _ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولاَ(2).

﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ _ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ(3).

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(4).

﴿اِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً _ لِلطَّاغِينَ مَآباً _ لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً _ لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً _ إلّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً _ جَزَاءً وِفَاقاً _ إِنَّهُمْ كَانُوا لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً _ وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً _ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً _ فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إلّا عَذَاباً(5).

____________

1- الكهف (١٨): ١٠٠ ــ ١٠٦.

2- الأحزاب (٣٣): ٦٤ ــ ٦٦.

3- الزمر (٣٩): ٧١ ــ ٧٢.

4- التغابن (٦٤): ١٠.

5- النبأ (٧٨): ٢١ ــ ٣٠.


الصفحة 218

٢ــ وكذلك تكلّم الله تعالى في المنافقين، فقال عزّ من قائل:﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً... إنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً(1).

﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ(2).

﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً(3).

﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً(4).. وأقرأ سورة المنافقين.

٣ــ وكذلك الحال مع الدهريين وغير المؤمنين بالمعاد، والمكذّبين لآيات الله ورسله، وأهل الكتاب والمشركين في الذات وفي الصفات، فقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إلّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(5).

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ _ اتَّخَذُوا

____________

1- النساء (٤): ١٤٠ ــ ١٤٥.

2- التوبة (٩): ٦٨.

3- الأحزاب (٣٣): ٧٣.

4- الفتح (٤٨): ٦.

5- المائدة (٥): ٧٣.


الصفحة 219
أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لاَ إِلَهَ إلّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ(1).

﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ _ اللَّهُ الصَّمَدُ _ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ _ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ(2).

﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(3).

﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى(4).

٤ــ وقال تعالى في حقّ شرك الربوبية والملك والتدبير: ﴿أَأَرْبَابٌ متَفَرّقونَ خَيْرٌ أَم اللَّه الْوَاحد الْقَهَّار(5).

﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى(6).

﴿اتَّخَذوا أَحْبَارَهُمْ وَرهْبَانَهمْ أَرْبَاباً منْ دون اللَّه.

﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ _ اللَّهُ الصَّمَدُ _ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ _ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ.

﴿وَلا يَتَّخذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً منْ دون اللَّه(7).

﴿وَقل الْحَمْد للَّه الَّذي لَمْ يَتَّخذْ وَلَداً وَلَمْ يَكنْ لَه شَريكٌ في الْملْك وَلَمْ يَكنْ لَه وَليٌّ منَ الذّلّ وَكَبّرْه تَكْبيراً(8).

____________

1- التوبة (٩): ٣٠ ــ ٣١.

2- الإخلاص (١١٢): ١ ــ ٤.

3- الأعراف (٧): ١٨٠.

4- الإسراء (١٧): ١١٠.

5- يوسف (١٢): ٣٩.

6- النازعات (٧٩): ٢٤.

7- آل عمران (٣): ٦٤.

8- الإسراء (١٧): ١١١.


الصفحة 220

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ _ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ _ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ(1).

﴿لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ...(2).

﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً _ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إلّا غُرُوراً _ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً(3).

﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً _ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُوراً(4).

وغيرها الكثير من الآيات الكريمة التي تتكلّم عن أنواع متعدّدة ومعروفة ومختلفة ومتنوعة في تعاملهم وعقيدتهم مع الله تعالى، ولم تقتصر على توحيد الإلوهية أو العبادة أبداً، ولم تنتقد الشرك في العبودية أو الإلوهية فقط أبداً، وإنّما تنوعت الآيات الكريمة بحسب التوحيد كلّه والشرك كلّه.

____________

1- البقرة (٢): ١٦٥ ــ ١٦٧.

2- آل عمران (٣): ٢٨.

3- النساء (٤): ١١٩ ــ ١٢١.

4- الفرقان (٢٥): ٢ ــ ٣.


الصفحة 221

فإن أردتم الكثرة، فهذه الآيات إن لم تكن أكثر ممّا ذكرتموه من موضوع شرك العبودية فهي كثير أيضاً إن تنزلنا معكم في هذه القاعدة غير الصحيحة، وإلّا فتكفي الآية والآيتين في إثبات مواضيع التوحيد والشرك وما إلى ذلك.

فهذه القاعدة لا نسلّم بها أبداً وننقضها بمثال واحد وبسيط وواضح، وهو: أنّ نفي التجسيم والتمثيل والتشبيه، وفهم صفات الله تعالى على ما هو الحقّ موضوع مهم وحساس جدّاً ولا يستطيع أن ينكر ذلك أحد، وقد جرى الخلاف في هذه المسألة بشكل كبير وواسع في هذه الأُمّة، ولكن الفيصل والدليل فيها هو: قوله تعالى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ(1)، هذه الآية الكريمة هي الوحيدة في فهم الصفات ونفي التشبيه والتمثيل والتجسيم، فأين قاعدة الكثرة والقلّة المتوّهَمة؟!!

فمفاهيم الإسلام وأحكامه وعقائده لا تؤخذ أهميتها بحسب القلّة والكثرة، وإلّا لكان موسى عليه السلام أفضل وأهمّ من نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم سيّدهم وأشرفهم وخاتمهم؛ لأنّ موسى عليه السلام ذكر في القرآن بالاسم (١٢٩) مرّة ونبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم لم يذكر اسمه سوى أربع مرّات! وهكذا في مسائل أُخرى كثيرة.

فقد قال الله تعالى عن الشرك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ(2)، وجعله النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم من الكبائر، بل أكبرها، كما في حديث عبد الله بن أنيس الجهني(3)، والمشرك لا تناله الشفاعة يوم القيامة التي

____________

1- الشورى (٤٢): ١١.

2- النساء (٤): ٤٨.

3- انظر: مسند أحمد بن حنبل ٣: ٤٩٥ حديث عبد الله بن أنيس، سنن الترمذي ٤: ٣٠٣ حديث (٥٠٠٩) أبواب تفسير القرآن سورة النساء، مجمع الزوائد، للهيثمي ١: ١٠٥ كتاب الإيمان، باب (في الكبائر).


الصفحة 222
ينالها أهل الكبائر؛ لأنّها مشروطة بالتوحيد: ﴿يَوْمَئذ لا تَنْفَع الشَّفَاعَة إلّا مَنْ أَذنَ لَه الرَّحْمَن وَرَضيَ لَه قَوْلاً(1)، وفي المقابل مع أنّ الكفر كفر، لم يجعله النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مع الكبائر كالشرك، وهذا ينبئ عن أنّه أشدّ وأعظم وأسوأ من الشرك.

فلا يمكن بعد هذا كلّه جعل توحيد العبودية هو التوحيد الوحيد المطلوب والمشهور والمهم، ونأتي فنقلّل من شأن توحيد الذات والصفات، مع أنّ جرم الكافر والملحد والزنديق أكبر من جرم من يؤمن بالله تعالى ولكنّه يشرك معه في العبادة ندّاً وشريكاً يصرف له العبادة التي يجب أن لا تصرف إلّا لله تعالى؛ لأنّه لا يستحقّ أحد أن يعبده أحد إلّا الخالق الغني المالك، تعالى الله عمّا يشرك الظالمون الجاهلون علواً كبيراً.

وكذلك الحال في المنافق، فهو مظهر للإيمان والإسلام والتوحيد ولا يشرك بالله تعالى ولا يعبد غيره، ومع كلّ ذلك جعله الله تعالى أسوأ حالاً من المشرك وربّما الكافر أيضاً، فجعله وتوعّده في الدرك الأسفل من النار، فجعله تعالى مستحقّاً لعذاب وعقاب أشدّ من غيره، فهذا الجرم يعتبر أخطر وأعظم من الشرك وأوْلى بأن نركّز عليه، وكان موجوداً بل كثيراً ومنتشراً منذ زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة!!

فلماذا هذا الإهمال لأُمور عظيمة والتركيز على شرك العبودية فقط مع أنّه عظيم، ولكن المسلمين عادة هم موحّدون ويعرفون حدود الله ولا يتعدونها في هذه المسألة، فلم نر ولم نسمع بأنَّ أحد المسلمين مهما كان بسيطاً أو عامّياً أو

____________

1- طه (٢٠): ١٠٩.


الصفحة 223
جاهلاً اتّخذ إلهاً مع الله أو من دونه سبحانه، وألّه شخصاً، وصلّى أو صام أو ذبح له، أو حجّ لغير بيت الله الحرام..

وهذا مصداق ما قاله صلى الله عليه وآله وسلم وعلامة من علامات نبوّته حينما أخبر عن حال أُمّته من بعده فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّي والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها)(1)، فحذّر بأبي هو وأُمّي من التنافس على الخلافة والإمامة أو الدنيا عموماً، وأكّد بأنّ أُمّته سوف لن يقع الشرك الأكبر فيها, ولذلك أكّد صلى الله عليه وآله وسلم على الخطر الذي يخاف على أُمّته أن تقع فيه بالإضافة إلى التنافس على خلافته، الذي ذكره في حديثه المذكور والموجّه مباشرة لأصحابه؛ ففي حديث آخر يوجّه تحذيره لأًمّته عموماً وخوفه عليهم من الشرك، فيخاطبهم ويحذّرهم بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الشرك أخفى في أُمّتي من دبيب النمل على الصفا)(2)، وفي رواية: (الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل)(3).

ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم وأخبر عن علامات يوم القيامة وعجائب ما سيحصل في أُمّته وابتعادهم عن الدين واندراس العلم، بأنّ هناك فئة مسلمة من النساء ترجع إلى عبادة الأصنام؛ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تقوم الساعة حتّى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة)(4)، وذو الخلصة: طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية، وغيرها.

____________

1- صحيح مسلم ٧: ٦٧ كتاب الفضائل، باب (إثبات حوض نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم)، صحيح البخاري ٢: ٩٤ كتاب الكسوف، باب الجنائز.

2- مجمع الزوائد، للهيثمي ١٠: ٢٢٣.

3- مجمع الزوائد ١٠: ٢٢٣، ٢٢٤، مسند أبي يعلى ١: ٦٠ مسند أبي بكر حديث (٥٨).

4- رواه البخاري في صحيحه ٨: ١٠٠ كتاب الفتن، ومسلم ٨: ١٨٢ كتاب الفتن، باب (لا تقوم الساعة حتّى تعبد دوس ذي الخلصة).


الصفحة 224
وكلّ ما ذكرناه يعني بأنّ النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لم يخف على أُمّته من الوقوع في الشرك الأكبر وعبادة غير الله تعالى؛ لوضوح دعوة التوحيد، وتبليغه حقّ بلاغه، وتبيينه لأُمّته حقّ بيانه، فلا يمكن لأيّ عالم أو جاهل أن يعتقد بوجود إله آخر مستحقّ للعبادة غير الله سبحانه وتعالى بعد أن يقرّ ويعترف ويتلفّظ بالشهادتين ليل نهار، ويقرأ ويردّد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(1) يومياً سبعة عشر مرّة على أقلّ تقدير.

فهذا الأمر من الوضوح والبداهة حتّى للطفل في أُمّة الإسلام والمسلمين، بحيث يجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عجائب وعلامات قيام القيامة طواف وعبادة بعض النساء المسلمات حول وثن في أقاصي البلاد، وقرية نائية من قراه..

فكيف يأتي الوهابية ــ ومن قبلهم مؤسّس ومروّج فكرهم وناشره ابن تيمية الحرّاني ــ فيكفّرون أُمّة الإسلام ويرمونها بالوقوع في الشرك في العبودية، وأنّ الأُمّة الإسلامية، سواهم، كلّها تعبد غير الله، تعالى الله عمّا يقول الجاهلون علوّاً كبيراً!!

ولكن لا غرابة من فعلهم، فقد فعل سلفهم الخوارج أسوأ من فعلهم، وقالوا بأعظم من قولهم، فكفّروا إمام الموحّدين، وأوّل المسلمين، عليّ بن أبي طالب عليه سلام ربّ العالمين، فمن هم دون عليّ أهون وأسهل ليطعن بتوحيدهم الجاهلون، ويشكّك بإسلامهم التكفيريون!!

ومع ذلك كلّه فإيرادك على تقديم الشرك في الصفات في الأهمّية على العبودية غير وارد؛ لأنّنا لم نقدّمه إلّا عند ورود السؤال عنه أوّلاً وقبل غيره، أو

____________

1- الحمد (١): ٥.


الصفحة 225
عند التصنيف والتقسيم وذكر أنواع التوحيد.. وهذا قد فعله أكثر المتكلّمين والعقائديين ومن مختلف الفرق الإسلامية، وقدّموه للأشرفية فقط، لتقديم الخالق على المخلوق، وهو تقديم وضعي اصطلاحي ليس من دأب المحصّلين والعلماء الاعتراض عليه عادةً ولا تخطئته؛ لأنّه مجرّد وضع واصطلاح وترتيب لا أكثر.

وأمّا قولك: ((وأقول: ببساطة أنا أؤمن بكتاب الله، وفي كتابه تحدّث سبحانه عن نفسه وعن صفاته وذكرها وعدّدها، وبالتالي فأنا أُؤمن بهذه الصفات التي هو سبحانه وصف بها نفسه.. لماذا توجد مشكلة في هذا؟ هل الصحّ أن أُكذّب الله وأردّ كلامه؟)).

فنقول وبالله التوفيق:

ونحن معك نثبت الصفات وننكر على من يردّها أو يعطلها، ولكن يا أخي المشكلة هي: كيف نثبت هذه الصفات، وكيف نفهمها حتّى لا نقع في محذور، وهذا كما نعتقد يوافقنا عليه الجميع ولكن المشكلة في التطبيق.

ولنضرب لك مثلاً ينقض كلامك هذا الذي تدّعيه، وهو: الإيمان بالصفات التي وصف الله تعالى بها نفسه، فنقول:

كيف تثبت قوله تعالى حين وصف نفسه بأنّه: قريب، وتفهم معنى: وأقرب إلينا من حبل الوريد؛ فقد قال عزّ من قائل: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ(1)، و: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَنَا(2)، و: ﴿فَإنّي قَريبٌ(3)؟

____________

1- ق (٥٠): ١٦.

2- التوبة (٩): ٤٠.

3- البقرة (٢): ١٨٦.


الصفحة 226
وكذلك كيف تفهم وتثبت وتؤمن بقوله تعالى: ﴿كُلّ شَيْء هَالكٌ إلّا وَجْهَه(1)، و: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ _ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ(2)؟

فالله تعالى يصف نفسه بالقرب، ولكنّك ستواجه مشكلة إن آمنت بها وأثبتّها على ظاهرها دون تأويلها، أو تأويل ما يعارضها ممّا ورد من الآيات، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ(3)، و﴿الرَّحْمَن عَلَى الْعَرْش اسْتَوَى(4)، وكذلك هلاك كلّ شيء إلّا وجه الله، فهو مشكل على عقيدتكم وفهمكم؛ لأنّك إن أثبتَّ هذه الآية وآمنت بها فستثبت الوجه فقط، مع إنّك يجب أن تؤمن ببقاء الله تعالى كلّه، وأنّ لله تعالى بالإضافة إلى الوجه هناك الرِجل والساق والقدم واليدين والأصابع، وما إلى ذلك من استواء ونزول وهرولة وضحك وتعجّب وو...

فكيف ستفهم هذه الآيات الكريمة التي تثبت فناء كلّ شيء سوى وجه الله تعالى؟ فأين يد الله ورجله وو.. وبقية أجزائه وأعضاءه تعالى؟

ولذلك يا أخي نحن لا نقول لك: كذّب أو عَطـّل أو رُدّ قولَ الله تعالى، وإنّما نقول: افهم وكوّن فكرة كاملة ونظرية متكاملة تثبت بها لله تعالى الكمال، وتنزّهه تعالى عن كلّ نقص؛ فتأمّل!

وأمـّا قولك: ((٢ــ الشرك في الأفعال: أشكلت في ما سبق عن (مستقلّة)... وأُعيد عليه: هل لو اعتقد وجود قدرة (مشتركة) مع الله في التدبير والملك ــ أي:

____________

1- القصص (٢٨): ٨٨.

2- الرحمن (٥٥): ٢٦ ــ ٢٧.

3- الأعراف (٧): ٥٤، وغيرها.

4- طه (٢٠): ٥.


الصفحة 227
اعتقد أنّ الأمر الإلهي يتم شركةً بين الله وبين فلان، فهل باعتقاده هذا يكون موحّداً وليس مشركاً؟<

نقول: أنت لم تفهم كلام السيّد، ولذلك أشكلت بمثل هذا الإشكال، فنحن والسيّد نقول: بأنّ الاعتقاد بأيّ مؤثّر أو متصرّف أو مالك أو ضارّ أو نافع أو... أو... مع الله تعالى فهو شرك، بغضّ النظر عن الاشتراك أو الاستقلال، فكلا الأمرين سيان؛ لأنّنا نقصد من الاستقلال بأنّ الاعتقاد بتصرّف أو تدبير أو ملك أو أو... أي شيء سوى الله تعالى من دون إذن الله تعالى له وإقداره على ذلك وإعطاؤه هذه القدرة والقابلية فإنّ هذا الاعتقاد شرك، فيكون الاشتراك فرداً من أفراد الاستقلال لا مقابلاً له.

والخلاصة: فإنّنا نقول: إنّ ما نعنيه بالاستقلال هو: إثبات شيء، ولو بمقدار ذرّة أو خردلة، خارج عن قدرة الله تعالى وإذنه وحوله وقوّته، سواء جعلناه ندّاً لله تعالى أو جعلناه مع الله تعالى، أي بمعنى: إحتياجه تعالى له، سبحانه وتعالى عمّا يصفه الجاهلون علوّاً كبيراً..

فقد نفى تعالى الاستقلال والشراكة على حدّ سواء؛ فالشراكة توجب النقص والاحتياج والفقر لله تعالى الغني الحميد، مالك كلّ شيء، وربّ كلّ شيء، إذ قال عزّ من قائل: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا(1)

____________

1- الإسراء (١٧): ١١١.


الصفحة 228
وقال تعالى أيضاً: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً(1).

وقال تعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَنيٌّ عَن الْعَالَمينَ(2).

وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ(3).

وقد ذكر تعالى الشريك الذي بمعنى الاستقلال لا الشراكة والمساعدة والاحتياج إليه، أي بمعنى: (الند)، فقال عزّ من قائل: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ(4).

وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إلّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ _ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاَصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ _ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى أَلاَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ _ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ

____________

1- الفرقان (٢٥): ٢.

2- آل عمران (٣): ٩٧.

3- المؤمنون (٢٣): ٩١.

4- الشورى (٤٢): ٢١.


الصفحة 229
الْمُلْكُ لاَ إِلَهَ إلّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ _ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ _ وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ(1).

وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ(2).

وقال تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ _ إِنْ نَقُولُ إلّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ _ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنْظِرُونِ _ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إلّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(3).

وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ(4).

وغيرها كثير، يذكر فيها تعالى أنّهم يتّخذون غير الله ربّاً وإلهاً أو أنداداً أو أولياء أو شفعاء أو مشرّعين، وما إلى ذلك، وهذا المعنى واضح وظاهر

____________

1- الزمر (٣٩): ٣ ــ ٨.

2- هود (١١): ٥٠.

3- هود (١١): ٥٣ ــ ٥٦.

4- الإخلاص (١١٢): ٤.


الصفحة 230
بأنّه لا يراد منه الشريك بمعنى المعين والمحتاج إليه من قبل الله تعالى، فالنوعان منفيان وكلاهما شرك قطعاً، بل الذي على نحو الاستقلال أظهر وأوضح بكونه شريكاً.

فلا ندري وجه سؤالكم وإصراركم للمرّة الثانية على هذا الأمر الواضح مع كلّ ما قدمناه هنا وهناك من كون كلا النوعين (الاستقلال، والشراكة) يكونان بمعنى الاستقلال حينما يعتقد أحد بالشريك لله، تعالى الله عن الشريك بكلّ معانيه علوّاً كبيراً.

وأمّا قول: ((الاستشكال: أوّلاً: تعريفه للعبادة ليس آية قرآنية ولا حديث عن معصوم...)).

فنقول: سبحان الله! وهل أصبحت التعاريف في الإسلام منحصرة في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية؟!!

وهل تعريف ابن تيمية ومن تبعه للعبادة آية قرآنية أو حديث نبوي؟! فلماذا باؤهم تجر وباؤنا لا تجر يا رجل؟!

ثمّ قال: ((ثانياً: هذا التعريف محتاج لتعريف أصلي ولازم، فما معنى الإلوهية التي يتحدّث عنها التعريف؟)).

نقول: إن لم تعرف الإلوهية فماذا بقي لتعرفه؟! وهذا المصطلح قرآني ومذكور بكثرة وتكرّر في القرآن الكريم، فلماذا يحتاج إلى تعريف يا أخي؟! ألأنّه مخالف لتعريف الوهابية ومن لفّ حولهم؟!


الصفحة 231
فالإلوهية أو التأليه: أن تعتقد بأنّ المخضوع له إلهاً وربّاً وغنياً ومستحقّاً للعبادة، وهذا هو المحذور، وعندئذ تتحقّق العبادة لغير الله تعالى والشرك فيها إن صرفت بهذه الشروط لغير الله تعالى؛ فافهم!

ثمّ قال: ((ثالثاً: تعريفه هذا يعني أنّ الاعتقاد بالإلوهية هو شرط أساسي لاعتبار كون الفعل عبادة أم لا، وهذا خرق شنيع في التعريف)).

نقول: بالتأكيد هذا هو الشرط والفيصل في كون الفعل أو الخضوع أو التعظيم عبادة أم ليس بعبادة؛ فافهم!

ثمّ قال: ((ولبيان ذلك أقول: لو خضعت لفظياً وعملياً لشيء ما.. هل أكون عبدته؟ لا، فحسب التعريف لا بدّ أن أعتقد أيضاً بإلوهيته!)).

نقول: نعم. فلماذا هذا الاستغراب؟!!

ونمثّل لذلك كي تفهم، فنقول: سجود الملائكة لآدم عليه السلام، وسجود إخوة يوسف وأبويه ليوسف عليه السلام هل كان خضوعاً أم لا؟

قطعاً السجود هو أعظم مصاديق الخضوع، ولكن الله تعالى أمر به، وكذلك فعله الأنبياء والملائكة وقبله الله تعالى وأنبيائه وملائكته، فهذا السجود تسمّونه أنتم الآن وعلى تعريفكم: عبادة، مع أنّه ليس بعبادة؛ لأنّ الله تعالى لا يأمر بعبادة غيره في كلّ زمان ومكان، فإنّ الله تعالى لا يرضى لعباده الكفر. ولا تقل لي: هذا شرع من قبلنا؛ فهذا العذر والتبرير مضحك للثكلى!


الصفحة 232
ثمّ إنّ الله تعالى أمرنا بالخضوع المجرّد عن الإلوهية كثيراً في القرآن الكريم، فهل أمرنا الله تعالى بعبادة غيره؟ فقد قال عزّ من قائل: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(1).

وقال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ(2).

وقال تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ(3).

وقال تعالى: ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ(4).

ونهى تعالى النساء أن يخضعن بالقول للأجانب بأن يرقّقن أصواتهنّ؛ فقال عزّ وجلّ: ﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ(5), فلو كان مطلق الخضوع منهياً عنه لما نهى تعالى عن خضوعها بالقول للأجانب، وهذا يعني بأنّه يجوز لها أن تخضع بالقول لزوجها، بل قد يستحبّ، فلو كان كلّ خضوع عبادة لنهى عن مطلق الخضوع والذل، وهذا كما رأينا ليس موجوداً في ديننا وقرآننا!!

وقد ذكر تعالى الخضوع دون إرادة العبادة، فقال عزّ من قائل: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ(6)، وقال عزّ وجلّ: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهمْ تَرْهَقهمْ ذلَّةٌ(7)، والكلّ فسّر (خاشعة) بـ(الخاضعة), فهل كلّ خضوع

____________

1- الشعراء (٢٦): ٢١٥.

2- الإسراء (١٧): ٢٤.

3- المائدة (٥): ٥٤.

4- البقرة (٢): ٣٤.

5- الأحزاب (٣٣): ٣٢.

6- الشعراء (٢٦): ٤.

7- القلم (٦٨): ٤٣.


الصفحة 233
وخشوع وذلّ عبادة؟!! أبداً؛ فالسجود خضوع كما فسّروه، والاحترام والتعظيم والذلّ كلّها خضوع, فكيف يكون كلّ خضوع عبادة؟!!

وقد قال الطبري: ((وأصل الخشوع: التواضع والتذلّل والاستكانة))(1)، ثمّ قال في مكان آخر: ((وقد بيّنا فيما مضى قبل من كتابنا أنّ الخشوع: التذلّل والخضوع، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع... (حتّى قال): والذين هم في صلاتهم متذلّلون لله))(2)!!

فافهم رحمك الله، تعرف أنّ الذلّ والخضوع والخشوع بمعنى واحد أو متقارب، فلا يمكن أن يأمر الله تعالى عباده بالذلّ والخضوع والسجود لأحد وهو عبارة عن عبادة أبداً!! وبالتالي فإنّ شرط اعتقاد الإلوهية هو شرط في محلّه لكي تتم العبادة لا مجرّد الخضوع لشخص أو شيء فيعدّ عبادة، كما تظنّون وتتوهّمون.

وأمّا التمثيل بمثال التمثال، فنقول:

١ــ لا يوجد مسلم فعل ذلك أبداً، فهذا من الأوهام وغير موجود إلّا في خيالات التكفيريين لأُمّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم فقط، كما بيّنا سابقاً، فراجع أقوال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في أُمّته وقارن!

٢ــ ثمّ إنّ الشارع نهى عن النذر والذبح لغير الله، وهو شرك، سواء كان النذر والذبح مع اعتقاد الإلوهية أم ادّعاء عدمه!! لأنّ النذر والذبح من مختصّات الله

____________

1- جامع البيان، لابن جرير الطبري ١: ٣٧٣ تفسير سورة البقرة، قوله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ...).

2- جامع البيان ١٨: ٦ تفسير سورة المؤمنون، قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ...).


الصفحة 234
تعالى، ومن لوازم التأليه؛ فإنّ من ينذر لغير الله، أو يذبح بذكر غير اسم الله، فهو مشرك، سواء فعل ذلك لصنم أو وثن أو تمثال أو قبر أو حيّ أو ميت أو نبيّ أو شيطان، فكلّ ذلك لا يمكن تصوّر صدوره من مسلم، ولا يمكن تصوّر صدوره دون تأليه أو عبادة لمن يُذبح له، أو يُنذر له.

وهذا الأمر لا يفعله أحد وقد نصّ عليه السيّد وفصّله؛ فراجع!

أمَّا السجود والطلب والاستعانة، فإن كان دون تأليه فلا يعدّ عبادة، ولكنّه إن فُعل لشيء غير محترم، وخصوصاً إن كان لتمثال أو صنم أو وثن، فلا يمكن تصوّر فعله للاحترام والتعظيم دون العبادة؛ لأنّه لماذا يحترم وثناً أو صنماً أو تمثالاً، ويعظمه ويقدّسه، إلّا لعبادته وتأليهه، مع كونه غير محترم عندنا؟!!

ولذلك قال تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إلّا لِلّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إلّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ(1).

وقال تعالى: ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ(2).

وقال عزّ من قائل: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى _ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى _ أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى _ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى _ إِنْ هِيَ إلّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ

____________

1- يوسف (١٢): ٤٠.

2- الأعراف (٧): ٧١.


الصفحة 235
وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى(1).

وهكذا يثبت سبحانه تعالى بأنّ تعظيم واحترام تلك الآلهة كان دون وجه حقّ ودون دليل، وهي لا تستحقّ ذلك التعظيم، فمن باب أوْلى لا تستحقّ العبادة فكيف تعبدونها وهي بتلك الحالة؟!!

أمّـا قياس التماثيل والأصنام على دعاء واستعانة وتوسّل المسلمين بأنبياء الله وأوليائه، فهذا خطأ فادح؛ ولذلك لم يخاطب تعالى النصارى بنفس خطابه لمن يعبد الأصنام وإنّما أثبت لهم تعالى بأنّ عيسى عليه السلام وأمّه عبدان لله تعالى، يأكلان، فقيران، محتاجان، ليسا غنيين بأنفسهما وذاتيهما، فلا يستحقّان العبادة، ولم يقل لهم: (ما أنزل الله بهما من سلطان) كما خاطب من يعبد الأصنام.

(تعريف الشيعة للشرك)

« أحمد ناجي ــ النروج ــ إمامي »

السؤال:

نسمع كثيراً عن تعريفات للشرك لدى الوهّابيّة.

فأرجو إعطائي تعريف للشرك عند الشيعة مع التفصيل؟

وشكراً.

____________

1- النجم (٥٣): ١٩ ــ ٢٣.


الصفحة 236
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ تعريف الشرك هو: أن يجعل الإنسان لله ندّاً، سواء في الذات أم في الصفات أم في الأفعال، وكذلك من يخضع لمن يعتقد فيه الإلوهية أو الربوبية أو الاستقلالية في التأثير والتدبير حتّى يعدّ خضوعه عبادة. ولا يفرق أن يحصل الخضوع بسجود أو صلاة أو نذر أو ذبح أو دعاء أو استغاثة...

وللتوضيح أكثر راجع: عنوان (الضابطة في التوحيد والشرك)، وللتفصيل يراجع كتاب: (التوحيد والشرك) للشيخ السبحاني، تجد فيه مرادك إن شاء الله تعالى.

(العبادات في الكعبة ليست هي عبادة لها)

« أبو عبد الحميد ــ تونس ــ إمامي »

السؤال:

جاء من سيرة الخليل عليه السلام أنّه ناقش قومه بالمنطق في مسألة عبادتهم للأوثان، بمثل أنّهم لا ينطقون وغيرها، ولكن إذا أخذنا الطقوس الدينية، خاصّة في الحجّ، كتقبيل الحجر الأسود، أو التمسّح على أركان الكعبة، أو إحرامها، فنناقش المسألة منطقياً، كما فعل إبراهيم في استدلاله على ربّه، نرى وثنية في ما يفعله المسلمون.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نعم، لو كنّا نعبد الكعبة أو الحجر الأسود ونجعلها أرباباً من دون الله لصحّ أن يحتجّ علينا بما احتجّ على قوم إبراهيم عليه السلام من عبادتهم للأوثان، ولكنّنا نعبد


الصفحة 237
الله وحده، وما نفعله من عمل في بيته الحرام فهو بأمره ورضاه، لذا صحّ عملنا، وأمّا عبادة الأوثان فلم يأمر بها نبيّ ولا وصيّ.

(مدلول كلمة (الله أكبر) بالتحليل العقلي)

« علي اللواتي ــ سلطنة عمان ــ إمامي »

السؤال:

علي بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام:

((قال: قال رجل عنده: الله أكبر.

فقال: الله أكبر من أيّ شيء؟

فقال: من كلّ شيء.

فقال أبو عبد الله عليه السلام: حددته!

فقال الرجل: كيف أقول؟

قال: قل: الله أكبر مِن أن يوصف))(1).

هل الإمام نفى معنى: (الله أكبر)، بمعنى: أكبر من كلّ شيء؛ لأنّ في ذلك مقارنة، أم لأنّ في ذلك مخالفة لما أنّ الله مع كلّ شيء فلا شيء منفصل عنه، حتّى يكون هو في جانب والله في جانب، والله أكبر من ذلك الشيء؟

____________

1- أُصول الكافي، للكليني ١: ١١٧ حديث (٨) كتاب التوحيد، باب (معاني الأسماء ومشتقّاتها).


الصفحة 238
إذا كان الثاني، فهل معنى هذا أنّ المقارنة تجوز؟ بمعنى: هل يجوز القول بأنّ الله أعلم من فلان، مع عدم قصد أنّ كيفية علمه هي نفس الكيفية التي نحن نعلم بها؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إذا جازت النسبة بين شيئين، فإنّما تجوز لأنّهما كليهما في عرض واحد ويوجد ما هو مشترك بينهما، فتصحّ لذلك المفاضلة والمقارنة بينهما، فيقال: الشيء الأوّل أكبر من الثاني، أو أطول، أو أعلم، أو أجمل، وهلم جرّاً...

وإذا لم تجز النسبة بينهما، فهو دليل على عدم كونهما في عرضٍ واحد، أي أنّ رتبة أحدهما ليست في عرض رتبة الآخر، فالاشتراك أو المماثلة معدومة بينهما، فلا يمكن لذلك المقارنة بينهما، لعدم وجود ما يشتركان فيه؛ إذ الاشتراك في أمر بينهما دليل على كونهما في رتبة واحدة، وقد فرضناهما في رتبتين مختلفتين.

وبما أنّ الله عزّ وجلّ رتبته هي رتبة الأزل، وصقعه هو صقع الوجود بالذات، وأنّ عظمته ذاتية مطلقة لا تقاس إلى شيء آخر، فلا يماثله شيء من الأشياء، أو يضارعه في صفة من الصفات؛ إذ كلّ شيء موجود به وفائض عنه، وجميع الرتب الوجودية الصادرة عنه هي رتب إمكانية، فلذا لا يمكن أن تكون محلاًّ للمفاضلة أو المقارنة مع بارئها، كما لا يمكن مقارنة المحدود بغير المحدود، فالنسبة بين أيّ شيء محدود وبين اللامحدود تساوي صفراً، كما ثبت ذلك بالدليل الرياضي، ومثاله: العدد المتناهي والعدد اللامتناهي، فالنسبة بينهما أبداً تساوي صفراً، أي أنّه لا يمكن المقارنة والمناسبة بينهما.


الصفحة 239
وعلى هذا نفهم مراد الإمام الصادق عليه السلام في المقطع الذي أوردته في سؤالك، فقوله: (الله أكبر من أن يوصف)، إنّما هو لدفع توهّم من لا يعرف عظمة الخالق جلّ شأنه؛ إذ يحسبه حين النطق بكلمة (الله أكبر) أنّه أكبر من هذه الأشياء المشاهدة المعهودة لدينا، وبذلك يضع الخالق والمخلوق في رتبة واحدة مع فرق أنّ الله كبير مع زيادة على بقية الأشياء.

ولكنّ الله عزّ وجلّ أجلّ من أن يقارن بالأشياء مهما عظمت؛ لأنّها تبقى محدودة ومتناهية، وهو غير محدود ولا متناهٍ.

وبجواب آخر: إنّ الظاهر من كلام المجيب لمّا قال: ((من كلّ شيء)) الكبر في الحجم، والحجم من صفات الجسميات، والله منزّه عن الجسمية، فكان في قوله نوع من التحديد، فلذا صحّح له الإمام عليه السلام قوله: بأنّ (الله أكبر من أن يوصف)، تنزيهاً لله سبحانه عمّا يُتوهّم منه الجسمية والحدود.

فافهم تُرشد! وفّقك الله تعالى.

تعليق:

« علي ــ البحرين ــ إمامي »

لو صحّ كلامكم لامتنعت النسبة في كلّ شيء لا في كونه أكبر فقط. ولكن القرآن لا يكتفي بوصفه أكبر، بل يقول: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ(1)، ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ(2).

____________

1- الأنعام (٦): ١٢٤.

2- يوسف (١٢): ٦٤، ٩٢.


الصفحة 240
وفي الدعاء: (أكرم الأكرمين، أحلم الأحلمين).

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

دلالة بعض العبارات على وجود نسبة بين الله عزّ وجلّ ومخلوقاته, كقوله: إنّه أرحم الراحمين، فهذا صحيح لا ينكر بحسب الفهم العرفي واللغوي، (أي: المفاهيم)..

وذلك لأنّ بعض المفاهيم يلزم منها المشاكلة والمماثلة في صفات ينزّه الله سبحانه وتعالى عنها، وهي كلّ الصفات الخاصّة بالجسمية أو الملازمة لها، فإذا قيل بالمقايسة بين الله وغيره في مثل هذه الصفات، وقع منه محذور التشبيه والتجسيم. وهناك بعض المفاهيم غير مختصة ولا لازمة للجسميات، كالعلم والحياة مثلاً، فلا يلزم من المقايسة فيها محذور التشبيه والتجسيم.

نعم، إذا توخّينا الدقّة العقلية، فلا مقارنة ولا مقايسة في هذه الصفات أيضاً بين الخالق والمخلوق، فأين الممكن من الواجب، وأين المحدود من الكمال المطلق، ولكن ذلك من ناحية المصداق لا من ناحية المفاهيم؛ فافهم!

(شبهة وجود الله في جهة معيّنة)

« محمّد باقر ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

كيف نردّ على الشبهة التي تقول بوجود الله في جهة معيّنة؟


الصفحة 241
الصفحة السابقةالصفحة التالية