المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 6) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج6 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 241 - ص 270) الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الله سبحانه وتعالى لو كان في جهة معيّنة, يصدق أن يقال: إنّه ليس في الجهة الأُخرى, وبذلك يكون محدوداً, تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً؛ قال أمير المؤمنين عليه السلام: (...ومَن جهله فقد أشار إليه, ومَن أشار إليه فقد حدّه, ومَن حدّه فقد عدّه, ومَن قال: (فيم) فقد ضمّنه, ومن قال: (علام) فقد أخلى منه. كائن لا عن حدث, موجود لا عن عدم, مع كلّ شيء لا بمقارنة, وغير كلّ شيء لا بمزايلة, فاعل لا بمعنى الحركات والآلة...)(1).

وقال أيضاً عليه السلام: (لا تراه العيون بمشاهدة العيان, ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان, قريب من الأشياء غير ملامس, بعيد عنها غير مباين...)(2).

وقال عليه السلام: (الحمد لله الذي لا تدركه الشواهد, ولا تحويه المشاهد, ولا تراه النواظر, ولا تحجبه السواتر, الدالّ على قدمه بحدوث خلقه, وبحدوث خلقه على وجوده...)(3).

(الله جلّ جلاله موجود في كلّ مكان)

« أحمد ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

إذا كان الله في كلّ مكان، كما قال الإمام عليّ عليه السلام، فهذا يعني أنّه في دورات المياه، والعياذ بالله!

____________

1- نهج البلاغة ١: ١٥ الخطبة رقم (١).

2- نهج البلاغة ٢: ٩٩ الخطبة رقم (١٧٩).

3- نهج البلاغة ٢: ١١٥ الخطبة رقم (١٨٥).


الصفحة 242
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا يخفى أنّ الموجود إمّا مادّي، وإمّا غير مادّي.

والموجود المادّي، هو: الموجود الذي له مادّة وجسم ــ أي: ذو أبعاد ثلاثة: طول وعرض وعمق ــ والجسم يستدعي كونه في مكان خاص وجهة خاصّة، ولا يمكن للجسم أن يكون في مكانين أو جهتين أو أكثر، وإلّا لصار جسمين أو أكثر لا جسم واحد.

والموجود غير المادّي، هو: الموجود الذي ليس له مادّة وجسم، بل هو مجرّد مفارق فهو ليس له مكان خاص ولا جهة خاصّة، إذ لا يخضع لقانون المادّة، ومنها: المكان.

بعد هذه المقدّمة، نقول: إنّ وجود الله تعالى وجود غير مادّي، فهو موجود في كلّ مكان، وفي كلّ جهة، لا بمعنى التحيّز والمحدودية، بل بمعنى الإحاطة القيومية والإشراقية. ولا يكون إلى مكان أقرب من مكان، بل نسبة جميع الأمكنة إليه سبحانه وتعالى على السواء؛ قال تعالى: ﴿وَللّه المَشرق وَالمَغرب فأَينَمَا توَلّوا فثَمَّ وَجه اللّه إنَّ اللّهَ وَاسعٌ عَليمٌ(1). أي: أنّ الله تعالى يملك ما بين المشرق والمغرب، فله تعالى السلطة والقدرة على ما بينهما، فأينما توجّهوا وجوهكم، فهنالك وجه الله، أي: لا يخلو منه تعالى مكان ولا جهة، وقد وَسِعَ كلّ شيء قياماً وإشراقاً وعلماً وقدرة ورحمة وتوسعة على عباده، وعليم بمصالح الكلّ، وما يصدر عن الكلّ في كلّ مكان وجهة، ولا يخفى عليه خافية.

____________

1- البقرة (٢): ١١٥.


الصفحة 243
وقال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ(1)، وجاء في (الاحتجاج) للشيخ الطبرسي، في ذيل هذه الآية: ((فقال ابن أبي العوجا: ذكرت الله فأحلت على الغائب.

فقال أبو عبد الله الصادق عليه السلام: (ويلك! كيف يكون غائباً من هو مع خلقه شاهد، وإليهم أقرب من حبل الوريد، يسمع كلامهم، ويرى أشخاصهم، ويعلم أسرارهم؟!).

فقال ابن أبي العوجا: فهو في كلّ مكان، أليس إذا كان في السماء كيف يكون في الأرض، وإذا كان في الأرض كيف يكون في السماء؟

فقال أبو عبد الله عليه السلام: (إنّما وصفت المخلوق الذي إذا انتقل من مكان اشتغل به مكان، وخلا منه مكان، فلا يدري في المكان الذي صار إليه ما حدث في المكان الذي كان فيه، فأمّا الله العظيم الشأن، الملك الديّان، فلا يخلو منه مكان ولا يشتغل به مكان، ولا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان)))(2).

وبعد هذا البيان يتّضح الجواب عن سؤالكم، فالموجودية ليست موجودية مادّية، بل هي موجودية غير مادّية، فهو تعالى مطّلع عليها، ولا يخفى عليه منها شيء، وله السلطة والقدرة عليها، وإلّا يلزم جهله بها.

____________

1- ق (٥٠): ١٦.

2- الاحتجاج، للطبرسي ٢: ٧٥ احتجاج أبي عبد الله عليه السلام في أنواع شتّى من العلوم الدينية، الكافي، للكليني ١: ١٢٦ حديث (٣) كتاب التوحيد، باب (الحركة والانتقال).


الصفحة 244

تعليق:

« رامي العلي ــ سوريا ــ إمامي »

السلام عليكم..

الله موجود في كلّ مكان، وهو موجود على الأرض, قبل أن يخلق الله عزّ وجلّ الأرض لم يكن موجوداً فيها، صحيح؟ فهل صار وجوده بعد خلق الأرض؟ وبما أنّ الوجود غير مادّي فما طبيعة هذا الوجود؟

طبعاً أنا أشعر أنّ هناك ركاكة في التعبير لصعوبته بالنسبة إليَّ..

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الله موجود في كلّ مكان قبل وجود الأرض وبعد وجودها، ولا يحتاج إلى الأرض كي يوجد فيها، فهذه من خصائص المادّة في احتياجها إلى مكان تستقر عليه، والله منزّه عن المادّة والجسم، ووجوده ليس وجوداً مادّياً، بل كما قلنا: وجود غير مادّي مطّلع على ما موجود في كلّ مكان، وله القدرة عليه.

ولا يقال لله: أين، ومتى؛ لأنّه هو الذي أيّن الأين (المكان)، وخلق الزمان، ويعبّر عن ذلك بقولهم: الله محيط بكلّ شيء، بل كلّ شيء حاضر عنده.

(معنى: إنّ الله موجود في كلّ مكان)

« أحمد ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ما معنى: أنّ الله موجود في كلّ مكان؟ هل هو وجود علم وإحاطة، أم ماذا؟


الصفحة 245
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا بدّ لنا قبل الإجابة عن هذا السؤال من التنبيه إلى أنّ الله تعالى لا يحلّ بمكان كما تحلّ سائر الأشياء فيه؛ لأنّ الذي يحلّ في مكان واحد أو في أمكنة متعدّدة، فهو محوي ومُحاط به أو بها، وذلك يقتضي أن يكون محدوداً، والمحدودية من صفات الممكنات لا من شؤون ربّ البريات.

وعليه فإنّ كونه عزّ وجلّ في كلّ مكان لا يعني صيرورته في أمكنة كثيرة هي كلّ الأمكنة، فإنّ الله عزّ وجلّ هو الذي أمكن المكان فكيف يجري عليه حكم المكان؟! وهو الذي خلق الزمان فكيف يجري عليه حكم الزمان؟!

ولكنّه تبارك وتعالى موجود فيّاض، فكلّ شيء موجود به، وقائم بفعله، قيام صدور وقيام تحقّق، فالمعلول لا تذوّت له من دون علّته، وكلّ شيء معلول له وفقير إليه.. فيكون وجوده عزّ وجلّ في الأمكنة والأزمنة ليس على نحو الحواية والظرفية؛ بل على طور القيومية والإحاطة والإفاضة، وهذا الطور أعلى من طور الظرفية؛ لأنّ الشيء إذا حلّ بمكان فهو محدود في ذلك المكان، وذاته قابعة فيه لا تخرج إلى سواه، أي: أنّ سائر الأمكنة الأُخرى خالية عنه..

بينما القيّوم عزّ وجلّ له هيمنة كلّية على جميع مخلوقاته الفائضة عنه، فلا يعزب عنه منها شيء..


الصفحة 246

(معنى: كونه في كلّ مكان)

« هاشم ــ الجزائر ــ سلفي »

السؤال:

تعالى الله أن يكون في كلّ مكان سبحانه، هذا يستلزم أن يكون في المراحيض، وأحشاء الكلاب، وأن يكون تحت قدميك، وهل يعتقد هذا إلّا زنديق؟! وليس في العقل ما يمنع وجود ذات قديمة متحيّزة..

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

تعالى ربّنا عمّا يقول المشبّهون الجاهلون علوّاً كبيراً، وتقدّست ذاته أن تكون متحيّزة، أو في جهة؛ فيحويه المكان، ويجري عليه الحدثان، ويشار إليه بالبنان، فيُدرَك بالأبصار، ويُشخَص إليه بالأنظار، قال تعالى: ﴿لاَّ تُدرِكُهُ الأَبصَارُ وَهُوَ يُدرِكُ الأَبصَارَ(1).

قولنا: ((في كلّ مكان))، لا يلزم منه ما ذكرته، ممّا نربأ بأنفسنا عن إعادته؛ فإنّه في كلّ مكان لا على نحو الحلول، كما يحلّ المتمكن في المكان والمظروف في الظرف، فهو لا يحلّ بمكان ولا يخلو منه مكان، وهو أقرب إلى كلّ شيء من نفسه، فلو كان متحيّزاً كما تزعمون لصار مُحاطاً، ولكان الحيّز والمحيط أكبر منه، والله تعالى محيط بكلّ شيء لا كإحاطة شيء بشيء!

____________

1- الأنعام (٦): ١٠٣.


الصفحة 247
سُئل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام: بم عرَفتَ ربك؟ فقال: (بما عرّفني نفسه).

قيل: وكيف عرّفك نفسه؟

قال: (لا يشبهه صورة، ولا يحس بالحواس، ولا يقاس بالناس، قريب في بعده، بعيد في قربه، فوق كلّ شيء ولا يقال: شيء فوقه، أمام كلّ شيء ولا يقال له: أمام، داخل في الأشياء لا كشيء داخل في شيء، وخارج من الأشياء لا كشيء خارج من شيء، سبحان من هو هكذا ولا هكذا غيره، ولكلّ شيء مبتدأ)(1).

وقد سأله رجل، اسمه: ذعلب، وهو على منبر الكوفة، فقال: يا أمير المؤمنين، هل رأيت ربّك؟

قال: (ويلك يا ذعلب! ما كنت أعبد ربّاً لم أره).

فقال: يا أمير المؤمنينّ كيف رأيته؟

قال: (ويلك يا ذعلب! لم تره العيون بمشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان..

ويلك يا ذعلب! إنّ ربّي لطيف اللطافة لا يوصف باللطف، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ، قبل كلّ شيء لا يقال: شيء قبله، وبعد كلّ شيء لا يقال له: بعد، شاء الأشياء لا بهمّة، دراك لا بخديعة، في الأشياء كلّها غير متمازج بها ولا بائن منها، ظاهر لا بتأويل المباشرة، متجلٍّ لا باستهلال رؤية, ناءٍ لا بمسافة، قريب لا

____________

1- الكافي، للكليني ١: ٨٦ حديث (٢) كتاب التوحيد، باب (أنّه لا يعرف إلّا به).


الصفحة 248
بمداناة، لطيف لا بتجسّم، موجود لا بعد عدم، فاعل لا باضطرار، مقدِّر لا بحركة، مريد لا بهمامة، سميع لا بآلة، بصير لا بأداة، لا تحويه الأماكن، ولا تضمنه الأوقات، ولا تحدّه الصفات، ولا تأخذه السِنات، سبق الأوقات كونه، والعدم وجوده، والابتداء أزله، بتشعيره المشاعر عُرف أن لا مشعر له, وبتجهيره الجواهر عُرف أن لا ضدّ له، وبمقارنته بين الأشياء عُرف أن لا قرين له...)(1).

(التوجّه لا ينافي الإخلاص في التوحيد)

« عبد الله ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله..

إنّ من أًصول التوحيد عندنا نفي أيّ تحديد، أو تركيب عنه تعالى، ونفي أيّ جهة، وأيّ حيثية. فهو الواحد الأحد اللامتناهي البسيط الواجد لكلّ كمال، وهو فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهى.

المشكلة أنّه حين الصلاة أو الدعاء لا بدّ من التوجّه، بل هو من شروط الدعاء، وهذا لا يخلو من شوائب جعل جهة له تعالى، ويكاد يكون مستحيلاً التوجّه من غير جهة، حتّى لو كانت هذه الجهة ذهنية. كما وأنّه مجرّد الالتفات

____________

1- الكافي ١: ١٣٩ حديث (٤) كتاب التوحيد، باب (جوامع التوحيد).


الصفحة 249
إلى الداعي (الأناــ النفس) والمدعو تعالى لا يخلو من نقض، لما ذكرت أعلاه عن التوحيد.

فما هو السبيل للجمع بين الأمرين: التوحيد الخالص، والدعاء مع التوجّه؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قال تعالى: ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجهُ اللَّهِ(1)، وحينئذ لا يتنافى التوجّه إلى جهة مخصوصة مع التوحيد الخالص؛ لأنّ التوجّه إلى الله تعالى لا يراد منه الاعتقاد أنّه في جهة دون أُخرى حتّى يلزم منافاته لخلوص التوحيد، فالمؤمن الذي يتوجّه في الصلاة إلى موضع الكعبة المشرّفة لا يعتقد بأنّ الله تعالى قد حلّ فيها (معاذ الله)، وإنّما هو لأجل تحصيل الحضور، فقلب الإنسان يتقلّب في الأسباب، وطائر الخيال لا يكاد ينضبط.. والمطلوب حال العبادة أو الدعاء هو حضور القلب، ولا يحضر القلب من دون توجّه.

نعم، من يستحضر وجود الله تعالى في جهة دون أُخرى جهلاً فقد شاب توحيده بشائبة عدم الخلوص، ولذلك أرشدنا أهل البيت عليهم السلام بالتوجّه بهم إلى الله تعالى، فبهذا النوع من التوجّه تزول تلك الشائبة، ومن ينظر في أدعية آل محمّد(صلوات الله وسلامه عليهم) يجدها ملئاً بلفظ: (وإنّي أتوجّه بكم إلى الله)(2)، أو التوجّه إلى الله بواحدٍ منهم(سلام الله عليهم).

____________

1- البقرة (٢): ١١٥.

2- إقبال الأعمال، لابن طاووس ١: ٤٩٤ الباب (٣٧) الفصل (١٧).


الصفحة 250

(عدم جريان صفات الممكن عليه سبحانه)

« حبيب عبّاس راضي ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إذا كان الله أيّن الأين فلا أين له، وكيّف الكيف فلا كيف له، فنستنتج أنّ الله غير مادّي ولا يمكن رؤيته...

فبما أنّ الله غير مادّي، وأنّ عالمنا عالم المادّة، فهل: الله غير موجود في عالمنا (سبحان الله، استغفر الله) وهو موجود في عالم الملكوت؟

وشكراً لكم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الله عزّ وجلّ ليس كمثله شيء، ولا تجري على الله تعالى أحكام المادّيات ولا المجرّدات في جميع عوالم الإمكان، سواء في الغيب أم الشهادة، ووجوده ليس على نحو الحلول في الأمكنة، حتّى يقال: إن لم يكن مادّياً فهو غير موجود في عالمنا، بل هو فضلاً عن كونه لا يحلّ بمكان مع ذلك لا يخلو منه مكان؛ لأنّ قوام كلّ شيء وحقيقته به عزّ وجلّ، ولا يمكن لشيء من الأشياء أن يوجد لحظة واحدة لو انقطع فيضه عنه؛ لأنّ الموجودات كافّة تفتقر إلى فيض الله عزّ وجلّ ووجوده، وقد ثبت في الفلسفة إنّ ملاك الاحتياج إلى العلّة هو: الإمكان، لا الحدوث، كما زعم المعتزلة، والممكن الذي يوجد لا ينقلب


الصفحة 251
بوجوده إلى غني فيستغني عنه عزّ وجلّ، بل يبقى دائم الحاجة إليه في كلّ حين؛ لأنّه ممكن بذاته لا يفارقه الإمكان الذاتي وإن صار واجباً بغيره.

فيجب عليك أن تعلم:

١ــ إنّ الله تعالى خالق كلّ شيء وليس كمثله شيء.

٢ــ لا يجري عليه سبحانه ما هو أجراه على خلقه؛ فالذي كيّف الكيف لا كيف له، والذي أيّن الأين لا أين له، وهكذا.

٣ــ لا يقاس ربّنا عزّ وجلّ بمخلوقاته؛ لأنّ الخلق جميعاً في عالم الإمكان وهو عالم الفقر والحاجة، بينما هو سبحانه واجب الوجود بذاته وغني عن العالمين.

٤ـ هو أقرب إلينا من حبل الوريد ليس على نحو القرب المكاني, وهو محيط بكلّ شيء ليس على نحو السعة والاحتواء فيكون ظرفاً, تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، بل إحاطته إحاطة علم ووجود وإفاضة وإشراق وقيّومية.

(معنى قوله عليه السلام: داخل في الأشياء لا كشيء داخل في شيء)

« أحمد ــ جورجيا »

السؤال:

ورد عن الإمام عليّ عليه السلام في كلام له، في معرض التنزيه لله تعالى؛ حيث قال عليه السلام: (داخل في الأشياء لا كشيء داخل في شيء، وخارج عن الأشياء لا كشيء خارج من شيء...)(1). فما معنى هذا القول؟

____________

1- التوحيد، للصدوق: ٨٣ ــ ٨٤.


الصفحة 252
ثمّ ما هو المقصود بمصطلح: (وحدة الوجود)؟ وما هو الموقف الإسلامي من القائلين بوحدة الوجود؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أمّا عن الشق الأوّل من السؤال، فنقول:

لا بدّ أوّلاً من ملاحظة نص الحديث كاملاً، كما ورد في محلّه؛ فقد أورد الكليني قدس سره في (الأُصول من الكافي) الحديث هكذا:

((سُئل أمير المؤمنين عليه السلام، بم عرفت ربّك؟

قال: (بما عرّفني نفسه).

قيل: وكيف عرّفك نفسه؟ قال: (لا يشبهه صورة، ولا يحسّ بالحواس، ولا يقاس بالناس، قريب في بعده، بعيد في قربه، فوق كلّ شيء ولا يقال: شيء فوقه، أمام كلّ شيء ولا يقال له: أمام، داخل في الأشياء لا كشيء داخل في شيء، وخارج من الأشياء لا كشيء خارجٍ من شيء، سبحان من هو هكذا ولا هكذا غيره، ولكلّ شيء مبتدأ)(1).. هذا تمام الحديث.

ولبيان المراد من كلام الإمام عليه السلام الوارد في السؤال نقول:

أمّا قوله: (داخل في الأشياء)، فالمعنى: أنّه لا يوجد أيّ شيء من الأشياء، ولا أيّ جزء من أجزاء العالم، خارج تصرّف وتدبير الله (سبحانه وتعالى)، ولا خارج حضوره العلمي، ولا يمكن لأيّ شيء أن يستغني في وجوده عن فيضه تعالى.

____________

1- أُصول الكافي ١: ٨٥ حديث (٢) كتاب التوحيد، باب (أنّه لا يعرف إلّا به).


الصفحة 253
وأمّا قوله: (لا كشيء داخل في شيء)، أي: هو داخل في الأشياء لا على نحو دخول الجزء في الكلّ ــ كدخول الدسم في الحليب ــ ولا على نحو دخول العارض في المعروض ــ كدخول الحرارة ونفوذها في الماء ــ ولا على نحو دخول المتمكن في المكان ــ كالجلوس على السرير ــ لأنّ هذه الأقسام الثلاثة حالاتٌ وصفات لأجسام، وهو تعالى منزّه عن ذلك.

وأمّا قوله: (خارج عن الأشياء)، فبمعنى: أنّ ذاته المقدّسة بعيدة عن أن تكون متلبّسةً بالأشياء، ومنزّهةً عن الاتّصاف بصفاتها.

وقوله: (لا كشيء خارجٍ من شيء)، فإنّه سبحانه وتعالى خارج عن الأشياء لا على نحو الخروج المتعلّق بالبعدين المكاني والانتقالي، فهو مع الأشياء وقيّومٌ عليها، وقريب منها ومحيط بها، ولكن دون شبيه أو نظير، وهو سبحانه مباين لجميع الأشياء بلا نظير.

ولتقريب المعنى وجعله أوضح، يمكن لنا أن نستعين بمثالٍ يوضّح المقصود، وهو مأخوذ من علاقة الروح بالبدن أو النفس الناطقة بالجسد:

فمن المؤكّد أنّ كافّة أعضاء الجسد خاضعة في التصرّف والتدبير للنفس، وهي محيطةٌ به من كلّ جانب، ولكن في الوقت نفسه لا نستطيع أن نقول: إنّ الروح أو النفس هي في الجزء الفلاني من الجسد دون الجزء الآخر.

وبهذا المعنى نستطيع القول: إنّ الروح هي في الجسد، وخارجه، أي: داخلة فيه على نحو السيطرة والإحاطة والتدبير، وخارجة عنه على نحو الانفصال


الصفحة 254
والمغايرة، ولكن دون أن يشبه دخولها وخروجها الحالات الثلاثة التي مرّت معنا آنفاً في صفات الأجسام (أي: دخول الجزء في الكلّ والعارض في المعروض والمتمكن في المكان).

وبكلام أوضح: إنّ الروح قريبة للجسم من حيث التصرّف والإحاطة وبعيدة عنه من حيث مقام الذات والاستقلال، وتنزّهها عن عوارض الجسد.

ولا يخفى أنّ قرب الخالق (جلّ وعلا) نسبةً لأشياء العالم وأجزائه، هو فوق قرب الروح وبعدها عن الجسد، وإذا كان الإنسان عاجزاً عن إدراك كيفية قرب وبعد الروح عن الجسد، فسيكون بشكلٍ أوْلى عاجزاً عن إدراك كيفية قرب وبعد الله سبحانه وتعالى؛ فسبحان الذي لا يُدركه بعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن.

وأمّا عن الشق الثاني من السؤال: فإنّ القائلين بوحدة الوجود ليسوا على مذهبٍ واحد؛ فإنّ بعضهم يقول: ((إنّ الوجود الحقيقي واحد، والموجودات الكثيرة، هي صور وتجلّيات للموجود الحقيقي الواحد، ويمثّلون ذلك بـ(البحر وأمواجه) فالبحر في مقام الوجود الحقيقي، والموج المتكاثر تجلّيات وصور لحقيقة البحر)).

وهذا الكلام يرفضه العقل؛ فإنّ العقلاء لا يمكنهم التصديق بأنّ كلّ هذه الموجودات الكثيرة، بمناشئها المختلفة وآثارها الخاصّة والمتنوعة، هي وهم، وأنّ الوجود الحقيقي لا يعدو أن يكون وجوداً واحداً.


الصفحة 255
وأمّا تمثيلهم بالبحر وأمواجه، أو غير ذلك، ممّا يدلّ على المقصود ويكشف عن المراد، فلا يلتفت إليه ولا يكترث به، فهو تعالى ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ(1)، و﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ(2).

هذا مضافاً إلى أنّ القول بـ(وحدة الوجود) يستلزم الخروج عن الدين عند بعض الفقهاء؛ فقد ورد في (مستمسك العروة الوثقى) للمرحوم السيّد الحكيم قدس سره ــ وهو من كبار مراجع التقليد في النجف الأشرف، توفّي سنة (١٣٩٠هـ.)، و(المستمسك) كتاب في الفقه الاستدلالي، وهو شرح على (العروة الوثقى) للسيّد اليزدي قدس سره ــ قوله عن هذه المسألة بعد أنّ عدّد آراء القائلين بوحدة الوجود، يقول (رحمه المولى): ((حسن الظنّ بهؤلاء القائلين بالتوحيد الخاص، والحمل على الصحّة المأمور به شرعاً، يوجبان حمل هذه الأقوال على خلاف ظاهرها، وإلّا كيف يصحّ، على هذه الأقوال، وجود الخالق والمخلوق، والآمر والمأمور، والراحم والمرحوم))(3).

(الله تعالى منزّه عن المكان والزمان)

« أبو فاطمة الزيدي ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

((الله سبحانه وتعالى موجود في عالم الخارج، وعالم الخارج هو عالم

الجزئيات، ولا يمكن أن يكون حاوياً على الكلّيات، فيتعيّن أن تكون ذات الله

____________

1- الشورى (٤٢): ١١.

2- الصافات (٣٧): ١٥٩.

3- مستمسك العروة الوثقى ١: ٣٩١ النجاسات، الكافر، المسألة (٢).


الصفحة 256
سبحانه وتعالى من الجزئيات بهذا المعنى, إلّا أنّه شيء لا كالأشياء ولا تتصوّره العقول)).

ما قولكم في هذه المقالة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لعلّ القائل توهّم بأن لا وجود واقعي إلّا في العالم المادي الذي يسمّيه: عالم الخارج، والذي يحوي الجزئيات (المتشخّصات)!

ولكن الله تعالى أجلّ من أن يحلّ بمكان؛ أو أن يحويه مكان، لأنّ الحالّ في المكان فالمكان يحدّه، فيكون محدوداً, والمحدود ممكن مخلوق لا واجب.

وليس الله تعالى حاوياً للكلّيات حواية المحلّ لذي المحلّ، وليست الكلّيات ممّا يُحتوى؛ لأنّ الكلّيات مفاهيم عقلية ومعانٍ مجرّدة, والحواية شأن المصاديق الخارجية الجزئية لا المفاهيم العقلية المجرّدة.

وعلى ذلك يبطل الاستدلال على كون ذاته تعالى من الجزئيات, لأنّ الجزئيات تعتريها صفات الممكنات, وكذلك الكلّيات.

والصواب: إنّ الله تعالى ليس بكلّي، ولا جزئي، ولا جوهر، ولا عرض، بل ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ(1).

____________

1- الشورى (٤٢): ١١.


الصفحة 257

(هل يجري الزمان على الباري عزّ شأنه؟)

« حسين علي ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

في عقيدتنا أنّ الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق المكان، ولذلك لا يمكن أن نحدّه بهذا الحدّ قبل إيجاده (المكان)، أمّا الزمان، فهو كذلك مخلوق من قبل الله عزّ وجلّ.

ولكن السؤال:

بما أنّ الله سبحانه وتعالى خلق الزمان, بالتالي سيوجد لدينا احتمالان:

أوّلاً: إنّ الزمان يمشي ويتغيّر مع الله سبحانه وتعالى, أي: أنّ الله عزّ وجلّ يعيش لحظات الزمن معنا نحن المخلوقات.

ثانياً: إذا كان الاحتمال الأوّل ليس كذلك, وجب أن يكون الزمان انتهى بالنسبة لله تعالى، بحيث إنّ الله سبحانه لا علاقة له بالزمان من حيث التأثر, وهذا ينافي كوننا نعيش الآن هذه اللحظات.

واستغفر الله ربّي وأتوب إليه من كلّ ذنب عظيم. أرجو من الله تعالى أن يغفر لي هذه الأفكار إن كانت أفكاراً فاسدة.

ونرجوا الإجابة من سماحتكم.

وصلّى الله على محمّد وآله الطيبين الطاهرين.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا بدّ من توضيح أمر مهم جدّاً قبل الخوض في حلّ هذه المسألة:


الصفحة 258
إنّنا نتعامل مع الزمان باعتباره مقدار حركة الأشياء ومقياس الحوادث, والأشياء التي تتحرّك إنّما هي أجسام مادّية، وكذلك ما يعتريها من الحوادث إنّما هي عوارض مادّية تلحقها من جهة الحركة.

ومن هنا فإذا أدركنا أنّ الله تعالى ليس جسماً من الأجسام، وأنّه منزّه عن المكان والحركة، فلا بدّ أن ندرك كذلك بأنّه منزّه عن الزمان، أي أنّ الزمان لا يجري عليه كما يجري على الأجسام, ولكن عدم جريان الزمان عليه شيء وعلمه بالزمان شيء آخر؛ ذلك لأنّ الله تعالى عالم بكلّ شيء لا يعزب عنه مثقال ذرّة, وحينئذٍ فلا يقيّد الزمان علم الله تعالى, بل الله تعالى محيط به من طرفيه, وهذه الإحاطة العلمية بالزمان ليست زمانية حتّى يرد الإشكال بأنّ الزمان يتغيّر مع الله تعالى (معاذ الله), أو أنّ الله تعالى يعيش معنا لحظات الزمان, بل هي إحاطة علمية مجرّدة عن التقدّم والتأخّر الزمانيين، فلا يترتّب عليها إذاً طروّ التأثّر على ذاته عزّ وجلّ، أو على صفاته، كما يطري التغيّر على ذواتنا وصفاتنا نحن المخلوقات الزمانية.

(معنى: رضى وغضب الله)

« م/ محمود ــ الكويت »

السؤال:

كيف يمكن أن نفسّر الغضب والرضى لله تعالى، كقولنا: إنّ الله يغضب لغضب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويرضى لرضاه؟


الصفحة 259
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

من الواضح أنّ الرضى والغضب من الصفات النفسانية للإنسان, والله سبحانه وتعالى ليس بجسم فلا صفات نفسانية له, ولذا يكون وصف الله سبحانه وتعالى بالغضب وصفاً مجازياً، ومرادهم من هذا: أنّ الغضب من الله سبحانه وتعالى هو: العذاب, ومن الرضى: الرحمة والثواب.

والحاصل: إطلاق مثل هذه العناوين على الله سبحانه وتعالى إطلاق مجازي, والمراد من هذه الإطلاقات هو: أنّ الله سبحانه وتعالى يثيب كلّ محسن إذا عمل لله سبحانه وتعالى, ويعذّب كلّ من عصاه وخالف أوامره ونواهيه..

روى الصدوق: ((عن جعفر بن محمّد بن عمارة، عن أبيه، قال: سألت الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام، فقلت له: يا بن رسول الله! هل له رضى وسخط؟ فقال: (نعم، وليس ذلك على ما يوجد من المخلوقين، ولكن غضب الله: عقابه، ورضاه: ثوابه))(1).

تعليق:

« سيّد أحمد أبو اللسان ــ هولندا ــ إمامي »

نحن لا نريد حلّ الإشكال فقط فنذهب إلى القول بأنّ المسألة مجازية في أمثال نسبة الغضب والرضى لله سبحانه وتعالى.

____________

1- الأمالي، للصدوق: ٣٥٣ حديث (٤٣٩) المجلس (٤٧)، التوحيد، للصدوق: ١٧٠ حديث (٤)، (٢٦)، باب (معنى رضاه عزّ وجلّ وسخطه).


الصفحة 260
النص القرآني يقول: بأنّ الله يغضب، وأنّ الله يرضى، وهي من ضمن أفعاله سبحانه، كقولك: يخلق، ويرزق، ولم يكن ذلك على سبيل المجاز.

الغضب فينا نحن: غوران وهياج عاطفي وانفعال نفساني، يبعثنا على السخط وإيقاع عقوبة بمن نغضب عليه.

وبحسب نظرية: أنّ اللفظ موضوع لروح المعنى، يطلق الغضب على نحو الحقيقة، لا المجاز، على الله سبحانه، ولكن بتنزيهه سبحانه عن ما يرافق ذلك من انفعال، وتأثّر باطني خاص، ونسبته إليه سبحانه بما يليق بمرتبته الوجودية.

فيطلق: أنّ الله غضب، عندما يوقع أثر الغضب، لا يعني أنّه تأثّر تأثّراً باطنياً محتاجاً إلى الجسم والعواطف والانفعال، فالله فاعل مطلقاً وغير منفعل مطلقاً.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يمكن أن يتّضح لك الأمر أخي العزيز إذا تأمّلت في الخبر الآتي المروي في (الكافي):

((عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزّ وجلّ: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمنَا مِنهُم(1)، فقال: (إنّ الله عزّ وجلّ لا يأسف كأسفنا، ولكنّه خلق أولياء لنفسه يأسفون ويرضون وهم مخلوقون مربوبون، فجعل رضاهم رضى نفسه وسخطهم سخط نفسه؛ لأنّه جعلهم الدعاة إليه والأدّلاء عليه، فلذلك صاروا كذلك، وليس أنّ

____________

1- الزخرف (٤٣): ٥٥.


الصفحة 261
ذلك يصل إلى خلقه، لكن هذا معنى ما قال من ذلك، وقد قال: من أهان لي وليّاً فقد بارزني بالمحاربة ودعاني إليها، وقال: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَد أَطَاعَ اللّهَ(1)، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوقَ أَيدِيهِم(2).

فكلّ هذا وشبهه على ما ذكرتُ لك، وهكذا الرضى والغضب وغيرهما من الأشياء ممّا يشاكل ذلك، ولو كان يصل إلى الله الأسف والضجر، وهو الذي خلقهما وأنشأهما لجاز لقائل هذا أن يقول: إنّ الخالق يبيد يوماً ما؛ لأنّه إذا دخله الغضب والضجر دخله التغيير، وإذا دخله التغيير لم يؤمن عليه الإبادة، ثمّ لم يُعرف المكوِّن من المكوَّن ولا القادر من المقدور عليه، ولا الخالق من المخلوق، تعالى الله عن هذا القول علوّاً كبيراً، بل هو الخالق للأشياء لا لحاجة، فإذا كان لا لحاجة استحال الحدّ والكيف فيه، فافهم إن شاء الله تعالى)))(3).

(الله منزّه عن الغضب الانفعالي)

« حسن علي رمضان ــ لبنان ــ إمامي »

السؤال:

سلام عليكم..

هل الله مؤثّر أو يتأثّر؟

____________

1- النساء (٤): ٨٠.

2- الفتح (٤٨): ١٠.

3- الكافي، للكليني ١: ١٤٤ حديث (٦) كتاب التوحيد، باب النوادر، التوحيد، للصدوق: ١٦٨ حديث (٢)، (٢٦)، باب (معنى رضاه عزّ وجلّ وسخطه).


الصفحة 262
إذا كان الله يغضب فهل هذا يعني: أنّ لله ردّ فعل على فعل الإنسان؟

إذا كان يؤثّر فهل هذا يعني: أنّنا ردّ فعل على فعل الله؟

وشكراً.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

اعلم أيّها الأخ الكريم! إنّ الله عزّ وجلّ لا يغضب كغضبنا, فإنّنا نغضب عن انفعال وتأثّر نفساني يؤدّي إلى حدوث تغيّرات نفسية وفسيولوجية ينجم عنها.

فكلّ هذا وشبهه على ما ذكرت لك, وهكذا الرضى والغضب وغيرها من الأشياء ممّا يشاكل ذلك، ولو كان يصل إلى الله الأسف والضجر، وهو الذي خلقهما وأنشأهما لجاز لقائل هذا أن يقول: إنّ الخالق يبيد يوماً ما؛ لأنّه إذا دخله الغضب والضجر دخله التغيير، وإذا دخله التغيير لم يؤمن عليه الإبادة، ثمّ لم يعرف المكون من المكون ولا القادر من المقدور عليه، ولا الخالق من المخلوق، تعالى الله عن هذا القول علواً كبيراً، بل هو الخالق للأشياء لا لحاجة، فإذا كان لا لحاجة استحال الحدّ والكيف فيه؛ فافهم إن شاء الله تعالى)(1).

(إنّ الله عزّ وجلّ لا يسخر ولا يستهزئ ولا...)

« عبير ــ مصر »

السؤال:

ما معنى الآيات التي يظهر منها بأنّ الله يستخدم أساليب السخرية والاستهزاء والمكر والخدعة بالنسبة إلى الكفّار؟ أليس الله عزّ وجلّ منزّه عن هذه الأُمور؟

____________

1- الكافي ١: ١٤٤ حديث (٦) كتاب التوحيد، باب النوادر.


الصفحة 263
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

سئل الإمام الرضا عليه السلام عن قوله عزّ وجلّ: ﴿سَخِرَ اللهُ مِنهُم(1)، وعن قوله: ﴿اللهُ يَستَهزِئُ بِهِم(2)، وعن قوله: ﴿وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللهُ واللهُ خَيرُ الماكِرِينَ(3)، وعن قوله: ﴿يُخادِعُونَ الله وهُوَ خادِعُهُم(4)؟

فقال: (إِنَّ الله عزّ وجلّ لا يسخر ولا يستهزئ، ولا يمكر ولا يخادع، ولكنّه عزّ وجلّ يجازيهم جزاء السخرية، وجزاء الاستهزاء، وجزاء المكر، وجزاء الخديعة، تعالى الله عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً)(5).

(تنزّهه تعالى عن المشاعر وصفات الخلق)

« زهرة عبد المحسن ــ البحرين ــ إمامية»

السؤال:

هل الله سبحانه وتعالى منزّه عن كلّ المشاعر الإنسانية التي يحسّ بها الإنسان، كالسعادة؟

____________

1- التوبة (٩): ٧٩.

2- البقرة (٢): ١٥.

3- آل عمران (٣): ٥٤، الأنفال (٨): ٣٠.

4- النساء (٤): ١٤٢.

5- رواه الصدوق في التوحيد: ١٦٣ حديث (١)الباب (٢١)، وعيون أخبار الرضا
١: ١١٥ حديث (١٩) الباب (١١)، ومعاني الأخبار: ١٣ حديث (٣)، باب (معاني ألفاظ وردت في الكتاب والسُنّة في التوحيد).


الصفحة 264
وإن كان منزّهاً عن المشاعر الإنسانية، فكيف نوفّق بين ذلك وبين كونه يحبّ بعض صفات العبد ويكره صفات أُخرى؟ ألا يعدّ الحبّ والكره من المشاعر؟

وأرجو التعمّق في صفة السعادة، وإن كان الله منزّه عنها، أو يمكن نسبتها إليه.

وفّقكم الله لكلّ خير.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نعم، إنّ الله عزّ وجلّ منزّه عن جميع المشاعر الإنسانية، ولكن يجب عليكِ أن تفرّقي بين المعاني التي يصلح أن يوصف بها الله تعالى، كالإرادة والنفع والرحمة والمغفرة والحبّ، وأشباهها، وبين ما لا يصلح أن يوصف به: كاللّذة والألم والحزن والفرح، وما أشبه؛ وذلك لأنّ الأوصاف الأُولى ليست تصدر بالضرورة عن المشاعر، بل هي معانٍ كمالية وجلالية، يتّصف بها الكامل، سواء أكانت هذه المعاني صفات ذات أم صفات فعل، فالقِدم والأزلية والحياة والسمع والبصر صفات ذات، والإرادة والكراهة والرحمة والمغفرة صفات فعل.

ثمّ إنّ الكامل على الإطلاق متّصف بجميع الصفات الكمالية، ومنزّه عن جميع صفات المخلوقين، أمّا ما يشترك به مع الإنسان في بعض الصفات، فهو بملاحظة ما يليق به تعالى، كالإرادة؛ فالإنسان مريد والله عزّ وجلّ


الصفحة 265
مريد، ولكن إرادة الإنسان تفتقر إلى مقدّمات، مثل: الرؤية، وإجالة النظر، والعزم، وغيرها.. بينما لا تفتقر إرادته تعالى إلى هذه المقدّمات، فهو فعّال لما يريد, وأيضاً فإنّ متعلّق الإرادة عند الإنسان، وهو: الفعل، يحصل إذا توفّر المقتضي والشرط ولانعدام المانع، بينما إرادة الله عزّ وجلّ لا تحتاج إلى مقتضٍٍ ولا شرط ولا يحول بينه وبين الفعل مانع؛ لأنّه تبارك وتعالى إذا أراد شيئاً فإنّما يقول له: كن، فيكون.

(هل الله يضحك؟)

« علي جاسم ــ بريطانيا ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ما هو رأينا التفصيلي في مسألة (ضحك الله) من ناحية عقلية ونقلية, ورأينا في الأحاديث الواردة في كتب أهل السُنّة المتعلّقة بضحكه سبحانه, وإذا كان تكليم الله للعباد بخلقه سبحانه وتعالى للأصوات، فلم لا يجوز أن يخلق الله صوت الضحك، فيقال: إنّ الله يضحك لفلان وفلان مثلاً؟

وشكراً.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أصل الضحك أنّه يحصل بسبب التعجّب، ولذلك عرّفوا الإنسان بأنّه حيوان ضاحك، والله عزّ وجلّ يجلّ عن التعجّب، وعن سائر صفات المخلوقين.


الصفحة 266
روى الصدوق رحمه الله في كتابه (التوحيد)، قال: ((قال وهب بن وهب القرشي: وحدّثني الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه الباقر، عن أبيه عليهم السلام: أنّ أهل البصرة كتبوا إلى الحسين بن عليّ عليهما السلام، يسألونه عن: الصمد؟ فكتب إليهم:

بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد، فلا تخوضوا في القرآن، ولا تجادلوا فيه، ولا تتكلّموا فيه بغير علم؛ فقد سمعت جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (من قال في القرآن بغير علم؛ فليتبوّء مقعده من النار)..

وإنّ الله سبحانه قد فسّر الصمد؛ فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ _ اللَّهُ الصَّمَدُ(1)، ثمّ فسّره: فقال: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ _ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ(2).

﴿لَمْ يَلِدْ، لم يخرج منه شيء كثيف، كالولد وسائر الأشياء الكثيفة التي تخرج من المخلوقين، ولا شيء لطيف، كالنفس، ولا يتشعّب منه البدوات، كالسِنة، والنوم، والخطرة، والهم، والحزن، والبهجة، والضحك، والبكاء، والخوف، والرجاء، والرغبة، والسأمة، والجوع، والشبع، تعالى أن يخرج منه شيء، وأن يتولّد منه شيء كثيف أو لطيف.

﴿وَلَمْ يُولَدْ، لم يتولّد من شيء ولم يخرج من شيء، كما يخرج الأشياء الكثيفة من عناصرها، كالشيء من الشيء، والدابّة من الدابّة،

____________

1- الإخلاص (١١٢): ١، ٢.

2- الإخلاص (١١٢): ٣، ٤.


الصفحة 267
والنبات من الأرض، والماء من الينابيع، والثمار من الأشجار، ولا كما يخرج الأشياء اللطيفة من مراكزها، كالبصر من العين، والسمع من الأذن، والشم من الأنف، والذوق من الفم، والكلام من اللسان، والمعرفة والتميّز من القلب، وكالنار من الحجر، لا بل هو الله الصمد الذي لا من شيء، ولا في شيء، ولا على شيء، مبدع الأشياء وخالقها، ومنشئ الأشياء بقدرته، يتلاشى ما خلق للفناء بمشيته، ويبقى ما خلق للبقاء بعلمه، فذلكم الله الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، عالم الغيب والشهادة، الكبير المتعال، ولم يكن له كفواً أحد))(1).

ومن جهة ثانية: يرفض الشيعة كلّ الروايات التي وردت في السنن عند العامّة، والتي تصوّر أنّ الله عزّ وجلّ يضحك، أو يضع قدمه في النار، أو ينزل إلى السماء الدنيا، أو يُرى يوم القيامة، فكلّ هذه وأمثالها نصوص تؤدّي إلى التشبيه والتجسيم. ويميل الشيعة إلى تأويل ما جاء من النصوص المتعلّقة بأسماء الله وصفاته. فيؤوّلون اليد في الآيات بالقدرة، والعرش بالاستيلاء، أو العلم والوجه بالذات، ومجيء الله بمجيء أمره، والضحك بالرضا.. إلى آخر الآيات والروايات التي تتعلّق بالأسماء والصفات.

وذكر مجموعة من علماء أهل السُنّة أنّ المراد من الضحك في الروايات هو: الرضى.

____________

1- التوحيد: ٩٠ حديث (٥)، باب (٤) تفسير قل هو الله أحد.


الصفحة 268

(عدم النسيان من الصفات السلبية)

« خادم أمير المؤمنين علي ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

من الصفات السلبية نسبة النسيان إلى الله في قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(1)، فكيف نردّ على ذلك؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ليس من صفات الله تعالى السلبية نسبة النسيان إليه بل عدم النسيان هو الصفة السلبية له تعالى، وقد سئل الرضا عليه السلام عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿نَسُوا اللّهَ فَنَسِيَهُم؟

فقال: (إنّ الله تبارك وتعالى لا ينسى ولا يسهو، وإنّما ينسى ويسهو المخلوق المُحدَث، ألا تسمعه عزّ وجلّ يقول: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً(2), وإنّما يجازي من نسيه ونسي لقاء يومه بأن يُنسيهم أنفسهم، كما قال عزّ وجلّ: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُم أَنفُسَهُم أُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ(3), وقوله عزّ وجلّ:

____________

1- التوبة (٩): ٦٧.

2- مريم (١٩): ٦٤.

3- الحشر (٥٩): ١٩.


الصفحة 269
﴿فَاليَومَ نَنسَاهُم كَمَا نَسُوا لِقَاء يَومِهِم هَذَا(1)، أي: نتركهم كما تركوا الاستعداد للقاء يومهم هذا)(2).

____________

1- الأعراف (٧): ٥١.

2- التوحيد، للصدوق: ١٦٠ حديث (٦) تفسير قوله تعالى: (نَسُوا اللّهَ فَنَسِيَهُم).


الصفحة 270


الصفحة 271
الصفحة السابقةالصفحة التالية