المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 7) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 7) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 1 - ص 30)




الصفحة 1


الصفحة 2


الصفحة 3


الصفحة 4


الصفحة 5

الإمامة (إمامة الأئمّة الاثني عشر)

*انظر ــ ما يتعلّق بهذا الموضوع ــ : (آية التطهير)(آية لا ينال عهدي الظالمين) (آية الولاية)(آية ولاية الأمر)(أُصول الدين)(الإمامة العامّة/المفهوم)(الإمامة الخاصّة/إمامة الأئمّة الاثني عشر(عليهم السلام) )(أهل البيت/بالمفهوم الخاص)(أهل البيت/تفضيل الأئمّة(عليهم السلام) )(الإمام عليّ(عليه السلام)(الإمام الحسن(عليه السلام)(الإمام الحسين(عليه السلام)(الإمام السجّاد(عليه السلام)(الإمام الباقر(عليه السلام)(الإمام الصادق(عليه السلام)(الإمام الكاظم(عليه السلام)(الإمام الرضا(عليه السلام)(الإمام الجواد(عليه السلام)(الإمام الهادي(عليه السلام)(الإمام العسكري(عليه السلام)(الإمام المهدي المنتظر(عليه السلام)(حديث الاثني عشر خليفة) (حديث الثقلين)(حديث الكساء)(حديث اللوح)(حديث من مات ولم يعرف إمام زمانه)(السقيفة)(الشورى)(العصمة)(علم المعصوم)(الغدير)(غيبة الإمام المهدي(عليه السلام)(الولاية التشريعية والتكوينية).


الصفحة 6


الصفحة 7

(هل تثبت إمامة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بآية: ﴿النَّبِيُّ أَولَى بِالمُؤمِنِينَ مِن أَنفُسِهِم؟)

« هيثم ــ مصر ــ سُنّي »

السؤال:

هل الرسول لم يكن إماماً قبل هذه الآية: ﴿النَّبِيُّ أَولَى بِالمُؤمِنِينَ مِن أَنفُسِهِم(1)، فهذه الآية هي التي نصّبته إماماً، فهل قبلها لم يكن إماماً؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ البحث في ثبوت إمامته(صلى الله عليه وآله وسلم) وولايته العظمى المطلقة في مرتبة عالم الثبوت والواقع، ممكن أن يُحصّل بالقول: إنّها ثابتة له(صلى الله عليه وآله وسلم) في أوّل خلقته النورية؛ فهو أوّل من خلقه الله، خلقه نوراً ثمّ اشتقّ منه نور عليّ(عليه السلام)، وفاطمة(عليها السلام) ، والحسن والحسين والتسعة المعصومين(عليهم السلام) ، وجعلهم أنواراً محدقين حول العرش، فأوّليتهم الصدورية وكونهم واسطة الفيض، مقتضٍ لثبوت الولاية العظمى المطلقة لهم، أي: بجميع مراتبها التشريعية والتكوينية.

وأمّا البحث في مرتبة الجعل التشريعي والاعتبار الشرعي للإمامة، والذي هو مورد السؤال ظاهراً؛ فمن الواضح أنّها من هذه الجهة مقام جعلي وإعطاء شرعي، ولذا تحتاج إلى جعل ونصب من الله سبحانه وتعالى؛ لأنّه الولي المطلق الحقّ.

____________

1- الأحزاب ٣٣: ٦.


الصفحة 8

ولا محال تكون هذه الولاية المعطاة على نحو الطولية، لا العرضية؛ لأنّه مستحيل وباطل، فهي نوع من التفويض غير الاستقلالي الذي لا بدّ فيه من النصب والجعل، وذلك واضح من ظاهر الآيات القرآنية، قال تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ(1)، وقال تعالى في حقّ إبراهيم(عليه السلام): ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(2)، وغيرها من الآيات.

وكذلك يتّضح أيضاً في التحقيق أنّ الولاية والإمامة من الأُمور التشكيكية ذوات المراتب، كالنبوّة، كما أنّها قد تأتي لاحقاً على مرتبة النبوّة والرسالة، كما هو ثابت بالنسبة لإبراهيم(عليه السلام)في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً.

وأمّا الكلام في وقت ثبوتها لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلم نعثر عليه محصلاً في كتب علماء المسلمين، اللّهمّ إلّا في الاستدلال على ثبوتها القطعي له(صلى الله عليه وآله وسلم).

وأمّا بخصوص أنّ وقت ثبوتها وتشريعها هل كان بنزول قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَولَى بِالمُؤمِنِينَ مِن أَنفُسِهِم(3)، أو قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِيناً(4)؟ فإنّا نقول:

النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) حينما أسّس دولة بعد هجرته كان إماماً وقائداً للمسلمين بشكل واضح وعمليّ، وما من أحد يشكّ في ذلك أو يجهله، ولم يكن ملكاً

____________

1- ص ٣٨: ٢٦.

2- البقرة ٢: ١٢٤.

3- الأحزاب ٣٣: ٦.

4- الأحزاب ٣٣: ٣٦.


الصفحة 9

كسليمان أو طالوت(عليهما السلام) ، وكان ذلك قبل نزول هذه الآية من سورة الأحزاب بعدّة سنوات، فلا يمكن التسليم معك بأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أصبح إماماً للمسلمين بعد نزول هذه الآية الكريمة، بل هذه الآية كاشفة ومخبرة عن ذلك ولو بعد حين؛ لأنّها ليست مقتصرة في الكلام عن ولاية وأوْلوية النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالمؤمنين من أنفسهم، وإنّما تتكلّم الآية عن نساء النبيّ وتجعلهنّ أُمّهاتٍ للمؤمنين، وتبيّن أحكام الميراث عموماً؛ فالآية إخبارية وكاشفة ومؤكّدة لولاية النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على أُمّته، لا إنشائية جعلية.. ومثله الكلام في الآية الثانية.

هذا، كما أنّه يمكن أن يقال: أنّ مراتب الولاية العظمى ثبتت للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بالتدريج، فقد قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ(1)، وقال تعالى: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا(2)، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ(3)، ثمّ نزل قوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا(4)، فقد تكون الولاية على الأنفس مرتبة من مراتب الولاية العظمى ثبتت لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في وقت من أوقات سنيّ بعثته؛ إذ يمكن أن يكون النبيّ إماماً منذ مدّة طويلة دون هذه الأوْلوية، ثمّ جعلها الله تعالى له، وهو بدوره جعلها لأمير المؤمنين والأئمّة من بعده بأمر الله.

فالانفكاك بين الإمامة في مرتبة من المراتب والأوْلوية من أنفس المؤمنين ليس محالاً، بل يمكن تعقّل ذلك، لأنّها من الجعل التشريعي، خصوصاً ونحن في

____________

1- الشعراء ٢٦: ٢١٤.

2- الأنعام ٦: ٩٢.

3- ص ٣٨: ٦٥.

4- المائدة ٥: ٥٥.


الصفحة 10

وقت التشريع وزمن التدرّج، كما هو معلوم، ولم تكن الأحكام قد تمّت واكتملت بعد، ولكن ليس على هذا القول دليل يمكن الركون إليه!

وهناك من قال من المحقّقين: إنّ ولايته(صلى الله عليه وآله وسلم) ثابتة من أوّل البعثة؛ إذ أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) طلب في حديث الدار من يؤازره على أمره على أن يكون وزيره وخليفته من بعده، ثمّ بعد أن قام عليّ(عليه السلام)قال لهم: (فاسمعوا له وأطيعوا...)، والطاعة هنا جاءت مطلقة شاملة، وهي تساوي الولاية، ولازم ذلك: ثبوتها قبلاً لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، حتّى يمكن له أن يعطيها لوزيره وخليفته من بعده في ذلك الوقت، والله العالم.

(لماذا لا نخاطب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالإمامة مع أنّها أفضل من النبوّة؟)

« علي الموسوي ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

إذا كانت الإمامة أفضل من النبوّة لماذا لا نقول: الإمام رسول الله؟! والأفضل أن ننادي الرسول بالأعلى رتبة لا بالأدنى رتبة!

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

بين النبيّ والإمام عموم وخصوص من وجه، فيجتمع النبيّ والإمام في مثل إبراهيم(عليه السلام)ومحمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، ويفترق النبيّ عن الإمام في مثل يونس ولوط وصالح(عليهم السلام)وغيرهم، ويفترق الإمام عن النبيّ في مثل أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) .


الصفحة 11

وحينئذٍ إطلاق لفظ الإمام على الرسول وإن كان يصحّ اصطلاحاً ومفهوماً، إلّا أنّه لا يحصل به الجزم بأنّه رسول أم لا، ولا إثبات صفة الرسالة له؛ لأنّ في الأئمّة من هو إمام وليس رسولاً. فالرسول محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وإن كان نبيّاً ورسولاً وإماماً في نفس الوقت، إلّا أنّ لفظ النبيّ أو الرسول يميّزه عن سائر الأئمّة(عليهم السلام) . والمقصود من مخاطبته بهذه الرتبة إنّما هو لتحصيل تمييزه عن غيره ممّن يشترك معه في رتبة الإمامة والتي بها صار أفضل من غيره، ولبيان أنّه رسول مثل باقي الرسل الماضين.

ثمّ إنّ من سمّاه رسولاً هو الله تعالى في القرآن الكريم، والمسلمون في زمانه لم يكونوا يفرّقون بين المصطلحين والوظيفتين؛ إذ كان الأمر واحداً في رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولذا سمّوه بما سمّاه به القرآن.

(فائدة معرفة خليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)

« أحمد ناجي ــ النروج ــ إمامي »

السؤال:

معلوم أنّ كلّ عقيدة من عقائد الإسلام لها أثر في سلوك الفرد المسلم، فمثلاً: حين أعتقد أنّ الله مطّلع علَيَّ، لا أعصيه.. وحين أؤمن باليوم الآخر، فسوف اجتهد في العبادة، وأترك المعاصي.. فما أثر الاعتقاد والإيمان بأنّ الخليفة بعد النبيّ هو الإمام عليّ أو غيره في سلوكي؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


الصفحة 12

المهم في هذا الأمر هو: أن تعرف أنّ الحقّ مع عليّ(عليه السلام)، وأنّه هو المنصوص عليه بالإمامة, وأنّ غيره ممّن اجترأ على تحليل الحرام وتحريم الحلال؛ لأنّه جلس في منصب خليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهو على باطل؛ لأنّ عنوان الخلافة الذي أتاح له ذلك هو عنوان غير شرعي له، بل مغتصب من الخليفة الذي عيّنه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، والمعيّن هو الأحقّ ببيان أحكام الله وإبراز العقيدة الصحيحة.

والحصيلة: أنّ المسلمين اليوم يختلفون في أخذهم للسُنّة الصحيحة، فبعضهم يأخذ من أهل البيت(عليهم السلام) ؛ لأنّهم هم أهل الحقّ، وأنّ المسلمين مأمورون بالأخذ عنهم، كما في حديث الثقلين. وقسم آخر من المسلمين يأخذون أحكام وتعاليم دينهم من أذناب السلطة الحاكمة. فإن عرفنا الخليفة الحقّ عرفنا إذاً ممّن نأخذ معالم ديننا، وكفى بهذا فائدة.

وهناك جواب نقضي إذا لم يقنع الجواب الحلّي، وهو: إنّا مأمورون بالإيمان بالأنبياء السابقين كلّهم والملائكة، فما فائدة هذه العقيدة؟

فما يقال هناك، يقال هنا.

ولك أن تعرف: أنّ الإيمان بحجج الله من آدم(عليه السلام)إلى آخر حجّة، وهو: المهدي(عجل الله تعالى فرجه الشريف) ، فائدته: الإقرار بالحاكمية لله سبحانه وتعالى، والالتزام بشرائعه، واتّباع من اختاره لتمثيله, ولسنا كإبليس نجعل لذواتنا مدخلية في اختيار الحجّة الإلهية.


الصفحة 13

(الفائدة من التمسّك بالأئمّة(عليهم السلام)

« ريم صلاح عبد السلام ــ مصر ــ سُنّية »

السؤال:

في عصرنا هذا، ما فائدة الإيمان بالأئمّة، وكلّهم في ذمّة الله ولا يملكون لأنفسهم نفعاً أو ضرّاً، فكيف ينفعون الناس والقرآن نور مبين، فماذا أضافوا للدين؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أنتم تلاحظون الاختلاف بين مذهب أهل البيت الذي أخذ من المعصومين(عليهم السلام) ، وبين بقية المذاهب الإسلامية من حيث العقائد والأحكام، فالفائدة حاصلة بإيصالهم الدين الصحيح بما فهموه من القرآن، وبما فتح لهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من العلم؛ إذ علّم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً(عليه السلام)ألف باب من العلم ينفتح له من كلّ باب ألف باب(1)؛ لذلك نعتقد أنّ ما جاء به الأئمّة المعصومين(عليهم السلام)هو الدين الصحيح، وأنّ غيره مليء بالباطل.

واليوم الكلّ يتمسّك بالقرآن، ولكن مع ذلك فالاختلاف موجود، فهل استطاع القرآن المبين أن يحلّ الخلاف؟!

____________

1- تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٤٢: ٣٨٥ ترجمة الإمام عليّ، تفسير الرازي ٨: ٢٣، كتاب المجروحين، لابن حبّان ٢: ١٤، الكامل، لابن عدي ٣: ٤٥ ترجمة حيي بن عبد الله المصري، سير أعلام النبلاء ٨: ٢٤.


الصفحة 14

لذا فنحن نعتقد لا بدّية التمسّك بالقرآن والعترة، كما أوصانا به رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّا بالتمسّك بهما نأمن من الضلال، ولا يصحّ القول: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أمرنا بالتمسّك بالكتاب والسُنّة؛ فإنّ هذا حديث موضوع، والصحيح هو: التمسّك بالكتاب والعترة.

(ما فائدة الأئمّة(عليهم السلام)وقد وقع الخلاف بين علماء الشيعة؟)

« محمّد ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

طرح بعض المعاندين نقلاً عن الكاشاني بعض الأسئلة حول اختلاف علمائنا في المسائل الفرعية، فما هو حقيقة هذا الأمر؟

وقد كان هذا طرحه: قال: الفيض الكاشاني يقول عن شيعته: (تراهم يختلفون في المسألة الواحدة على عشرين قولاً، أو ثلاثين، أو أزيد، بل لو شئت أقول: لم تبق مسألة فرعية لم يختلفوا فيها، أو في بعض متعلّقاتها).

فماذا نفعكم أئمّتكم المعصومون؟

لِمَ لَم يعصموكم عن هذا التخبّط؟

جاءكم أئمّتكم بثلاثين نصّاً مختلفاً في مسألة واحدة؟

فأين الحقّ الذي هو واحد عند الله تعالى؟


الصفحة 15

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نجيب على هذا المغالط بجوابيّ النقض والحلّ:

أوّلاً: فأمّا الجواب عن طريق النقض:

نقول له: إنّ الله بعث آلاف الأنبياء، وأرسل عدّة رسل، وأنزل عدّة كتب، وكلّ هذا لم يهدِ البشر ولم يصلح حالها، فما هو نفع البشرية من بعث الأنبياء وإرسال الرسول وإنزال الكتب؟!

إذ نحن نقول بحقّ أئمّتنا(عليهم السلام) : إنّ الله نصّبهم، ولا نقول: نحن الذين اخترناهم لرفع خلافنا, فلا بدّ أن يصاغ الاعتراض هكذا: ماذا نفع الشيعة تنصيب الله الأئمّة(عليهم السلام)لهم إذا لم يرفعوا خلافهم؟

فيكون جوابنا بما يجاب على النقض المتقدّم بالأنبياء(عليهم السلام) .. بل ننقض بنفس بعثة نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم) وإنزال القرآن، وهما معصومان لا يدخلهما الاختلاف، ومع ذلك لم يرفعا الاختلاف بين المسلمين؛ قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِيَحكُمَ بَينَ النَّاسِ فِيمَا اختَلَفُوا فِيهِ وَمَا اختَلَفَ فِيهِ إلّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعدِ مَا جَاءتهُمُ البَيِّنَاتُ بَغياً بَينَهُم فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اختَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذنِهِ وَاللّهُ يَهدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّستَقِيمٍ(1).

فعلى القياس يجب أن تقول: ما الفائدة من بعثة النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وإنزال القرآن عليه؟!

____________

1- البقرة ٢: ٢١٣.


الصفحة 16

ولا يخفى عليكم ما في هذا القول من اعتراض على حكمة الله، وعدم فهم الغاية من بعث الأنبياء، وإنزال الكتب، ومعنى حجّتهم وولايتهم على البشرية، وعدم فهم وإدراك لقاعدة اللطف، ولزوم وجود الحجّة ومناراً للحقّ على طول عصور البشرية.

ولمعترض أن يقول: ما دامت نبوّة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وقرآنه لم يرفعا الاختلاف بين البشرية، فلنقتصر على نبوّة عيسى(عليه السلام)وكتابه، وما دام عيسى(عليه السلام)وإنجيله لم يرفعا الخلاف أيضاً، فلنقتصر على موسى(عليه السلام)وتوراته، وما دام موسى(عليه السلام)كذلك فلنرجع إلى إبراهيم(عليه السلام)، بل إلى نوح(عليه السلام)، بل إلى آدم(عليه السلام)، بل لا فائدة في بعثة الكلّ (معاذ الله)، وما كان هناك من داع لبعثتهم من البداية... الخ.

وإذا أراد المعترض من هذا إبطال إمامة أئمّتنا(عليهم السلام)، كما هو غرضه، فإنّه ينجرّ بالنقض إلى إبطال نبوّة الأنبياء والاعتراض على حكمة الله، وما إلى هذا من سبيل إلّا من ملحد، والجواب معه غير الجواب، بل يكون عن طريق إثبات التوحيد والنبوّة وتوضيح قاعدة اللطف وإثبات حكمة الله، وما إلى ذلك.

ثانياً: وأمّا الجواب عن طريق الحلّ:

فنقول: إنّ بعث الأنبياء(عليهم السلام)، وتنصيب الأئمّة(عليهم السلام)، وجعلهم حجّة الله في أرضه، ومناراً للهدى، وموئلاً لرجوع البشر إليهم عند الاختلاف، وتحكيمهم عند التنازع، شيء، وتحقّق رفع الاختلاف أو لزومه في الخارج من تنصيبهم شيء آخر..

فإنّ على الله الحكيم حسب قاعدة اللطف، أن ينصّب مناراً وحجّة دائمة ما دامت الأرض والسماء إلى يوم القيامة، حتّى لا تكون لأحد على الله حجّة، وله


الصفحة 17

الحجّة البالغة، ومن ثمّ تصحيح فرض التكاليف عليهم، مع أنّ صحّة التكليف توجب من جانب آخر بقاءهم على الاختيار، وعدم كونهم مجبورين على الهداية أو الضلالة، حسب ما أودعه الله فيهم من القدرات والاستعدادات للعلم والمعرفة، واختلاف غرائزهم وملكاتهم، وبالتالي لا بدّية وقوع الاختلاف بينهم؛ لسعة العلم وضيقه حسب استعداداتهم.

فإن اختار الناس بسوء سريرتهم أو باختلاف أذواقهم واستعداداتهم، الانحراف عن الطريق المستقيم، وحبل الله المستقيم، أو الاختلاف في الحقّ والباطل، والصحيح والخطأ، فلا يرجع الذمّ من العقلاء إلى من نصب لهم منار الهدى وهداهم إلى الطريق، بل إنّ العقلاء يذمّونهم أنفسهم؛ لأنّهم سبب الاختلاف، ولا يمكن لأحد أن ينفي فائدة هؤلاء الهداة، بعد أن اتّضح وجود المتمسّك بهم والآخذ منهم والمطيع لهم في كلّ عصر، وبعد وضوح وجود فرقة من زمن آدم(عليه السلام)إلى الآن تحاول الإحاطة والتطبيق لكلّ ما فرضه الله من تكاليف، عن طريق مبعوثيه ورسله وأصفيائه.

ثمّ هل يمكن رفع الاختلاف بتمامه من كلّ الجوانب أصلاً بين البشر؟ أم أنّ الاختلاف طبيعة لازمة للنوع البشري بما أنّه اجتماعي بالطبع، وأنّ هذا الاختلاف في مستوى استعدادات البشر المؤدي إلى توالد الاختلاف وتنوّعه بينهم، هو المميّز لهذا المخلوق، القادر باستخدامه لمختلف قدراته والمدافعة بينها للوصول إلى أعلى درجات الكمال والرقيّ، على شرط أن يُسدّد ويقوّم من قبل أشخاص اختارهم صاحب المُلك، معصومين مهديين لا يشذّون، فكانوا مقياساً وميزاناً للهداية والصواب والكمال والتقدّم؟!


الصفحة 18

وقد قال الله تعالى في محكم كتابه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِيَحكُمَ بَينَ النَّاسِ فِيمَا اختَلَفُوا فِيهِ وَمَا اختَلَفَ فِيهِ إلّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعدِ مَا جَاءتهُمُ البَيِّنَاتُ بَغياً بَينَهُم فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اختَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذنِهِ وَاللّهُ يَهدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّستَقِيمٍ(1).

فتكون مهمّة الأنبياء والأوصياء رفع الاختلاف الناشئ في أُمور الدنيا أوّلاً، ثمّ رفع الخلاف الناشئ في أُمور الدين لاحقاً، وهو الاختلاف الحاصل من نفس حملة الدين ممّن أوتوا الكتاب، ورفع هذا الخلاف يكون بالتدرّج نحو التكامل، فكلّ رسالة لاحقة أكمل من سابقتها، والأنبياء اللاحقين يكمّلون مهمّة السابقين، لا أنّهم يلغون ما أنجزوه في صالح تقدّم البشرية قبلهم، فمن تتبّع عمل الأنبياء على طول مسار التاريخ يجد أنّهم يعملون بتلاحق على تضييق شقّة الاختلاف بين البشر، وإزالة أُصول النزاع والصراع الرئيسة، ونقل البشر في أرائهم من التباين إلى التقابل، ومن التقابل إلى العموم والخصوص من وجه، ثمّ إلى العموم والخصوص المطلق، وهكذا تبقى البشرية بعد كلّ نبيّ أو وصيّ في مستوى من الخلاف أوطأ من السابق، وفي مسألة خلافية أخصّ من قبلها، فالاختلاف يتحوّل شيئاً فشيئاً من الأُصول المتنافرة إلى اختلاف في الفروع من مميزات وصفات ولواحق للرأي الصحيح، فهم مثلاً سوف يتّفقون على أصل التوحيد ولكن يختلفون في الصفات، ثمّ يتفقون في الصفات بعد إرشاد النبيّ ويختلفون في عددها، وهكذا.

____________

1- البقرة ٢: ٢١٣.


الصفحة 19

فهل يحقّ للمعترض بعد هذا أن يقول: ماذا فعل الأنبياء والأوصياء؟

وهكذا كانت مهمّة أئمّتنا(عليهم السلام)في الحقيقة، هي: تضييق مسائل الخلاف بين المسلمين، والتقليل من كثرة تشعّب الطرق بينهم.. بل نجحوا في إلغاء الطرق المناقضة للرسالة تماماً، وشذّبوا الطريق الحقّ، بأن قلّلوا من تفرّعاته بالتدريج، إلى أن وصل المسلمون إلى ما وصلوا إليه الآن، من اتّفاق كبير على جملة من الأُصول، بحيث يبقون مسلمين، وتكوين طائفة متميّزة عن الجُلّ الأعظم من المسلمين بأنّها أقرب إلى الحقّ، وأصل الرسالة، والحبل المتين، والصراط المستقيم.

نعم، لولا حكومة عليّ(عليه السلام)ومبادئه، لكان من سمات الإسلام الحكم بأسلوب عثمان ومعاوية، ولولا ثورة الحسين(عليه السلام)لرجعنا قهقرى جاهلية.

ولا يخفى عليك أنّنا لا ننكر أنّه بقى كثير من الاختلاف في المسائل الفرعية الجزئية بعد غيبة إمامنا(عليه السلام)، نشأت من خلال تطوّر الفقه واستحداث مسائل جديدة، وحصول ابتلاءات فقهية لم تكن، ولم يكن السبب في ذلك عدم وجود الدليل على الحقّ والصواب، كما هو الحال عند مخالفينا؛ فلجأوا إلى الرأي والقياس والاستحسان، بل إنّ أئمّتنا(عليهم السلام)أعطونا ما يكفي من الأدلّة على طول قرنين ونصف، وإنّما كان السبب هو عدم الوصول إلى الدليل والأخذ به، وكان السبب في عدم الوصول والأخذ من علومهم لرفع اختلافنا هو: تسلّط الظالمين علينا، بل إنّ هذا التسلّط أدّى إلى ذهاب الهدف الأهم، وهو: إنشاء الحكومة الإسلامية العادلة وبسطها على الكرة الأرضية.


الصفحة 20

فالاختلاف في جزئيات الفروع بما فيه دليل، ولكن لم يصل إليه بعض، ليس بشيء في مقابل ما فاتنا من فيوضات حكمه وعدله، ومقابل مقدار تأخّرنا الزمني، وتأخّر البشرية ككلّ في طيّ مراحل الكمال.

والكلام في هذا الباب واسع لا تكفي فيه هذه السطور، ولكن نحاول فتحه لمن يريد السلوك.

فهل يصحّ بعد هذا أن يدّعي مدّع بالقول: ماذا استفدنا من وجودهم(عليهم السلام) ؟!

ثمّ إنّ القول بوجود الاختلاف في المسألة الواحدة على ثلاثين قولاً، ليس كما فهمه المستشكل ظاهراً! فإنّ جمع الاختلاف وأقوال العلماء أجمعين في مسألة فقهية كلّية؛ نعم قد يصل إلى هذا العدد، مثلاً: جميع أقوالهم في عنوان: صلاة الجماعة؛ لأنّ عنوان صلاة الجماعة يشتمل على العديد من المسائل تحته، وتحت هذه المسائل فروع ومسائل، فإذا خالف أحد الفقهاء في فرع الفرع، أو في ميزة هذا الفرع، يكون قد أحدث قولاًَ جديداً في أصل عنوان صلاة الجماعة, وأمّا نفس الأقوال في فرع الفرع، فإنّها قد لا تتعدّى الاثنين أو الثلاث؛ وذلك لأنّ الأحكام الشرعية لا تتعدّى الخمسة أصلاً، فهي: الحرمة والكراهة والإباحة والاستحباب والوجوب، فكيف ستكون الأقوال ثلاثين؟!

ثمّ لا تنسى اختلافهم في وجه الاستدلال؛ فإنّه يعدّ نوعاً من الاختلاف أيضاً، وهذا بالضبط ما موجود لدى علماء العامّة، فهل أفادتهم عصمة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعصمة القرآن، في رفع الاختلاف مثلاً؟!

وأمّا ادّعاؤه بأنّ ما وصل إلينا من الأقوال الثلاثين فهو عن الأئمّة، بأن كان هنالك ثلاثين رواية مختلفة، فهو من جيبه ولم يقله الكاشاني! بل الذي صدر من


الصفحة 21

الأئمّة(عليهم السلام)حقّ واحد، كالصادر من قبل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والنازل في القرآن, وأمّا الاختلاف، فهو منّا، كما شرحنا آنفاً؛ فلاحظ!

(اتّباع الإمام هو طاعة للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)

« محبّ الخير ــ اليمن ــ سُنّي »

السؤال:

السلام على من اتّبع الهدى..

أمّا بعد: إنّ الإيمان بكون رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) خاتم الأنبياء والمرسلين يحصل به مقصود الإمامة في حياته وبعد مماته، فمن ثبت عنده أنّ محمّداً(عليه الصلاة والسلام) رسول الله، وأنّ طاعته واجبة عليه، واجتهد في طاعته بحسب الإمكان.

إنّ قيل: بأنّه يدخل الجنّة، استغنى عن مسألة الإمامة، ولم يلزمه طاعة سوى الرسول(عليه الصلاة والسلام).

وإن قيل: لا يدخل الجنّة إلّا باتّباعه الإمام، كان هذا خلاف نصوص القرآن الكريم؛ فإنّه سبحانه وتعالى أوجب الجنّة لمن أطاع الله ورسوله في غير موضع من القرآن، ولم يعلّق دخول الجنّة بطاعة إمام أو إيمان به أصلاً، كمثل قوله تعالى: ﴿وَمَن يطع اللَّهَ وَالرَّسولَ فَأولَئكَ مَعَ الَّذينَ أَنعَمَ اللَّه عَلَيهم منَ النَّبيّينَ وَالصّدّيقينَ وَالشّهَدَاء وَالصَّالحينَ وَحَسنَ أولَئكَ رَفيقاً(1)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ

____________

1- النساء ٤: ٦٩.


الصفحة 22

يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(1).

ولو كانت الإمامة أصلاً للإيمان أو الكفر، أو هي أعظم أركان الدين التي لا يقبل الله عمل العبد إلّا بها كما تقول الروايات الشيعية، لَذَكر الله عزّ وجلّ الإمامة في تلك الآيات وأكّد عليها لعلمه بحصول الخلاف فيها بعد ذلك، ولا أظنّ أحداً سيأتي ليقول لنا بأنّ الإمامة في الآيات مذكورة ضمناً تحت طاعة الله وطاعة الرسول؛ لأنّ في هذا تعسّفاً في التفسير.

بل يكفي بياناً لبطلان ذلك أن نقول: بأنّ طاعة الرسول في حدّ ذاتها هي طاعة للربّ الذي أرسله، غير أنّ الله عزّ وجلّ لم يذكر طاعته وحده سبحانه ويجعل طاعة الرسول مندرجة تحت طاعته، بل أفردها لكي يؤكّد على ركنين مهمين في عقيدة الإسلام (طاعة الله، وطاعة الرسول)، وإنّما وجب ذكر طاعة الرسول بعد طاعة الله كشرط لدخول الجنّة؛ لأنّ الرسول مبلّغ عن الله وأنّ طاعته طاعة لمن أرسله أيضاً، ولمّا لم يثبت لأحد بعد رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) جانب التبليغ عن الله، فإنّ الله عزّ وجلّ علّق الفلاح والفوز بالجنان بطاعة رسوله والتزام أمره دون أمر الآخرين.

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً(2)، فإنّ الله عزّ وجلّ أمر المؤمنين بطاعته وطاعة

____________

1- النساء ٤: ١٣.

2- النساء ٤: ٥٩.


الصفحة 23
رسوله وطاعة أُولي الأمر منهم، لكن عند التنازع فالردّ لا يكون إلّا إلى الله والرسول دون أُولي الأمر؛ لأنّ الله عزّ وجلّ هو الربّ، والرسول هو المبلّغ عن الله، وهو معصوم لا يخطأ في بيان الحقّ عند التنازع، أمّا أُولي الأمر، فلأنّهم ليسوا مبلّغين عن الله ولا عصمة لديهم، بل مسلمون امتنّ الله عليهم بالسلطة، وأمرنا الله بطاعتهم ما أقاموا الدين، ولذلك لم يجعل الله الردّ إليهم.

و صلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه واتّبع هداه إلى يوم الدين.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

للإمام دور يؤدّيه، وهو: هداية الناس، فإذا قبلنا قولك من حصول مقصود الإمامة في حياة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فكيف تفسّر لنا قولك: إنّ مقصود الإمامة يحصل بعد مماته؟

فالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أوصانا بالتمسّك باثنين معاً، وهما الكتاب والعترة حتّى نأمن من الضلال وعدم الهداية، فإذا خالفنا الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله هذا فهل نُعدّ نحن مطيعين له؟ وهل نأمن من الضلال وعدم الهداية؟! إنّ ما تدّعيه خلافاً لنص الحديث الصريح!!

ثمّ إنّ طاعته(صلى الله عليه وآله وسلم) ذكرت في القرآن وذكرت مطلقة، فلا بدّ من إطاعته في كلّ أوامره ونواهيه اللازمة علينا حتّى تحصل الطاعة المطلقة.

أمّا أنّك تفترض حسب قولك أن تطيعه (بحسب الإمكان)، أي: بمقدار ما، ولا تطيعه في الباقي لعدم الإمكان وأنّ ذلك يكفي، فنحن نقول: لا، إنّ ذلك لا يكفي! لأنّ كلّ ما أمر به الله ورسوله فهو ممكن، وبالتالي وجبت طاعته(صلى الله عليه وآله وسلم) فيه.


الصفحة 24

ومن ضمن ما أمر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) به هو اتّباع أهل البيت(عليهم السلام)ومودّتهم والتمسّك بهم، ونصب عليّاً(عليه السلام)إماماً للناس في بيعة الغدير، وقال في حقّه: (اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله)، فهل الذي يخذل عليّاً(عليه السلام)ويشمله دعاء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالخذلان سيدخل الجنّة؟!

إذاً لا بدّ أن تقول: إنّ طاعة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) المطلقة حسب نص القرآن هي التي ستدخل الجنّة، ونحن معك في ذلك، ولكن نقول: إنّ من ضمن أوامر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): اتّباع أهل البيت(عليهم السلام)والاقتداء بهم، وتنصيب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) للأئمّة(عليهم السلام) ، وبذلك سوف تحتاج إلى الاعتقاد بالإمامة.

وأمّا وجوب اتّباع الإمام حتّى نضمن الدخول إلى الجنّة، فإنّه لا يخالف النصوص القرآنية؛ لأنّ طاعة الإمام جزء من طاعة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهو الذي أمرنا بطاعة الإمام، فعدم الالتزام بطاعة الإمام معناه عدم الالتزام بطاعة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، ونحن قلنا: لا بدّ من طاعة الرسول طاعة مطلقة حتّى نحصل على المراد من تلك الآيات القرآنية.

وإذا أبيت قبول ذلك، فإنّنا ننقض عليه بنفس أُسلوبك من القرآن الكريم، وإن كنّا لا نعتقد بصحّة ذلك؛ قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(1)، والآية ظاهرة بأنّ المطلوب من الناس يوم الجمع، ويوم التغابن، وهو يوم القيامة: الإيمان بالله، والعمل الصالح، وأنّهما سيدخلانهم الجنّة.

____________

1- التغابن ٦٤: ٥٩


الصفحة 25

فلقائل يقول لك، وعلى نسق ما قلت أنت: إن قيل: لا يدخل الجنّة إلّا بالإيمان بالرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، كان هذا خلاف نصوص القرآن الكريم؛ فإنّه سبحانه أخبر عن أنّ من يؤمن بالله ويعمل صالحاً يدخل الجنّة، ولم يعلّقه بالإيمان بالرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أو طاعته أصلاً.

وله أن يقول لك أيضاً: ولو كانت النبوّة أصلاً من أُصول الدين ومن أعظم أركانه التي لا يقبل إيمان وعمل عبد إلّا بالاعتقاد بها، كما يقوله المسلمون كافّة، لذكرها الله عزّ وجلّ في تلك الآية، وغيرها من الآيات، وأكّد عليها؛ لعلمه بأهميتها.. ولا نظنّك تستطيع أن تقول: إنّ الإيمان بنبوّة نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم) مذكورة ضمناً في هذه الآية وغيرها، لأنّ هذا سيكون تعسّفاً في التفسير..

إذا قال قائل ذلك.. فماذا ستقول، وماذا يكون جوابك؟

إنّ أيّ قولٍ وجواب منك سيكون قولنا وجوابنا في الإمامة.

وأمّا قولك: إنّ الإمامة لم تذكر في القرآن، فهذا ما لا نقبله منك.. فارجع إلى ما أجبنا عليه في عنوان (أُصول الدين).

أمّا عدم قبولك كون طاعة الإمام هي في ضمن طاعة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأنت تنظر إلى هذه الآية القرآنية لوحدها فقط، وتقول: إنّ طاعة الإمام غير مذكورة في الآية، ولكن ماذا تفعل بالآيات الأُخر والروايات الكثيرة التي تذكر وجوب طاعة الإمام، بعد أن يثبت وجودها ودلالتها، ألا يكون تركها ترك لطاعة الله وترك لطاعة الرسول؟!


الصفحة 26

ثمّ إنّنا نقول: إنّه لا بدّ من الإيمان بالقرآن كلّه؛ لصريح قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ(1)، وأنت تقول: أنّ الله لم يُرجع إلى أُولي الأمر، فماذا تفعل بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ(2)، أليس هذا ردّاً إلى أُولي الأمر؟!

ثمّ ما هي الطاعة المطلقة لأُولي الأمر المذكورة في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم(3) التي يجب الالتزام بها؟

ألا تدلّ على عصمة أُولي الأمر؟

فإن قلت: لا، فإنّك بذلك جوّزت على الله أن يلزمنا بفعل المعاصي؛ وقد اعترف الفخر الرازي بدلالة الآية على العصمة(4) حتّى يتخلّص ويفرّ من أمر الله بالمعصية!

(دليل عقلي على وجوب اتّباع الأئمة من أهل البيت(عليهم السلام)

« عبد المحسن ــ السعوديةــ إمامي »

السؤال:

أريد أدلّة عقلية على أنّ الشيعة على صحّ؟ وأنّ اعتقادهم بالأئمّة الاثني عشر هو الحقّ؟

____________

1- البقرة ٢: ٨٥.

2- النساء ٤: ٨٣.

3- النساء ٤: ٥٩.

4- تفسير الرازي ١٠: ١٤٤ ذيل آية ٥٩ من سورة النساء.


الصفحة 27

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هناك قاعدة عقلية نصها: (فاقد الشيء لا يعطيه).

وفي مبحث الإمامة والقدوة نقول: الفاقد للهداية لا يصلح أن يكون هادياً مهدياً, وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه القاعدة العقلية بقوله تعالى: ﴿أَفَمَن يَهدِي إِلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إلّا أَن يُهدَى فَمَا لَكُم كَيفَ تَحكُمُونَ(1), والاستفهام الأخير الوارد في الآية استنكاري يشير إلى أنّ اتّباع المهتدي إنّما هو حكم عقلي فطري تعمل به الفطرة السليمة, والمخالف له يكون محلّ استغراب واستنكار حقيقيين.

فالاعتقاد بإمامة الأئمّة المعصومين(عليهم السلام)بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يكون وفق هذه القاعدة العقلية التي تقول: إنّ الاقتداء يجب أن يكون بالهادين المهديّين, والاقتداء بمن يحتاج إلى الهداية في نفسه خلاف معنى الاهتداء من الأساس؛ لأنّ فاقد الشيء لا يعطيه.

ونحن عندما نراجع النصوص التي ثبتت صحّتها عند المسلمين جميعاً (سُنّة وشيعة) في حقّ أهل البيت(عليهم السلام)نجدها تشير إلى أنّهم عنوان الهداية عند المسلمين, فمثل قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث الثقلين المتواتر: (إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً)(2), يشير

____________

1- يونس ١٠: ٣٥.

2- انظر: مسند أحمد بن حنبل ٣: ١٤، ١٧، ٢٦، ٥٩ مسند أبي سعيد، ٤: ٣٦٧ حديث زيد ابن أرقم، كتاب السُنّة، لابن أبي عاصم: ٦٢٩ الحديث ١٥٥١ ــ ١٥٥٨، سنن الدارمي ٢: ٤٣٢ كتاب فضائل القرآن، باب فضل من قرأ القرآن، فضائل الصحابة، للنسائي: ١٥، ٢٢، المستدرك على الصحيحين، للنيسابوري ٣: ١٠٩، ١٤٨، السنن الكبرى، للبيهقي ٢: ١٤٨ جماع أبواب صفة الصلاة.


الصفحة 28

إلى أنّ الهداية والعصمة من الضلال يكون من نصيب المتّبع لأهل البيت(عليهم السلام)والقرآن معاً.

وأيضاً قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق وهوى)(1)، الدال بكلّ وضوح على أنّ اتّباع أهل البيت(عليهم السلام)هو المنجي من الهلكة.

فالمتّبع لأهل البيت(عليهم السلام)إنّما يمشي آمناً مطمئناً بهذا الاتّباع المبارك، خلاف اتّباع غيرهم ممّن لم ينصّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على وجوب اتّباعهم، وإنّما وصلوا إلى قيادة المجتمع الإسلامي بفعل ظروف سياسية معروفة، فهؤلاء لا يمكن للعقل والقلب أن يطمئن إلى الاقتداء بهم وأخذ دين الله عنهم، وقائلهم يقول: (إنّ لي شيطاناً يعتريني، فإذا غضبت فاجتنبوني، وإن زغت فقوموني)(2), مع فرض وجود

____________

1- انظر: المستدرك على الصحيحين، للنيسابوري ٢: ٣٤٣ كتاب التفسير، سورة هود، ٣: ١٥١ كتاب معرفة الصحابة، المعجم الأوسط، للطبراني ٤: ١٠، المعجم الكبير، للطبراني ٣: ٤٥ ــ ٤٦ الحديث ٢٦٣٦ ــ ٢٦٣٨، الجامع الصغير، للسيوطي ١: ٣٧٣ الحديث ٢٤٤٢، تفسير الرازي ٢٧: ١٦٧، تفسير الدرّ المنثور، للسيوطي ٣: ٣٣٤، وغيرها.

2- انظر: المصنّف، للصنعاني ١١: ٣٣٦ الحديث ٢٠٧٠١ كتاب العلم، باب لا طاعة في معصية، المعجم الأوسط، للطبراني ٨: ٢٦٧، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٣: ٣٠٣، ٣٠٤، الإمامة والسياسة، لابن قتيبة ١: ٢٣، وغيرها.


الصفحة 29

الهادي المهتدي وهم أهل البيت(عليهم السلام)المنصوص عليهم من قبل الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم), وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ــ وهذه قاعدة عقلية أُخرى ـ ـ: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)(1).

(آيات تدلّ على إمامة الأئمّة(عليهم السلام)

« أحمد إبراهيم ــ الأردن ــ سُنّي »

السؤال:

أُريد آية تدلّ على أنّ عليّاً(رضي الله عنه) وأولاده هم الأوصياء بعد الرسول، كون الولاية أهمّ من الصلاة والصوم والزكاة والحجّ، ومن لم يؤمن بها لا يدخل الجنّة؟

ولا تحدّثني بأحاديثكم التي تثبت الولاية!

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ليس من الصحيح أن تحصر المطالبة بالدليل من القرآن الكريم فقط! بل من حقّنا أن نثبت لك الدليل من السُنّة كما نثبتها من القرآن, وتضييق دائرة البحث وجعلها في القرآن فقط مبنىً غير صحيح, ومع ذلك نحن نتنزّل معك إلى هذا المستوى، فنقول:

لدينا آيات صريحة تدلّ على إمامة الأئمّة(عليهم السلام) ، أو بعضهم، وهي واضحة عندنا.

____________

1- انظر: مسند أحمد بن حنبل ٣: ١١٣ مسند أنس بن مالك، سنن الدارمي ١: ٦١، المستدرك على الصحيحين، للنيسابوري ٢: ١٣ كتاب البيوع.


الصفحة 30

نعم, أنتم قد تقولون: إنّها غير صريحة، وغير واضحة, ولكن هذا مجرد دعوى عندكم؛ لأنّكم ابتعدتم عن المصادر الصحيحة لفهم القرآن.

فمن الآيات:

قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(1).

وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ(2).

وقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم(3).

(كيف يُستدلّ على الإمامة بسورة القدر)

« مرتضى حسين ــ بلجيكا ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أهل البيت(عليهم السلام)أمرونا في مقام الاحتجاج أن نحتجّ على المخالف بسورة القدر المباركة, والتي تدلّ على دوامية حضور ووجود حجّة لله على الخلق، تتنزّل عليه الروح والملائكة، ويمضي التقديرات الإلهية للخلق.

____________

1- المائدة ٥: ٥٥.

2- النساء ٤: ٨٣.

3- النساء ٤: ٥٩.


الصفحة 31
الصفحة السابقةالصفحة التالية