المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 7) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 7) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 301 - ص 330)

هذا كلّه في ما يتعلّق بقوله تعالى: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ.

أمّا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً(1)، فورد فيها:

في كتاب (ألقاب الرسول)، قال: (وبالإسناد عن محمّد بن أبي ثلج، نا يوسف بن موسى العطار، عن وكيع بن الجراح الجناح، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (قال لي ربّي تبارك وتعالى: إنّي أنا العليّ الأعلى، اشتققت اسم عليّ من اسمي فسمّيته: عليّاً، ثمّ أنزل علَيَّ بعقب ذلك: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً))(2).

وفي كتاب (الثاقب في المناقب) لابن حمزة الطوسي: (...فقال سلمان(رض): هذا وصي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)... هذا الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً)(3).

وفي (تفسير القمّي): (﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً، يعني: أمير المؤمنين(عليه السلام)؛ حدّثني بذلك أبي عن الحسن بن عليّ العسكري(عليه السلام))(4).

وأمّا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ(5)، فقد ورد فيها:

____________

1- مريم ١٩: ٥٠.

2- ألقاب الرسول: ٢٠ في ميلاد عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، وانظر: شواهد التنزيل، للحسكاني ١: ٤٦٣ الحديث ٤٨٨.

3- الثاقب في المناقب: ١٣٠ الحديث ١٢٧، الباب الثاني، فصل ٢ في ذكر نوح وهود وصالح.

4- تفسير القمّي ٢: ٥١ سورة مريم.

5- الزخرف ٤٣: ٤.


الصفحة 302

في (معاني الأخبار) للشيخ الصدوق: (حدّثنا أحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم ــ رحمه الله ــ قال: حدّثنا أبي, عن جدّي, عن حمّاد بن عيسى, عن أبي عبد الله(عليه السلام)في قول الله عزّ وجلّ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(1)؟ قال: هو أمير المؤمنين(عليه السلام)ومعرفته, والدليل على أنّه أمير المؤمنين(عليه السلام): قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ، وهو أمير المؤمنين(عليه السلام)في أُمّ الكتاب في قوله عزّ وجلّ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)(2).

وفي كتاب (تأويل الآيات الظاهرة) للاسترآبادي: (ما رواه محمّد بن العبّاس(رحمه الله) ، عن أحمد بن إدريس، عن عبد الله بن محمّد بن عيسى، عن موسى بن القاسم، عن محمّد بن علي بن جعفر، قال: سمعت الرضا(عليه السلام)يقول: قال أبي(عليه السلام)وقد تلا هذه الآية: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ، قال: هو عليّ بن أبي طالب(عليه السلام))(3).

وفي كتاب (شرح الأخبار) للقاضي النعمان: (العلا, قال: سألت أبا عبد الله جعفر بن محمّد(عليه السلام)عن قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ؟ قال: هو أمير المؤمنين عليّ (صلوات الله عليه)، أُوتي الحكمة وفصل الخطاب، وورث علم الأوّلين، وكان اسمه في الصحف الأُولى، وما أنزل الله تعالى كتاباً على نبيّ مرسل إلّا ذكر فيه اسم رسوله محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) واسمه، وأخذ العهد بالولاية له(عليه السلام))(4).

____________

1- الفاتحة ١: ٦.

2- معاني الأخبار: ٣٢ ــ ٣٣، باب معنى الصراط، تفسير القمّي ١: ٢٨ سورة الفاتحة.

3- تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة ٢: ٥٥٢ الحديث ٢ سورة الزخرف.

4- شرح الأخبار ١: ٢٤٤ ولاية عليّ(عليه السلام) .


الصفحة 303

وفي (المزار) للمشهدي: (السلام على أمين الله في أرضه وخليفته في عباده, والحاكم بأمره, والقيّم بدينه, والناطق بحكمته, والعامل بكتابه, أخي الرسول, وزوج البتول, وسيف الله المسلول, السلام على صاحب الدلالات والآيات الباهرات والمعجزات القاهرات, المنجي من الهلكات, الذي ذكره الله في محكم الآيات, فقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ)(1).

وفي زيارة أُخرى: (قال(عليه السلام): أيّها النبأ العظيم، السلام عليك يا من أنزل الله فيه: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ...)(2).

وفي دعاء يوم الغدير كما في (المزار): (وأشهد أنّه الإمام الهادي الرشيد أمير المؤمنين الذي ذكرته في كتابك، فإنّك قلت، وقولك الحقّ: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ)(3).

وفي (بحار الأنوار): ((كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة): الحسن بن أبي الحسن الديلمي، بإسناده عن أبي عبد الله(عليه السلام)وقد سأله سائل عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ؟ قال: هو أمير المؤمنين)(4).

____________

1- المزار: ٢١٨ زيارة أُخرى لأمير المؤمنين والحسين (عليهما السلام).

2- المزار: ٢٥٩ زيارة أُخرى له (عليه السلام) .

3- المزار: ٩١، باب الصلاة يوم الغدير، الغارات ٢: ٨٩٤.

4- بحار الأنوار ٢٣: ٢١٠ أبواب الآيات النازلة فيهم، باب ١١: إنّهم عليهم السلام آيات الله وبيّناته.


الصفحة 304

(عدم ورود اسم عليّ(عليه السلام)في القرآن)

« وليد الشمسي ــ السعودية ــ سُنّي »

السؤال:

إذا كانت الإمامة بالأهمية التي أعطيتموها لها، لماذا ذكرت مرّة واحدة في القرآن، وليست بنصّ صريح، لسيّدنا عليّ(كرّم الله وجهه)؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لقد ورد تناول موضوع الإمامة في القرآن الكريم في مواضع متعدّدة، وببيانات مختلفة، يعرفها المتتبّع لمعاني القرآن الكريم وأسباب النزول، وقد ألّف أحد علماء الإمامية، وهو العلاّمة الحلّي، كتابه (الألفين)، الذي تعهّد فيه بإيراد ألف دليل عقلي، وآخر قرآني على الإمامة، يمكنكم مراجعته لتلاحظوا تلك الأدلّة فيه، مع أنّ المطبوع المتداول الآن قد ذكر فيه ألف وثمان وثلاثون دليلاً فقط.

ويمكنكم أيضاً ملاحظة الآيات الواردة في الإمامة في مناقشة الشيخ محمّد حسن المظفّر لابن روزبهان في كتابه الموسوم (دلائل الصدق لنهج الحقّ)، لتطالعوا عشرات الآيات القرآنية التي تعد من الآيات الواردة في الإمامة مع بيان المصادر السُنّية في أسباب نزولها ودلالتها..

وأمّا عدم التصريح باسم أمير المؤمنين(عليه السلام)في القرآن الكريم، فجوابه نقضاً وحلاًّ.


الصفحة 305

هو: أنّ القرآن الكريم ذكر وجوب الصلوات الخمس ولم يبيّن عددها وما يجب فيها وما لا يجب من أجزاء وشرائط وأفعال، بل كان المتكفّل ببيان ذلك كلّه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، في سُنّته الشريفة المباركة، التي أوجب المولى على سبحانه المؤمنين الأخذ بها في قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(1), وقد تكفّل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ببيان شخص الإمام، وأرشد المؤمنين إلى وجوب موالاته والاهتداء بهديه ولزوم طاعته، كما هو المعروف المعلوم من أحاديث الغدير والثقلين والسفينة، وغيرها.

والقرآن الكريم صرّح بأسماء بعض الشخصيات السالفة؛ للتذكير، والإشادة بها، وأخذ العبرة منها، ولم يذكر اسم أيّ شخصية مستقبلية! وربمّا كان السبب في ذلك هو: حكمة التكليف والابتلاء والامتحان؛ قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ(2).

(علّة عدم ذكر عليّ(عليه السلام)بالنصّ في القرآن)

« هاني ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

لماذا لم يذكر القرآن صراحة اسم الإمام عليّ(عليه السلام)؟ ولم يذكر أنّ الخلافة تؤول له مباشرة بعد الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

____________

1- الحشر ٥٩: ٧.

2- العنكبوت ٢٩: ٢.


الصفحة 306

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ القرآن الكريم تكفّل أُموراً كثيرة تصدّى في تبليغها وإيضاحها, وأجمل أُموراً أُخرى لم يفصّلها، فجعلها في عداد المتشابه التي يرجع بها إلى الراسخين في العلم؛ إذ كانت المصلحة الإلهية تفصيل أُمور وإجمال أُخرى، لمصلحة لا يعلمها إلّا هو جلّ شأنّه وعظمت قدرته..

قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ(1)، فقد تبيّن أنّ القرآن الكريم تبنّى إيضاح بعض الأحكام وترك الباقي إلى النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأهل بيته(عليهم السلام) .

وخذ مثالاً على ذلك: فإنّ القرآن قد أمرنا بوجوب الصلاة، إلّا أنّه لم يذكر تفاصيل ذلك، وعدد ركعاتها، وكم هي صلاة الفجر، وصلاة الظهرين والعشاءين، بل ترك تفصيل ذلك إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهكذا أوجب الصوم إلّا أنّه لم يبيّن أحكامه, وهكذا في باقي الأحكام، كالحجّ والخمس والزكاة، وغير ذلك، فإنّ تفاصيلها متروكة إلى مهمّة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم), وذلك لمصلحة تقتضيها الحاجة لا يعلمها إلّا الله تعالى.

ومن ذلك: تعيّن أشخاص الأئمّة(عليهم السلام)بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؛ فإنّ القرآن أشار إلى صفة الإمام بعده(صلى الله عليه وآله وسلم) وأعرض عن اسمه، تاركاً ذلك إلى تصريح النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والنصّ

____________

1- آل عمران ٣: ٧.


الصفحة 307

عليه من قبله، تماماً كما أشار إلى الصلاة وترك باقي تفاصيلها إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).

ففي معرض إشارته إلى الإمام قال تعالى: ﴿إنّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ(1). فأشار القرآن إلى صفة الإمام دون ذكر اسمه، وعلمنا من الخارج ـ. أي: من روايات صحاح ــ أنّ المؤمنين الذين صفتهم هكذا منحصرة في عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، كما أخرج ذلك السيوطي في تفسيره للآية: عن الخطيب البغدادي في (المتّفق)، عن ابن عبّاس، قال: (تصدّق عليّ بخاتمه وهو راكع, فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) للسائل: (من أعطاك هذا الخاتم)؟ قال: ذاك الراكع, فأنزل الله: ﴿إنّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ...)(2).

وأخرج عبد الرزّاق: عن ابن عبّاس، في قوله: ﴿إنّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ...، قال: (نزلت في عليّ بن أبي طالب)(3).

وأخرج الطبراني في (الأوسط): عن عمّار بن ياسر، قال: (وقف بعليّ سائل وهو راكع في صلاة تطوّع, فنزع خاتمه فأعطاه السائل، فأتى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فأعلمه ذلك, فنزلت على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الآية: ﴿إنّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ، فقرأها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على أصحابه، ثمّ قال: (من كنت مولاه فعليّ مولاه, اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه))(4).

____________

1- المائدة ٥: ٥٥.

2- الدرّ المنثور ٢: ٢٩٣، المتّفق والمختلف ١: ٢٥٨ ـ١٠٦ـ ترجمة إبراهيم بن أبي يحيى.

3- الدرّ المنثور ٢: ٢٩٣، شواهد التنزيل، للحسكاني ١: ٢٠٩ ـ٢١٦ـ، وغيره.

4- الدرّ المنثور ٢: ٢٩٣، المعجم الأوسط ٦: ٢١٨.


الصفحة 308

وهكذا تعهد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) النصّ على عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)دون أن يتعرّض القرآن الكريم إلى اسمه، لمصلحة لا يعلمها إلّا الله تعالى؛ ففي نهج مطّرد ذكر في القرآن أسماء بعض من مضى من الأنبياء والصالحين والجبابرة دون ذكر من سيأتي في مستقبل أُمّة الإسلام بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)..

ومن يدري؟! فلعلّ مصلحة عدم التعرّض إلى اسم الإمام(عليه السلام)كان صوناً للقرآن من أن يتعرّض إلى التحريف، أو الإنكار من قبل قوم أنكروا مئات الأحاديث في النصّ على إمامته(عليه السلام)، وكانوا شهوداً في ذلك, ولعلّهم سينكرون نزول هذا القرآن من قبل الله تعالى لمصالحهم السياسية التي دفعتهم إلى أن ينكروا ما شاهدوه.

ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العلي العظيم.

(لماذا لم يذكر اسم عليّ(عليه السلام)في القرآن بالنص؟)

« م/ أبو الفضل ــ إيران »

السؤال:

الإمام عليّ(عليه السلام)ذكر في القرآن كثيراً، ولكن لماذا لم يذكر بالاسم؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: نزل القرآن الكريم على خطاب (إيّاكِ أعني واسمعي يا جارة)، أي: على الاستعمال المجازي والكنائي؛ فإنّ الكناية أبلغ من التصريح, فذكر أمير


الصفحة 309

المؤمنين عليّ(عليه السلام)وكذلك الأئمّة(عليهم السلام)من بعده في بعض آي القرآن الكريم كناية ومجازاً.

ثانياً: من ثقافة القرآن الكريم أنّه: يبيّن القوانين العامّة.. كما هو متعارف في كتب الدستور لكلّ دولة، إلّا أنّه يلحق به التنبيهات والأبواب الأُخرى لتفسّر الكليّات في الدستور, فالقرآن يبيّن الأصل الكلّي للإمامة التكوينية والتشريعيّة, وأنّ الأئمّة على قسمين: أئمّة ضلال، وأئمّة هدى يهدون بأمر الله، ثمّ بيّن أوصافهم المنحصرة فيهم، الدالّة على أنّ أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام)منهم، كما في: آية إكمال الدين, وآية التطهير, وآية الإطاعة, وآية الولاية, وأنّ الوليّ هو: من أعطى الزكاة في صلاته ــ أي: تصدّق بالخاتم ــ ولم يكن ذلك إلّا الإمام عليّ(عليه السلام)، كما اتّفق عليه المفسّرون السُنّة والشيعة.

فالقرآن الكريم يتكلّم بنحو عام، والسُنّة الشريفة هي التي تبيّن المصاديق والجزئيات؛ فإنّ القرآن يقول: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ(1)، والسُنّة تقول: صلاة الصبح ركعتين.. وهكذا باقي الموارد.

والرسول الأعظم، في روايات كثيرة جدّاً نقلها الموافق والمخالف، نصّ على إمامة وخلافة أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام), كما في حديث الغدير، المتواتر عند الفريقين, إلّا أنّ الناس ارتدّوا بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عن الولاية ولم ينصروا عليّاً(عليه السلام), وأعرضوا عن الأحاديث النبويّة التي قالها في شأنّه وخلافته، فلو كان اسمه مذكوراً في القرآن الكريم، لأدّى ذلك إلى إنكارهم القرآن أيضاً، ولعلّهم

____________

1- هود ١١: ١١٤، الإسراء ١٧: ٧٨، طه ٢٠: ١٤، العنكبوت ٢٩: ٤٥، لقمان ٣١: ١٧.


الصفحة 310

يقولوا: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يهجر، كما قالها بعضهم في مرض النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عندما طلب منهم الدواة ليكتب لهم كتاباً لن يضلّوا بعده, وهذا يعني: إنكار الدستور الإسلامي وإنكار الإسلام كلّه.. وهذا يتنافى مع الحكمة الإلهية, فاقتضت الحكمة أن لا يذكر اسم عليّ(عليه السلام)في القرآن, وإنّما يذكر في ترجمانه وفي عدل القرآن، أي: السُنّة الشريفة, ليؤمن من يؤمن وليكفر من يكفر، فما ذلك لله بضار!

وما أكثر الأحاديث والمصادر من طرق السُنّة التي تدلّ على إمامة وخلافة أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام)..

جاء في (الكافي) بسند صحيح عن أبي بصير، قال: (سألت أبا عبد الله(عليه السلام): عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ(1)؟

فقال: نزلت في عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين(عليهما السلام) .

فقلت له: إنّ النّاس يقولون: فما له لم يسمّ عليّاً وأهل بيته(عليهم السلام)في كتاب الله عزّ وجلّ؟

قال: فقال: قولوا لهم: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نزلت عليه الصلاة ولم يسمّ الله لهم ثلاثاً ولا أربعاً, حتّى كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي فسّر ذلك لهم..

ونزلت عليه الزكاة ولم يسمّ لهم من كلّ أربعين درهماً درهمٌ, حتّى كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي فسّر ذلك لهم.

ونزل الحجّ فلم يقل لهم: طوفوا أُسبوعاً حتّى كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي فسّر ذلك لهم..

____________

1- النساء ٤: ٥٩.


الصفحة 311

ونزلت: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ ــ ونزلت في عليّ والحسن والحسين ــ فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في عليّ: (من كنت مولاه فعليّ مولاه). وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): (أُوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي؛ فإنّي سألت الله عزّ وجلّ أن لا يفرّق بينهما حتّى يوردهما عليّ الحوض, فأعطاني ذلك). وقال: (لا تعلّموهم فهم أعلم منكم). وقال: (إنّهم لن يخرجوكم من باب هدى, ولن يدخلوكم في باب ضلالة)؛ فلو سكت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يبيّن مَن أهل بيته, لادّعاها آل فلان وآل فلان, لكنّ الله عزّ وجلّ أنزله في كتابه تصديقاً لنبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم): ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(1)، فكان عليّ والحسن والحسين وفاطمة(عليهم السلام) , فأدخلهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) تحت الكساء في بيت أُمّ سلمة, ثمّ قال: (اللّهمّ إنّ لكلّ نبيّ أهلاً وثقلاً، وهؤلاء أهل بيتي وثقلي. فقالت أمّ سلمة: ألست من أهلِك؟ فقال: إنّك إلى خير، ولكن هؤلاء أهلي وثقلي...))(2).

(تفاصيل الإمامة وذكر اسم عليّ(عليه السلام)أُنيط بالرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)

«حسن الشوكي ــ إيران ــ إمامي »

السؤال:

شبهة طرحت في أحد المنتديات السُنّية، تقول:

____________

1- الأحزاب ٣٣: ٣٣.

2- الكافي ١: ٢٨٦ كتاب الحجّة، باب ما نصّ الله عزّ وجلّ ورسوله على الأئمّة(عليهم السلام) واحداً فواحداً.


الصفحة 312

(قال الله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ(1).

فلمّا كان القرآن يبيّن كلّ شيء، إذاً لو كانت خلافة عليّ وأولاده المعصومين(عليهم السلام)بعد النبيّ، فلماذا لا يذكرهم القرآن بالصراحة الكاملة؟

في حين أنّه يذكر قصّة زيد في القرآن، وكيفية الوضوء، وغيره من الواجبات، ولا يذكر خلافة عليّ في القرآن؟).

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

بالنسبة لسؤالكم بعدم التصريح بذكر عليّ(عليه السلام)في القرآن، وأنّه الخليفة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، مع أنّ القرآن الكريم قد ذكر أن فيه تبيان لكلّ شيء.. نقول:

نعم، القرآن فيه تبيان لكلّ شيء من حيث الأُسس والقواعد العامّة لكلّ ما يمكن أن يسأل عنه ويهتم به الإنسان في أُموره العقائدية والعملية، إلّا أنّ القرآن الكريم ليس فيه تفصيل لكلّ شيءٍ؛ ففرق بين التبيان والتفصيل!

فالتبيان: هو إظهار المقاصد من طريق الدلالة اللفظية، وقد بيّن القرآن الكريم أساس كلّ مقصد يهتم به الإنسان في عقائده وعباداته ومعاملاته، ولم يترك في هذا الجانب شاردة أو واردة إلّا وقد وضع لها قاعدة عامّة أو أساساً ترجع إليه من الكتاب الكريم، وهذا المعنى لا يدركه ولا يعلم به إلّا أهله العارفون بعلوم القرآن وبياناته..

____________

1- النحل ١٦: ٨٩.


الصفحة 313

فإنّك مثلاً تجد أنّ المولى سبحانه قد ذكر وجوب أداء الصلاة على المؤمنين، وأنّها كتاباً موقوتاً، أي: ثابتاً، عليهم أداؤه والالتزام به، لكنّه سبحانه لم يبيّن لهم عدد ركعات الصبح أو ركعات الظهر أو العصر، ولم يبيّن لهم ما يقولون في هذه الركعات، أو كيف يركعون، أو يسجدون، أو كيف يتشهّدون، أو يسلّمون، أو ماذا يفعلون إذا أصابهم سهو أو شكّ في الصلاة.. الخ من الأُمور الكثيرة التي يُبتلى بها المكلّف في صلاته، وهي ليس لها بيان أو ذكر في القرآن الكريم، وإنّما ذكر القرآن فقط ما يستفاد منه الأمر بوجوب أداء الصلاة، ولكن كان التفصيل هو مهمة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بحسب ما جاء في القرآن الكريم: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ(1)، وأيضاً بحسب الأمر الإلهي الوارد في الأخذ بكلّ ما جاء عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من أقوال وأفعال، كما هو المستفاد من قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ(2). وهكذا تجد أنّ مهمة التفصيل قد أُنيطت بالرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم).

وأمّا مهمة البيان أو التبيان للأُسس والأُصول فهي موكولة للقرآن الكريم، وقد تكفّل بها، كما تشير إليه الآية الكريمة موضع الكلام..

ومن هنا نقول: قد بيّن المولى سبحانه ما يتعلّق بالإمامة من حيث شروطها وصفات شخوصها ما يمكن استفادته في آيات كثيرة، نذكر منها على سبيل المثال:

أ ــ قوله تعالى: ﴿إنّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ

____________

1- النحل ١٦: ٤٤.

2- الحشر ٥٩: ٧.


الصفحة 314

وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ(1)، فهذه الآية الكريمة نزلت بحقّ أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام)عندما تصدّق بخاتمه على السائل في مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد أثبت ذلك بسند صحيح ابن أبي حاتم في تفسيره وغيره، وهي صريحة في حصر الولاية بالله والرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (صلوات الله عليه)؛ لموقع (إنّما) التي تفيد الحصر في الكلام، ولا يمكن لنا أن نتصوّر المعنى الذي يمكن أن تحصر فيه الولاية من معنى (الوليّ) في الآية سوى: ولاية الأمر، دون معنى المحبّة، أو النصرة، أو ما شابه ذلك، التي لا مجال لتصوّرها في المقام(2).

ب ــ قوله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ(3)، فقد استفاد العلماء من هذه الآية شرط العصمة في ولاة الأمر، وذلك لمحلّ الطاعة المطلقة التي افترضها الأمر الإلهي في الآية الكريمة، ولا يمكن لنا أن نتصوّر الإطاعة المطلقة لشخص إلّا أن يكون معصوماً، وإلّا ــ أي: في مورد احتمال الخطأ، وهو: أن يكون الشخص غير معصوم ــ يكون ذلك تجويزاً وترخيصاً باتّباع الخطأ أو الباطل، وهو لا يمكن صدوره من الحكيم سبحانه وتعالى، وهذا يعني: لا بدّ من عصمة (ولاة الأمر)؛ ليصحّ ورود الأمر بإطاعتهم المطلقة على المسلمين(4).

وهذا المعنى بعينه ولفظه استفاده الفخر الرازي عند تفسيره للآية الكريمة في تفسيره الكبير(5)..

____________

1- المائدة ٥: ٥٥.

2- تقدّم التفصيل في دلالة الآية وسبب النزول في عنوان (آية الولاية) في الجزء الأوّل من هذه الموسوعة؛ فليراجع.

3- النساء ٤: ٥٩.

4- تقدّم التفصيل في دلالة الآية ومفادها في عنوان (آية ولاية الأمر) في الجزء الأوّل من هذه الموسوعة؛ فليراجع.

5- تفسير الرازي ١٠: ١٤٤ قوله تعالى: (أَطيعوا اللَّهَ وَأَطيعوا الرَّسولَ...).


الصفحة 315

ونحن إذا عرفنا ذلك من الآية الكريمة فيكون معناها هو: التكليف بإطاعة المعصومين في الأُمّة، وإذا قلنا أنّ المعصومين غير موجودين، فهذا معناه: التكليف بالمحال، والتكليف بالمحال محال على المولى، فلا بدّ إذاً أن نعرف من هو المعصوم في الأُمّة لنطيعه، وهو الذي يستحقّ أن يكون وليّ الأمر؛ لتوفّر شرط الطاعة فيه، وهو: العصمة.

ومن خلال القرآن والحديث الشريف الصحيح نستطيع أن نثبت عصمة أشخاص معينين كانت تدور رحى الطاعة عليهم، وهم أهل البيت(عليهم السلام) ، الذين خصّهم المولى سبحانه بالتطهير ورفع الرجس عنهم، (كما هو مفاد آية التطهير في سورة الأحزاب الآية٣٣)، وأيضاً مفاد حديث الثقلين المشهور المتواتر، الذي يستفاد منه عصمة أهل البيت(عليهم السلام) ؛ لعدم افتراقهم عن القرآن ــ كما أخبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك ــ وهو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

(الأدلّة النقلية وضّحت الآيات النازلة في عليّ(عليه السلام)

« يحيى زكريا ــ قطر ــ سُنّي »

السؤال:

لقد كان القرآن واضحاً وصريحاً ولا غموض فيه في جميع شؤون الحياة

الدنيا والآخرة، لدرجة أحكام الحيض حسب هذا المفهوم, ومن وجهة نظركم: أليس أوْلى من حكم الحيض أن يكون القرآن قد أمر باتّباع الأئمّة بشكل واضح وصريح ودون لبس، حتّى لا يكون هناك أدنى شكّ لما تؤمن به الشيعة؟


الصفحة 316

فحسب فهمي للقرآن، ليس هناك أيّ آية تدعو إلى اتّباع عليّ أو أيّ من أبنائه بشكل مباشر, ولن أقبل أيّ تفسير يقول بالإشارة، أو المقصود بالآية هو كذا وكذا, فعندما أمرنا الله باتّباع محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) قالها صريحة وواضحة ودونما إشارات: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ...(1) إلى آخر الآية، و﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ(2).

أمّا في المقابل، فإنّ الله لم يأمر في كتابه لا بولاء عليّ، أو أيّ من أبنائه، ولم يذكر أيّ منهم في كتابه.. وإن كان شأنهم أعلى من أنبياء الله، كما تزعمون في مذهبكم، لكان أوْلى ذكرهم بأسمائهم، كما ذكر آدم ونوح وإبراهيم و... إلى آخر من ذكر من أنبياء الله في القرآن العظيم.

وهل يعقل أن يذكر الله اسم سيّدنا (زيداً) في كتابه حتّى يبيّن لنا حكما هامّاً من أحكام الله ولم يذكر اسم عليّ بن أبي طالب(كرّم الله وجهه) إذا كان اتّباعه وولايته من بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ركناً من أركان الإسلام كما يدّعي علماء الشيعة؟

أرجو أن يكون جوابكم مقنعاً وبعيداً عن الفلسفة العقلية، بل بالنصوص الأكيدة؛ يقول الله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ(3)، صدق الله العظيم.

____________

1- الفتح ٤٨: ٢٩.

2- آل عمران ٣: ١٤٤.

3- الأنعام ٦: ٢٨.


الصفحة 317

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قد تقدّم منّا الجواب على الموضوع في أجوبتنا السابقة؛ فراجع!

ولكن قولك: (لقد كان القرآن واضحاً وصريحاً ولا غموض فيه في جميع شؤون الحياة الدنيا والآخرة لدرجة أحكام الحيض حسب هذا المفهوم)، كذب صريح.. فإنّ أكثر أحكام الإسلام جاءت مجملة في القرآن مفصّلة في السيرة، كأحكام الصلاة والزكاة والحجّ والصوم، وغيرها.

ثمّ قولك بأنّك: لن تقبل أيّ تفسير يقول بالإشارة أو المقصود بالآية هو كذا، فإنّ تفسير القرآن لا يكون بالإشارة وإنّما يكون بالأدلّة اللازمة سواء عقلية أو نقلية.

ولكن نقول لك: هلاّ طبّقت هذه القاعدة ــ لو سلّمنا معك بقبولها وصحّتها ــ على كلّ أحكام الإسلام؟ ولنرمي السُنّة خلف ظهورنا، كما أراد عمر بن الخطّاب، عندما قال: (إنّ الرجل ــ أي: النبيّ ــ ليهجر... حسبنا كتاب الله)(1).

وإن لم تقبل، ولا نعتقد أنّك تقبل! لأنّه سوف يذهب الإسلام.

فنقول: لماذا تطالب بذلك عند الكلام عن ولاية أمير المؤمنين(عليه السلام)وتريد نصّاً من القرآن ولا تقبل بالظاهر منه، والتفسير، والأحاديث الموضّحة له؟! ولا تريد ذلك في غيره من عقائد وأحكام الإسلام؟! فهل هو إلّا الهوى والتعصّب؟!!

____________

1- انظر: مسند أحمد بن حنبل ١: ٢٢٢ مسند عبد الله بن العبّاس، صحيح البخاري ١: ٣٧ كتاب العلم، باب كتابة العلم، و٧: ٩ كتاب المرضى، باب قول المريض قوموا عنّي، صحيح مسلم ٥: ٧٥ كتاب الوصية، باب ترك الوصية، وغيرها.


الصفحة 318

نعم، ذكر القرآن الكريم اسم زيد(رضي الله عنه) ، ولكنّه لم يذكره بشيء يتعلّق بمستقبل الأُمّة، وإنّما ذكره في سياق قضية تتعلّق بالنبيّ وبيان حكم من الأحكام؛ فإنّ المنهج القرآني مطّرد في ذكر كبار شخصيات الأُمم السابقة من صالحين وطالحين، لأخذ العبرة والاتّعاظ، ولم يذكر من أشخاص هذه الأُمّة، سواء الهادين أو المضلّين المستقبليين إلى يوم القيامة، حتّى المهدي أو الدجّال، ولعلّ ذلك كان لحكمة الابتلاء والامتحان لهذه الأُمّة.

وهناك شيء آخر: كأنّك تعني أنّ الله جلّ جلاله لم ينزّل كلّ الأحكام التي تحتاجها الأُمّة على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّ الرسالة ناقصة غير كاملة، على الأقل في هذا المورد؛ فإنّك تدّعي بأنّه لا يوجد نصّ في القرآن على حكم الإمامة هل هي بالنصّ أو بالاختيار من الأُمّة؟ وأنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يبيّن لنا في ذلك شيء؟

قلنا: فما عدا ممّا بدا! ألم تقل: (لقد كان القرآن واضحاً وصريحاً ولا غموض فيه في جميع شؤون الحياة الدنيا والآخرة)؟!!

فإن قلت: إنّي لم أنكر النصّ على حكم الإمامة في القرآن، وإنّما أنكرت النصّ على عليّ(عليه السلام)صريحاً في القرآن.

فنقول: هو كذلك لم ينصّ على عليّ(عليه السلام)صريحاً في القرآن، ولكنّه نصّ على حكمها فيه، وأنّ الإمامة بالنصّ لا بالاختيار، وأنّ لها أفراداً مخصوصين موصوفين بمواصفات خاصّة مذكورة في القرآن.

فإن قلت: لا، إنّه نصّ على حكمها في القرآن بأنّها حقّ للأُمّة وهي تختار إمامها، فهي: شورى.


الصفحة 319

قلنا: أوّلاً لا نسلّم ذلك، من أنّ المستفاد من آية الشورى أنّها في الإمامة! ثمّ ما بالك تمسّكت هنا بالإشارة دون النصّ وتطالب في عليّ(عليه السلام)بالنصّ دون الإشارة!!

فإن قلت: قد بيّن ذلك النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّه وضّح المراد ممّا جاء بالقرآن، وأوضح في أحاديثه أنّ الأمر للأُمّة.

قلنا: ما عدا ممّا بدا!! ألم نقل نحن ذلك، وقلنا: أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بيّن القرآن، وأوضح أنّ المراد بالآيات المتعلّقة بالإمامة هو: عليّ(عليه السلام)، فلم تنكر علينا ما تقبله أنت؟!

ثمّ إنّ الكلام في الأحاديث التي يدّعى فيها أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أوضح أنّ الأمر يعود للأُمّة، فنحن لا نسلّم بمثل هذه الأحاديث، أو لا وجود لها في البين؛ فتأمّل!

فإذا تبيّن أنّ الرسالة كاملة, وأنّه لا يمكن أن يترك الله الناس دون أن يبيّن لهم الأمر في الإمامة: هل هي بالنصّ أم بالاختيار، وأنّه لا بدّ لها في الإسلام من حكم.. وعرفنا أنّ الله أنزل كلّ شيء في القرآن, ولكن فيه المحكم والمتشابه, وقد بيّن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) المتشابه لنا، فالأحكام بصورة كلّية نأخذها من القرآن والسُنّة، فلا يبقى هنا مجال للاعتراض على الله عزّ وجلّ بأنّه: لماذا لم يذكر هذا الحكم أو ذاك الحكم صريحاً في القرآن؟ بعد أن بيّنه لنا الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأوضح لنا ما تعلّق به من آي القرآن المتشابه.. فالله لا يُسأل عمّا يفعل وله الحكمة في كلّ ذلك، وعلينا السمع والطاعة، سواء جاءنا الأمر من القرآن أو من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).

وهذا هو قول الشيعة الإمامية؛ فإنّهم يقولون: إنّه يوجد في القرآن آيات تخصّ الإمامة وتبيّن مصاديقها، بعضها محكمة وبعضها متشابه، بيّنها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)،


الصفحة 320

وقد فسّر لنا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كلا القسمين من الآيات صريحاً، وذكر لنا الأسماء التي هي مصاديق هذه الآيات، فليس لنا إلّا الطاعة والقبول والتسليم، وهذا هو الإيمان والإسلام الصحيح.

(لماذا ذكر القرآن من هاجر مع الرسول ولم يذكر الوصي بعده الذي بات على فراشه؟)

« حيدر ــ استراليا ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

ممكن الإجابة على سؤال، والذي طرح من طرف أحد الإخوة من أهل السُنّة، مشكورين.. وجزاكم الله خيراً.

﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ(1)، لماذا ذكر الله تعالى صحبة الرجل الآخر للرسول بالهجرة في القرآن، ولم يذكر نومة عليّ بن أبي طالب في نفس القرآن أبداً، لا بالتصريح ولا بالتلميح؟

فأيّهما أوْلى عند الله تعالى، الرجل الآخر أم الوليّ والوصيّ بعد الرسول؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

____________

1- الأنعام ٦: ٣٨.


الصفحة 321

إيراد المستشكل قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ، إن كان قصد به ــ حسب ما يدّعيه ــ دلالة ظاهر الآية على وجود نصّ مفصّل لكلّ شيء في القرآن، وبالتالي عدم ورود مثل هكذا نص يصرّح باسم عليّ(عليه السلام)فيه، وهو دليل على: عدم وجود دليل على إمامته في القرآن الكريم، فهو مدخول من جهة خطأهم في فهم الآية، والاقتصار على رأيهم في معناها دون الرجوع إلى ما ورد في تفسيرها..

وهذا دأب الخوارج؛ إذ يفهمون ظواهر بعض الآيات حسب هواهم، فيكوّنون مفهوماً عامّاً وحكماً نهائياً دون الرجوع إلى آيات أُخرى، أو تفاسير، أو أسباب نزول.

ففي موردنا هذا، قد ذكر المفسّرون معنيين لهذه الآية على أعلى التقادير، وهما لا ينفعا استدلال هؤلاء بالآية شيئاً البتة.

والقولان هما كما قال ابن الجوزي في (زاد المسير): (قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ، في الكتاب قولان:

أحدهما: أنّه اللوح المحفوظ؛ روى ابن أبي طلحة، عن ابن عبّاس: ما تركنا شيئاً إلّا وقد كتبناه في أُمّ الكتاب، وإلى هذا المعنى ذهب قتادة وابن زيد.

والثاني: أنّه القرآن؛ روى عطاء عن ابن عبّاس: ما تركنا من شيء إلّا وقد بيّناه لكم).


الصفحة 322

قال ابن الجوزي: (فعلى هذا يكون من العام الذي أُريد به الخاص؛ فيكون المعنى: ما فرّطنا في شيء بكم إليه حاجة إلّا وبيّناه في الكتاب، إمّا نصّاً، وإمّا مجملاً، وإمّا دلالة)(1). انتهى كلام ابن الجوزي.

ومنه يتبيّن بأنّ هذه الآية لا تعني أنّ كلّ شيء منصوص تفصيلاً في القرآن.

ونصّ القرطبي على ما قاله ابن الجوزي، بل بأوضح منه، فقال في تفسيره: (قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ، أي: في اللوح المحفوظ؛ فإنّه أثبت فيه ما يقع من الحوادث. وقيل: أي في القرآن، أي: ما تركنا شيئاً من أمر الدين إلّا وقد دللنا عليه في القرآن، إمّا دلالة مبيّنة مشروحة، وإمّا مجملة يتلقّى بيانها من الرسول(عليه الصلاة والسلام)، أو من الإجماع، أو من القياس الذي ثبت بنصّ الكتاب، قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلنَا عَلَيكَ الكِتَابَ تِبيَاناً لِّكُلِّ شَيءٍ(2)، وقال: ﴿وَأَنزَلنَا إِلَيكَ الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِم(3)، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُم عَنهُ فَانتَهُوا(4).

فأجمل في هذه الآية وآية النحل ما لم ينص عليه ممّا لم يذكره, فصدق خبر الله بأنّه ما فرّط في الكتاب من شيء إلّا ذكره, إمّا تفصيلاً، وإمّا تأصيلاً، وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ(5))(6). انتهى كلام القرطبي.

____________

1- زاد المسير ٣: ٢٦ سورة الأنعام، قوله تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ).

2- النحل ١٦: ٨٩.

3- النحل ١٦: ٤٤.

4- الحشر ٥٩: ٧.

5- المائدة ٥: ٣.

6- تفسير القرطبي ٦: ٤٢٠ سورة الأنعام، قوله تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ).


الصفحة 323

فالآية لا تدلّ على التصريح والتفصيل في ذكر أحكام الدين وعقائده؛ فأين تفاصيل الصلاة وعدد الركعات؟ وأين النصّ على عذاب القبر؟ وأين ذكر الحوض؟ وأين ذكر الإيمان بالقدر خيره وشرّه من الله، الذي يعتبره السُنّة من أركان الإيمان وأُصول الدين؟!

هذا.. ولو أرجعت أيّها الأخ العزيز هذا المستشكل إلى عناوين ما ذكرناه من أجوبة على الأسئلة، لرأيت بأنّا ذكرنا الكثير من الآيات التي نزلت في ولاية أمير المؤمنين(عليه السلام)ووجوب طاعته وفضائله، وقد بيّن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك، ونقله أهل السُنّة في تفاسيرهم ومسانيدهم وكتبهم، ولكنّهم خالفوه ونقلوا ما وضع في مقابله؛ تعمية للحقّ، فأصبح الحقّ ضائعاً عندهم بين ركام الباطل الموضوع، والذي يجب أن ينفضه ويزيله من أراد الحقّ وطلبه، ليخرج الحقّ ويجلي عنه ما خالطه وغطّاه من هذا الركام، حتّى ينير طريقه في ظلام باطل ما لفّقوه.

ولا يسعنا هنا أن نورد جميع الآيات التي نزلت في حقّه (عليه السلام)، فله أن يراجع ما أوردناه تحت ما أوعزنا إليه من العناوين في مواضيعها المفهرسة حسب الحروف.

ولكن نريد أن نذكر آية نزلت في المورد الذي أشار إليه من نوم عليّ(عليه السلام)في فراش النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى نرد عليه ادّعائه بالنقض، وهي: قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشرِي نَفسَهُ ابتِغَاءَ مَرضَاتِ اللَّهِ(1)..

فقد روى الحاكم في (مستدركه)، عن ابن عبّاس، قال: (شرى عليّ نفسه ولبس ثوب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ نام مكانه، وكان المشركون يرمون رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد

____________

1- البقرة ٢: ٢٠٧.


الصفحة 324

كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ألبسه برده، وكانت قريش تريد أن تقتل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فجعلوا يرمون عليّاً ويرونه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)... الحديث.

هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

وقد رواه أبو داود الطيالسي وغيره عن أبي عوّانة بزيادة ألفاظ)(1).

وروى بعده عن عليّ بن الحسين، قال: (إنّ أوّل من شرى نفسه ابتغاء رضوان الله عليّ بن أبي طالب)(2)؛ ووافقه الذهبي في تصحيح الحديث الأوّل عن ابن عبّاس(3).

وقد أورد الثعلبي في تفسيره نزولها بحق عليّ(عليه السلام)(4)، وأخرج الحاكم الحسكاني عدّة روايات في أنّها نزلت في عليّ(عليه السلام)(5)، وكذا أورده غيرهم، فلا نطيل.

وإن قال هذا المستشكل بأنّه لم يرد اسم عليّ(عليه السلام)في هذه الآية، كان جوابنا: أنّه لم يرد أيضاً اسم أبي بكر في آية الغار.. على أنّا لا نسلّم أنّ المعنيّ في آية الغار هو: أبو بكر؛ فإنّ ذلك لم يروه إلا مريديه، وبعد مدّة، مع أنّ دلالة الآية على الذمّ أوْلى من المدح، وبيانه أوردناه في موضعه؛ فراجع!

____________

1- المستدرك على الصحيحين ٣: ٤ كتاب الهجرة.

2- المستدرك على الصحيحين ٣: ٤ كتاب الهجرة.

3- المستدرك على الصحيحين بهامش تلخيص الذهبي ٣: ٢٢٨ هامش الحديث (٤٣١٦) كتاب الهجرة.

4- الكشف والبيان في تفسير القرآن ٢: ١٢٥، ١٢٦ قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشرِي نَفسَهُ ابتِغَاءَ مَرضَاتِ اللَّهِ).

5- شواهد التنزيل ١: ١٢٣ ــ ١٣١ الحديث (١٣٣ ــ ١٤٢).


الصفحة 325

(المقارنة بين إمامة عليّ(عليه السلام)وطالوت(عليه السلام)

« أحمد إبراهيم ــ الأردن ــ سُنّي »

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

وبعد، قامت عقيدة الشيعة ــ الرافضة ــ على أنّ عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه) قد تمّ تنصيبه من قبل الله تعالى, فاعتقادهم: أنّ هذا منصب إلهي لا تجوز الشورى فيه، ويجب على الناس التسليم به, ثمّ طرح سُنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالكامل بحجّة سقوط عدالة ناقليها بسبب عزوفهم عن نصرة وبيعة الإمام الإلهي!!

لكن...لأنّ الله تعالى قد أنزل كتابه وجعله هدى ونور, فقد ضرب لنا مثلاً بحادثة فريدة وقعت مع أُمّة سابقة لنا من بني إسرائيل, حيث طلبوا من نبيّ لهم ــ لم تسمّيه الآيات ــ أن يبعث لهم ملكاً يسوقهم لقتال عدوهم, وقد كان, لكن هذا الملك لم يكن عن اختيار من النبيّ بل كان اختياراً واصطفاءً من الله تعالى، كان حسب تعبير الشيعة... ملكاً مُنصّباً من قبل الله تعالى.

فكيف نصّب نبيّهم هذا الملك عليهم؟

وكيف قطع الله حجّة من نازعه؟

وهل أثّر على ملكه معارضة قومه وتخلّيهم عنه عند القتال؟

تعالوا بنا نقرأ الآيات الآتية من سورة البقرة: ﴿أَلَم تَرَ إِلَى المَلإِ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ مِن بَعدِ مُوسَى إِذ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابعَث لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِل فِي سَبِيلِ اللّهِ


الصفحة 326

قَالَ هَل عَسَيتُم إِن كُتِبَ عَلَيكُمُ القِتَالُ ألَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَد أُخرِجنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيهِمُ القِتَالُ تَوَلَّوا إلّا قَلِيلاً مِّنهُم وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ _ وَقَالَ لَهُم نَبِيُّهُم إِنَّ اللّهَ قَد بَعَثَ لَكُم طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَا أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلكُ عَلَينَا وَنَحنُ أَحَقُّ بِالمُلكِ مِنهُ وَلَم يُؤتَ سَعَةً مِّنَ المَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصطَفَاهُ عَلَيكُم وَزَادَهُ بَسطَةً فِي العِلمِ وَالجِسمِ وَاللّهُ يُؤتِي مُلكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ _ وَقَالَ لَهُم نِبِيُّهُم إِنَّ آيَةَ مُلكِهِ أَن يَأتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُم وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحمِلُهُ المَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُم إِن كُنتُم مُّؤمِنِينَ _ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيسَ مِنِّي وَمَن لَّم يَطعَمهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إلّا مَنِ اغتَرَفَ غُرفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنهُ إلّا قَلِيلاً مِّنهُم فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لاَ طَاقَةَ لَنَا اليَومَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَت فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ _ وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفرِغ عَلَينَا صَبراً وَثَبِّت أَقدَامَنَا وَانصُرنَا عَلَى القَومِ الكَافِرِينَ _ فَهَزَمُوهُم بِإِذنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ المُلكَ وَالحِكمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَولاَ دَفعُ اللّهِ النَّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضلٍ عَلَى العَالَمِينَ _ تِلكَ آيَاتُ اللّهِ نَتلُوهَا عَلَيكَ بِالحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ المُرسَلِينَ(1).

والآن لي هذه الملاحظات:

____________

1- البقرة ٢: ٢٤٦ ــ ٢٥٢.


الصفحة 327

١ــ أنّ تنصيب طالوت وجعله ملكاً على بني إسرائيل كان بخطاب نبويّ واضح وصريح وموجز يؤكّد حقيقتين:

أ ــ أنّ طالوت ملك.

ب ــ أنّ الله تعالى هو الذي نصّبه.

فكان الخطاب النبويّ بليغ وبسيط بجملة قصيرة: ﴿إِنَّ اللّهَ قَد بَعَثَ لَكُم طَالُوتَ مَلِكاً، وهذه جملة بسيطة وبليغة للحدّ الذي لا يستطيع أحد أن يضع لها تفسيرين أو احتمالين, وبالتالي فإنّ جدال بني إسرائيل الذي وقع بعد هذه الجملة لم يكن أبداً حول معناها أو مراد النبيّ بها, لا, بل كان على اختيار طالوت بالذات ليكون ملكاً عليهم مع افتقاده لمؤهّلات الملك بنظرهم وتوفّرها في غيره.

٢ــ كان ردّ نبيّ بني إسرائيل على اعتراضهم بتأكيد حقيقة أنّ طالوت مُختار من قبل الله تعالى وليس من قبل النبيّ، فقال لهم: ﴿إِنَّ اللّهَ اصطَفَاهُ عَلَيكُم ــ وــ ﴿وَاللّهُ يُؤتِي مُلكَهُ مَن يَشَاءُ.

٣ــ تدخّل المولى عزّ وجلّ لإثبات صدق نبيّه ولإثبات أنّ طالوت منصّب بتنصيب إلهي, فأرسل لهم آية واضحة معجزة قطعت جدالهم واعتراضهم, ﴿إِنَّ آيَةَ مُلكِهِ أَن يَأتِيَكُمُ التَّابُوتُ.. وبعدها لم يكن هناك اعتراض أو جدال, فسلّم بنو إسرائيل أمرهم للملك الجديد وساروا ورائه لملاقاة عدوّهم.

٤ــ حارب طالوت عدوّه وانتصر عليه بالرغم من كونه أضعف جنداً, ولم يكن هذا النصر لولا تأييد الله له، ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذنِ اللّهِ، وبذلك النصر قد أكّد طالوت على أنّه ملك منصورٌ, لم تفلح معه معارضة بنو البشر, أي: أنّ معارضة قومه وتخلّي الكثرة عنه لم يكن مبرّراً أو سبباً يدعو إلى فشله.

وعند مناقشة عقيدة الشيعة في ضوء هذه الآيات البيّنات, نفاجأ بالتالي:


الصفحة 328

١ــ افتقادهم لنصّ يقول صراحة أنّ الإمام عليّ بن أبي طالب هو الذي يجب أن يتولّى الحكم بعد الرسول الكريم مباشرة.

٢ــ افتقادهم لنصّ يقول أنّ تنصيب الإمام عليّ للحكم كان بأمر مباشر من الله ــ أي: كان تنصيب إلهي وليس اختيار بشري ــ.

٣ــ افتقادهم لوجود آية إلهية تؤكّد كون الإمام عليّ بالذات هو الذي اختاره الله تعالى لتولّي الحكم خلفاً للرسول، وافتقادهم هذا خطير بالدرجة التي يصبح معتقدهم معها عبارة عن طعن مستتر في الله تعالى وفي رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم).

الطعن في رسول الله:

إذ لو كان عليّ بن أبي طالب مُنصّباً حاكماً عامّاً على المسلمين من قبل الله تعالى, وفي نفس الوقت ما قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أنّ عليّ بن أبي طالب حاكم, ولا قال: أنّ الله تعالى هو الذي ولاّه حكم المسلمين من بعده, وهي الحقائق البليغة التي أدّتها جملة بسيطة من نبيّ بني إسرائيل عندما قال: ﴿إِنَّ اللّهَ قَد بَعَثَ لَكُم طَالُوتَ مَلِكاً، بل عدل رسولنا إلى جملة أُخرى تفيد أكثر من احتمال, وأثارت جدالاً لم ينته إلى الآن، منذ أن برزت للوجود فرق الشيعة واحتجّت بـ(مَن كنت مولاه فعلي مولاه)، فأخذ الناس يفسّرون (مولاه) كلاًّ حسب التفسير الموافق لمذهبه!

الشاهد: أنّ مقارنة نصّ نبيّنا مع نصوص نبيّ بني إسرائيل ﴿إِنَّ اللّهَ قَد بَعَثَ لَكُم طَالُوتَ مَلِكاً، و﴿إِنَّ اللّهَ اصطَفَاهُ عَلَيكُم (و) ﴿وَاللّهُ يُؤتِي مُلكَهُ مَن يَشَاءُ (و) ﴿إِنَّ آيَةَ مُلكِهِ تجعل نتيجة المقارنة في غير صالح الرسول الكريم.


الصفحة 329

وهذا بالطبع يُعدّ طعناً في بلاغ الرسول إن أُريد به ما ذهبت إليه الشيعة؛ لكونه بلاغاً عاجزاً عن قصر وحصر مراده وهدفه, ولكون بلاغ مَن قبله من أنبياء بني إسرائيل أبلغ منه وأفصح وأنصح لقومهم من رسولنا(صلى الله عليه وآله وسلم), وهذا محال عقلاً وشرعاً.

ولا يقتصر الطعن على العجز عن التبليغ فقط, بل يتعدّاه إلى استيعاب وفهم الرسول عليه الصلاة والسلام لما يتلوه ويُبلّغه من آيات الكتاب المُنزّلة عليه؛ إذ أنّ الذي بلّغ لنا حادثة بني إسرائيل السابقة هو الرسول نفسه, وبالتالي فإنّ المثل الذي ضربه الله تعالى لرسولنا الكريم عن تبليغ نبيّ بني إسرائيل لهذا الأمر يلزم منه ــ حسب معتقد الشيعة ــ عدم استيعاب رسولنا الكريم له وعدم انتفاعه به.. حاشا لله.

ولا يُخرج الشيعة من هذا الطعن في رسول الله إلّا بـ :

١ـ وجود نصّ آخر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول فيه صراحة أنّ عليّ بن أبي طالب حاكم عامّ على المسلمين مُنصّب من قبل الله تعالى.. نصّ لا يقلّ صراحة ووضوحاً عن نصّ تنصيب طالوت, فإن كان هذا النصّ موجوداً، فليأتوا به, وإن لم يكن موجوداً، فالزعم بتنصيبه لا يعني إلّا الطعن المزدوج في بلاغ الرسول وفي استيعابه للقرآن الكريم معاً.

٢ـ أن يخرج تولّي الحكم (المُلك) من مهام الإمام.. وبالتالي يكون هذا هو المبرّر المنطقي لحيدة الرسول الكريم عن مثل نصّ يقرّر صراحة أنّ عليّ ابن أبي طالب هو الذي يجب أن يتولّى الحكم بعده, وهذا لا يسع الشيعة بحال؛ إذ سيوقعهم في ورطة كبيرة، تعني هدم دينهم بالكامل.


الصفحة 330

ومن نافلة القول أن نقول: إنّ طعنهم للرسول عليه الصلاة والسلام يمتد, فيشمل كون رسولنا الكريم قد فشل في ما نجح فيه نبيّ سابق له.. نبيّ لم يذكر القرآن الكريم حتّى اسمه!!

فأين المخرج, وما العمل يا شيعة؟

الطعن في الله تعالى:

مع التسليم بأنّ الآية الإلهية لتنصيب طالوت على قومه قد قطعت أيّ جدال حوله, وجعلت قومه ينساقون وراءه بدون نزاع, فإنّ الزعم بكون الإمام عليّ مُنصّب من قبل الله تعالى مع فقده لنظير هذه الآية, يعني ببساطة أنّ الله تعالى لم يعامله نفس معاملة طالوت؛ فهو سبحانه لم يؤيّده بآية إلهية, وليس هذا فقط, بل لم ينصره على من نازعه الإمامة، ولا على من حاربه أيضاً, ممّا أدّى في النهاية لفشل الإمام الإلهي في تولّي الحكم وتأدية مهمّته الإلهية؟

فهل طالوت أعزّ على الله تعالى من الإمام عليّ، بالرغم ممّا تنسبه له الشيعة من جاه وولاية كونية؟

أم أنّ الحكم وتولّي شؤون البلاد خارج عن مهام وعمل الإمام؟

ببساطة شديدة.. يُعزى فشل الإمام في تولّي الحكم لانعدام التأييد الإلهي له, وفشل الإمام بالتالي سيؤدّي إلى ضلال الناس والعباد، فكيف يصحّ هذا مع حرص الربّ العليّ العظيم على هداية الناس، بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وتأييد رسله بالمعجزات، واستخلاف أولياءه في البلاد؟

سبحانك هذا بهتان عظيم!


الصفحة 331
الصفحة السابقةالصفحة التالية