المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 7) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 7) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 331 - ص 360)

ولا أظنّ الشيعة تجرؤوا على الزعم بوجود آية إلهية على غرار الآية التي نصرت طالوت على قومه, فمثل هذه الآية لا ذكر لها في أحوج المواقف لذكرها؛ فقد سبق الإمام عليّ ثلاثة خلفاء لم يعترض أحد عليهم أبداً بمثل هذه الآية, بل إنّ النزاع على من يتولّى الأمر انحصر في رجال لم يكن من بينهم من زعموا بأنّه مُنصّب تنصيب إلهي؟!

فسبحان الله! كيف لم ينازع في تولّي الأمر من أُيّد بنصّ وآية إلهية, ونازع فيه غيره ممّن يفتقر إلى مثل ذلك؟

فهل يا تُرى نزلت هذه الآية فغفل عنها الناس، أم أنّها لم تنزل أصلاً؟

لا ريب أنّ مثل هذه الآية لم تكن ولم تنزل من أساسه, والدليل القاطع على ذلك هو: أنّ الإمام عليّ نفسه لم يحتجّ بوجود مثل هذه الآية أبداً.

الإمام عليّ مُنصّب من قبل الله تعالى... سبحانك هذا بهتان عظيم..

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ روح الاستدلال في هذه المناقشة منصب على مسألة واحدة، وهي: عدم وجود آية صريحة تنصّ على خلافة عليّ(عليه السلام)وإمامته بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بلا فصل, كما هو الحال (المدّعى) في تنصيب طالوت الذي جاء خبره في القرآن الكريم.. ونحن سنجيب عن هذا الاستدلال مباشرة, وأيضاً سنجيب عن بقية المداخلات التي بثّها المناقش في استدلاله بغية إيقافه على الحقّ الحقيق في هذه القضية:

أمّا دعوى عدم وجود آية صريحة تنصّ على تنصيب الإمام عليّ(عليه السلام)


الصفحة 332

بالاسم, فهذا نسلّم به، ولكن ندّعي بوجود نصّ صريح على تنصيب عليّ(عليه السلام)في القرآن بالصفة، كما سيأتي, وبالتالي فهذه الدعوى لا تعني أنّه لا يوجد دليل على تنصيبه وإمامته! فهذا جهل فاضح لمن يدّعي مثل الكبرى الكلّية التي يكون مفادها: عدم التصريح دليل على التصريح بالعدم..

فهل عدم النصّ والتصريح في القرآن الكريم بكون صلاة الصبح ركعتين معناه لا حجّية لما صرّح به النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وبيّنه من عدد ركعات هذه الصلاة وبقية الصلوات؟!

هل ترى أحداً يقبل بذلك ويعمل به من علماء وفقهاء، بل من عوام الناس وبسطائهم؟! فهذا النقض كافٍ لوحده في نسف هذا الاستدلال من أساسه، وعدم إتعاب النفس في تجشّم عناء الردّ عليه؛ لأنّه مبتنٍ على تصوّر خاطئ في بيان حجيّة الأدلّة.

إذ من الثابت أنّ عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود, وعدم التصريح لا يدلّ على التصريح بالعدم.. فكيف ساغ لصاحبنا سوق هذا الاستدلال وهو على شفا جرفٍ هار؟!

ومع ذلك نقول: توجد أدلّة قرآنية على إمامة عليّ(عليه السلام)كما هو الشأن في الأدلّة القرآنية الدالّة على وجوب الصلوات والزكاة والخمس والحجّ والكثير من الأحكام.

بل نقول: هناك دليل على إمامة عليّ(عليه السلام)أوضح من أدلّة الأحكام التي أشرنا إليها, وهو بمعونة القرائن المقالية والحالية ــ أي: ما وقع في الخارج فعلاً ــ يكون كالنصّ في الدلالة على إمامة عليّ(عليه السلام), ونعني بذلك: آية


الصفحة 333

الولاية، الواردة في سورة المائدة، والتي جاء فيها: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، فهذه الآية الكريمة قد دلّت على حصر الولاية ــ لمحلّ (إنّما) التي تفيد الحصر بالإجماع ــ بموارد ثلاث: الله، ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، والمؤمنون الذي يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون, ومن المعلوم أنّه لا يتصوّر الإنشاء في هذه الآية، لأنّه ينافي دعوى الحصر في الآية أوّلاً... وينافي مناسبات الحكم والموضوع ثانياً.

لأنّ منصب الولاية الخطير، الذي يعني: القيادة والزعامة الدينية ــ والتي تدخل ضمنها الزعامة الدنيوية بالأوْلى ــ لا يُتصوّر أن يبيحه الله سبحانه هكذا لمن يقيم الصلاة ويأتي الزكاة وهو راكع, فهذا المعنى من الولاية يمكن أن يدّعيه أيّ شخص يفعل ذلك، وبالتالي من حقّه أن يصرّح ــ بموجب هذه الآية ــ أنّني ولّي المؤمنين، وولايتي كولاية الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم), فهل يعقل هذا؟!

فكون المراد من الآية المعنى الإنشائي أمر غير متصوّر في المقام.. فالآية تدلّ على الإخبار عن واقعة معيّنة حصلت في الخارج، كانت مصداقاً للولاية، تضاهي ولاية الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)..

وهذه الحادثة بإجماع المفسّرين كانت في حقّ الإمام عليّ(عليه السلام)دون غيره، وقد ورد في شأنها من الأسانيد الصحيحة والحسنة والطرق المختلفة.. ما يتحصّل منه التواتر.

فمثلاً: تجد مثل ابن أبي حاتم يروي في تفسيره ــ الذي يصرّح ابن تيمية بأنّه لا يروي الموضوعات ــ يرويه بطرق، ومن طرقه: أبو سعيد الأشجّ, عن الفضل بن


الصفحة 334

دكين, عن موسى بن قيس الحضرمي, عن سلمة بن كهيل ــ وهؤلاء كلّهم ثقات ــ بأنّ الآية نزلت في عليّ(عليه السلام)(1).

وأيضاً يروي الحاكم الحسكاني في (شواهد التنزيل) بسند صحيح نزول هذه الآية في حقّ عليّ(عليه السلام)(2).

وكذلك يروي السيوطي في (الدرّ المنثور) عن عبد الرزّاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وأبي الشيخ، وابن مردويه، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبي نعيم، وغيرهم، نزول هذه الآية في حقّ عليّ(عليه السلام)(3).

وقال الجصّاص في (أحكام القرآن): (روي عن مجاهد، والسدّي، وأبي جعفر، وعتبة بن أبي حكيم: أنّها نزلت في عليّ بن أبي طالب حين تصدّق بخاتمة وهو راكع)(4).

وذكر ذلك أيضاً: الواحدي في (أسباب النزول)(5), والسيوطي في (لباب النقول في أسباب النزول) يرويه عن الطبراني, ثمّ ذكر شواهد، وقال بعدها: (فهذه شواهد يقوّي بعضها بعضاً)(6). وأيضاً: ابن كثير في تفسيره يرويه بعدّة

____________

1- تفسير ابن أبي حاتم ٤: ١١٦٢ الحديث ٦٥٥١.

2- شواهد التنزيل١: ٢١٢ الحديث ٢٢١، وانظر: عنوان آية الولاية في هذه الموسوعة.

3- الدرّ المنثور ٢: ٢٩٣، ٢٩٤ قوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ...).

4- أحكام القرآن ٢: ٥٥٧، باب العمل اليسير في الصلاة.

5- أسباب النزول: ١٣٣ سورة المائدة، قوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ...).

6- لباب النقول في أسباب النزول: ٨١ سورة المائدة، قوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ...).


الصفحة 335

طرق، ومنها: الطريق الصحيح المتقدّم عن ابن أبي حاتم(1), وأيضاً ذكر ذلك: القرطبي في (جامع أحكام القرآن)(2), والنحّاس في (معاني القرآن)(3).

ولعلّك تسأل وتقول: كيف صحّ أن يكون المراد بالذين آمنوا: عليّاً(عليه السلام)واللفظ لفظ جماعة؟

نقول: يجيبك عن ذلك ذوو الاختصاص من أهل البلاغة؛ قال الزمخشري في تفسيره (الكشّاف) ــ الذي اعتمده لبيان أسرار بلاغة القرآن الكريم ــ عن هذا المعنى بالذات, وفي خصوص الآية الكريمة نفسها: (جيء به على لفظ الجمع وإن كان السبب فيه رجلاً واحداً ليرغّب الناس في مثل فعله، فينالوا مثل ثوابه)(4).

فهذه الآية مع الاطّلاع على أسباب النزول ألا تُعدّ نصّاً صريحاً في ولاية عليّ(عليه السلام)المساوقة لولاية الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) حصراً، والتي تعني القيادة والزعامة وولاية الأمر؟!

وأيضاً حديث الغدير الوارد فيه: (مَن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه) لا يُعدّ حديثاً مجملاً، أو أنّه يراد بكلمة (مولاه) المحبّة والنصرة, بل هو حديث محكم واضح المراد، واستعمال اللفظ المشترك فيه كان مع معونة القرينة اللفظية، بل

____________

1- تفسير ابن كثير ٢: ٧٤ سورة المائدة، قوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ...).

2- جامع أحكام القرآن ٦: ٢٢١ سورة المائدة، قوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ...).

3- معاني القرآن ٢: ٣٢٥ ـ١١١ـ قوله تبارك اسمه: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ...).

4- الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل ١: ٦٢٤ سورة المائدة، قوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ...).


الصفحة 336

المقامية والحالية، الدالّة على ولاية الأمر دون المعاني كلّها.. فهل تراه يعقل أن يقال: في حقّ سيّد البشرية وإمام العقلاء والمتّقين النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه جمع الناس في ذلك اليوم القائظ الموصوف بشدّة الحرّ وقد أمر بحبس الحاضر وإرجاع المسافر، ثمّ يقوم خطيباً فيهم ليقول لهم كلاماً مجملاً لا يفهمون منه ما يريده رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!

هل يعقل ذلك؟! إنّ هذا المعنى يرفضه العقلاء على مستوى الجماعة الصغيرة؛ فربّ الأُسرة الذي يستدعي بضعة أفراد من أسرته ويطلبهم لاجتماع خاص, ثمّ يكلّمهم بكلام لا يفهمون منه ما يريده.. فهذا لا يقبله العقلاء في حقّ أبسط الناس، فكيف بسيّد الكائنات وأفصح من نطق بالضاد؟!

فالقرينة المقامية توجب أن يكون الاجتماع والخطاب لأمر هامّ، ولا تنصرف سوى إلى مسألة تثبيت الخلافة وولاية الأمر من بعده.. فهذا هو الأمر الوحيد المتبقّي من القضايا التي كان على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) توضيحها وتبيينها للأُمّة, وخاصّة وقد اقترب موعد الرحيل والفراق..

بل القرينة اللفظية حاكمة بهذا المعنى؛ فراجع النصوص التي روت هذه الحادثة ــ أي: حادثة خطبة الغدير ــ لتجد قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) قبل النص المتقدّم (مَن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه): (ألست أوْلى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. فقال: (مَن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه).. فهذه قرينة لفظية واضحة في بيان المعنى المراد من كلمة (مولى) في الحديث المذكور ــ فمعنى: أوْلى بكم من أنفسكم، هو: ولاية الأمر.. وهو يعني في بيان الحديث: من كنت أوْلى به من نفسه فعليّ أوْلى به من نفسه...


الصفحة 337

وهذا معنى واضح يلاحظه المتتبّع المنصف المتجرّد من الأُمويات والرواسب الاجتماعية التقليدية, الراغب في الوصول إلى الحقيقة دون غيرها.

وأيضاً إضافة لما ذكرناه، نقدّم دليلاً آخر، هو: نصّ نبوي ساطع كالشمس في رابعة النهار في خلافة عليّ(عليه السلام)، وقيادته للأُمّة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم), وهو: قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ(عليه السلام): (أنت يا عليّ وليّ كلّ مؤمن بعدي ومؤمنة)..وهذا الحديث من الأحاديث الصحيحة التي رواها أحمد في (مسنده)(1), والحاكم في (المستدرك)(2)، والذهبي في (التلخيص)(3), وأبو داود الطيالسي في (مسنده)(4), والطبراني في (المعجم الكبير)(5), وابن عساكر في (تاريخ مدينة دمشق)(6), وابن حجر في (الإصابة)(7), وابن كثير في (البداية والنهاية)(8)، وهكذا غيرهم الكثير الكثير..

ولصحّة سنده لم يناقش ابن تيمية فيه من هذه الناحية ــ على خلاف عادته من التشكيك حتّى في المتواترات، وخاصّة في ما يتعلّق بفضائل أمير المؤمنين(عليه السلام)ومناقبه ــ وإنّما ناقش في المتن، ولكن بطريقة عجيبة وغريبة! تنمّ

____________

1- مسند أحمد بن حنبل ١: ٣٣١ مسند عبد الله بن عبّاس، و٤: ٤٣٨ حديث عمران ابن حصين.

2- المستدرك على الصحيحين ٣: ١٣٤ كتاب معرفة الصحابة.

3- المستدرك على الصحيحين بهامش تلخيص الذهبي ٣: ٣٤٤ الحديث ٤٧١٠.

4- مسند أبي داود: ١١١، و٣٦٠.

5- المعجم الكبير ١٢: ٧٨، و ١٨: ١٢٩.

6- تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ١٠٠، ١٩٩ ترجمة الإمام عليّ.

7- الإصابة ٤: ٤٦٧.

8- البداية والنهاية ٧: ٣٧٤، و٣٨١ أحداث سنة ٤٠.


الصفحة 338

عن احتقان واضح لما يحمله هذا الرجل في سريرته تجاه أمير المؤمنين(عليه السلام)واتّجاه شيعته. ولمناقشته في قوله مكان آخر.

وقال المباركفوري في شرحه على الترمذي في خصوص هذا الحديث: (وظاهر أنّ قوله: (بعدي) في هذا الحديث ممّا يقوى به معتقد الشيعة)(1).. وهذا الكلام تامّ وصحيح. فهنا لا يستقيم تفسير أو تأويل كلمة (وليّ) بأيّ معنى من معانيها المتصوّرة من المحبّة والنصرة أو غيرها، سوى معنى واحد، هو: ولاية الأمر؛ لأنّ المحبّة والنصرة ــ وهما أقوى ما يمكن ادّعاءه في تفسير هذه الكلمة هنا ــ لا وجه لتحديدهما بزمان كما هو المستفاد من كلمة (بعدي) في الحديث, فلم يبقَ إلّا ولاية الإمرة, فهي المعنى الوحيد الذي يناسب توجيه هذا الحديث الصحيح الصادر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما يشير إليه المباركفوري..

فهل ترى أنّ هذا الحديث لا يُعدّ نصّاً صريحاً في خلافة عليّ(عليه السلام)، وهو محاط بقرائن لفظية تعيّن المراد منه؟!! نترك الإجابة لمن يتمكّن منها..

هذا كلّه بالنسبة للنصوص الصريحة التي تدلّ على خلافة عليّ(عليه السلام)وإمامته..

أمّا بالنسبة للتعليق على ما ورد في كلامك، فنقول:

١ــ إنّ السبب في عدم قبول أقوال بعض الصحابة ليس بسبب اعتقادهم في الإمامة، بل بسبب كونهم غير ثقات؛ ففي علم الرجال يذكرون أنّ السبب في عدم قبول قول الراوي هو: لعدم الثقة بقوله، لا بسبب معتقده، ولذلك صار عندنا قسم من

____________

1- تحفة الأحوذي ١٠: ١٤٦ أبواب المناقب عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، باب مناقب عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) .


الصفحة 339

الحديث يسمّى: الموثّق، وهو: من يكون صاحبه مخالفاً في الاعتقاد مع كونه ثقة, ولعلّه لا أحد يناقش في عدم قبول قول غير الثقة.

٢ــ إنّ هناك وجه للتشابه بين ملك طالوت وإمامة عليّ(عليه السلام)، فالآية تشير إلى أنّ نبيّهم هو الذي بلّغ قومه بملوكية طالوت، فقد قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُم نَبِيُّهُم إِنَّ اللّهَ قَد بَعَثَ لَكُم طَالُوتَ مَلِكاً.

وكذلك نقول نحن: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي قال بإمامة عليّ(عليه السلام)وولايته، فقال بنصّ صريح: (مَن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه)، حتّى قال عمر للإمام عليّ(عليه السلام): (هنيئاً يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة)(1)، وأنّ دلالة كلمة (المولى) واضحة في الزمن الأوّل للرسالة، وإلّا لما قال أبو بكر: (أنا وليّ رسول الله)، ولما قال عمر: (أنا وليّ أبي بكر)(2).

وإذا قلت: إنّ ملك طالوت ورد في القرآن.

فنحن نقول: إنّ القرآن يصرّح: أنّ الذي أخبر قومه هو نبيّهم، ولم يقل القرآن أنّ ذلك ورد في الكتب المنزّلة عليهم؛ ففي كتبهم لم يصرّح بذكره، وأمّا ذكره في القرآن فهو كتاب ينقل لنا ما ورد في الأقوام السابقة لنتّعظ بها؛ فذكره جاء موعظة لنا لا حجّة على بني إسرائيل؛ فهم لا يعترفون بالقرآن.

____________

1- انظر: مسند أحمد بن حنبل ٤: ٢٨١ حديث قيس بن أبي عرزة، المصنّف، لابن أبي شيبة ٧: ٥٠٣ كتاب الفضائل، باب ١٨ الحديث ٥٥، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٤٢: ٢٢١ ترجمة الإمام عليّ، البداية والنهاية، لابن كثير ٥: ٢٢٩، تفسير الثعلبي ٤: ٩٢، وغيرها.

2- انظر: صحيح البخاري ٤: ٤٤، باب الصلاة إذا قدم من السفر، مسند أحمد بن حنبل ١: ٦٠ مسند عثمان بن عفّان.


الصفحة 340

٣ــ هناك تشابه آخر، وهو: أن حكم كلّ من عليّ(عليه السلام)وطالوت لا بدّ أن يكون بنصّ منه تعالى، وأنّ تبليغ ذلك كان عن طريق النبيّ, فالمُلك الذي هو أحد شؤون الإمامة لم يرتضه سبحانه إلّا أن يكون من شأنه، فكيف الحال بالإمامة؟ فعند اعتراف قوم طالوت بقولهم: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلكُ...، أجابهم بـ﴿إِنَّ اللّهَ اصطَفَاهُ عَلَيكُم وَزَادَهُ بَسطَةً فِي العِلمِ وَالجِسمِ وَاللّهُ يُؤتِي مُلكَهُ مَن يَشَاءُ.

وكذلك عليّ(عليه السلام)كان يفوق الجميع في العلم وفي قواه الجسمية.

٤ــ التشابه الثالث هو: على الرغم من الصراحة التي نصّب بها طالوت، وكذلك عليّ(عليه السلام)برفع يده في بيعة الغدير ومبايعة أكثر من مئة ألف، إلّا أنّه مع ذلك حصل الاعتراض على شخصه كما حصل الاعتراض على شخص طالوت.

٥ــ كما حصل التأييد الإلهي لإثبات ملك طالوت، كذلك حصل التأييد الإلهي لردّ الاعتراض على إمامة عليّ(عليه السلام)؛ إذ قال تعالى: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ(1).

٦ــ كما كانت هناك آيات تدلّ على ملك طالوت وهي ليست آيات نزلت في كتبهم بل هي من قول نبيّهم؛ إذ قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُم نَبِيُّهُم, وكانت آية التابوت، فكذلك ظهرت من المعاجز لعليّ(عليه السلام)ما ثبت تفوّقه على غيره، إذ رُدّت له الشمس، وكان يكلّم الموتى، وردّ عليه أصحاب الكهف, وغير ذلك من الكرامات.

٧ــ كما أيّد الله تعالى طالوت بالنصر على أعدائه، كذلك أيّد عليّاً(عليه السلام)في حياة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعد مماته بالنصر، فشارك في أغلب معارك الرسول وانتصر فيها،

____________

1- المائدة ٥: ٦٧.


الصفحة 341

وكذلك انتصر في كلّ المعارك بعد ممات الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهزم الناكثين والمارقين والقاسطين, وكما قتل طالوت جالوت، قتل عليّ(عليه السلام)عمرو بن ودّ، ومرحباً، وطلحة، والزبير، وغيرهم.

٨ــ كما لم يؤثـّر قلّة أنصار طالوت على بقاء ملكه، كذلك لم يؤثـّر قلّة المتابعين لإمامة عليّ(عليه السلام)في استمرار إمامته، فهو على الرغم من قلّة الناصرين في زمن من غصب حقّه بقي إماماً، ومارس إمامته حتّى بويع أخيراً ورجع الحقّ إلى أهله، فصار له الحكم، لتتمّ بذلك إمامته الدينية والدنيوية.

٩ــ نحن نقول: إنّ النصّ القاطع موجود على إمامته، سواء من القرآن أو السُنّة النبوية، وقد ذكرنا بعضها في أوّل كلامنا، ومن تلك النصوص أيضاً: قوله تعالى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم, وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً(1).. ومن السُنّة: حديث الغدير، وحديث الثقلين، وحديث اثني عشر خليفة، وحديث الدار، وحديث المنزلة، وغيرها.

١٠ــ ليس هناك طعن في رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؛ لأنّ الرسول بلـّغ ما أُنزل إليه في مواطن عديدة، وأشار إلى إمامة عليّ(عليه السلام)في أكثر من واقعة، من يوم الدار إلى يوم الغدير، وذكر فضائل لعليّ(عليه السلام)في أقوال متعدّدة، لا نبالغ إن قلنا العشرات، بل المئات، وبنصوص صريحة، وإنّما ناقش فيها من أراد أن يحرف كلام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عن مراده.

____________

1- المائدة ٣.


الصفحة 342

١١ــ إنّ من مهام الإمام: الحكم، وقد أكّد على ذلك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في وقعة الغدير؛ إذ قال: (ألست أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم)؟ فقالوا: بلى، حيث أقرّوا لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ له السلطة والولاية عليهم، فقال عندها: (مَن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه)، فمعناه: أنّ الولاية الثابتة لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ــ ومنها: السلطة ــ هي نفسها ثابتة لعليّ(عليه السلام).

١٢ــ أنت تفترض أنّ آية ملك طالوت نزلت لتوضّح لبني إسرائيل ملكه، في حين نحن قلنا: إنّ البلاغ لبني إسرائيل جاء عن طريق نبيّهم، وسبب وضوح الآية هو: الإخبار عن واقعة تاريخية حصلت سابقاً، وليس فيها منازع، ولو كان هناك منازع لجعل عليها ألف إشكال وإشكال.

١٣ــ لم يحصل أيّ فشل في تنصيب عليّاً(عليه السلام)للحكم؛ لأنّ حكمة الباري عزّ وجلّ أرادت أن يكون حكمه عن اختيار وقبول من قبل الصحابة، وإذا لم يحصل القبول وحصل اغتصاب الخلافة، فإنّ لله حكمة في ذلك أيضاً، وهي: اختبار القوم وإبراز الظالم منهم وإظهار صبر المظلوم. وليس تنصيب الولي حكم تكويني حتّى لا يتخلّف ويكون حتمي الوقوع، وإنّما حكم تشريعي يطلب من المكلّفين تنفيذه بالاختيار لا بالإجبار، وإلّا سقط التكليف.

١٤ــ إنّ اختبار الإمام عليّ(عليه السلام)باعتباره الأفضل من بقية الأوصياء يكون بدرجة أعلى، فإذا جاء له الحكم بعد ثلاثين سنة، فلأجل أنّه أعلى رتبة؛ إذ استطاع قبول هذا الاختبار والصبر على ذلك.

١٥ــ إنّ عدم قبول الناس للإمام ليس بسبب عدم التأييد الإلهي للإمام، بل الإمام مؤيّد ومسدّد من قبل الله دائماً، وإنّما السبب في ذلك هو: إصرار الظلمة


الصفحة 343

على ظلمهم، نعم، يستطيع الباري عزّ وجلّ إجبارهم على قبول إمامته، لكن حكمة الباري عزّ وجلّ اقتضت عدم الجبر وإلّا لما تميّز الخبيث من الطيب.

١٦ــ على الرغم من الآية الواضحة التي تقولها بحقّ طالوت، نقول: لو سلّمنا أنّ قول الله سبحانه وتعالى بالآيات التي نزلت على نبيّ طالوت(عليه السلام)كان واضحاً، أو قول نبيّهم لهم كان واضحاً، فمع ذلك لم يؤمن به إلّا قليل؛ والدليل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيسَ مِنِّي وَمَن لَّم يَطعَمهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إلّا مَنِ اغتَرَفَ غُرفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنهُ إلّا قَلِيلاً مِّنهُم.

١٧ــ لقد نازع الإمام عليّ(عليه السلام)في مواقف متعدّدة حقّانيته بالخلافة، والحكم منها، حين اجتمع الستّة لاختيار خليفة بعد عمر، وكذا في حديث المناشدة في الرحبة، وبعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مع فاطمة(عليها السلام) حين داروا على بيوت الأنصار، وغير ذلك، فما تزعمه من أنّ صاحب الشأن لم يحتجّ على غيره بحقّه كلام غير صحيح.

(الآثار المترتّبة على عدم تولّي الإمام الخلافة)

« فقير ــ سوريا »

السؤال:

ما هي الآثار السلبية المترتّبة على الإسلام بسبب عدم تولّي الإمام عليّ(عليه السلام)خلافة المسلمين؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


الصفحة 344

إنّ من أهم الآثار السلبية المتولّدة عن عدم تولّي الإمام عليّ(عليه السلام)للخلافة، هو: الانحراف والتشتّت والضلال الذي حصل في الأُمّة الإسلامية؛ إذ ابتعد الناس عن الهداية وجادة الحقّ، لابتعادهم عن أهل البيت(عليهم السلام) ، كما قالت الزهراء(عليها السلام) : (وطاعتنا نظاماً للملّة، وإمامتنا أمناً من الفرقة)(1).

ومن الجدير الإشارة إلى أنّ تولّي الإمام عليّ(عليه السلام)وحده للسلطة وقيامه بواجبات الإمامة دون غيره من المعصومين لا يكفي في هداية الناس ما لم يستمر حكم السلسلة الطاهرة، وما لم يكن هناك تفاعل من قبل الناس متمثّلاً بالطاعة وتولّي المعصوم.

(مصير مغتصبي الخلافة)

« حامد فرحاني ــ تونس ــ مستبصر »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هل هناك روايات صحيحة تشير إلى مصير مغتصبي الخلافة من الإمام عليّ(عليه السلام)في الآخرة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

____________

1- انظر: بلاغات النساء، لابن طيفور: ١٦٠ كلام فاطمة وخطبتها، وغيره.


الصفحة 345

هناك روايات كثيرة يستفاد من مجموعها أنّ بعضاً ممّن اغتصب الخلافة سيرد النار، أو أنّه موعود بها، ولكثرة تلك الروايات لا نحتاج إلى البحث عن سندها، وهذه بعضاً منها:

أوّلاً: في (كتاب سليم بن قيس): (فقال عليّ(عليه السلام):.. سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إنّ تابوتاً من نار فيه اثنا عشر رجلاً، ستّة من الأوّلين وستّة من الآخرين، في جبّ في قعر جهنّم في تابوت مقفل، على ذلك الجبّ صخرة، فإذا أراد الله أن يسعّر جهنّم كشف تلك الصخرة عن ذلك الجبّ فاستعرت جهنّم من وهج ذلك الجبّ ومن حرّه.

قال عليّ(عليه السلام): فسألت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عنهم ــ وأنتم شهود به ــ عن الأوّلين؟ فقال: أمّا الأوّلون: فابن آدم الذي قتل أخاه، وفرعون الفراعنة... وفي الآخرين: الدجّال، وهؤلاء الخمسة أصحاب الصحيفة والكتاب وجبتهم وطاغوتهم الذي تعاهدوا عليه، وتعاقدوا على عداوتك يا أخي، ويتظاهرون عليك بعدي، هذا وهذا، حتّى سمّاهم وعدّهم لنا)(1).

ثانياً: وفي كتاب (الخصال) للصدوق: عن أبي ذرّ: قال رسول لله(صلى الله عليه وآله وسلم): (شرّ الأوّلين والآخرين اثنا عشر، ستّة من الأوّلين وستّة من الآخرين.. وأمّا الستّة من الآخرين: فالعجل وهو نعثل، وفرعون، وهو: معاوية, وهامان هذه الأُمّة، وهو: زياد، وقارونها، وهو: سعيد، والسامري، وهو: أبو موسى عبد الله بن قيس؛ لأنّه قال كما قال سامري قوم موسى: لا مساس، أي: لا قتال، والأبتر، وهو: عمرو بن العاص)(2).

____________

1- كتاب سليم بن قيس: ١٦١ الحديث ٤.

2- الخصال: ٤٥٨ أبواب الاثني عشر.


الصفحة 346

ثالثاً: وفي (الخصال) أيضاً: قال أمير المؤمنين(عليه السلام): (إنّ في التابوت الأسفل ستّة من الأوّلين وستّة من الآخرين... والستّة من الآخرين: فنعثل، ومعاوية، وعمرو بن العاص، وأبو موسى الأشعري)، ونسي المحدّث اثنين(1).

رابعاً: وفي كتاب (وقعة صفّين) لنصر بن مزاحم المنقري، قال: (عن محمّد ابن فضيل، عن أبي حمزة الثمالي، عن سالم بن أبي الجعد، عن عبد الله بن عمر، قال: إنّ تابوت معاوية في النار فوق تابوت فرعون، وذلك بأنّ فرعون قال: أنا ربّكم الأعلى)(2).

خامساً: وفي (تفسير العيّاشي): بإسناده عن أبي بصير، عن جعفر بن محمّد(عليه السلام)، قال: (يؤتى بجهنّم لها سبعة أبواب، بابها الأوّل للظالم، وهو: زريق، وبابها الثاني لحبتر، والباب الثالث للثالث، والرابع لمعاوية، والباب الخامس لعبد الملك.... فهم أبواب لمن تبعهم)(3).

سادساً: وفي (تفسير العيّاشي) أيضاً: عن الثمالي، عن علي بن الحسين(عليهما السلام) ، قال: (ثلاثة لا يكلّمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم ولا يزكّيهم، ولهم عذاب أليم: من جحد إماماً من الله، أو ادّعى إماماً من غير الله، أو زعم أنّ لفلان وفلان في الإسلام نصيباً)(4).

____________

1- الخصال: ٤٨٥ أبواب الاثني عشر.

2- وقعة صفّين: ٢١٩ ما ورد من الأحاديث في شأن معاوية، بحار الأنوار ٣٣: ١٨٩كتاب الفتن.

3- تفسير العيّاشي ٢: ٢٤٣ تفسير سورة الحجر، بحار الأنوار ٢١: ٦٠٣.

4- تفسير العيّاشي ١: ١٧٨ تفسير سورة آل عمران، بحار الأنوار ٢١: ٦٠٥.


الصفحة 347

هذه مجموعة صغيرة من الأحاديث، وهناك كثير من الأحاديث، فراجع كتب الأحاديث تجدها مسطّرة هناك.

(الإمامة وفاطمة الزهراء(عليها السلام)

« محمّد أبو دانية‎ ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ آية التطهير تدلّ على العصمة وعلى الإمامة, وسؤالي عن الإمامة‎: هل فاطمة الزهراء(عليها السلام) تكون إماماً؟! لأنّ حديث الثقلين مربوط بآية التطهير، وبيّن النبيّ من هم أهل البيت في حديث الثقلين من خلال آية التطهير، وحديث الاثني عشر خليفة.. وأراد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يفهمنا من خلال هذه الآية وحديث اثني عشر خليفة على أنّهم أئمّة وخلفاء.

لكن فاطمة الزهراء(عليها السلام) رغم وجودها في آية التطهير هل هي إمام، أم هي تستخلف النبيّ من بعده؟

فنرجوا من سماحتكم التوضيح.

وجزاكم الله خير الجزاء.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


الصفحة 348

هناك فرق بين الإمامة والعصمة، فهما مفهومان لا واحد.. فإنّ العصمة شرط من شروط الإمامة، وهناك تلازم بين الإمامة والعصمة، ولكن التلازم من طرف الإمامة لا من الطرفين، فالإمامة مستلزمة للعصمة، فكلّ إمام معصوم، وليس كلّ معصوم إمام، فدائرة العصمة أوسع من دائرة الإمامة.

نعم، إذا تحقّقت بقية الشروط مع العصمة في شخص بحيث تساوت دائرة الإمامة مع دائرة العصمة وانحصرت فيه، فلا بدّ أن يكون الإمام.

وقد دلّت الأدلّة وإجماع الأُمّة على أنّ المرأة لا تكون نبيّة ولا إماماً، فإذا دلّت آية التطهير على طهارة فاطمة الزهراء(عليها السلام) وعصمتها، فهذا لا يدلّ على إمامتها, وآية التطهير لا تدلّ على الإمامة حتّى تكون فاطمة(عليها السلام) إماماً لدخولها فيها، بل تدلّ على إذهاب الرجس والتطهير، أي: العصمة، وهي أعمّ من الإمامة، فتشمل فاطمة الزهراء(عليها السلام) ، ويترتّب على عصمتها: صدق قولها، وصحّة ادّعائها؛ فإنّها ادّعت الإمامة لزوجها عليّ(عليه السلام)، ولم تدّع ذلك لنفسها، لو قلنا بصحّة مثل هذا الادّعاء من النساء.

ثمّ إنّ التمسّك المطلوب بالثقلين أيضاً أعمّ من التمسّك بالأئمّة؛ فيشمل التمسّك بفاطمة الزهراء(عليها السلام) .

إلّا أنّ عدم دخول السيّدة الزهراء(عليها السلام) ضمن الأئمّة لا يقلّل من شأنها؛ لأنّها(عليها السلام) عصمة الله الكبرى، وحجّة الحجج، أي: أنّ ولايتها تشمل جميع الأئمّة، وهي(عليها السلام) حجّة على كلّ الأئمّة.


الصفحة 349

(العلّة التي من أجلها جعلت الإمامة في ولد الحسين(عليه السلام) دون ولد الحسن(عليه السلام)

« ريم ــ السعودية ــ إمامية »

السؤال:

لماذا التسعة المعصومين جاؤوا من نسل الإمام الحسين(عليه السلام)ولم يأتوا من نسل الإمام الحسن(عليه السلام)؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعلَمُ حَيثُ يَجعَلُ رِسَالَتَهُ(1)، فالاختيار للأنبياء والأوصياء شأن تكفّل به المولى سبحانه ولا يخضع لأيّة اعتبارات يمكن أن نتصوّرها في هذا الشأن سوى علمه وحكمته سبحانه.

نعم، قد وردت بعض الروايات، ذكرها الشيخ الصدوق(رحمه الله) في (علل الشرائع)(2)، تشير إلى بعض المعاني التي جعلت الإمامة بسببها في ولد الحسين(عليه السلام)دون ولد الحسن(عليه السلام)، وهي لا تعدو أن تكون جوابات إقناعية لهذا السؤال الذي كان يسأله الناس للأئمّة(عليهم السلام).

وهناك جواب للسؤال نفسه حين سأله محمّد بن أبي يعقوب للإمام

الرضا(عليه السلام)، قال: (سألت أبا الحسن الرضا(عليه السلام)، قلت له: لأيّ علّة صارت الإمامة في ولد الحسين دون ولد الحسن(عليهما السلام)؟

____________

1- الأنعام ٦: ١٢٤.

2- علل الشرائع ١: ٢٠٥ الباب ١٥٦.


الصفحة 350

قال(عليه السلام): لأنّ الله عزّ وجلّ جعلها في ولد الحسين، ولم يجعلها في ولد الحسن، والله لا يسأل عمّا يفعل)(1).

(علّة حصول الإمامة في نسل الحسين(عليه السلام)ـ١ـ )

« بهاء علي خان ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

لماذا أصبح الأئمّة المعصومون من ذرّية الإمام الحسين(عليه السلام)وليس من ذرّية الإمام الحسن(عليه السلام)؟ ما علّة ذلك؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا بدّ من الإشارة هنا إلى مسألة تعدّ من المسلّمات في الأديان الإلهية، هي: أنّ اختيار الأنبياء والأوصياء يكون بيد الله وحده؛ إذ هو جلّ جلاله المطّلع على كمالات وقابليات خلقه، فيصطفي منهم من يشاء، والآيات القرآنية صريحة في ذلك.

فإذا عرفنا أنّ مقام النبوّة والرسالة والإمامة هي مراتب كمالية في هذه الوجودات النورانية، سهل علينا فهم وجه اختيارهم مصاديق للّطف الإلهي، مع ملاحظة أنّ الذي يعرف قابليات هذه المراتب الكمالية هو الله جلّ جلاله، وإن كنّا قد نعرفها بالجملة بعد اختيارهم(عليهم السلام)في الدنيا.

____________

1- علل الشرائع ١: ٢٠٨ الباب ١٥٦.


الصفحة 351

إذا عرفت هذا.. نودّ أن نذكر بعض الروايات التي تشير إلى ما في السؤال من أبعاد مختلفة:

فمنها: ما رواه الكليني في (الكافي) من أنّ جبرئيل بشّر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بولادة الحسين، وأنّه ستقتله أُمّته، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (يا جبرئيل! وعلى ربّي السلام، لا حاجة لي في مولود يولد من فاطمة تقتله أُمّتي من بعدي).

ثمّ هبط جبرئيل في مرّة أُخرى وبشّر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بولادة الحسين(عليه السلام)، وأنّ الله جاعل في ذرّيته الإمامة والولاية والوصاية(1).

وهذه الرواية ربّما تشير إلى البعد والأثر التكويني في تضحية الحسين(عليه السلام)الذي جعل الوصاية تكون في ولده.

أمّا كيفية تأثير الشهادة في هذا البعد، وعلاقتها بجعل الأئمّة من ولد الحسين(عليهم السلام)غير ظالمين، حتّى يكونوا وعاءً لمرتبة الولاية المستجابة من ربّ العزّة والجلال لدعاء إبراهيم(عليه السلام)عندما سأله ذلك بــ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(2)، فعلمه عند الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة من ولده(عليهم السلام) .

ومنها: ما في جواب الصادق(عليه السلام)لأبي بصير من أنّ الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيراً(3) نزلت في أصحاب الكساء.. فبعد عليّ(عليه السلام)كان الحسن(عليه السلام)؛ لأنّه من أصحاب الكساء، وبعد الحسن(عليه السلام)كان الحسين(عليه السلام)؛ لأنّه منهم، ولو أراد الحسن(عليه السلام)أن يجعلها في

____________

1- الكافي ١: ٤٦٤ أبواب التاريخ، باب مولد الحسين(عليه السلام) الحديث ٤.

2- البقرة ٢: ١٢٤.

3- الأحزاب ٣٣: ٣٣.


الصفحة 352

ولده، وما كان ليفعل، لقال له الحسين(عليه السلام): لقد أنزل الله فيّ كما أنزل فيك ــ أي: آية التطهير ــ..

وأمّا بعد شهادة الحسين(عليه السلام)فلم يكن أحد يدّعي مثل ما يدّعي الحسن والحسين(عليهما السلام) بأنّهم من أصحاب الكساء، فجرى قول الله عزّ وجلّ في أولاد الحسين(عليه السلام): ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ(1)، فكانت الإمامة في عليّ بن الحسين(عليه السلام)، وبعده في محمّد بن عليّ، وهكذا إلى الحجّة(عجل الله تعالى فرجه الشريف) (2).

وهذه الرواية جاءت بالجواب عن البعد التشريعي والاستدلال بالقرآن والسُنّة، وربّما هناك روايات أُخرى تشير إلى أبعاد أُخرى لا يعدمها المتتبّع لمتون رواياتنا، يستطيع السائل أن يبحث عنها في كتبنا الحديثية.

(علّة حصول الإمامة في نسل الحسين(عليه السلام)ـ٢ـ )

« حسن السوسوة ــ اليمن »

السؤال:

لماذا أصبحت الإمامة في نسل الحسين(عليه السلام)، وليست في نسل الحسن(عليه السلام)؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

____________

1- الأنفال ٨: ٧٥.

2- انظر: الكافي ١: ٢٨٦ كتاب الحجّة، باب ما نصّ الله ورسوله على الأئمّة واحداً فواحداً حديث ١.


الصفحة 353

إنّ أسماء الأئمّة(عليهم السلام)منصوص عليها في خبر اللوح الذي نزل على فاطمة الزهراء(سلام الله عليها)، الذي يرويه جابر بن عبد الله الأنصاري(1).

فأسماء الأئمّة الاثني عشر(عليهم السلام) مثبّتة في ذلك اللوح، والحكمة من ذلك بحسب الروايات الموجودة هي: أنّ الحسين(عليه السلام)لمّا قتل جعل الله تعالى الأئمّة من ذرّيته، والدعاء تحت قبّته، والشفاء في تربته(2).

ولا يخفى عليك أنّ هذه الأُمور مقدّرة، وأنّ الله تعالى عالم بما يقع في المستقبل، ويقرّر ما هي المصلحة على ضوء ما سيقع, فقرّر أن يكون بقيّة الأئمّة(عليهم السلام)من نسل الحسين(عليه السلام)بسبب تضحيته وقتله يوم عاشوراء.

(فكرة الفداء وكون الإمامة من نسل عليّ ومن الحسين دون الحسن(عليهم السلام)

« هيثم ــ مصر ــ سُنّي »

السؤال:

هل من الممكن أن تكون فكرة الفداء التي قام بها الإمام عليّ للرسول في الهجرة رمزاً بأن يكون النسل المبارك من ولده، وكذلك فداء الإمام الحسين

للإسلام رمزاً بأن يكون النسل منه لا من الحسن؟

____________

1- الكافي، للكليني ١: ٥٣٤ كتاب الحجّة، أبواب التاريخ، باب ما جاء في الاثني عشر والنص عليهم، الهداية الكبرى، للخصيبي: ٣٦٤ الباب ١٤، فرائد السمطين ٢: ١٣٦ الباب ٣٢ الحديث (٤٣٢ ــ ٤٣٥).

2- انظر: المزار، للمشهدي: ٤٩٧، الباب ١٨ الزيارة التاسعة.


الصفحة 354

لأنّه عند أهل الكتاب كانت فكرة الفداء تدلّ على النسل المبارك، كما فعل إبراهيم مع إسماعيل، وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ(1)، أي: أنّه بيّن أنّ هذا الفداء كان رمزاً للإسلام، وخروج نبيّ الإسلام من نسل إسماعيل..

وهل أشار أحد من الأئمّة أو علماء الشيعة لهذه الفرضية؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

مسألة جعل الإمامة في نسل عليّ(عليه السلام)وفي نسل الحسين(عليه السلام)دون الحسن(عليه السلام)تعود للاختيار الإلهي المستند إلى علمه وحكمته تعالى، ولا توجد علل حقيقة في هذه المسألة سوى ما أشرنا إليه، قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعلَمُ حَيثُ يَجعَلُ رِسَالَتَهُ(2).

نعم، يوجد في الآيات والروايات دلالة على أنّ الاصطفاء لا يكون إلّا بعد الابتلاء للنبيّين والأوصياء، ولعلّه يكون لما ابتلي به الحسين(عليه السلام)وصبر عليه تأثير أيضاً في جعل الإمامة في نسله، وتوجد إشارة في بعض الروايات إلى هذا(3).

____________

1- الصافات ٣٧: ١٠٣.

2- الأنعام ٦: ١٢٤.

3- علل الشرائع، للصدوق ١: ٢٠٥ الباب ١٥٦.


الصفحة 355

(صغر السنّ لا يقدح بالإمامة)

« صادق اللواتي ــ عمان ــ إمامي »

السؤال:

ما هو الدليل على إمامة الإمام الجواد(عليه السلام)مع أنّه كان صغير السن؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إن كان الإشكال في صغر السن، فقد ثبت عدم دخالة العمر في شرط الإمامة والقيادة، عقلاً ونقلاً..

أمّا عقلاً: فلا دليل على استحالة ذلك؛ فيكون من الممكنات.

وأمّا نقلاً: فهنالك آيات وروايات كثيرة ثبت من خلالها إمكان بل وقوع النبوّة والتبليغ والإمامة والقيادة للأُمّة بسنّ صغيرة، وهذا عيسى(عليه السلام)يشهد له القرآن بذلك؛ إذ يقول: ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً _ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً(1)، وكذلك تحدّث عن يحيى(عليه السلام)، فقال: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً(2).

وإن كان الإشكال في شيء آخر، فأخبرنا ونحن لك من الشاكرين..

____________

1- مريم ١٩: ٢٩ ــ ٣٠.

2- مريم ١٩: ١٢.


الصفحة 356

(إمام هذا الزمان)

« أحمد ــ لبنان ــ حنفي»

السؤال:

من هو إمام هذا الزمان؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إمام هذا الزمان هو: الإمام المهدي(عليه السلام), واسمه الكامل محمّد بن الحسن العسكري بن عليّ الهادي بن محمّد الجواد بن عليّ الرضا بن موسى الكاظم ابن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن عليّ السجّاد بن الحسين الشهيد بن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(صلوات الله عليهم أجمعين).

وهو الإمام الثاني عشر من هذه السلسلة المباركة بالإضافة إلى الإمام الحسن(عليه السلام)، التي أشار إليها النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) في أحاديث متواترة مشهورة عند الفريقين: (لا يزال الدين قائماً حتّى تقوم الساعة, أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة, كلّهم من قريش)، رواه مسلم وأحمد(1), ولا يوجد أيّ بيان صحيح لهذه الأحاديث، أي: أحاديث الخلفاء الاثنا عشر، في كتب أهل السُنّة سوى

____________

1- مسند أحمد بن حنبل ٥: ٨٦ ــ ١٠٨ حديث جابر بن سمرة، صحيح البخاري ٨: ١٢٧ كتاب الأحكام، صحيح مسلم ٦: ٣، ٤ كتاب الإمارة، باب الاستخلاف وتركه، سنن أبي داود ٢: ٣٠٩ الحديث ٤٢٧٩ كتاب المهدي، سنن الترمذي ٣: ٣٤٠ الحديث ٢٣٢٣ أبواب الفتن، المستدرك على الصحيحين، للنيسابوري ٣: ٦١٧ كتاب معرفة الصحابة.


الصفحة 357

ما أشرنا إليه أعلاه..

والبيان المتقدّم بأنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)هم الخلفاء الاثنا عشر الوارد ذكرهم في الأحاديث النبوية، يتوافق تماماً مع أحاديث نبوية أُخرى صحيحة وردت في هذا المعنى، نذكر منها: الحديث الصحيح المتواتر المسمّى: (حديث الثقلين)..

وهو: قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً, وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا علَيَّ الحوض)، رواه الترمذي والحاكم وابن أبي عاصم، وغيرهم(1).

فهذا الحديث الشريف يثبت استمرار إمامة أهل البيت(عليهم السلام)إلى يوم القيامة، وقد نصّ على هذا المعنى (المستفاد من الحديث) عدّة من علماء أهل السُنّة، كابن حجر في (الصواعق)(2)، والسمهودي الشافعي في (جواهر العقدين)(3)، والزرقاني في (شرح المواهب)(4)، وغيرهم.

____________

1- مسند أحمد بن حنبل ٣: ١٤، ١٧، ٢٦، ٥٩ مسند أبي سعيد، ٤: ٣٦٧ حديث زيد بن أرقم، كتاب السُنّة، لابن أبي عاصم: ٦٢٩ الحديث (١٥٥١ ــ ١٥٥٨)، سنن الدارمي ٢: ٤٣٢ كتاب فضائل القرآن، باب فضل من قرأ القرآن، فضائل الصحابة، للنسائي: ١٥، ٢٢، المستدرك على الصحيحين، للنيسابوري ٣: ١٠٩، ١٤٨، السنن الكبرى، للبيهقي ٢: ١٤٨ جماع أبواب صفة الصلاة.

2- الصواعق المحرقة٢: ٤٣٩.

3- جواهر العقدين في فضل الشرفين ١: ٩٤ القسم الثاني، الرابع، التنبيه الثالث.

4- شرح الزرقاني على المواهب اللّدنية بالمنح المحمّدية ٩: ٢٥٠ المقصد السابع، الفصل الثالث.


الصفحة 358

والحديث الصحيح: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)(1), فهو دالّ على وجود إمام لكلّ زمان ينبغي معرفته واتّباعه, ولا تجد لهذا الحديث تفسيراً واضحاً عند أهل السُنّة, سوى حديث الخلفاء الاثني عشر الذين تستمر إمامتهم إلى يوم القيامة, ولا يُفسّر حديث الخلفاء الاثنا عشر تفسيراً صحيحاً إلّا بحديث الثقلين، الموافق له في المضمون والمعنى..

فتعيّن: أنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)هم الخلفاء الذين منهم إمام زماننا(عجل الله تعالى فرجه الشريف) .

تعليق:

« أحمد ــ لبنان ــ حنفي»

السلام عليكم:

أشرتم في جوابكم: أنّ إمام الزمان: المهدي، وهو المطلوب معرفته واتّباعه، فكيف تتّبع إنساناً لا تراه؟! وما هو مفهوم الطاعة عندكم؟

الذي نعرفه أنّ الطاعة هي: الامتثال للإرادة, فكيف يمكن من الناحية العملية أن تطيع أو تتّبع الإمام المهدي؟

فأغلب المسلمين متساوون من هذه الناحية, فأغلبهم يعرفون الإمام المهدي,

____________

1- انظر: مسند أحمد بن حنبل ٤: ٩٦ حديث معاوية، صحيح مسلم ٦: ٢٢ كتاب الإمارة، باب حكم من فرّق أمر المسلمين، السنن الكبرى، للبيهقي ٨: ١٥٦ كتاب قتال أهل البغي، باب الترغيب في لزوم الجماعة، مسند أبي داود الطيالسي: ٢٥٩، كتاب السُنّة، لابن أبي عاصم: ٤٨٩ الحديث ١٠٥٧، مسند أبي يعلى ١٣: ٣٦٦ الحديث ٧٣٧٥، صحيح ابن حبّان ١٠: ٤٣٤ كتاب السير، وغيرها.


الصفحة 359

أمّا الحديث المشار إليه، فإنّ (الهاء) في كلمة (زمانه) تعود إلى المكلّف ــ أي: زمان المكلّف ــ أي: ضرورة وجود إمام مختصّ لكلّ زمان.

وبالإضافة إلى ذلك، فإنّي سمعت محاضرة لأحد العلماء الشيعة قال فيها: إنّ إمام الزمان لا يقصد به الإمام المهدي!

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لقد دلّت الأحاديث على وجود اثني عشر إماماً، أو خليفة، أو أميراً, بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يتولّون شؤون المسلمين وقيادتهم إلى قيام الساعة، كما ذكرنا ذلك لك في الجواب السابق, ومن المصادر المعتبرة عند أهل السُنّة قبل الشيعة..

وقد قلنا: إنّ هذه الأحاديث لا يوجد تفسير صحيح لها سوى تطبيقها على أئمّة العترة النبوية الطاهرة من الأئمّة الاثني عشر المعصومين(عليهم السلام) ..

وهذا ما يستفاد أيضاً من حديث التمسّك بالثقلين ــ الكتاب والعترة ــ المتضافر المشهور, الذي دلّ على وجود إمام من أهل البيت(عليهم السلام)يجب التمسّك به مع القرآن الكريم إلى يوم القيامة؛ لأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال هذا الحديث: (وإنّهما ــ الكتاب والعترة ــ لن يفترقا حتّى يردا علَيَّ الحوض)..

وقد استفاد ما ذكرناه أيضاً بعض علماء الجمهور، كالسمهودي الشافعي، في ما نقله عنه الإمام الزرقاني المالكي في (شرح المواهب)؛ إذ قال: (هذا الخبر يفهم منه وجود من يكون أهلاً للتمسّك به من عترته في كلّ


الصفحة 360

زمن إلى قيام الساعة، حتّى يتوجّه الحثّ المذكور على التمسّك به، كما أنّ الكتاب كذلك)(1).

فالإمام الثاني عشر, حسب حديث الثقلين, موجود حيّ، لا يفارق القرآن ولا يفارقه، إلى يوم وفاته(عليه السلام)وهو قبل قيام الساعة.. فالمعلوم أنّ الأئمّة الأحد عشر من آبائه(عليهم السلام)قد توفّوا، وهذا ثابت مشهور, وبقي هو (عليه السلام)حيّاً غائباً، قد دلّت على ذلك نصوص كثيرة متضافرة عندنا, وأثبتت أيضاً أمر ولادته، وأنّه ابن الإمام الحسن العسكري(عليه السلام).

أمّا سؤالك عن كيفية اتّباعه وهو غائب، أو عن كيفية إطاعته..

فنقول: لقد وردت الروايات الصحيحة عندنا التي توجّه المسلمين، الذين يعتقدون بإمامة الأئمّة الاثني عشر, ويتّبعون الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) في ما ذكره في هذا الجانب, إلى العودة إلى الفقهاء الذين يروون أحاديث أهل البيت(عليهم السلام) , وقد ورد عن الإمام المهدي(عليه السلام)نفسه قوله: (وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا؛ فإنّهم حجّتي عليكم، وأنا حجّة الله عليهم)(2)..

وهذا الحديث الوارد عنه(عليه السلام)هو السبيل لطاعته في زمن الغيبة, أي: بالعودة إلى الفقهاء ومراجع الدين، الذين يروون أحاديث أهل البيت(عليهم السلام)وتقليدهم في العبادات والمعاملات..

____________

1- شرح الزرقاني على المواهب اللّدنية ٩: ٢٥٠ المقصد السابع، الفصل الثالث.

2- انظر: إكمال الدين وإتمام النعمة، للصدوق: ٤٨٤، الباب الخامس والأربعون: ذكر التوقيعات ٤.


الصفحة 361
الصفحة السابقةالصفحة التالية