المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 7) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 7) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 477 - ص 506)

الهادي(عليه السلام): (إنّ الله أحدث فيك أمراً)؟ إذ لو كانت أسماء الأئمّة معروفة فما هو موقع البداء بتعيّن الإمام العسكري(عليه السلام)إماماً، مع شهرة القول بإمامة محمّد ابن الإمام الهادي(عليه السلام)؟

ولكم جزيل الشكر.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نشير هنا إلى عدّة نقاط لها صلة بالموضوع كي يرتفع الإبهام عن المسألة:

أوّلاً: إنّ البداء بأيّ تفسير مقبول يجب أن لا يعارض العلم الأزلي لله تبارك وتعالى, وهذا شيء لا مناص منه ومتّفق عليه.

ثانياً: معنى البداء ــ على التحقيق ــ هو: إظهار شيء في عالم التكوين من جانب الله عزّ وجلّ كان مكتوماً على الناس، فهم كانوا لا يرونه، أو يرون خلافه, فبإظهاره ــ تبارك وتعالى ــ يظهر عندهم؛ ففي الواقع البداء: إظهار من قبل الله ــ على لسان المعصومين(عليهم السلام) وظهور عند الناس, فله وجهان، باعتبارين، ونظرتين مختلفتين، فلا تنافي بينهما.

ثالثاً: إنّ النصوص الواردة إلينا في أسماء الأئمّة المعصومين الاثني عشر(عليهم السلام)هي بحدّ الاستفاضة بل التواتر, وكلّها متّفقة في العدد والأسامي, وعليه فكلّ ما يوهم خلاف ذلك، إمّا مردود سنداً، وإمّا ممنوع ومخدوش من باب الدلالة.

رابعاً: إنّ الرواية التي تتحدّث عن طُرو البداء في شأن الإمام العسكري(عليه السلام)ــ مع غضّ النظر عن البحث السندي فيها ــ ليس فيها ما ينافي القواعد التي ذكرناها,


الصفحة 482

بل فيها تلويح بأنّ الناس كانوا يرون الإمامة بعد الإمام الهادي(عليه السلام)في ابنه الأكبر السيّد محمّد (سبع الدجيل), وثمّ بعد وفاته صرّح الإمام الهادي(عليه السلام)بخطأ ما ذهبوا إليه بعدما تبيّن عندهم أيضاً ذلك.

والذي يدلّ على ما قلنا: أنّه لا يوجد أيّ تصريح من الإمام الهادي(عليه السلام)، أو آبائه، بإمامة السيّد محمّد حتّى يُفرض تبدّل كلامهم(عليهم السلام)حينئذ, بل إنّ الشيعة، ومن منطلق ارتكازاتهم الموجودة، كانوا يعتقدون بإمامة الولد الأكبر, ولكنّ الله، ومن منطلق علمه الأزلي ووجود المصالح الإلهيّة، كان لم يجعل ذلك، وفي نفس الوقت المصلحة العليا تقتضي أن لا يصرّح بهذا الموضوع قبل وفاة السيّد محمّد.

ولا يخفى أنّ المصلحة قد تكون هي: بيان مقام السيّد محمّد وعظمته عند الشيعة، حتّى يعرفونه بحدّ قريب لمعرفتهم الإمام(عليه السلام)، أو أنّ المصلحة كانت: في إخضاع الشيعة للاختبار الإلهي في طاعتها وولائها لله عزّ وجلّ، والأئمّة المعصومين(عليهم السلام) ، أو غير ذلك.

وأخيراً لا بأس أن نشير إلى ورود رواية بالمضمون نفسه في شأن الإمام الكاظم(عليه السلام)لتدلّ على حدوث البداء له بالنسبة إلى أخيه الأكبر إسماعيل. والبحث في هذه الرواية كسابقتها.

وبالجملة، فالاعتقاد والالتزام بالبداء لا يناقض الأُمور الحتميّة واليقينيّة، كما ذكرنا.


الصفحة 483

تعليق ١:

« كارم محمود ــ مصر ــ سُنّي »

اقتباس: (ولكنّ الله، ومن منطلق علمه الأزلي ووجود المصالح الإلهيّة، كان لم يجعل ذلك، وفي نفس الوقت المصلحة العليا تقتضي أن لا يصرّح بهذا الموضوع قبل وفاة السيّد محمّد.

ولا يخفى أنّ المصلحة قد تكون هي: بيان مقام السيّد محمّد وعظمته عند الشيعة، حتّى يعرفونه بحدّ قريب لمعرفتهم الإمام(عليه السلام)، أو أنّ المصلحة كانت: في إخضاع الشيعة للاختبار الإلهي في طاعتها وولائها لله عزّ وجلّ، والأئمّة المعصومين(عليهم السلام) ، أو غير ذلك...).

من الذي أوحى له الله سبحانه وتعالى: (كان لم يجعل ذلك، وفي نفس الوقت المصلحة العليا تقتضي أن لا يصرّح بهذا الموضوع قبل وفاة السيّد محمّد)، حتّى يجعل الله سبحانه وتعالى يطلعه على مكنون نفسه؟

وهل يصحّ التكلّم بالبداء من مسلم يعلم يقيناً بأنّ المولى عزّ وجلّ خلق كلّ شيء بقدر، وقدّر لعمارة الأرض في كلّ وقت، وكلّ زمان، بقدر معلوم؟

أرجو الردّ.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ فهمك للعبارة التي اقتبستها: من أنّها تدلّ على لا بدّية الوحي للإمام، إن هو إلّا فهم خاطئ! فلا يوجد في تلك العبارة ما يدلّ على ذلك، وإنّ قولنا: (كان


الصفحة 484

لم يجعل ذلك)، يعني: أنّ الله سبحانه وتعالى كان في علمه الأزلي أنّ الإمام ليس هو الولد الأكبر للإمام الهادي(عليه السلام)، وأنّ اعتقاد الشيعة بذلك لا يغيّر الواقع عند الله، وعند الإمام أيضاً، فالإمام الهادي(عليه السلام)كان يعلم من آبائه عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ الإمام ليس هو السيّد محمّد، بل هو الحسن العسكري(عليه السلام).

نعم، هو لم يصرّح بذلك، وعدم تصريحه بذلك لا يعني أنّ الأمر ملتبس عليه، وأنّه لا يعلم ذلك، بل إنّ علمه بذلك من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالأخبار التي وصلت عن آبائه(عليهم السلام) ، وأنّ إمامة الحسن العسكري(عليه السلام)لم يعلمها عن طريق الوحي مباشرة، وإن كان ذلك في حقّهم ممكن، ولكنّه عرف ذلك بالنصوص وبالعلامات التي تظهر في كلّ إمام منذ ولادته.

تعليق ٢:

« أبو رضا ــ السعودية ــ إمامي »

السلام عليكم..

هل نفهم هنا من البداء في الإمام الكاظم(عليه السلام)والإمام العسكري(عليه السلام): أنّ الإمامة منصوصة عليهم نصّاً، ولكن كان هناك بعض الشيعة يرون الإمامة في إسماعيل أخو الإمام الكاظم(عليه السلام)، ومحمّد (سبع الدجيل) أخو الإمام العسكري(عليه السلام)؟

فإذا كان هذا ما يُرى، فأين حديث الخلفاء الاثنا عشر(عليه السلام)، والذي نصّ على أسماء الأئمّة(عليهم السلام)من رسول الله؟ فهذا ما جعل أحمد الكاتب ينقد حديث الخلفاء الاثني عشر ويدّعي مخالفته لما جرى في أوساط حياة الأئمّة(عليهم السلام)من البداء وتعدّد الفرق الشيعية، ويتساءل بلم هذا التعدّد مع وجود


الصفحة 485

حديث ينصّ على الأئمّة(عليهم السلام) ؟ ولذا قال: إنّ الإمامة بالشورى، وإنّ الإمامة أغراضها سياسية.

فما قولكم؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نعم، هناك نص على إمامة الإمام الكاظم(عليه السلام)والإمام العسكري(عليه السلام)، ولكن بعض الشيعة الذين لم يصلهم النص، أو وصلهم لا على نحو التواتر، ولم يعتقدوا به، لشبهة، أو لظنّ مخالف له، كانوا يرون أنّ الإمامة في إسماعيل؛ لأنّه الابن الأكبر، مثلاً، أو في سيّد محمّد (سبع الدجيل)..

ولكن اعتقاد بعض الشيعة ذلك، ثمّ ظهور خلافه والتعبير عنه بـ(البداء)، لا يعني وجود نص لأئمّة متعدّدين غير الاثني عشر(عليهم السلام) ، كما يحاول أنّ يوهم أحمد الكاتب القرّاء به؛ فإنّ ما قاله مغالطة! إذ أقام اعتقاد بعض الشيعة أو ورود روايات البداء بحقّ المعنيَّين على أنّها نص فيهما، وهذا محض هراء.. فلا يوجد هناك نص واحد بإمامتهما.

وأمّا كون روايات النص على الأئمّة، ومنها: حديث الاثني عشر، متواترة، أو مستفيضة، فإنّه لا يعني: لا بدية معرفتها والعلم بها من كلّ أحد؛ فإنّ تعريف (التواتر) بأنّه: خبر جماعة يؤمن أو يستحيل تواطئهم على الكذب، لا يدخل في مفهومه حصول العلم به من الجميع، وكذا (المستفيض)، فهما يختلفان عن مصطلح (الشهرة)، فبناء الإشكال على تصوّر أو إيهام الملازمة بين وجود التواتر ووجوب علم الجميع به محض جهلٍ، أو مغالطة؛ فتأمّل!


الصفحة 486

تعليق ٣:

« أحمد إبراهيم ــ الأردن ــ سُنّي »

لماذا لا تعودون إلى كتبكم وتغيّرون الأحاديث بأسماء الأئمّة كما هي عندكم، حتّى لا يكون للناس عليكم حجّة؟!

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الروايات التي تذكر أسماء الأئمّة(عليهم السلام)عندنا تحدّد نفس الأسماء التي حصلت فعلاً، وهذا واحد من الأُمور التي نحتجّ بها على صحّة مذهبنا؛ فعندنا روايات عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعن فاطمة الزهراء(عليها السلام) تشير إلى أسماء الأئمّة(عليهم السلام) ، والذي حصل فعلاً هو إمامة أُولئك الأشخاص فعلاً دون أيّ تغيير.

نعم، قد يذكر الإمام بعدّة ألقاب، وأنت تتصوّر أنّ في هذا اختلاف، وهو في الحقيقة ليس باختلاف.

(عن الرواية الواردة في البداء في الإمام العسكري(عليه السلام)

« محمّد ــ مصر ــ سُنّي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته..

ورد في كتاب (الغيبة) للشيخ، وفي (الكافي)، و(الإرشاد): عن أبي هاشم الجعفري، قال: كنت عند أبي الحسن العسكري(عليه السلام)وقت وفاة ابنه أبي جعفر،


الصفحة 487

وقد كان أشار إليه ودلّ عليه، وإنّي لأُفكّر في نفسي وأقول: هذه قصّة أبي إبراهيم وقصّة إسماعيل، فأقبل علَيَّ أبو الحسن(عليه السلام)وقال: نعم يا أبا هاشم! بدا لله في أبي جعفر وصيّر مكانه أبا محمّد، كما بدا له في إسماعيل بعدما دلّ عليه أبو عبد الله(عليه السلام)ونصّبه...) إلى آخر الرواية الشريفة.

السؤال الأوّل: هل أمر الإمامة من الأُمور التي يعرض عليها المحو والإثبات والبداء؟ أم من الأُمور المحتومة؟

السؤال الثاني: كيف يمكن الجمع بين هذه الرواية الشريفة والروايات المتكثّرة في النص على أسماء الأئمّة المعصومين(عليهم السلام)على لسان الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) وباقي الأئمّة المعصومين(عليهم السلام) ، وكذلك الروايات التي تذكر أنّهم(عليهم السلام)كانوا أنواراً حول العرش محدقين قبل الخلق؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: روى الكليني في (الكافي) هذه الرواية بسند متّصل عن أبي هاشم الجعفري نفسه بغير هذه الألفاظ ــ مورد الإشكال ــ قال: (علي بن محمّد، عن إسحاق بن محمّد، عن أبي هاشم الجعفري، قال: كنت عند أبي الحسن(عليه السلام)بعد ما مضى ابنه أبو جعفر، وإنّي لأُفكّر في نفسي أُريد أن أقول: كأنّهما ــ أعني: أبا جعفر وأبا محمّد ــ في هذا الوقت كأبي الحسن موسى وإسماعيل ابني جعفر بن محمّد(عليهم السلام) ، وإنّ قصّتهما كقصّتهما؛ إذ كان أبو محمّد المرجى بعد أبي جعفر(عليه السلام).

فأقبل علَيَّ أبو الحسن قبل أن أنطق، فقال: (نعم يا أبا هاشم! بدا لله في أبي محمّد بعد أبي جعفر ما لم يكن يعرف له، كما بدا له في موسى بعد مضي إسماعيل


الصفحة 488

ما كشف به عن حاله، وهو كما حدّثتك نفسك وإن كره المبطلون، وأبو محمّد ابني الخلف من بعدي، عنده علم ما يحتاج إليه ومعه آلة الإمامة))(1).

ورواه بالمتن والسند نفسه المفيد في (الإرشاد)(2)، وليس فيه ما جاء في متن رواية (الغيبة) من قول: (وقد كان أشار إليه ودلّ عليه)، وقوله: (بعدما دلّ عليه أبو عبد الله(عليه السلام)ونصّبه)، وهو موافق لما يعتقده الشيعة..

والكليني والمفيد متقدّمان على الشيخ الطوسي، الذي رواها بسند منقطع عن سعيد بن عبد الله الأشعري، عن أبي هاشم الجعفري؛ فما قلته من أنّ الرواية وردت في (الغيبة)، و (الكافي)، و(الإرشاد) غير صحيح!

ولكن المسعودي المتقدّم على الطوسي أيضاً ــ وفاته في (٣٤٦هـ) ــ روى الرواية: عن سعيد بن عبد الله، عن أبي هاشم الجعفري، من دون هذه الزيادات الواردة في متن رواية الطوسي؛ قال: (روى سعد بن عبد الله بن أبي خلف، عن داود بن القاسم الجعفري، قال: كنت عند أبي الحسن لما مضى ابنه محمّد، ففكرت في نفسي فقلت: كانت قصّة أبي محمّد مثل قصّة إسماعيل وأبي الحسن موسى(عليه السلام)، فالتفت إلَيَّ فقال: (نعم يا أبا هاشم! هو كما حدّثتك نفسك وإن كره المبطلون، أبو محمّد ابني الخلف من بعدي، عنده علم ما يحتاج إليه، ومعه آلة الإمامة، والحمد لله ربّ العالمين))(3).

____________

1- الكافي ١: ٣٢٧، باب الإشارة والنص على أبي محمّد(عليه السلام) الحديث ١٠.

2- الإرشاد ٢: ٣١٩ تاريخ الإمام الحسن العسكري.

3- إثبات الوصية: ٢٤٤ القسم الثاني، الحسن العسكري(عليه السلام) .


الصفحة 489

فتبيّن: أنّ ما جاء في متن رواية الطوسي كان من تصرّف الرواة بعد سعد بن عبد الله، وأنّهم نقلوا الرواية بالمعنى حسب ما توهّموه من معنى البداء، وغلب على ظنّهم ما شاع عند شريحة واسعة من ضعفاء الشيعة من كون إسماعيل هو الإمام بعد الصادق(عليه السلام)، وإنّ أبا جعفر محمّد بن عليّ(عليه السلام)هو الإمام بعد عليّ الهادي(عليه السلام).

ثانياً: ظاهر رواية الطوسي معارَض بروايات أُخرى صريحة عن الإمام الهادي(عليه السلام)بأنّه نصّ على ولده الحسن العسكري(عليه السلام)في حياة ولده محمّد.. كهذه الرواية التي رواها الكليني عن: (علي بن محمّد، عن جعفر بن محمّد الكوفي، عن بشّار بن أحمد البصري، عن علي بن عمر النوفلي، قال: كنت مع أبي الحسن(عليه السلام)في صحن داره، فمرّ بنا محمّد ابنه، فقلت له: جعلت فداك، هذا صاحبنا بعدك؟ فقال: (لا، صاحبكم بعدي الحسن))(1).

ثمّ إنّ هذه الرواية ظاهرها يخالف ما يعتقده الشيعة في البداء، من أنّه: إظهارٌ لعلم الله، لا تبدّل فيه.

ومن هنا نجد أنّ الشيخ الطوسي(رحمه الله) ذهب إلى تأويلها في كتابه (الغيبة)، قال: (ما تضمّن الخبر المتقدّم من قوله: (بدا لله في محمّد كما بدا له في إسماعيل)، معناه: ظهر من أمر الله وأمره في أخيه الحسن ما أزال الريب والشكّ في إمامته؛ فإنّ جماعة من الشيعة كانوا يظنّون أنّ الأمر في محمّد، من حيث كان الأكبر، كما كان يظنّ جماعة أنّ الأمر في إسماعيل بن جعفر دون موسى(عليه السلام)،

____________

1- الكافي ١: ٣٢٥، باب الإشارة والنص على أبي محمّد(عليه السلام) الحديث ٢.


الصفحة 490

فلمّا مات محمّد أظهر أمر الله فيه، وأنّه لم ينصّبه إماماً، كما ظهر في إسماعيل مثل ذلك، لا أنّه كان نص عليه، ثمّ بدا له في النص على غيره؛ فإنّ ذلك لا يجوز على الله تعالى العالم بالعواقب)(1).

والظاهر من الشيخ الطوسي أنّه لم يقارن ما رواه في (الغيبة) بما رواه الكليني في (الكافي)، أو أُستاذه المفيد في (الإرشاد).

ثمّ إنّ هذه الرواية تخالف ما رود عند الشيعة متواتراً من أسماء الأئمّة(عليهم السلام)واحداً فواحداً.

وقد ذهب البعض إلى طرحها بدل التأويل الذي أشار إليه الشيخ الطوسي آنفاً، كما جاء في (شبهات وردود) للسيّد سامي البدري، من أنّ: هذه الرواية تشتمل على ما يوجب طرحها، لا تأويلها؛ إذ قال الراوي فيها: (وقد كان أشار إليه ودلّ عليه)، أي: أنّ الهادي قد أشار إلى ولده محمّد(رحمه الله) ودلّ عليه، كما أشار أبو عبد الله(عليه السلام)من قبل إلى إسماعيل ونصّبه..

وممّا لا شكّ فيه أنّ أبا عبد الله الصادق(عليه السلام)لم ينصّب ولده إسماعيل للإمامة، بل هذه الدعوى هي دعوى الإسماعيلية، ثمّ رُبطت بالبداء وجُعلت مثالاً له من قبل المغرضين؛ لتشويه مسألة البداء عند الشيعة الإمامية، وقد أجمع الشيعة على تكذيبهم في تلك الدعوى..

قال الشيخ المفيد: وأمّا أمر الإمامة، فإنّه لا يوصف الله فيه بالبداء وعلى ذلك إجماع الإمامية، ومعهم فيه أثر عنهم(عليهم السلام)أنّهم قالوا: مهما بدا لله في شيء فلا يبدو له في نقل نبيّ عن نبوّته، ولا إمام عن إمامته(2).

____________

1- الغيبة: ٢٠١ أخبار وفاة محمّد في حياة أبيه الإمام علي النقي(عليه السلام) .

2- انظر: شبهات وردود ١: ٨١ الفصل السادس.


الصفحة 491

على أنّه يمكن ردّ دعوى الطرح هذه بما ورد في النص الآخر للرواية في (الكافي)، و(الإرشاد)، وما ورد في (إثبات الوصية)؛ إذ لم ترد فيها العبارات المذكورة، فيمكن المعالجة من هذه الناحية وقبول الرواية بالمتن الوارد في (الكافي)، الذي لا يتعارض مع مبتنيات الشيعة.

(تواتر كون الإمام المهدي(عجل الله تعالى فرجه الشريف) ثاني عشر الأئمّة وأنّه يغيب)

« عبد الكريم البصري ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هل توجد روايات متواترة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) تتحدّث عن كون الإمام المهدي المنتظر(عجل الله تعالى فرجه الشريف) هو الإمام الثاني عشر من أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ، وتؤكّد بصورة واضحة وصريحة أنّه سيغيب عن الناس وهو صغير السن، وربّما قبل أن تراه عامّة الناس؟

مع خالص شكري وتقديري لمقامكم الكريم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الأخبار في كون المهدي(عليه السلام)الثاني عشر من الأئمّة، وأنّه سوف يغيب، متواترة، ولعلّ عشرة أحاديث كافية لإثبات ذلك:

١ــ حدّثنا أبي(رضي الله عنه) ، قال: حدّثنا سعد بن عبد الله بن أبي خلف، قال: حدّثني يعقوب بن زيد، عن حمّاد بن عيسى، عن عبد الله بن مسكان، عن أبان بن تغلب،


الصفحة 492

عن سليم بن قيس الهلالي، عن سلمان الفارسي(رحمه الله)، قال: دخلت على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وإذا بالحسين(عليه السلام)على فخذيه وهو يقبّل عينيه ويلثم فاه، وهو يقول: (أنت سيّد ابن سيّد، أنت إمام ابن إمام أبو الأئمّة، أنت حجّة ابن حجّة أبو حجج تسعة من صلبك، تاسعهم قائمهم)(1).

٢ــ حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر، قال: حدّثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا، عن أبيه، عن آبائه(عليهم السلام) ، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (أنا سيّد من خلق الله عزّ وجلّ، وأنا خير من جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وحملة العرش وجميع ملائكة الله المقرّبين وأنبياء الله المرسلين، وأنا صاحب الشفاعة والحوض الشريف، وأنا وعليّ أبوا هذه الأُمّة، من عرفنا فقد عرف الله عزّ وجلّ، ومن أنكرنا فقد أنكر الله عزّ وجلّ، ومن عليّ سبطا أُمّتي وسيّدا شباب أهل الجنّة: الحسن والحسين، ومن ولد الحسين تسعة أئمّة، طاعتهم طاعتي، ومعصيتهم معصيتي، تاسعهم قائمهم ومهديّهم)(2).

٣ــ في (كفاية الأثر): وعنه قال: حدّثنا محمّد بن جرير الطبري قراءة عليه، قال: حدّثني محمّد بن يحيى النحلي، عن علي بن مشهر، عن عبد الملك بن أبي سلمان، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول للحسين(عليه السلام): (يا حسين! أنت الإمام ابن الإمام، تسعة من ولدك أئمّة أبرار،

____________

1- الخصال: ٤٧٥ أبواب الاثني عشر، الحديث ٣٨.

2- إكمال الدين وإتمام النعمة، للصدوق: ٣٦١ الباب ٣٤ الحديث ٧.


الصفحة 493

تاسعهم قائمهم. فقيل: يا رسول الله! كم الأئمّة بعدك؟ قال: اثنا عشر، تسعة من صلب الحسين)(1).

٤ــ حدّثنا علي بن الحسن بن محمّد بن مندة، قال: حدّثنا أبو محمّد هارون ابن موسى، قال: حدّثنا أبو العبّاس أحمد بن محمّد سعيد، قال: حدّثنا محمّد بن سالم بن عبد الرحمن الأزدي، عن الحسن أبي جعفر، قال: حدّثنا علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي ذرّ الغفاري، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (الأئمّة بعدي اثنا عشر، تسعة من صلب الحسين(عليه السلام)، تاسعهم قائمهم...)(2).. الحديث.

٥ــ حدّثني محمّد بن عثمان بن محمّد الصيداني، وغيره، قال: حدّثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، قال: حدّثنا سلمان بن حرب الواشجي، قال: حدّثنا حمّاد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ الله اختار من الأيام: يوم الجمعة، ومن الليالي: ليلة القدر، ومن الشهور: شهر رمضان، واختارني وعليّاً، واختار مِن عليّ: الحسن والحسين، واختار من الحسين: حجج العالمين، تاسعهم قائمهم أعلمهم أحكمهم)(3).

٦ــ وأخبرنا أيضاً جماعة عن عدّة من أصحابنا، عن محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أُذينة، عن أبان بن أبي عيّاش، عن سليم بن قيس، قال: سمعت عبد الله بن جعفر الطيّار

____________

1- كفاية الأثر: ٣٠، باب ما جاء عن أبي سعيد الخدري.

2- كفاية الأثر: ٣٨، باب ما جاء عن أبي ذرّ الغفاري.

3- مقتضب الأثر: ٩ ما رواه عامّة أصحاب الحديث عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في أعداد الأئمّة.


الصفحة 494

يقول: كنّا عند معاوية، أنا والحسن والحسين وعبد الله بن عبّاس وعمر بن أُمّ سلمة وأُسامة بن زيد، فجرى بيني وبين معاوية كلام، فقلت لمعاوية: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: (أنا أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم، ثمّ أخي عليّ بن أبي طالب أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد عليّ فالحسن أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضى الحسن فالحسين أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد فابنه عليّ بن الحسين أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم، وستدركه يا عليّ، ثمّ ابنه محمّد بن عليّ أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم، يا عليّ، ثمّ يكمله اثنا عشر إماماً تسعة من ولد الحسين...)(1).. الحديث.

٧ــ حدّثنا أبي ومحمّد بن الحسن ومحمّد بن موسى المتوكّل(رضي الله عنهم)، قالوا: حدّثنا سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر الحميري ومحمّد بن يحيى العطّار جميعاً، قالوا: حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى وإبراهيم بن هاشم وأحمد بن أبي عبد الله البرقي ومحمّد بن الحسين بن أبي الخطاب جميعاً، قالوا: حدّثنا أبو علي الحسن بن محبوب السراد، عن داود بن الحصين، عن أبي بصير، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن آبائهم(عليهم السلام) ، قال: (قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): المهدي من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خَلْقاً وخُلُقاً، تكون له غيبة وحيرة حتّى تضلّ الخلق عن أديانهم، فعند ذلك يقبل كالشهاب الثاقب، فيملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً)(2).

____________

1- الغيبة، للطوسي: ١٣٨ الحديث ١٠١ أخبار الخاصة على إمامة الاثني عشر(عليهم السلام) .

2- إكمال الدين وإتمام النعمة: ٢٨٧ الحديث ٤ الباب ٢٥.


الصفحة 495

٨ــ حدّثنا عبد الواحد بن محمّد بن عبدوس العطّار النيسابوري، قال: حدّثنا علي بن محمّد بن قتيبة النيسابوري، قال: حدّثنا حمدان بن سليمان النيسابوري، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيغ، عن صالح بن عقبة، عن أبيه، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر، عن أبيه سيّد العابدين عليّ بن الحسين، عن أبيه سيّد الشهداء الحسين بن علي، عن أبيه سيّد الأوصياء أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليهم السلام) ، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (المهدي من ولدي، تكون له غيبة وحيرة تضلّ فيها الأُمم، يأتي بذخيرة الأنبياء(عليهم السلام) ، فيملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً)(1).

٩ــ أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمّد بن البرمكي بن سعيد الخزاعي، قال: حدّثنا أبو الحسين محمّد بن أبي عبد الله الكوفي الأسدي، قال: حدّثنا إسماعيل ابن محمّد البرمكي، قال: حدّثنا موسى بن العمران النخعي، قال: حدّثنا شعيب بن إبراهيم التميمي، قال: حدّثنا سيف بن عميرة، عن أبان بن إسحاق الأسدي، عن الصباح بن محمّد بن أبي حازم، عن سلمان، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (الأئمّة بعدي اثنا عشر عدد شهور الحول، ومنّا مهدي هذه الأُمّة، له غيبة موسى، وبهاء عيسى، وحلم داود، وصبر أيّوب)(2).

١٠ـ حدّثنا محمّد بن علي(رضي الله عنه) ، قال: حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسرور(رضي الله عنه) ، قال: حدّثنا الحسين بن محمّد بن عامر، عن عمّه محمّد بن أبي عمير، عن أبي جميلة المفضل بن الحسن بن صالح، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن جابر بن

____________

1- إكمال الدين وإتمام النعمة: ٢٨٧ الحديث ٥ الباب ٢٥.

2- كفاية الأثر: ٤٣، باب ما جاء عن سلمان الفارسي.


الصفحة 496

عبد الله الأنصاري، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (المهدي من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خَلقاً وخُلُقاً، يكون له غيبة وحيرة يضلّ فيها الأُمم، ثمّ يقبل كالشهاب الثاقب، يملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً)(1).

اكتفينا بهذه العشرة، في بعضها نص على الغيبة، وفي البقية نص على كون التاسع من ولد الحسين(عليه السلام)هو المهدي والقائم(عجل الله تعالى فرجه الشريف) ، وهو يستلزم الولادة وطول العمر والغيبة؛ لأنّه لم يظهر لحد الآن..

وهناك روايات غيرها بالعشرات ما يكفي لحصول التواتر ويزيد، فراجعها في مضانّها.

(لماذا لم يوصِ الحجّة المنتظر(عليه السلام)لمن هو الخليفة بعده؟)

« أحمد جاسم ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

نحن الشيعة نعتقد ــ ونُصرّ على ذلك ــ: أنّ النبيّ محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يغادر الدنيا إلّا بعد أن أوصى بالإمام عليّ(عليه السلام)خليفة بعده، ونحتجّ بالدليل العقلي: أنّه لا يعقل أن يترك النبيّ الأُمّة بدون خليفة لكي تنقسم وتتناحر في تحديد من هو الخليفة.

____________

1- كفاية الأثر: ٦٦، باب ما جاء عن جابر الأنصاري.


الصفحة 497

فسؤالي هو: لماذا لم ينتهج الإمام المنتظر(عجل الله تعالى فرجه الشريف) سياسة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك؟ وكيف نوفّق بين الاعتقادين؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الشيعة تعتقد ــ بالأدلّة العقلية والنقلية ــ بوجوب وصاية النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ووقوعها لأمير المؤمنين(عليه السلام), ولكن في غيبة الإمام المنتظر(عجل الله تعالى فرجه الشريف) لم تعتقد الشيعة بانتهاء إمامته، أو خلافته، حتّى تجب الوصاية لغيره, بل إنّ إمامته مستمرّة فلا تحتاج إلى خليفة ينوب عنه, وأنّه(عليه السلام)يرعى الأُمّة والطائفة ولو من وراء ستار الغيبة.

فالغيبة لا تلغي مهمّات الإمامة مطلقاً, بل تصدّ عن الدور الحضوري للإمام(عليه السلام), وهذا بعكس ارتحال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الرفيق الأعلى؛ إذ يجب فيه وجود من يتولّى مسؤولية قيادة الأُمّة وإمامتها بعده.

ثمّ حتّى في عصر الغيبة وإن لم يصرّح بمنصب خلافة الإمام(عليه السلام)ونيابته, ولكن قد جاءت نصوص وأحاديث شريفة تؤكّد وجوب ملازمة الناس علماء الطائفة كنوّاب له (عليه السلام)واتّباعهم على نحو العموم, وفيها مواصفات هؤلاء من العلم والتقوى والعدالة وغيرها, حتّى لا يقع الناس في انحراف وضلالة.

(الفرق بين تعيين عليّ(عليه السلام)للإمامة وتعيين الفقهاء من قبل الإمام المهدي(عجل الله تعالى فرجه الشريف)

« جابر ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

وردت هذه التساؤلات من زميل لنا في الدراسة، وهو من أهل السُنّة:


الصفحة 498

(الآن الشيعة يقولون بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يترك الأُمّة تختار لنفسها إماماً أو خليفةً، بل هو(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي نصّب لهم عليّاً إماماً، وكان ذلك بأمر من الله تعالى..

فلماذا لا يطبّق هذا الكلام على إمامكم المهدي؟

لماذا لا يقتدي الإمام بجدّه رسول الله ولا يترك الأُمّة هكذا هملاً تختار لأنفسها مرجعاً).

فحبذا التكرّم مشكورين بالإجابة التفصيلية على هذه المغالطات..

ثبّتنا الله على ولاية أهل البيت(عليهم السلام) .

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الدليل العقلائي الذي يدعونا إلى لا بدّية جعل خليفة لحاكم بعد غيابه أو موته لا يدلّ على أكثر من وجوب التعيين للخليفة، أمّا أنّه يدلّ على التعيين بالنصّ على شخص، أو التعيين بالكلّي الذي له مصاديق متعدّدة، أو مصداق واحد، فهذا ما لا يدلّ عليه الدليل العقلائي.

فالدليل العقلائي يسوقنا إلى لا بدّية التعيين فقط بأيّ طريقة، سواء كان بالنصّ الشخصي، أو الكلّي الذي له مصاديق متعدّدة، أو الكلّي الذي له مصداق واحد.

والأوّل حصل من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في بيعة الغدير، وحصل أيضاً من الإمام الغائب في تعيين السفراء الأربعة.


الصفحة 499

والثاني حصل من قبل الله تعالى بقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ(1).

والثالث حصل بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(2).

ومن الثاني أيضاً حصل التعيين من قبل الإمام العسكري(عليه السلام)على الفقهاء العدول؛ إذ قال: (فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه)(3).

وربّ سائل يسأل: إذا كان الدليل العقلائي لا يدلّ على أكثر من لا بدّية التعيين بأيّ طريقة، فلماذا اختلف الحال في تعيين عليّ(عليه السلام)؟! فكان يكفي من الشارع أن يكتفي بالتعيين الذي نص عليه القرآن، والذي هو بالكلّي الذي له مصاديق؟

والجواب على ذلك يتّضح من خلال هذه النقاط:

١ــ إنّ اللطف الإلهي يقتضي تعيين ذلك المصداق بشخصه؛ وذلك لأنّ الدعوة الإسلامية ما تزال فتية، والرواسب الجاهلية ما تزال عالقة في نفوس الكثير من الصحابة إن لم نقل كلّهم، والواقع العملي الذي حصل برفض أحقّية

____________

1- النساء ٤: ٥٩.

2- المائدة ٥: ٥٥.

3- تفسير العسكري: ٣٠٠ الحديث ١٤٣ ذيل آية ٧٨ من سورة البقرة، وسائل الشيعة ١٣١:٢٧ الحديث ٣٣٤٠١ كتاب القضاء، الاحتجاج، للطبرسي ٢: ٢٦٢ احتجاج العسكري في أنواع شتّى من علوم الدين.


الصفحة 500

عليّ(عليه السلام)بالخلافة على الرغم من التعيين الشخصي دليل على صدق ما نقول، من أنّ الصحابة جميعاً سوف يرتدّون مع عدم التعيين الشخصي..

فحفاظاً على مسيرة الرسالة كان لا بدّ من باب اللطف الإلهي بتعيين ذلك المصداق بشخصه. وهذا بخلاف الحال بعد أكثر من ثلاثمائة سنة من الدعوة، ورسوخ المفاهيم والعقائد والأحكام في نفوس كثير من المسلمين، فاكتفى بالتعيين بالكلّي الذي له مصاديق متعدّدة.

٢ــ إنّ هناك اختلافاً بين تعيين الإمام المعصوم وبين تعيين المرجع، الذي يرجع إليه، ليكون نائباً عن الإمام.. ففي الأوّل بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ليس هناك من يكون حجّة على الأُمّة غير الإمام المعصوم، بخلاف الثاني، فإنّ الحجّة على الأُمّة، وهو الإمام المعصوم، موجود وغائب، وينتفع به في حال غيبته كما ينتفع بالشمس إذا غيبتها السحاب، فلذلك صار يكفي التعيين في الثاني بالكلّي الذي له مصاديق، بينما صار يحتاج في الأوّل إلى التعيّن الشخصي.

٣ــ إنّ الإمام الغائب(عليه السلام)لو أراد التعيّن الشخصي لأكثر من السفراء الأربعة لاستطاع ذلك، لكن ذلك ينافي الغيبة الكبرى التي لا بدّ منها، فهل تعتقد لو أنّ الإمام استمر لهذا الحين بالتعيّن الشخصي لاستطاع أن يحافظ على سرّيته من أن لا تناله يد الأعداء والمتربّصين به؟

فالضرورة إذاً اقتضته للتحوّل من التعيّن الشخصي الذي حصل مع السفراء الأربعة إلى التعيين الكلّي الذي له مصاديق متعدّدة.

٤ــ إنّ دور الإمام بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يختلف عن دور المرجع بعد غيبة الإمام، فالمرجع ليس له إلّا إيصال الأحكام الشرعية واستنباطها من أدلّتها، فحكمه هو:


الصفحة 501

الرجوع إلى المعصومين(عليهم السلام)وإخراج الأحكام من أقوالهم والحكم بها, بخلاف المعصوم الذي له دور واسع، فهو: له الولاية على جميع الناس، وله الإمامة العظمى، وهذا الفرق اقتضى التعيّن الشخصي في أحدهما، والكلّي في الآخر.

أمّا ما يتعلّق بخلافة أبي بكر المدّعاة، فنحن نقول: إنّ الأغلب من علماء السُنّة يقولون بعدم النص على خلافة أبي بكر، وإنّما الأمر كان شورى بين المسلمين، ولم يحدّد الرسول لا بالكلّي الذي له مصاديق، ولا بالتعيين الشخصي.

أمّا تلك المجموعة القليلة التي قالت بالنص على أبي بكر، وقصدها من النص هو: ذكره بالصفات، أي: بالكلّي الذي له مصاديق، فنحن نختلف معها بقولنا بالتعيين الشخصي على عليّ(عليه السلام).

ولو سلّمنا معها بعدم ذلك، فإنّ خلافنا يبقى معها في تحديد المصداق، فنحن نقول: إنّ المصداق الوحيد لخلافة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) هو عليّ(عليه السلام)؛ لأنّه الأفضل، وما ذكرتموه من صفات لأبي بكر فنحن نختلف معكم في الكبرى والصغرى، فنحن لا نسلّم لكم أنّ الذي يصلّي بالأُمّة في حياة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أحقّ بالخلافة، ولا نسلّم لكم أنّ أبا بكر صلّى بالأُمّة في حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

أمّا من قال بالتعيين الشخصي على أبي بكر، وأنّه منصوص عليه صريحاً من قبل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فنحن نرفض تلك الروايات سنداً ودلالة، وهي معارضة بالعشرات إن لم تكن المئات من الأدلّة عند الفريقين.


الصفحة 502

(ردّ القول بوجود معصومين بعد القائم(عجل الله تعالى فرجه الشريف)

« يونس جبّار العسكري ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

هذه الشبهة الموجودة والذين قاموا بإثارتها: بأنّ هناك خمسة وعشرين إماماً معصوماً، كيف يكون ردّ هذه الشبهة؟

راجين الإجابة، مع فائق الشكر والتقدير، ولكم الأجر والثواب.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الأئمّة المعصومون الثابت عصمتهم اثنا عشر إماماً، هذا ما أجمع عليه مذهبنا، ولكن الذين يحاولون أن يروّجوا إلى فكرة الخمسة والعشرين معصوماً يوهمون الآخرين بأنّهم يستندون إلى روايات آحاد تقول: أنّ بعد المهدي(عجل الله تعالى فرجه الشريف) أحد عشر مهدياً، أو اثنا عشر.

والروايات التي تذكر ذلك، ومع غضّ النظر عن صحّتها وعدم صحّتها، لم تشر إلى عصمة أُولئك، فقالت: مهدياً، ولم تقل: معصوماً، بل إنّ الإمام الصادق(عليه السلام)، كما في رواية، سُئل عن ذلك؟ فأجاب: (إنّما قال ــ أي: أبوه ــ اثنا عشر مهدياً، ولم يقل اثنا عشر إماماً، ولكنّهم قوم من شيعتنا يدعون الناس إلى موالاتنا ومعرفة حقّنا)(1)..

____________

1- انظر: إكمال الدين وإتمام النعمة، للصدوق: ٣٥٨ الحديث ٥٦ الباب ٣٣.


الصفحة 503

وهؤلاء المهديّون هم ممّن يقومون بالأمر في الزمن التالي لزمن الظهور وبعد الإمام المهدي(عليه السلام)، لأنّ بعض الروايات تشير إلى أنّهم يكونون بعد وفاة القائم(عجل الله تعالى فرجه الشريف) ؛ فلا ينبغي تصديق أيّ أحد يدّعي كونه مهدياً ولما يحصل زمن الظهور، ولم يتوفَّ القائم بعد.

كما لا ينبغي تصديق كلّ من يدّعي العصمة؛ لأنّ العصمة تحتاج إلى دليل، والدليل لا بدّ أن يكون من القرآن أو السُنّة الصحيحة، مع تعيّنٍ للشخص المعصوم بما يرفع الالتباس، وإلّا كثر المعصومون المدّعون لها!

وإن كان ادّعاء العصمة من قبل أيّ شخص سيكذّبه نظرة بسيطة في سلوك ذلك الإنسان، إذ ستفضحه الذنوب التي لا يسلم منها.. ولو سلم منها، فكيف يسلم من السهو والنسيان والخطأ، وغير ذلك من الأُمور التي لا بدّ أن لا تحصل عنده حتّى يكون معصوماً؟ ولا يمكن أن نعرفه إلّا بالنص، لأنّ العصمة من الأُمور الباطنية.

تعليق ١:

« محمّد الناجي ــ العراق ــ إمامي »

أنتم لا تستطيعون ردّ الروايات التي تقول بمهديين معصومين بعد القائم(عليه السلام)، ولا ردّ وصية رسول الله في ليلة وفاته، ولا ردّ الأدعية الكثيرة التي وردت عنهم(عليهم السلام)في (مفاتح الجنان) وغيرها.

وما قلتم بعدم عصمتهم، فهذا مردود؛ لأنّكم تعترفون بعصمة الأئمّة(عليهم السلام) ، والذي يأتي بعدهم ويمثّلهم تمثيلاً حقيقياً لا بدّ أن يكون معصوماً، وقد ورد في وصيّة رسول الله لأمير المؤمنين(عليه السلام): سيكون بعده(صلى الله عليه وآله وسلم) اثنا عشر إماماً واثنا عشر


الصفحة 504

مهدياً، وقال الباقر(عليه السلام)عن اليماني: (... يدعو إلى الحقّ وإلى صراط مستقيم)، والذي يدعو إلى الحقّ كلّه وإلى صراط مستقيم ليس فيه عوج، لا بدّ أن يكون معصوماً، فالإمام الباقر(عليه السلام)يشير إلى عصمة اليماني بأنّه صاحب ولاية إلهية، وأصحاب الولاية الإلهية بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) هم اثنا عشر إماماً، واثنا عشر مهدياً.

وابن الإمام المهدي المذكور بالوصية اسمه: أحمد.

وكثير من رواياتهم(عليهم السلام)التي تذكره بالاسم والصفة والكنية والمسكن، فلم يأتيكم السيّد أحمد الحسن من فراغ، وحاشاه، وإنّي أنصحكم بنصرته(عليه السلام)والإيمان به، وإن اتّهمتوه بالكذب والسحر و..

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: إنّ قولك: إنّ من يأتي بعد الأئمّة ويمثّلهم لا بدّ أن يكون معصوماً. هذه دعوى بلا دليل!

فإنّ العصمة تثبت من خلال النصّ، وأيضاً ننقض عليك بأنّ السفراء الأربعة للإمام المهدي(عجل الله تعالى فرجه الشريف) لم يكونوا معصومين، مع أنّهم كانوا يمثّلونه..

على أنّ الإمام الصادق(عليه السلام)ــ كما تقدّمت الإشارة إليه ــ يقول: إنّ هؤلاء أُناس من الشيعة وليسوا هم أئمّة ولا معصومين؛ إذ يقول(عليه السلام): (ولكنّهم قوم من شيعتنا يدعون الناس إلى موالاتنا).

ثانياً: الوصية التي أشرت إليها، يحتوي سندها على عدّة مجاهيل.. من قبيل: علي بن سنان الموصلي العدل، وأحمد محمّد بن الخليل، وجعفر بن أحمد


الصفحة 505

المصري، وغيرهم. ولا يمكن إثبات صدورها عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بأيّ شكل من الأشكال.

ثالثاً: ليس لدينا دليل على عصمة اليماني، فمجرّد أنّه يدعو إلى الحقّ كما يدّعي لا يصيّره معصوماً، وكم من الأتقياء والعلماء والمؤمنين يدعون إلى الحقّ، ولكنّهم ليسوا معصومين، وأمّا إثبات الولاية الإلهية لليماني فيحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك.

رابعاً: وأمّا كون المدّعي أحمد الحسن هو اليماني، فدعوى أضعف من أن نردّ عليها؛ إذ لم يأت بدليل، والردّ يكون على الدليل لا مجرّد الدعوى.

تعليق ٢:

« حسين ــ هولندا ــ إمامي »

سادتي الكرام، في الوقت الذي تُشكرون على جهودكم، لكن بعض الإجابات قد تدخل اللبس على القارئ.. فإنّكم لا تنفون بضرس قاطع مجيء اثني عشر مهدياً بعد الإمام المهدي، وتؤكّدون في إجابات أُخرى عودة الأئمّة(عليهم السلام)جميعاً بعد الإمام المهدي، فكيف نوفّق بين ذلك؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نحن ننفي وبضرس قاطع وجود اثنا عشر إماماً، أو اثنا عشر مهدياً معصوماً بعد الإمام المهدي(عليه السلام)غير أهل البيت(عليهم السلام) ، وهذا لا يعني: إنكار الرجعة لأئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ؛ فإنّ ذلك ثابت بالأدلّة الخاصّة، وإنّما نحن ننكر وجود معصومين


الصفحة 506

من غير أهل البيت(عليهم السلام) ، وقيامهم بعد المهدي الموعود(عليه السلام)..

وإلى ذلك تشير الرواية التي وردت عن الإمام الصادق(عليه السلام)حينما سأله أبو بصير: يا بن رسول الله! سمعت من أبيك أنّه قال: (يكون بعد القائم(عليه السلام)اثنا عشر إماماً، فقال: قد قال: (اثنا عشر مهدياً)، ولم يقل: (اثنا عشر إماماً)، ولكنّهم قوم من شيعتنا يدعون الناس إلى موالاتنا ومعرفة حقّنا)(1).

____________

1- انظر: إكمال الدين وإتمام النعمة، للصدوق: ٣٥٨ الباب ٣٣ الحديث ٥٦.


الصفحة 507
الصفحة السابقة