المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 7) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 7) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 151 - ص 180)

بالمتروك لتشيّعه، إلّا أنّ الرجل ممدوح ومقبول بأعلى الدرجات عند بعض أئمّة الحديث، فقد نقل أحمد بن حازم بن أبي غرزة ــ الذي يصفه الذهبي بـ(الإمام الحافظ الصدوق) ــ عن عبيد الله بن موسى، وأبي نعيم، أنّهما قالا: عن الحسن بن صالح، أنّه قال في ناصح بن عبد الله: بأنّه رجل صالح، ونعم الرجل، وقد عدّه الذهبي من العابدين(1)، وقال ابن عدي في (الكامل) بأنّه: ممّن يكتب حديثه(2)، وقال المزّي في (تهذيب الكمال) بأنّه: كان يروي عنه أبو حنيفة، وهو من أقرانه(3).

وحديث الوصية هذا كان معلوماً وشائعاً بين الصحابة في حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعد مماته، وإلّا فما الذي أثار عائشة حتّى سعت جاهدة إلى نفي حديث الوصية بقولها ــ كما نقل ذلك البخاري في (صحيحه) في كتاب الوصايا، عندما ذكروا لها أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد أوصى لعليّ(عليه السلام)ــ : (متى أوصى إليه وقد كنت مسندته إلى صدري، أو قالت: حجري، فدعا بالطست، فلقد انخنث في حجري، فما شعرت أنّه قد مات، فمتى أوصى إليه؟)(4)!!

وإلّا..لا يمكن لنا أن نتصوّر أقوال المدّعين بعدم الوصية؛ إذ الإشكال الصريح يرد عليهم بأنّه: كيف مات النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يوصِ مع أنّه أمر بالوصية، فهذا الفعل مخالف لما يأمر به(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو غير مقبول!

____________

1- ميزان الاعتدال ٤: ٢٤٠ ـ٨٩٨٨ـ.

2- الكامل ٧: ٤٨ ـ١٩٧٩ـ.

3- تهذيب الكمال ٢٩: ٢٦١ ـ٦٣٥٤ـ.

4- صحيح البخاري ٣: ١٨٦ كتاب الوصايا.


الصفحة 152

وقد وجّه هذا الإشكال من اليوم الأوّل لظهور هذه الدعوى، ولكن الجواب عنها كان بارداً ومجتزءاً من قبل المتصدّين للردّ عليه!!

روى أحمد في (مسنده) بسنده عن مالك: (أخبرني طلحة، قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى: أوصى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: لا. قلت: فكيف أمر المؤمنين بالوصية ولم يوصِ؟! قال: أوصى بكتاب الله عزّ وجلّ)(1).

وهذا الجواب بهذه الصيغة يكشف عن أُمور خطيرة، لا ندري من هو صاحب اليد الأُولى بالتلاعب فيها؟! هل المسؤول في الحديث هنا؟ أم الراوي له؟ أم المحدّث الذي نقله في كتابه؟

فالوصية التي نفاها ابن أبي أوفى: هل كانت الوصية بالمال والمتعلّقات الخارجية؟ أم كانت الوصية بالخلافة؟

فإن كانت الأُولى، فلِمَ كان الجواب عن السؤال الثاني بأنّه: أوصى بالكتاب؛ إذ كان الأوْلى أن يقول له: إنّك لم تفهم قصدي بأنّني لا أُريد أن أنفي مطلق الوصية، وإنّما أُريد نفي الوصية بالمال والمتعلّقات فقط، لا أن يجيبه بجواب نعلم من الخارج أنّه نصف جواب، وليس جواباً كاملاً!

فمن المعلوم أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أوصى أُمّته بالتمسّك من بعده بالكتاب والعترة معاً، وليس الكتاب وحده؛ وهذا حديث صحيح مشهور متواتر لا يمكن لأحد دفعه.. لكن يد التلاعب قد طالت بعض الأحاديث، إلّا أنّها لم تطلها كلّها،

____________

1- مسند أحمد بن حنبل ٤: ٣٥٤ عن سويد بن قيس.


الصفحة 153

وفي هذا حكمة بالغة، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ(1).

(حديث: (وليّكم من بعدي)

« أحمد ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

هل حديث الولاية: (عليّ وليّكم بعدي)، له مدلول الخلافة الخاصّة في المورد الذي قيل فيه، وهو بعثة الإمام عليّ(عليه السلام)إلى اليمن؟ أم الخلافة العامّة، كما قال الشيخ حسن المالكي في حواره مع الدكتور التيجاني؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لقد ورد قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ(عليه السلام)أنّه: وليّكم بعدي، في عدّة مواطن..

منها: بعد تصدّقه بالخاتم، ونزول آية الولاية، وهنا لا يمكن القول أنّ المراد بالولاية هي الولاية الخاصّة، فلا يمكن هنا ولا في غيرها(2).

وكذلك قال في عليّ(عليه السلام)أنّه: وليّكم بعدي، في حجّة الوداع في غدير خمّ، إذ قال: (اعلموا أنّ عليّاً منّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي، وهو وليّكم بعدي)(3).

____________

1- الصف ٦١: ٨.

2- انظر: أمالي الصدوق: ١٨٦ الحديث ١٩٣ المجلس ٢٦.

3- دعائم الإسلام ١: ١٦.


الصفحة 154

ومن المواطن التي ذكر فيها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ عليّاً(عليه السلام)وليّ كلّ مؤمن بعده، هي غزوة تبوك(1).

ثمّ إنّ هناك صيغاً أُخرى مقاربة للحديث لا يمكن حمل المعنى فيها على ولايته الخاصّة على بعض الأفراد المرسلين إلى اليمن، وهو قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ(عليه السلام): (عليّ منّي وأنا منه، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي)(2)، وفي بعض النصوص (ومؤمنة)(3).

وإذا أردنا أن نجعلها ولاية على البعض، لم يستقم المعنى مع قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): (كلّ مؤمن)(4).

وحتّى لو كان الحديث من دون (كلّ مؤمن)، فإنّ البعدية فيه لا تؤدّي المعنى المدّعى، وهو ولاية عليّ(عليه السلام)في غيبة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)؛ إذ لو أراد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) الولاية على المبعوثين خاصّة لقال: (إنّه وليّي عليكم في غيبتي)؛ فإنّ (بعدي) لا تؤدّي معنى (غيبتي).

____________

1- انظر: كتاب سليم بن قيس: ١٩٥.

2- انظر: مسند أحمد بن حنبل ٤: ٤٣٨ عن عمران بن حصين، سنن الترمذي ٥: ٢٩٦ الحديث ٣٧٩٦ أبواب المناقب، مناقب عليّ(عليه السلام) ، المستدرك على الصحيحين، للنيسابوري ٣: ١٣٤ كتاب معرفة الصحابة، مسند أبي داود الطيالسي: ١١١، المصنّف، لابن أبي شيبة ٧: ٥٠٤، مسند أبي يعلى ١: ٩٣ الحديث ٣٥٥، صحيح ابن حبّان ١٥: ٣٧٤، وغيرها.

3- انظر: الفتوح ٢: ٤٥٤، تنبيه الغافلين عن فضائل الطالبين: ١٨، ١٩، ٦٧، ينابيع المودّة، للقندوزي ١: ١١٢ الباب ٤، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ١٨: ٢٤ كتبه برقم ٦٦، وغيرها.

4- انظر: أمالي الصدوق:٥٠، مسند أحمد بن حنبل ٤: ٤٣٨.


الصفحة 155

(علّة عدم نصّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في رسائله إلى الملوك على ولاية عليّ(عليه السلام)؟)

« فايز الزبيدي ــ اليمن ــ سُنّي »

السؤال:

عندما أرسل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الرسائل إلى قيصر الروم، وملك فارس، يدعوهم للإسلام أو الجزية أو الحرب، لم يذكر فيها الإمام عليّاً(عليه السلام)؛ إذ قال فيما معناه: (أن تشهد أن لا إله إلّا الله محمّد رسول الله)، ولم يضف عليّاً وليّ الله، لماذا؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

من المعلوم لديكم أنّ أحكام الشريعة المقدّسة قد نزلت بالتدريج ولم تنزل دفعة واحدة، وإنّ التبليغ عنها كان أيضاً بالتدريج حسب المصلحة وتقبّل الناس وليس دفعة واحدة، فإنّك تجد مثلاً أنّ النطق بالشهادتين في أوّل الدعوة مدعاة لعصمة المال والدم، كما ورد في الأحاديث الشريفة المتضافرة: (لا أزال أقاتل الناس حتّى يقولوا: لا إله إلّا الله، فإذا قالوها فقد عصموا منّي دماءهم وأموالهم، إلّا بحقّها وحسابهم على الله)(1).

ثمّ بعد نزول الفرائض وتوسّع الأحكام، قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): (من شهد أن لا إله إلّا الله، واستقبل قبلتنا وصلّى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم)(2)، وعند تحريم الخمر كان ذلك بالتدريج مع أنّها حرام من أوّل الإسلام.

____________

1- كتاب الأُم، للشافعي ١: ٢٩٣ الحكم في الساحر والساحرة.

2- صحيح البخاري ١: ١٠٣ كتاب الصلاة، باب فضل استقبال القبلة، سنن النسائي ٧: ٧٦ كتاب تحريم الدم، جامع الأُصول، لابن الأثير ١: ١٥٨ ــ ١٥٩.


الصفحة 156

لذا فالرسائل التي بعثها النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى رؤساء البلدان في أوّل الدعوة كانت وفق هذا السياق، وهو: إعلان التوحيد، الذي أراده الله سبحانه بأن لا يشرك به عباده شيئاً، والإقرار بنبوّة نبيّه محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، الذي يعني التسليم بكلّ ما سيبلّغه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) للأُمّة، ومنها: ولاية عليّ(عليه السلام)، التي نزل أمر الله سبحانه للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالتبليغ العام بها في آخر الدعوة، كما هو المعلوم في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ... وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ...(1)، وقد جمع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه في ذلك الموقع الذي يقال له غدير خمّ في حادثة مشهورة معروفة، ليخبرهم بأمر الله في التبليغ بولاية عليّ(عليه السلام)، وبعد التبليغ العام بولايته(عليه السلام)نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً(2).

نعم، ورد التبليغ والإخبار بولاية عليّ(عليه السلام)وخلافته بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في موارد خاصّة ــ لا على نحو التبليغ العام كما جرى في غدير خمّ ــ كما في يوم الدار عند نزول قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ(3)، فقد قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) آخذاً بيد عليّ(عليه السلام): (إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا)(4).

____________

1- المائدة ٥: ٦٧.

2- المائدة ٥: ٣.

3- الشعراء ٢٦: ٢١٤.

4- انظر: مسند أحمد بن حنبل ١: ٢٢٢، ٣٣٥، ٣٣٦ مسند عبد الله بن العبّاس، صحيح البخاري ١: ٣٧ كتاب العلم، ٤: ٣١، ٦٦ كتاب الجمعة، باب دعاء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ٥: ١٣٧، ١٣٨ كتاب المغازي، باب مرضه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وغيرها.


الصفحة 157

ولعلّ للتأخّر في الإبلاغ العام بولاية عليّ(عليه السلام)أسباب كثيرة.. منها: موقع سيف عليّ(عليه السلام)في الذود عن حمى الرسالة، ووتره لكلّ القبائل العربية بقتل أبنائها في الحروب التي واجهوا بها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولخصائصه النفسية وقربه الشديد من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، الذي جعله موضع حسد البعض وتحاملهم عليه، لذا نجد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يخشى التبليغ بأمر الولاية بشكل علني عام, والله سبحانه قد علم من نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الخشية، فأخبره سبحانه بأنّه سيعصمه من الناس من حيث القتل والتكذيب عند التبليغ، وقد وفى سبحانه لنبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بما وعده عليه؛ إذ سلّم جميع الحاضرين في يوم غدير خمّ على الإمام عليّ(عليه السلام)بالولاية، وقد اشتهر قول أبي بكر وعمر في تلك الواقعة: (أصبحت وأمسيت يا عليّ بن أبي طالب مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة)(1).

(تحديد إمامة عليّ(عليه السلام)يوم الدار ولا معارض لها)

« المطيري ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم..

____________

1- انظر: مسند أحمد بن حنبل ٤: ٢٨١ حديث قيس بن أبي غرزة، المصنّف، لابن أبي شيبة ٧: ٥٠٣ كتاب الفضائل، باب ١٨، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٤٢: ١٨٩، ٢٢١، ٢٢٢ ترجمة الإمام عليّ، تفسير الثعلبي ٤: ٩٢، سير أعلام النبلاء
١٩: ٣٢٨، وغيرها.


الصفحة 158

أحبابي! هناك شبهات تحاك من قبل بعض الباحثين السلفيين، وهي: التضارب والتناقض في الروايات المختصّة بشأن الإمامة والخلافة بعد الرسول محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهي كالآتي:

والتناقض في الروايات:

أوّلاً: (إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) دعا بني عبد المطّلب، وهم يومئذٍ أربعون رجلاً، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعبّاس، وأبو لهب، وكان قد أولَم لهم، وبعد أن أكلوا وشربوا، قال: يا بني عبد المطّلب! إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فمن يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني يكن أخي ووزيري ووصيّي ووارثي وخليفتي من بعدي؟

فأحجم القوم جميعاً إلّا عليّاً؛ قال: أنا يا نبيّ الله. فأخذ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) برقبته، وقال: هذا أخي ووزيري ووصيّي ووارثي وخليفتي من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا).

هذا الحديث صحيح باعتراف أغلب علمائنا، وذكره التيجاني في كتابه أيضاً.

وهذا الحديث طويل، وهو: أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: كنت نائماً بالحجر، إذ أتاني جبرئيل فحركني تحريكاً لطيفاً، ثمّ قال: عفا الله عنك يا محمّد، قم واركب فَفِدْ إلى ربّك، فأتاني بالبراق فركبت ــ ثمّ ذكر ما لاقاه في مسيره.. ــ إلى أن قال ــ : فإذا أنا برجل أبيض الوجه، جعد الشعر، فقال لي: يا محمّد، احتفظ بالوصيّ ــ ثلاث مرّات ــ عليّ بن أبي طالب المقرّب من ربّه، قال: لما جزت الرجل وانتهيت إلى بيت المقدس، إذا أنا برجل أحسن الناس وجهاً، وأتم الناس جسماً، وأحسن الناس بشرةً، فقال: يا محمّد، احتفظ بالوصيّ ــ ثلاث مرّات ــ عليّ بن أبي طالب المقرّب من ربّه، الأمين على حوضك صاحب شفاعة الجنّة... ثمّ ذكر بقية


الصفحة 159

القصّة، وفي نهايتها قال لـه جبرئيل: الذين لقيتهما في الطريق وقالا لك: احتفظ بالوصيّ، كانا عيسى وآدم(عليهما السلام) . (كشف اليقين: ٨٣، البحار ١٨/٣٩٠، ٣٧/٣١٤).

ومن هنا نرى في الحديث الأوّل أنّ النبيّ أعلن أنّ الإمام عليّاً (عليه السلام)هو الوصيّ ونصّ عليه، ولكن في الحديث الثاني: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يعرف وصيّه ويسأل جبرئيل(عليه السلام)؛ إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنّي لمّا بلغت بيت المقدس في معراجي إلى السماء وجدت على صخرتها: لا إله إلّا الله محمّد رسول الله، أيّدته بوزيره ونصرته به، فقلت: يا جبرئيل، ومن وزيري؟ فقال: عليّ بن أبي طالب!!! (كشف اليقين: ٨٣، البحار ١٨/٣٩٠، ٣٧/٣١٤).

الرسول هنا يتّضح أنّه لم يعرف وصيّه؛ أين ذهب حديث بني عبد المطّلب؟

نأتي إلى الرواية الأُخرى المناقضة: إنّ جابر بن عبد الله الأنصاري(رضي الله عنه) سأله عن وصيّه من بعده، فأمسك عنه عشراً لا يجيبه، ثمّ قال له: يا جابر، ألا أُخبرك عمّا سألتني؟ فقلت: بأبي أنت وأُمّي، والله لقد سكتَّ عني حتّى ظننت أنّك وجدت عَلَيَّ. فقال: ما وجدت عليك يا جابر، ولكن كنت أنتظر ما يأتيني من السماء، فأتاني جبرئيل(عليه السلام)فقال: يا محمّد، ربّك يقول: إنّ عليّ بن أبي طالب وصيّك، وخليفتك على أهلك وأُمّتك. (أمالي الطوسي: ١٩٣، أمالي المفيد: ٩٩، البحار ٣٨/١١٤، إثبات الهداة ٢/٩٦).

وهنا أنّ النبيّ لا يعرف ويسأل عن وصيّه!

ورواية أُخرى في غزوة الخندق: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لمّا انتدب عمروٌ للمبارزة، وجعل يقول: هل من مبارز؟ والمسلمون يتجاوزون عنه، فركز


الصفحة 160

رمحه على خيمة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال: أبرز يا محمّد. فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): من يقوم إلى مبارزته فله الإمامة بعدي؟ فنكل الناس عنه، فقال: أُدن منّي يا عليّ، فنزع عمامته السحاب من رأسه وعمّمه بها وأعطاه سيفه، وقال: امض لشأنك، ثمّ قال: اللّهمّ أعنه.

وروي أنّه لما قتل عمراً أنشد أبياتاً منها:


قد قال إذ عمّمني عمامةأنت الذي بعدي له الإمامة
(البحار ٤١/٨٨)

هنا لماذا الرسول يخاف على الإمام من الموت وهو يعلم أنّه بعده في الإمامة والخلافة! ألم يخبر في السماء أو في حديث بني عبد المطّلب؟!

من هنا يوجد تضارب في الروايات.

دمتم في رعاية الرحمن.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لقد أعلن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الدار وصيّه هو عليّ(عليه السلام)، وهو حديث صحيح متّفق عليه، وأمّا الروايات الأُخرى فلا يصحّ المعارضة بها إلّا إذا صحّ سندها، ولو فرض صحّة السند فلا بدّ من فهمها بما ينسجم مع ذلك، بمحاولة الجمع، وإلّا فنعوّل على المرجّحات في باب التعارض، وكلّ ما ذكرت من الروايات لا تعارض رواية يوم الدار لصحّة سندها والاتّفاق عليها بين الطرفين.. ومع ذلك فإنّا نبيّن بعض الأُمور ليتّضح حال هذه الروايات.


الصفحة 161

أمّا رواية الإسراء والمعراج، التي أرودها ابن طاووس في (اليقين)، وعنه المجلسي في (البحار)(1)، فإنّ العبارة التي وردت على لسان الأنبياء هي: الوصية بحفظ عليّ(عليه السلام)، لا الإخبار بوصيّته، وهناك فرق واضح بين المعنيين، فالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يعلم بأنّ وصيّه عليّاً(عليه السلام)، والأنبياء دائماً يوصونه برعايته وحفظه من أن يصيبه ما يمنع من بقائه إلى حين تسلّمه الوصية.. هذا طبعاً بعد قبول الرواية واعتبارها من جهة السند.

وأمّا العبارة الأُخرى والتي فيها الاستفهام من جبرئيل، فلم ترد في رواية (اليقين)، وإنّما وردت في رواية وصية النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ(عليه السلام)، رواها الصدوق في (من لا يحضره الفقيه)(2)، و(الخصال)(3).

وعلى كلّ حال، فإنّ زمن وقوع الإسراء والمعراج مختلف فيه، هل حصل في سنوات البعثة الأُولى ــ وهو الأصحّ ــ أم كان متأخّراً قبل الهجرة؟ فلو فرض تقدّم الإسراء والمعراج على واقعة يوم الدار، فلا مشكلة أصلاً، وإثبات تقدّم الدار على زمن الإسراء والمعراج لا سبيل إليه.

ولو فرضنا فرضاً أنّ يوم الدار كان متقدّماً والإسراء والمعراج متأخّراً فالسؤال عن الوزارة يكون من أجل توثيق ذلك على لسان جبرائيل، فهو(صلى الله عليه وآله وسلم) عالم بأنّ وزيره هو عليّ(عليه السلام)ولكن أراد استبيان ذلك من جبرائيل تأكيداً لما هو معلوم عنده.. أو: أنّ سؤاله كان ليعلم أنّ أهل السماء هل يعلمون بوصيّه ووزيره كما يعلم هو؟ وما ينقل لنا من كلام عن عالم الملكوت، هو انعكاس تصوّري تقريبي

____________

1- اليقين: ٢٨٨ في ما نذكره عن محمّد بن العبّاس بن مروان في تسمية جبرائيل وبعض الأنبياء عليّاً أمير المؤمنين، بحار الأنوار ١٨: ٣٩٠، ٣٧: ٣١٣.

2- من لا يحضره الفقيه ٤: ٣٧٤ الحديث ٥٧٦٢، باب النوادر، وهو آخر الأبواب.

3- الخصال: ٢٠٧ الحديث ٢٧، باب الأربعة.


الصفحة 162

في عالم الملك، وإلّا فالأغراض والغايات وكيفيات الكلام تختلف هناك عمّا هو حاصل هنا تبعاً لاختلاف العلاقات وكيفيتها في العالمين.

وأمّا رواية جابر بن عبد الله الأنصاري، فإنّها لا تعارض رواية يوم الدار؛ لِما في سندها من مجاهيل، ومع ذلك فإنّ سكوت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عن جواب جابر لم يكن لعدم علمه بوصيّه، وإنّما كان انتظاراً لإذن السماء بالإخبار، فما هو إلّا وحي يوحى.. وهذا هو طريق الجمع بين الروايتين، لو قبلنا رواية جابر سنداً.

أمّا الرواية الأخيرة، فعلى ما في سندها من إرسال، فهي ليست الرواية الوحيدة في قصّة قتل عمرو بن ودّ يوم الأحزاب وما جرى فيه، وليس فيها أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يخاف على عليّ(عليه السلام)القتل، وإنّما كان يقول له: (إنّه عمرو ابن ودّ)، إشارة لما معروف عنه من قوّته وشجاعته ليري المؤمنين استعداد عليّ(عليه السلام)، ويمتحن إصراره وتحفّزه لمبارزته، وإلّا فمن البعيد أن يعتقد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ هناك في الجيش من هو أكفأ لعمرو بن ودّ من عليّ(عليه السلام)بعدما فعل في بدر وأحد، ولكن كان يريد أن يمتحن المسلمين، كما كانت عادته في عدّة مواقف، منها: خيبر وغيرها.

مع أنّ العلم بأنّ الوصيّ هو عليّ(عليه السلام)لا يمنع أن يحصل له القتل قبل ذلك، فتنقلب الموازين ويحصل البداء في ذلك؛ إذ أنّ الأقدار بشرائطها، فإنّ العلم بالعاقبة لا يردّ حدّ السيف ويجعله لا يمضي في جسد عليّ(عليه السلام)، ولعلّ هذا هو معنى وصيّة الأنبياء بالاحتفاظ بعليّ(عليه السلام)، وكذلك كان عليّ(عليه السلام)يحافظ على الحسن والحسين(عليهما السلام) من القتل على الرغم من علمه بأنّهما إمامان من بعده.


الصفحة 163

وأمّا قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): (من يقوم إلى مبارزته فله الإمامة بعدي)(1)، فهو أوّلاً لإظهار أنّ الإمامة ليست جزافية، وهو يعلم أن لا يبارزه إلّا عليّاً(عليه السلام).

وثانياً: لأجل التعريض بالذين يستصغرون عليّاً(عليه السلام)ولا يجدونه أهلاً للخلافة!

وثالثاً: إظهار لما لهذا الموقف من آثار واستحقاقات مستقبلية في الإسلام.

(مناظرة عن الإمامة ومسائل أُخر)

« أحمد ناجي ــ النروج ــ إمامي »

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

أنقل لكم هذه المناظرة المزعومة التي ذكرت في منتديات الدفاع عن السُنّة الوهابي، وأرجو الردّ عليها.

(حوار مع شيخ شيعي إيراني في الحرم المكّي الشريف بتاريخ (٢٦/٤/١٤٢٣هـ):

سبب المناظرة:

صلّى أحد الشيعة الإيرانيين بجوار أحد السُنّة من أهل القصيم بعد مغرب يوم السبت ٢٥/٤/١٤٢٣هـ في بيت الله الحرام بمكّة المكرّمة, فرفع يديه

____________

1- انظر: مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب ٢: ٣٣٤.


الصفحة 164

للقنوت في صلاته. فأبدى السُنّي استغرابه من ذلك، وطرح سؤاله على الشيعي، فأجابه بشدّة: بأنّ هذه هي صلاتنا نحن الشيعة، ثمّ أردف أنّ الشيعة على الحقّ وأنّه مستعد لمناظرة أهل السُنّة، بل ويتحدّاهم.

ففزع السُنّي بعدها يبحث عمّن يناظر هذا، فالتقى في الحرم بأحد طلاب العلم له جهود في دعوة الشيعة، اسمه: عبد الله، يعرفني، فقام بالاتّصال بي وأخبرني عن تحدّي هذا الشيعي, فاجتمعنا بعد صلاة ظهر يوم الأحد ٢٦/٤/١٤٢٣هـ للتفكّر في أمر هذا المتحدّي والإعداد لمناظرته, وتمت المشاورة في الأمر مع أحد الشيوخ من جامعة الإمام، ومعه أحد القضاة (كنّا نجلس معهما في الحرم)، فأشارا أن أبدأ معه في الحوار ويشارك معي طالب العلم عبد الله، ويكون بحضور صاحبي الفضيلة.

وكان هدف الشيخين من ذلك ألّا يأخذ الشيعي لنفسه مكانة عندما يحاور شيوخ السُنّة الكبار، فيفخر بذلك على أهل السُنّة.

الاستقبال:

وبعد صلاة العصر بمدّة أحضر السُنّي القصيمي الشيعي, فأقبلت بالترحاب بهما وأجلسنا الشيعي في مكان متوسط مناسب بين الجميع يستند إلى أحد الأعمدة في الحرم...

بدء الحوار:

ثمّ أخذ الحوار يأخذ شكله الجدّي:

سألته: هل صحيح بأنّك جئت للتحدّي كما يقال؟ أم لعرض ما عندكم والدعوة إليه؟ أم لمعرفة الحقّ؟


الصفحة 165

أجاب: بل لعرض ما عندنا والدعوة إليه, وأنا واثق ممّا عندي.

قلت: هذه صراحة وصدق منك, وأتمنى أن تكون معي صادقاً طوال الحوار, وأن لا تستخدم التقيّة, فهل أنت مستعد لذلك؟

قال: لن أستخدم التقيّة (وأشاح بوجهه وكأن هذا الطلب ثقيل عليه)، وقال: نحن لا نستخدم التقيّة إلّا عند الخوف.

سألته: ما مكانة الإمام عليّ عندكم؟

قال: هو إمامنا وهو معصوم، لكنّنا لا نعتقد به الغلوّ، فهو بشر.

قلت: لقد حذّر الإمام عليّ في (نهج البلاغة) من الغلوّ فيه، فقال: (يهلك في صنفان محبّ غالٍ ومبغض غالٍ).

قال: صحيح.

قلت: ما معنى معصوم عندكم؟

قال: أي: لا يجوز عليه الخطأ ولا السهو ولا النسيان.

قلت: وهل هذا لعليّ وحده؟

قال: للإمام عليّ ولباقي الأئمّة، ومن قبلهم الرسل والأنبياء.

قلت: ولكن الله سبحانه ذكر في القرآن أنّ آدم عصى!

قال وهو يبتسم: تعني قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى(1)؟

قلت: نعم.

____________

1- طه ٢٠: ١٢١.


الصفحة 166

قال: هذا ليس مقصود به العصيان.

قلت: كيف؟

قال: دعنا من هذا، ولكن الإمام عليّاً منصوص عليه بالخلافة من الله، واغتُصب حقّه، وهُمّش بعد وفاة رسول الله.

قلت: لم يهمّش، فهو من خيرة الصحابة، وهو من العشرة المبشّرين بالجنّة، وزوج فاطمة(رضي الله عنها)، وفضائله عديدة لا ننكرها.

قال: هناك أحاديث عندكم في الصحاح الستّة وفي (كنز العمّال) بأنّه يكون الخلفاء بعدي اثنا عشر بأسمائهم، كما في صحيح البخاري.

قلت: أوّلاً لا يوجد عندنا شيء اسمه الصحاح الستّة, لأنّه يوجد البخاري ومسلم والباقي المسند والسنن, وأنتم تذكرون أنّها صحاح لتقولوا للعامّة منكم وعوام السُنّة بأنّ كلّ ما فيها صحيح, وتأخذون رواية غير البخاري ومسلم في المسند أو السنن وهي ضعيفة أو موضوعة فتحتجّون بها على أهل السُنّة! وهذا الحديث الذي تذكره غير صحيح، وليس في البخاري ولا مسلم، بل هو من الأحاديث الموضوعة التي وضعها الشيعة ودسّوها في كتب السُنّة.

قلت: أرجو السماح بالعودة إلى موضوع العصمة. (الشيعة من طرقهم في الحوار المراوغة والتنقل في مواضيع الحوار قبل إشباع الموضوع حتّى لا تلزمهم الحجّة).

قال: مقاطعاً (لم يقبل العودة للعصمة)، أيضاً فإنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عند مرضه طلب أن يكتب بالخلافة لعليّ، فمنعه عمر، وقال: أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) يهجر.


الصفحة 167

قلت: وما يدريكم أنّ رسول الله أراد الكتابة لعليّ؟ وعندنا من الأحاديث الصحيحة التي تدلّ على أنّه أراد الكتابة لأبي بكر, منها لما كان في مرضه يوم الاثنين الذي قبل الاثنين الذي توفّي فيه, لمّا قال لعائشة(رضي الله عنها)، وفيه الحمى: (ادع لي أباك وأخاك).

قال: مقاطعاً (رضي الله عنها).

قلت: جميل أن تترضّى عن أُمّ المؤمنين عائشة, وأرجو ألّا يكون ذلك تقيّة. فسكت.

قال: لكن الشيخين أبو بكر وعمر(رضي الله عنهما) أغضبا فاطمة الزهراء وكسر عمر ضلع فاطمة, وقد قال(صلى الله عليه وآله وسلم): (فاطمة بضعة منّي من أغضبها فقد أغضبني).

قلت: أما أنّك تترضّى عن الشيخين، فأرجو أن لا يكون ذلك تقيّة مرّة أُخرى.. وعليّ(رضي الله عنه) عندنا شجاع لا يمكن أن يسكت على كسر ضلع فاطمة، لو كان ذلك صحيح, ثمّ أنّه أصلاً كيف يمكن لفاطمة أن تذهب لأبي بكر وحدها؟! وتذهب لعمر وحدها؟! دون أن يكون معها عليّ أو أحد محارمها؟

أمّا مسألة الإغضاب لو صحّت، فأوّل من أغضب فاطمة هو عليّ، حينما خطب ابنة أبي جهل، كما في الصحيح عندنا, فشكت لأبيها رسول الله فعل عليّ، فصعد(صلى الله عليه وآله وسلم) المنبر، وقال: (فاطمة بضعة منّي...) وليس المقصود غير عليّ في أن لا يتزوج على فاطمة، لأمر محدود ومخصوص لا غير, وهذه من حكمة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في الطريقة غير المباشرة في الكلام، فما أراد أن يقول لعليّ مباشرة, ثمّ إنّنا أصلاً مطالبون بطاعة الله ورسوله لا فاطمة.


الصفحة 168

قال: هل قرأت كتاب الغدير؟

قلت: الصحيح أنّي قرأت فيه ولم أقرأه كلّه, لكن الحديث الذي تحتجّون به معروف عندنا.

قال: اقرأه، فقد قال(صلى الله عليه وآله وسلم) في غدير خمّ: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه, اللّهمّ عاد من عاداه, ووال من والاه, وانصر من نصره, واخذل من خذله, وأدر الحقّ معه حيث دار..).

قلت: هذا الحديث لا يصحّ منه إلّا: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه)، أمّا: (اللّهمّ عاد من عاداه، ووال من والاه) فضعيف, والباقي موضوع.

قال: وهل من المعقول أن يجمع الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الناس في الحرّ لينادي بأنّه: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه) فقط هكذا؟ بل أراد أن يعلن بأنّه الخليفة بعده.

قلت: وما يدريك إن كان ذلك في شهر حرّ؟ وأمر آخر فهذا الحديث له سبب وهو أنّ رسول الله قد بعث عليّاً(رضي الله عنه) للدعوة في اليمن, فوجد بعض أصحابه منه شيئاً من الشدّة, فلمّا عاد وبلغ ذلك الرسول قال هذه المقولة في عليّ.

مداخلة من الشيخ التويجري: إنّ كلمة (مولى) في لغتنا العربية لها معانٍ متعدّدة, ونحن عرب، والقرآن نزل بلغتنا. فهي تعني: المحبّة والنصرة والاتّباع.. وهذه للمؤمنين جميعاً.

قال: صحيح, فلو نزل القرآن على العرب بغير لغتهم العربية فإنّهم لا يؤمنون به كما ذكر الله عنهم، حيث قال الله في القرآن: (لو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا أأعجمي... وعربي..)(لم يعرف تكملة الآية ولم يأتِ بها على الوجه الصحيح).


الصفحة 169

قال الشيخ: الآية ليست كما ذكرت، (وأخذ الشيخ المصحف وقرأ الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ(1).

قال: قال(صلى الله عليه وآله وسلم): (أنا مدينة العلم وعليّ بابها).

قلت: هذا الحديث موضوع.

قلت: فلنعد إلى العصمة وقولك:إنّ الأنبياء لا ينسون، وهذا يخالف ما ذكره الله في القرآن الكريم في سورة الكهف في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً(2)، فهذا نبيّ الله ورسوله موسى(عليه السلام)وفتاه نبيّ الله يوشع بن نون عليهما وعلى نبيّنا الصلاة والسلام نسيا حوتهما, ثمّ إنّ موسى(عليه السلام)نسى مرّة أُخرى، كما ذكر الله ذلك في سورة الكهف في قوله تعالى: ﴿لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ(3), فمن نصدّق؟

هل يمكن أن نتّبع علماءكم الذين يقولون بأنّ الأنبياء لا ينسون ونترك قول الله تعالى؟!

قال: القرآن فيه ظاهر وباطن, وليس معنى ذلك أنّه نسيان.

قلت: أنا كنت أنتظر أن أسمع أحد من الشيعة يذكر هذه المقولة التي أقرؤها في كتبهم وحواراتهم؛ لأنّ ردّها منطقي سهل. فإذا كان المعنى الباطني

____________

1- فصّلت ٤١: ٤٤.

2- الكهف ١٨: ٦١.

3- الكهف ١٨: ٧٣.


الصفحة 170

لكلمة ﴿نَسِيَا أو ﴿نَسِيتُ التي في سورة الكهف, أنّ موسى(عليه السلام)لم ينسى! فتصبح كلّ كلمة أمر أو نهي في القرآن لها معنى معاكس! مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ(1) يكون معنى ذلك لا تقيموا الصلاة ولا تؤتوا الزكاة! وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا(2) يكون المعنى عكس ذلك! وقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً(3), يكون المعنى أيضاً عكس ذلك!

فهل منطقياً أو عقلياً يمكن أن يستقيم معنى أو كلام بهذا؟ وما فائدة إنزال القرآن؟ وكيف يتمّ الائتمار بأوامره، والانتهاء بنواهيه، والاحتكام إليه، والأمر من الله بتدبّره؟ وكيف يكون القرآن كما قال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ(4)؟ وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ(5)؟... الخ, فهل بعد هذا تقول أنّ موسى نسى أم لم ينسى؟

قال: ربّما يكون معناها: أنّه نسى.

قلت: تقول: ربّما؟

فابتسم وسكت.

قلت: قال(صلى الله عليه وآله وسلم): (مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس)، لقد صلّى عليّ(رضي الله عنه) خلف أُبيّ، ثمّ صلّى علي خلف أبي بكر بعد وفاة الرسول, وصلّى خلف عمر، وخلف

____________

1- البقرة ٢: ٤٣.

2- الإسراء ١٧: ٣٢.

3- الإسراء ١٧: ٣٢.

4- الشعراء ٢٦: ١٩٥.

5- القمر ٥٤: ١٧، ٢٢، ٣٢، ٤٠.


الصفحة 171

عثمان، وكان وزيراً لهم جميعاً، كما أنّه لم يغيّر بعد تولّيه الخلافة شيء ممّا كان على عهد أبي بكر وعمر وعثمان من أُمور الدين أو القرآن... الخ, وقد كانت علاقته بهم جميعاً علاقة محبّة وطاعة, وزوّج ابنته أُمّ كلثوم من عمر(رضي الله عنه) , وقد سمّى أبناءه: أبو بكر وعمر وعثمان، وكذلك سمّى بهذه الأسماء الحسن والحسين وغيرهم من آل البيت, فلو كان عليّ وأبناءه يكرهون الخلفاء الثلاثة كما يزعم الشيعة، فهل يسمّون أبناءهم بأسمائهم؟! فهل ترضى أنت أن تسمّي أبناءك بأسماء من تكرههم، هل يمكن أن تسمّي ابنك شمراً، أو يزيداً، أو شاروناً مثلاً.

قال: لا.

قلت: نحن نطالب الشيعة فقط باتّباع وطاعة عليّ وأبنائه(رضي الله عنهم) في ما ورد عنهم في الروايات الصحيحة, وهذا كتاب (نهج البلاغة) الذي يجمع الشيعة على صحّة كلّ ما فيه, أليس كذلك؟

قال: نعم.

قلت: فيه كلام الإمام عليّ حسب ما رويتم, وهو يمدح أبا بكر وعمر وعثمان وأصحاب رسول الله(رضي الله عنهم أجمعين) في مواضع كثيرة، منها: في ص ٤٤٦ من (نهج البلاغة) شرح محمّد عبده, قوله: (إنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه, فليس للغائب أن يرد ولا للحاضر أن يختار, وإنّما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسمّوه إماماً، كان لله رضى).

فهذا عليّ يحتجّ على معاوية(رضي الله عنه) ويستشهد على صحّة بيعته ببيعة المهاجرين والأنصار لأبي بكر وعمر وعثمان, فهل شهود عليّ الذين بايعوه


الصفحة 172

وبايعوا من قبله من الخلفاء عدول وثقات أم أنّهم كفّار مرتدّون عند علماء الشيعة؟! هل رجال عليّ وأتباعه كفّار لأنّهم بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان؟

إنّ في كتاب (نهج البلاغة) أكثر من ثلاثين رواية من كلام الإمام عليّ يخالفها الشيعة، ولو اتّبع الشيعة شيئاً منها لصاروا من أهل السُنّة.

(ثمّ أهديناه كتاب (تأمّلات في كتاب نهج البلاغة) لمحمّد الصادق).

وعليّ يقول في هذا النص: (إنّما الشورى للمهاجرين والأنصار, فإن اجتمعوا على رجل وسمّوه إماماً، كان لله رضا)، فالمهاجرون والأنصار اجتمعوا في السقيفة واختاروا أبا بكر إماماً وكان لله رضىً, فهذا الكلام يبيّن الاعتقاد الصحيح في الإمامة، والذي عليه أهل السُنّة والجماعة, فأين الشيعة من هذا؟ وهل الشيعة يعتقدون بهذا؟ بل هم يرون أنّ الإمامة تعيين من الله ووصية من محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ وأبنائه الأحد عشر من بعده؟!

قال: لكن معاوية كفر بقتاله الإمام عليّ في موقعة صفّين.

قلت: عليّ لم يقل ذلك في (نهج البلاغة) كما رويتم, ولكنّه قال في حقّ أهل الشام: (لا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله ولا يستزيدوننا)، فيدلّ ذلك على أنّهم مؤمنون, وقد بيّن الله في القرآن حكم البغاة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ...(1), وفي الحديث

____________

1- الحجرات ٤٩: ٩.


الصفحة 173

قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (ويحك عمّار تقتلك الفئة الباغية)، وهذا الحديث موجود عندكم أيضاً, فدلّ على أنّ جماعة معاوية الذين قتلوا عمّاراً بغاة وليسوا كفّاراً.

ظَلّ يستمع ولم يجب بشيء.

مداخلة عبد الله: أنا أُريد أن أسألك: هل الذين تدّعون لهم العصمة تقابلونهم وتأخذون منهم دينكم الآن، أم أنّكم تأخذون من المراجع والعلماء؟

قال: من المراجع والعلماء.

قال عبد الله: تقولون إنّ: الأئمّة معصومون من الخطأ والسهو والنسيان، فلا تجوز عليهم الذنوب صغيرها وكبيرها؟

قال: هذا صحيح.

قال عبد الله: هذا دعاء كميل المروي عندكم عن عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه) (وأخرج نسخة عنده وقرأ قوله في الدعاء: (اللّهمّ اغفر لي الذنوب التي تغيّر النعم, اللّهمّ اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء... اللّهمّ اغفر لي كلّ ذنب أذنبته)، وقد كرّر علي طلبه من الله في هذا الدعاء بأن يغفر الله ذنوبه, فما قولك أنت: هل عليّ له ذنوب، أم ليس له ذنوب؟. (وكان البلوشي يبتسم).

قال: لو كان الإمام يخطئ فكيف يبلّغ عن الله, علي هنا في هذا الدعاء يعلّمنا كيف ندعو الله.

قال عبد الله: عليّ يتكلّم عن نفسه، ولم يقل: يا أيّها الناس أُدعو الله بكذا.. ثمّ أمر آخر: هؤلاء الرواة الذين تأخذون عنهم وليسوا بمعصومين لا بدّ من التثبّت من رواياتهم, وأنتم لم تحرصوا مثل أهل السُنّة في ذلك، بل رويتم عن الملعونين والكفّار، مثل: زرارة بن أعين، الذي قال فيه الإمام جعفر: (لعن الله


الصفحة 174

زرارة، لعن الله زرارة، لعن الله زرارة، زرارة شرّ من اليهود والنصارى، ومن قال: أنّ مع الله ثالث ثلاثة)، وهذا في (رجال الكشّي), كما يذكر الكشّي روايات كثيرة في الطعن على زرارة، وتطاوله على الإمام جعفر، حتّى تجرّأ أن قال: ضرطت في لحيته.

قلت: لقد بيّن علماء الشيعة هذا الخلل في الرواة والمرويات عندهم, يقول العلاّمة الحلّي في كتابه (رجال الحلّي ص ١٣٧) وهو يقرّر حقيقة واقعة وطريقة عندهم: (الطعن في دين الرجل لا يقتضي الطعن في حديثه).

قال: يمكن أن نأخذ الخبر من إنسان صادق بغضّ النظر عن معتقده، والمقصود بهم: الفرق الإسلامية المخالفة.

قلت: عبارة الحلّي عامّة والواقع أنّكم تكفّرون هذه الفرق، مثل الفطحية والهشامية والناووسية والواقفة. فكيف تروون عنهم؟ هل يأخذ الإنسان المسلم دينه من الكفّار؟

قال: الآن الدول الأُوربية النصرانية نستورد منها البضائع والمصنوعات، فهل نأخذ ما ينفعنا منهم أم لا؟

قلت: نأخذ منهم ما ينفعنا لكن ما يتعلّق بالدين فلا..

ويقول محمّد الحسن الطوسي صاحب كتاب (الفهرست) في ص٢٨: (كثير من مصنّفي أصحابنا وأصحاب الأُصول ينتحلون المذاهب الفاسدة، وإن كانت كتبهم معتمدة), فهذا اعتراف بفساد مذاهب كثير من علمائكم, فكيف تأخذون من الفاسدين؟! وهل يمكن اتّباع الفاسدين؟! وهناك روايات في كتبكم على هذا المنوال تذمّ رجالكم ورواتكم ومصنّفاتكم، وتطعن في كتبكم.


الصفحة 175

سكت ولم يجب.

قلت: هذا مثلاً كتابكم (الكافي) للكليني، يمكن أن نثبت الآن سقوط رواياته في دقائق.

قال: كيف؟

قلت: ثلث رواياته من مجهولين، وفي سندها قوله: عن رجل.. عمّن حدّث به.. عن من ذكره.. عن من أخبر به.. عن بعض أصحابه.. عن بعض أصحابنا.. عن بعض الكوفيين.. عن بعض العراقيين.. عن أهل السواد.. عن بعض الموصليين... الخ، فهل هذه الروايات يمكن أن يؤخذ بها؟!

قال: هذه تعتبر عندنا ضعيفة.

قلت: ولكن مراجعكم وعلماؤكم يأخذون بهذه الروايات..

والثلث الثاني مجهولون مبهمون بطريقة أُخرى، ولعلّ الكليني خشي من أن ينكشف الأمر فنوّع الطرق, وذلك عندما يذكر السند بطريقة فلان ابن فلان, اسماً ليس لها مسمّى, اسم الرجل واسم أبيه فقط وهو غير معروف, وكم في الكوفة أو البصرة مثلاً من اسم عبد الله بن سعد، أو حسن بن عليّ؟

قال: هذه الطريقة موجودة في السند عند أهل السُنّة, مثل: عبد الله بن عمر، أو عبد الله بن عبّاس.

قلت: وجود الطريقة لمن هم معروفين مشهورين, وهناك كتب للرجال في زمانهم تفصّل وتبيّن معلومات كافية عنهم، وتعرّفهم لمن يأتي بعدهم, ورواة الشيعة ليس لهم ذلك الاهتمام بعلم الرجال, كما هو معروف.

قلت: الصنف الثالث: رواته معرفون بأسمائهم ومشهورون عند الفريقين، ولكن ماذا قيل فيهم في كتب الرجال، عند الشيعة قبل أهل السُنّة؟ لمطاعن


الصفحة 176

عليهم لا تحصى قيل فيهم: كفّار ملعونون ساقطون على لسان الأئمّة. مثل: زرارة ابن سنسن بن أعين, وهشام بن سالم الجواليقي, ومحمّد بن الخطّاب, ومحمّد بن سنان, وهشام بن الحكم, وجابر بن يزيد الجعفي, والمفضّل الجعفي, وغيرهم.

مداخلة القاضي: قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ(1). فلو قلنا: بأنّ زعيماً ما، كالخميني مثلاً, رجاله وجنوده وأعوانه وأصحابه وأقرب المقرّبين إليه كلّهم خونة إلّا عدداً لا يبلغ العشرة, فهل يعدّ زعيماً ناجحاً أم فاشلاً؟ فكيف يمكن أن يقال في أصحاب رسول الله ما قيل من قبل الشيعة, وهل هذا إلّا طعناً في الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!

قال: إنّ في إيران الآن جهود إصلاحية يتزعّمها خاتمي لتنقيح بعض الشوائب الموجودة, ولكن هناك معارضة من المتشدّدين.

في ختام المناظرة طالبت الشيعي الإيراني بالرجوع إلى كتبهم والتأكّد ممّا تطرّقنا إليه, ومراجعة النفس في مصيرها، فالإنسان معرّض أن يلقى ربّه في أيّ لحظة, كما دعا له الشيخ التويجري والحاضرون بأن يهده الله إلى الحقّ, وطلبنا منه أن يدعو بهذا الدعاء: (اللّهمّ أرني الحقّ حقّاً وارزقني اتّباعه، وأرني الباطل باطلاً وارزقني اجتنابه).

ثمّ قال له عبد الله (مبتسماً): هل نهنئك الآن على أنّك تحدّيت أهل السُنّة؟

ثمّ أخذت اسمه وبريده الإلكتروني.

____________

1- الفتح ٤٨: ٢٩.


الصفحة 177

أجرى المناظرة مع الشيعي: الشيخ محمّد الصادق، الذي اهتدى على يديه بفضل من الله عدد من الشيعة، وهو صاحب كتاب (تأمّلات في كتاب نهج البلاغة)، نسأل الله أن يتقبّل منه صالح أعماله، وأن يجعلها في ميزان حسناته).

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

سواء صدقت هذه المناظرة أم لا، فنحن سنجيب عن الأسئلة والمناقشات الواردة فيها خدمة للعلم وأهله.

أوّلاً: عصمة الأنبياء والأئمّة(عليهم السلام) :

هذا البحث كتب فيه علماؤنا وكثير من مثقفينا وقد أشبع بحثاً وتحقيقاً، وذكرنا فيه أجوبة عديدة تحت عنوان (العصمة)، وهي شاملة لكلّ ما طرح في هذه المناقشة، خاصّة ما نسب إلى آدم(عليه السلام)من معصية، وإلى موسى(عليه السلام)من نسيان؛ فراجع!

ثانياً: حديث الخلفاء من بعدي اثنا عشر:

هذا الحديث صحيح مستفيض عن جابر بن سمرة، رواه البخاري في صحيحه بلفظ (اثنا عشر أميراً)، ومسلم من خمسة طرق، وأحمد من ستّة طرق(1).

____________

1- انظر: صحيح البخاري ٨: ١٢٧ كتاب الأحكام، صحيح مسلم ٦: ٣ ــ ٤ كتاب الأمارة، باب الناس تبع لقريش، مسند أحمد بن حنبل ٥: ٨٦، ٩٢، ٩٣، ١٠٧ حديث جابر بن سمرة.


الصفحة 178

ونقول: قد حار أهل السُنّة في بيان الخلفاء المشار إليهم بالعدد والقبيلة والصفات في هذه الأحاديث الصحيحة المستفيضة، ودخلوا في حيص بيص من هذه الناحية، ويمكنكم أن تراجعوا كتاب (مسائل خلافية حار فيها أهل السُنّة ص٧ ــ ٤٦) للشيخ علي آل محسن، لتجدوا أنّ هذه المسألة هي إحدى المسائل المحتار فيها عندهم، وقد بيّن الكاتب هذه الدعوى بالأدلّة والبراهين القاطعة.

بينما نجد بعض علماء أهل السُنّة قد أنصفوا من هذه الناحية وذكروا الحقّ في الموضع، وقالوا: إنّ المراد بالخلفاء الاثني عشر هم: الأئمّة من آل البيت(عليهم السلام) ، كالحافظ سليمان البلخي القندوزي الحنفي في كتابه (ينابيع المودّة)، وأنّ القول المذكور ــ بأنّ الخلفاء الاثني عشر هم أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) هو قول بعض المحقّقين(1).

وأمّا قول الوهابي: (وهذا الحديث الذي تذكره غير صحيح، وليس في البخاري ولا مسلم، بل هو من الأحاديث الموضوعة التي وضعها الشيعة ودسّوها في كتب السُنّة)، كذب شنيع ينبئك عن مقدار ورع مثل هؤلاء.

ثالثاً: حقّ عليّ(عليه السلام)بالخلافة:

حقّ عليّ(عليه السلام)بالخلافة أمر معلوم مشهور تشهد له النصوص المتناثرة في كتب الحديث، بل هناك نصوص وأحداث ذكرها البخاري ومسلم تشير إلى هذا الحقّ رغم المحاولات الكبيرة التي كانت تمارسها السلطات الأموية ومن ثمّ

____________

1- ينابيع المودّة ٣: ٢٩٢ الباب ٧٧.


الصفحة 179

العبّاسية ــ وهو الزمان الذي دوّنت فيه الأحاديث ــ من طمس هذه الحقيقة وتغييبها عن الوعي الإسلامي.

فقد روى البخاري ــ واللفظ له ــ ومسلم: (عن إبراهيم بن الأسود، قال: ذكروا عند عائشة أنّ عليّاً(رضي الله عنه) كان وصيّاً. فقالت: متى أوصى إليه وقد كنت مسندته إلى صدري، أو قالت: حجري، فدعا بالطست فلقد أنخنث في حجري، فما شعرت أنّه قد مات، فمتى أوصى إليه؟)(1).

ولا نريد أن نناقش في صحّة هذه الرواية وأنّها معارضة برواية أُخرى صحيحة أيضاً ــ بحسب المباني الحديثية عند أهل السُنّة ــ بأنّ أقرب الناس عهداً برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هو عليّ(عليه السلام)(2).

وربّما في مقام الترجيح تكون الثانية أرجح من الأُولى؛ لما ورد في الأُولى من جرّ النفع إلى صاحبها، إذ نفي الوصية عن عليّ(عليه السلام)من قبل عائشة فيه نفع لأبيها ــ أبي بكر ــ في مسألة الخلافة...

بل الذي نريد أن نقوله هنا هو: أنّ التسامع بالوصية في حقّ عليّ(عليه السلام)له جذور أصيلة وحقيقة كانت محلّ كلام وأخذ وردّ بين الصحابة أنفسهم.. فموضوع الوصية والخلافة لعليّ(عليه السلام)بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) موضوع ينبغي للباحثين

____________

1- انظر: صحيح البخاري ٣: ١٨٦ كتاب الوصايا، صحيح مسلم ٥: ٧٥، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء.

2- انظر: المستدرك على الصحيحين ٣: ١٣٩ كتاب معرفة الصحابة، وتصحيحه لهذه الرواية، وإقرار الذهبي بذلك في المستدرك على الصحيحين بتلخيص الذهبي ٣: ٣٤٩ الحديث ٤٧٢٩ كتاب معرفة الصحابة.


الصفحة 180

عن الحقّ البحث فيه والوصول إلى حقيقة ما جرى في تلك الحقبة المهمّة من تاريخ المسلمين، لما يترتّب عليها من ثمرات عقائدية مهمّة.

ونحن هنا نشير بشكل موجز إلى جانب يسير من الأدلّة الصحيحة الواردة في كتب أهل السُنّة التي تثبت الحقّ لعليّ(عليه السلام)في خلافة المسلمين بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):

١ــ روى أحمد بسند صحيح، والحاكم في (المستدرك) وصحّحه، ووافقه الذهبي عليه، وأبو داود الطيالسي، والطبراني في (المعجم الكبير)، وابن حجر في (الإصابة)، وابن كثير في (البداية والنهاية)، أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعليّ(عليه السلام)مخاطباً إيّاه: (أنت وليّ كلّ مؤمن بعدي ومؤمنة)(1).

فهذا الحديث الصحيح شاهد صدق على أنّ الخلافة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حقّ ثابت لعليّ(عليه السلام).

ولم يخف ابن تيمية تخوفه من هذا الحديث ــ الساطع كالشمس في رابعة النهار في الدلالة على حقّ عليّ(عليه السلام)في الخلافة ــ فانبرى إلى المغالطة في دلالته بعد أن أعيته السبل في المناقشة في سنده(2).

____________

1- انظر: مسند أحمد بن حنبل ١: ٣٣١ مسند عبد الله بن عبّاس، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٣٤ كتاب معرفة الصحابة، من مناقب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، المستدرك على الصحيحين بهامش تلخيص الذهبي ٣: ٣٤٥ الحديث ٣٧١٠، مسند أبي داود: ٣٦٠ عمر بن ميمون عن ابن عبّاس، المعجم الكبير ١٢: ٧٨ عمر بن ميمون عن ابن عبّاس، الإصابة ٤: ٤٦٨ ـ٥٧٠٤ـ، البداية والنهاية ٧: ٣٨١ شيء من فضائل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب.

2- انظر: منهاج السُنّة ٧: ٣٩١، ٣٩٢، فصل: قال الرافضي: التاسع ما رواه الجمهور أنّه أمر الصحابة بأن يسلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين، وراجع: تصحيح القراءة في نهج البلاغة: ١٣٦ الفصل الرابع، في ردّ مغالطة ابن تيمية المذكورة.


الصفحة 181
الصفحة السابقةالصفحة التالية