المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 7) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 7) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 181 - ص 210)

وهذا الحديث قد رواه الترمذي بلسان: (إنّ عليّاً منّي وأنا منه، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي)(1)، قال المباركفوري في شرحه لسنن الترمذي: (وظاهر أنّ قوله: (بعدي) في هذا الحديث ممّا يقوى به معتقد الشيعة)(2).

وقد صحّح هذا الحديث الشيخ ناصر الدين الألباني(3)، كما صحّح من قبله حديث الغدير بشطريه، الذي ادّعى ابن تيمية ضعف الأوّل منهما، وهو: قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (مَن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه)، وكذّب الآخر، وهو: (اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه)(4).

وأيضاً لاحظ ردّ الشيخ الألباني على ابن تيمية، وردّ دعواه بتضعيف هذه الأحاديث الصحيحة بتصريحه ــ أي: الألباني ــ : بأنّ الذي يدفع ابن تيمية إلى ذلك هو: التسرّع والمبالغة في الردّ على الشيعة، فالرجل ــ أي: ابن تيمية ــ قد أعمى التعصّب قلبه وعينيه، فهو لا يكتب ولا يتكلّم ولا يفتي إلّا بدافع من التعصّب والحقد الأعمى.

وهنا نقول ــ من باب النصيحة لا أكثر ـ ـ: الأوْلى لهؤلاء المتابعين أن يدركوا هذه الحقيقة، أي: أنّ شيخ إسلامهم هذا متعصّب أعمى، وعليهم أن يتخلّصوا من حالة اتّباعه بشكل أعمى؛ فإنّ من أسوأ حالات التقليد هي: حالة التقليد الأعمى للحقد الأعمى!

____________

1- سنن الترمذي ٥: ٢٩٦ الحديث ٣٧٩٦ أبواب المناقب، مناقب عليّ(عليه السلام) .

2- تحفة الأحوذي ١٠: ١٤٦ أبواب المناقب، باب مناقب عليّ(عليه السلام) .

3- سلسلة الأحاديث الصحيحة، للألباني ٥: ٢٦٢ الحديث ٢٢٢٣.

4- سلسلة الأحاديث الصحيحة، للألباني ٤: ٣٤٤ الحديث ١٧٥٠.


الصفحة 182

٢ــ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في عليّ(عليه السلام): (إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا)(1). نقله بعين لفظه المتّقي الهندي في (كنز العمّال) عن: ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبي نعيم؛ وقد ذكر تصحيح ابن جرير له(2)..

وقد أخرج هذا الحديث أحمد في (مسنده) بسند صحيح بلفظ: (ويكون خليفتي في أهلي)(3)، وابن عساكر في (تاريخ مدينة دمشق) بلفظ: (ويكون خليفتي ووصيّي من بعدي)(4).

٣ــ قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): (مَن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه)، وهذا الحديث صرّح بتواتره جملة من علماء أهل السُنّة، كجلال الدين السيوطي في (قطف الأزهار المتناثرة)(5)، والذهبي في (سير أعلام النبلاء)(6)، والعلاّمة جعفر بن إدريس الحسني، الشهير بـ(الكتاني) في (نظم المتناثر من الحديث المتواتر)(7)، والعجلوني في (كشف الخفاء)(8)، والألباني في (سلسلة الأحاديث الصحيحة)(9)، وغيرهم.

____________

1- شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ١٣: ٢١١ خطبة ٢٣١.

2- كنز العمّال ١٣: ١١٤، ١٢٨، ١٣٣ الحديث (٣٦٣٧١، ٣٦٤٠٨، ٣٦٤١٩).

3- مسند أحمد بن حنبل ١: ١١١ مسند عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) .

4- تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٤٨ ترجمة الإمام عليّ.

5- قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة: ٢٧٧ الحديث ١٠٢.

6- سير أعلام النبلاء ٨: ٣٣٥ ترجمة المطّلب بن زياد.

7- نظم المتناثر من الحديث المتواتر: ١٩٤ الحديث ٢٣٢.

8- كشف الخفاء ٢: ٢٧٤ الحديث ٢٥١٩ حرف الميم.

9- سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤: ٣٤٣ الحديث ١٧٥٠.


الصفحة 183

ولئن اختلف المختلفون في تفسير المراد من كلمة (مولاه): هل المراد بها (ناصره) أو (حبيبه) أو...؟!

نقول: الحديث يفسّر الحديث؛ فقد قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ(عليه السلام)ــ في ما ذكرناه قبل قليل ـ ـ: (أنت وليّ كلّ مؤمن بعدي ومؤمنة) وقد دلّ هذا الحديث على أنّ المراد بالولاية هي: ولاية الأمر دون المحبّة أو النصرة، التي لا يمكن تصوّرهما في المقام؛ لمحلّ (بعدي) في كلامه(صلى الله عليه وآله وسلم)..

قال أبو جعفر النحّاس في كتابه: (معاني القرآن الكريم)، بعد ذكره للآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(1): (قال أبو عبيد: وهذا يبيّن لك قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه)، فالمولى والوليّ واحد، والدليل على هذا: قوله جلّ وعزّ: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ(2)..

ثمّ قال في موضع آخر: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَولَى الَّذِينَ آمَنُوا(3)؛ فمعنى حديث النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): في ولاية الدين، وهي: أجلّ الولايات)(4). انتهى.

وهذا بيان صريح في حقّ عليّ(عليه السلام)في الخلافة؛ إذ أنّ ولاية الدين شاملة لولاية الدنيا ولا عكس.

رابعاً: رزية يوم الخميس:

____________

1- المائدة ٥: ٥٥.

2- البقرة ٢: ٢٥٧.

3- محمّد ٤٧: ١١.

4- معاني القرآن الكريم ٢: ٣٢٥ رقم ١١١ من سورة المائدة.


الصفحة 184

هذه الرزية تناقلتها كتب الحديث عند أهل السُنّة ــ صحاح وسنن ومسانيد ــ وفيها وردت تلك الكلمة الجارحة للجناب الأقدس للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ــ نعني بها كلمة: (يهجر) ــ والتي حالت بين النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وبين كتابته لكتاب الهداية، الذي وعدهم بأنّهم لن يضلّوا بعده أبداً..

ولا يحتاج المرء إلى كثير عناء ليعرف أنّ قائل تلك الكلمة (يهجر) هو: عمر بن الخطّاب، وقد صرّح بهذا جملة من علماء أهل السُنّة، نذكر منهم: ابن تيمية في (منهاج السُنّة)(1)، وسبط بن الجوزي في (تذكرة الخواص)(2), والغزالي في (سرّ العالمين)(3)، والشهاب الخفاجي في (نسيم الرياض)(4)، وابن الأثير في كتاب (النهاية في غريب الحديث)(5)، وغيرهم.

وفي دعوى أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أراد أن يكتب في هذا الكتاب الخلافة لأبي بكر، نقول:

هذه الدعوى تضحك الثكلى.. فهل تراه يقف (الفاروق) حائلاً بين النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وبين كتابة مثل هذا الكتاب وهو يجرّ النفع إلى (صاحبه)، الذي جاهد في تشييد خلافته يوم السقيفة، ومارس كلّ وسائل التهديد من شتم وسبّ وتوعّد بالقتل لكلّ من أراد أن يقف أمام تزعّم أبي بكر للخلافة.

____________

1- منهاج السُنّة ٦: ٢٤ كلام الرافضي على عمر.

2- تذكرة الخواص ١: ٣٥٧، الباب الثالث.

3- سرّ العالمين: ٤٠ المقالة الرابعة.

4- نسيم الرياض ٤:٢٧٧ القسم الثالث، الباب الثاني، فصل فيما وقع له(صلى الله عليه وآله وسلم) في مرض موته.

5- النهاية في غريب الحديث ٥: ٢٤٦ في مادة (هجر).


الصفحة 185

راجع ذلك في كلّ من كتب في أحداث السقيفة، كالطبري في (تاريخه)(1)، وابن خلدون في (مقدّمته)(2)، بل انظر إلى (صحيح البخاري)(3) لتطّلع على هذه الحقيقة.

وكذلك بالنسبة للأسانيد التي روت هذه الدعوى؛ فهي تشتمل على جملة من المقدوحين والمنحرفين عن عليّ(عليه السلام)، كإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف صاحب العود والغناء(4)، وعروة بن الزبير، الذي انتدبه معاوية لرواية أخبار قبيحة في عليّ(عليه السلام)، كما يشير إلى ذلك علاّمة المعتزلة ابن أبي الحديد في (شرح النهج)(5).

وأيضاً راوية الحديث عائشة المتّهمة في هذا الحديث (حديث أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لها: ادعي لي أبا بكر أباك...)(6) الخ، وذلك من جهتين:

الأُولى: لموقفها العدائي المعروف من عليّ(عليه السلام)، حتّى إنّها لا تطيق ذكر اسمه، كما يروي ذلك أحمد في (مسنده)(7)، وقد صحّح هذا الحديث الألباني في (إرواء الغليل)(8)، فراجع ثمّة!

____________

1- تاريخ الطبري ٢: ٤٥٩ حديث السقيفة.

2- مقدّمة ابن خلدون ٢ق٢: ٦٤ خبر السقيفة.

3- صحيح البخاري ٤: ١٩٤، باب مناقب المهاجرين وفضلهم.

4- انظر: تاريخ بغداد ٩: ٨١ ـ٣١١٩ـ، سير أعلام النبلاء، للذهبي ٨: ٣٠٦ ـ٨١ـ.

5- شرح نهج البلاغة ٤: ٦٣، ٦٤، ٦٩، ١٠٢، فصل في ذكر الأحاديث الموضوعة في ذم عليّ.

6- انظر: صحيح مسلم ٧: ١١ كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر.

7- مسند أحمد بن حنبل ٦: ٢٢٨ حديث عائشة.

8- إرواء الغليل ١: ١٧٨ الحديث ـ١٤٧ـ كتاب الطهارة، باب ما يوجب الغسل.


الصفحة 186

والجهة الثانية: لما فيه من جرّ نفع لأبيها؛ فهو من شهادة الأبناء للآباء، أو ما يسمّى بشهادة الفرع للأصل، وهي غير مقبولة عند أهل السُنّة(1).

ومن هنا نجد أنّ أهل السُنّة صحّحوا ردّ أبي بكر شهادة الحسن والحسين(عليهما السلام) لفاطمة(عليها السلام) في أمر فدك، بناءً على هذا المعنى، أي: عدم صحّة شهادة الأبناء في ما يجرّ نفعاً للآباء.

وإضافة لذلك كلّه: لم يحتجّ بهذا الحديث أحد من المهاجرين الذين كانوا مع أبي بكر في السقيفة، بل لم يحتجّ بهذا الحديث أبو بكر نفسه، رغم ما أبداه هذا الفريق ــ أي: فريق المهاجرين المتصدّين لنيل الخلافة في السقيفة ــ من جهود مضنية في ذكر النصوص والمؤيّدات التي تؤهّلهم لنيل هذا المنصب، كقولهم: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (الأئمّة من قريش)(2)، وأمثال ذلك من الفضائل التي أخذ البعض يذكرها في حقّ البعض الآخر من أصحابه، ولم يأتِ للحديث المدّعى (ادعي لي أباك وأخاك..) أيّ أثر أو ذكر في هذه الواقعة، التي كان أمر التنافس على الخلافة فيها بين الأنصار والمهاجرين على أشدّه.. ولا عطر بعد عرس.

خامساً: إغضاب الشيخين للسيّدة الزهراء(عليها السلام) :

وهذا الأمر معلوم مشهور، ذكره البخاري وغيره، روى البخاري في (صحيحه) ما نصّه: (إنّ فاطمة(عليها السلام) بنت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أرسلت إلى أبي بكر تسأله

____________

1- انظر: الإيجي في المواقف ٣: ٦٠٩، شرح المواقف ٨: ٣٥٦ الموقف السادس، المرصد الثاني، المرصد الرابع، وابن حجر في الصواعق المحرقة ١: ٩٣، الباب الأوّل، الفصل الخامس، الشبهة السابعة، والحلبي في السيرة الحلبية ٣: ٤٨٨.

2- انظر: مسند أحمد بن حنبل ٣: ١٢٩، ١٨٣ مسند أنس بن مالك.


الصفحة 187

ميراثها من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)... فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته، فلم تكلّمه حتّى توفّيت، وعاشت بعد النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) ستّة أشهر، فلمّا توفّيت دفنها زوجها عليّ ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر)(1).

وأيضاً روى البخاري: (فغضبت فاطمة بنت رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتّى توفّيت)(2).

وإذا ضممنا إلى هذا الحديث الصريح بإغضاب فاطمة(عليها السلام) من قبل أبي بكر حديث آخر، رواه البخاري: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني)(3). وعرفنا أن من أغضب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يكون قد أغضب الله؛ لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يغضب إلّا للحقّ وبالحقّ ــ لمحلّ عصمته المتّفق عليها عند الجميع ــ..

نقول: يتّضح لنا بعدها الموقف الشرعي من أبي بكر من خلال قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوا قَوماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِم(4)، وهذا الأمر واضح لا يحتاج إلى كثير عناء، سوى التجرّد والنيّة الخالصة في معرفة الحقّ وأهله.

ولا يهمّنا بعد هذا إثبات إغضاب عمر لفاطمة(عليها السلام) ، فالرجلان (أبو بكر وعمر) كانا شريكين في كلّ محنة جرت على أهل البيت(عليهم السلام)بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا أمر معلوم مشهور في كتب الحديث والتاريخ.

____________

1- صحيح البخاري ٥: ٨٢ كتاب المغازي، باب غزوة خيبر.

2- صحيح البخاري ٤: ٤٢ كتاب الجهاد والسير، باب فرض الخمس.

3- صحيح البخاري ٤: ٢١٠، ٢١٩، باب مناقب المهاجرين.

4- الممتحنة ٦٠: ١٣.


الصفحة 188

وأمّا دعوى: أنّ الإغضاب لو صحّ فأوّل من أغضب فاطمة(عليها السلام) هو عليّ(عليه السلام)حينما خطب ابنة أبي جهل..

فنقول: من المؤسف أنّ أهل السُنّة يعيشون في دائرة مفرغة عن العلم والجدل الرصين.. فهم يحاولون دائماً إثبات دعواهم من أحاديث يسردونها من كتبهم نفسها، وهذا باطل في باب المناظرة والمجادلة، فهو ليس فيه أيّة ثمرة علمية ولا عملية..

قال ابن حزم في كتابه (الفصل في الأهواء والملل والنحل): (لا معنى لاحتجاجنا عليهم ــ يريد: المخالفين لهم ــ برواياتنا؛ فهم لا يصدّقونها، ولا معنى لاحتجاجهم علينا برواياتهم؛ فنحن لا نصدّقها، وإنّما يجب أن يحتجّ الخصوم بعضهم على بعض بما يصدّقه الذي تقام عليه الحجّة به، سواء صدّقه المحتجّ أو لم يصدّقه؛ لأنّ من صدّق بشيء لزمه القول به، أو بما يوجبه العلم الضروري، فيصير الخصم حينئذٍ مكابراً منقطعاً إن ثبت على ما كان عليه)(1).

والحديث المدّعى فيه: تعرّض الإمام عليّ(عليه السلام)بالخطبة إلى ابنة أبي جهل، حديث موضوع رواه أهل السُنّة وصدّقوه ــ للأسف ــ وأرادوا من الشيعة التصديق به، وهو أمر مضحك حقّاً! وقد كتبنا فيه بحثاً مفصّلاً في قسم (الأسئلة العقائدية: الإمام عليّ(عليه السلام)/ بحث حول خطبة الإمام عليّ(عليه السلام)ابنة أبي جهل).

سادساً: صلاة أبي بكر بأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم):

____________

1- الفصل في الأهواء والملل والنحل ٤: ٩٤ الإمامة والمفاضلة.


الصفحة 189

هذه المسألة بحثناها مفصّلاً تحت عنوان (أبو بكر)، وهناك أسئلة وأجوبة خاصّة بصلاة أبي بكر في مرض النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأيضاً دعوى صلاة الإمام عليّ(عليه السلام)وراء أبي بكر)؛ فراجع!

سابعاً: دعوى زواج عمر من أُمّ كلثوم ابنة عليّ(عليه السلام):

وهذه المسألة أيضاً بُحثت بشكل مستفيض, وقد أفردنا عنواناً خاصاً لهذه المسألة تحت عنوان: (تزويج أُمّ كلثوم من عمر)، ومثلها مسألة تسمية أبنائه بأسماء الثلاثة؛ فقد أجبنا عنها تحت عنوان: (التسمية بأبي بكر وعمر وعثمان)؛ فراجع!

ثامناً: وأيضاً بقية المسائل المثارة في هذه الرسالة بخصوص النصوص الواردة في (النهج) من قول الإمام عليّ(عليه السلام): (إنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان...)، وأمثاله، ممّا يحتجّ بها المخالفون في ردّ دعوى النصّ في الإمامة عند الشيعة؛ فقد بحثناها تحت عنوان (نهج البلاغة)، وأيضاً موقف الإمام عليّ(عليه السلام)من أهل الشام، بل عموم محاربيه من أهل الجمل والنهروان.. مع العلم بأنّ الشيعة والسُنّة قد اتّفقوا على تخطئة محاربي عليّ(عليه السلام)، وأنّه لا خلاف في هذه المسألة في عقيدة الطائفتين.

نعم, يختلف الشيعة عن السُنّة في هذا الموضوع بدعوى: تكفير محاربي عليّ(عليه السلام)، وقد استندوا في ذلك إلى حديث صحيح، بل متواتر، جاء فيه: قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): (حرب عليّ حربي، وسلمه سلمي)(1)..

____________

1- راجع مصادره في كتاب تصحيح القراءة في نهج البلاغة: ١٩٣ الفصل الخامس، و٢١١، وانظر: مسند أحمد بن حنبل ٢: ٤٤٢ مسند أبي هريرة، سنن الترمذي ٥: ٣٦، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٢: ٢٩٧.


الصفحة 190

وحرب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كفر بلا خلاف، فينبغي أن يكون حرب عليّ(عليه السلام)مثله؛ لأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أراد التشبيه بينهما في الأحكام: أي: حكم حربك حربي، وإلّا فمحال أن يريد نفس حربك حربي؛ لأنّ المعلوم خلافه.

تاسعاً: وثاقة رواة الأحاديث، مثل: زرارة بن أعين:

وهذه المسألة أيضاً قد أفردنا لها بحثاً مستقلاً تحت عنوان: (علم الرجال)، في السؤال الخاص بزرارة بن أعين؛ فراجع ثمّة!

ويمكنكم لمعرفة ضوابط الحديث عند الإمامية، وأيضاً ضوابط الجرح والتعديل عندهم، أن تراجعوا عنوان: (الحديث وعلومه)؛ إذ توجد هناك جملة من الأسئلة وأجوبتها في الموضوع المذكور، وكذا موضوع (كتاب الكافي).

هذا ما تسنّى لنا بيانه بشأن الأسئلة المشار إليها في هذه المناظرة.

(ولاية عليّ وأهل بيته(عليهم السلام)بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)

« عبد الله ــ السعودية ــ سُنّي »

السؤال:

فأمّا ولاية عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه) بمعنى أنّه وليّ لله تعالى، فأهل السُنّة مجمعون عليها؛ إذ لا شكّ في ذلك؛ لأنّه من السابقين للإسلام الذين قال الله فيهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا


الصفحة 191

أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(1).

وتكفي شهادة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) له في عدّة أحاديث، منها قوله: (أليس الله بأولى بالمؤمنين؟ قالوا: بلى قال: اللّهمّ من كنت مولاه فعليّ مولاه, اللّهمّ وال من والاه, وعاد من عاداه)، رواه أحمد والترمذي وابن ماجة والبيهقي، بأسانيد صحاح.

وأمّا إن كانت ولايته بمعنى أحقّيته بوراثة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في مقام الدين والدنيا, أي: أنّه الأحقّ بالخلافة من أبي بكر وعمر, فهذا غير مسلّم! للإجماع على تفضيل أبي بكر وعمر عليه وأنّهما أحقّ بالخلافة، وكان هو نفسه(رض) معترفاً بهذا، لا ينازعهما فيه، وقد بايعهما بالخلافة. وفي تفضيل عثمان على عليّ خلاف بين أهل السُنّة, والأكثرون على تفضيل عثمان.

أمّا الولاية له ولأولاده بالمعنى الذي يعتقده بعض أهل الزيغ، فهي مردودة؛ لأنّها بمعنى العصمة له وللأئمّة من ذرّيته, وأحقّيتهم بالولاية الدينية على المؤمنين, وقد وجد كثير من المسلمين من الصحابة ومن بعدهم أفضل من بعضهم, ولأنّ أساس التفضيل في الإسلام ليس قائماً على النسب والقرابة من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم), بل هو بالتقوى والإيمان: ﴿إنَّ أَكْرَمَكمْ عندَ اللَّه أَتْقَاكمْ إنَّ اللَّهَ عَليمٌ خَبيرٌ(2).

ومذهب أهل السُنّة والجماعة أنّه لا عصمة لأحد غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام, وعصمتهم في ما يتعلّق بتبليغ الوحي, وهم معصومون عن كبائر الذنوب دون صغائرها, وأهل البيت داخلون تحت قول النبيّ(صلّى الله عليه

____________

1- التوبة ٩: ١٠٠.

2- الحجرات ٤٩: ١٣.


الصفحة 192

وسلّم): (كلّ بني آدم خطّاء, وخير الخطّائين التوّابون)، رواه أحمد والترمذي وابن ماجة، وحسّنه الألباني..

وهم داخلون كذلك تحت الخطاب الإلهي للناس جميعاً، وذلك في الحديث القدسي الذي رواه الإمام مسلم عن أبي ذر(رضي الله عنه) وفيه: (يا عبادي! إنّكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم).

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

في السؤال فقرات عديدة يمكن الإجابة عليها حسب نقاط:

النقطة الأوّلى: معنى (عليّ ولي الله)، هو تولّي شؤون إدارة البلاد والعباد بأمر من الله سبحانه، وهو المعنى المستفاد من قوله تعالى: ﴿إنّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ(1)، التي أجمع المفسّرون في نزولها بحقّ أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام)عندما تصدّق بخاتمه وهو في حال الركوع من صلاته(2).

وأيضاً المستفاد من قول المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم): (من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه)(3)؛ إذ فسّر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) المراد من كلمة (مولى) ــ وهي بمعنى: الأوْلى، وبقية المعاني مصاديق له ــ بأنّها: ولاية الأمر، وهو معنى قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في قرينة لفظية دالّة على ذلك:

____________

1- المائدة ٥: ٥٥.

2- انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٤: ١٦١ الحديث (٦٥٤٩، ٦٥٥١) قوله تعالى: (إنّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ...) ، تفسير الطبري ٦: ٣٩٠، شواهد التنزيل، للحسكاني ١: ٢١٢ الحديث ٢٢١، وقد تقدّم تفصيل الكلام بهذا في عنوان: (آية الولاية)؛ فليراجع.

3- مقطع من حديث الغدير.


الصفحة 193

(ألست أوْلى بكم من أنفسكم؟) الدال على ولاية الأمر بكلّ وضوح، والتي أردفها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله المتقدّم: (فمن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه).

وقد فهم العرب الأقحاح الذين حضروا واقعة التنصيب هذه في غدير خمّ أنّه تنصيب للإمامة وقيادة الأُمّة من بعده(صلى الله عليه وآله وسلم).

كما عبّر عن ذلك حسان بن ثابت شاعر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في نفس الواقعة، إذ أنشد قائلاً:


يناديهم يوم الغدير نبيّهمبخمّ وأسمع بالرسول مناديا
يقول فمن مولاكم ووليّكم؟فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا
إلهك مولانا وأنت وليّناولا تجدنّ منّا لأمرك عاصيا
فقال له: قم يا عليّ؟ فإنّنيرضيتك من بعدي إماماً وهاديا
فمن كنت مولاه فهذا وليّهفكونوا له أتباع صدق مواليا
هناك دعا اللّهمّ وال وليّهوكن للذي عادى عليّاً معاديا(1)

إلّا أنّ السياسة وغلبة الآراء وتفرّق المصالح أخذا بالمسلمين يوم ذاك شرقاً وغرباً فتمخّض عن ذلك مؤتمر السقيفة بين المهاجرين والأنصار، الذي أدّى إلى تنصيب أبي بكر خليفة للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، في عملية تنصيبية جرى فيها من التهديد والوعيد بين الطرفين، ممّا لا يليق بالمسلمين اليوم ذكره، أو التطرّق إليه.

وعلى سبيل المطالعة فقط انظر: ما ذكره الطبري عن هذه الحادثة في كتابه (تاريخ الطبري)(2).

____________

1- انظر: رسائل المرتضى ٤: ١٣١، خصائص الأئمّة، للشريف الرضي: ٤٢، وغيرها.

2- تاريخ الطبري ٢: ٤٤٣ السنة الحادية عشرة من الهجرة.


الصفحة 194

وأمّا قولك: إنّ أهل السُنّة مجمعون على ولاية عليّ(عليه السلام)بمعنى الولاية الذي تريده، فهم كما تعلم يثبتونه لغيره من أفاضل المسلمين أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل لو شئت الحقّ يثبتون الولاية بهذا المعنى الذي تريده لكلّ المسلمين. وعند ذلك، فما ميزة عليّ(عليه السلام)ليختصّه ويفرده رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الغدير بهذه الولاية إذا كانت عامّة لجميع المسلمين؟!!

ألا ترى نفسك وأنّك تزري بشخصية الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) (نعوذ بالله) عندما تنسب مثل هذا التصرّف له؟! وتجعل ذلك الموقف يوم الغدير تحت الشمس الحارقة لذلك الجمع، ورسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يرتقي أقتاب الإبل، ليقول قولاً متسالم عليه وثابت لجميع المسلمين!! تجعله سفاهة في سفاهة (نعوذ بالله) يعاب عليه أدنى الناس لو فعله!

النقطة الثانية: كون الإجماع على تفضيل أبي بكر وعمر على عليّ(عليه السلام)وأنّهما أحقّ بالخلافة منه.

الجواب: لا يوجد إجماع في مسألة التفضيل، وإنّما مستند هذه الأقوال هو بضع روايات فيها الكثير من التأمّل؛ فالمفاضلة الواردة في حقّ الثلاثة (أبي بكر وعمر وعثمان) على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) تنسب إلى ابن عمر، كما هو الوارد في (صحيح البخاري)(1). وبملاحظة سن ابن عمر على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وكونه لم يبلغ الحلم بعد، يدرك أنّ عالمه هو عالم الصبيان! إذ لم يكن ابن عمر قد بلغ مبلغ الرجال لينقل حال المفاضلة هذه عندهم، كما هو واضح.

____________

1- صحيح البخاري ٤: ١٩١، باب مناقب المهاجرين وفضلهم.


الصفحة 195

والمفاضلة الواردة في حقّ الأربعة (أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ(عليه السلام)، فراويها جعدبة بن يحيى(1)، الذي يمكن العودة إلى ترجمته في (لسان الميزان)(2) لننظر مصداقية نقله هذا بعد القدح الوارد فيه هناك.

وإن كان هناك بحث يجب القيام به في موضوع المفاضلة هذه، فالآيات والروايات صادحة بتفضيل عليّ(عليه السلام)على من سواه بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ويمكن للمتتبع الحصيف أن يقرأ تفسير الآيات الكريمة التالية وأسباب نزولها ليجد موضع عليّ(عليه السلام)منها: آية المباهلة (٦١ من آل عمران)، آية التطهير (٣٢ من الأحزاب)، آية المودّة (٢٣ من الشورى)، آية الصلاة على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) التي يشترك فيها معه أهل بيته(عليهم السلام)(٥٦ من الأحزاب)، آية الولاية، سورة الدهر.. وغيرها من الآيات الواردة في حقّ أمير المؤمنين(عليه السلام)وبيان منزلته ومكانته العالية.

بل كفاه (عليه السلام)أن يكون حبّه علامة الإيمان وبغضه علامة النفاق، ليكون قسيم النار والجنّة بجدارة؛ إذ المحبّون له سيكونون من المؤمنين ومن أهل الجنّة حتماً، والمبغضون له سيكونون من المنافقين ومن أهل النار حتماً؛ وذلك حسب الحديث الوارد عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، الذي رواه مسلم: عن عليّ(عليه السلام): (إنّه لعهد النبيّ الأُمّي إليَّ لا يحبّني إلّا مؤمن ولا يبغضني إلّا منافق)(3).

____________

1- انظر: تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٣٠: ٣٤٦ ترجمة أبي بكر.

2- لسان الميزان، لابن حجر ٢: ١٠٥، ٤: ١٨٣.

3- صحيح مسلم ١: ٦١، باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، وانظر: سنن النسائي ٨: ١١٦ علامة المنافق.


الصفحة 196

وروى الترمذي في سننه في مناقب عليّ بن أبي طالب: بسنده عن أنس ابن مالك، قال: (كان عند النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) طير. فقال: اللّهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك ليأكل معي هذا الطير، فجاء عليّ فأكل معه)(1)؛ قال المباركفوري في (تحفة الأحوذي في شرح جامع الترمذي): (وأمّا الحاكم فأخرجه في المستدرك وصحّحه)(2).

وقال الذهبي في (تذكرة الحفاظ): (وأمّا حديث الطير فله طرق كثيرة أفردتها بمصنّف، ومجموعها يوجب أن يكون الحديث له أصلٌ)(3).

فأحبّ الخلق إلى الله هو أكثر الناس اتّباعاً لنبيه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو أهل طاعته سبحانه؛ قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ(4).

ومن هنا كانت طاعته(عليه السلام)طاعة لله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما قال: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع عليّاً فقد أطاعني، ومن عصى عليّاً فقد عصاني). أخرج هذا الحديث الحاكم في (المستدرك)، والذهبي في (تلخيص المستدرك)، وصرّح كلّ منهما بصحّته على شرط الشيخين(5).

____________

1- سنن الترمذي ٥: ٣٠٠ مناقب عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) .

2- تحفة الأحوذي في شرح جامع الترمذي ١٠: ١٥٣ مناقب عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، وانظر: المستدرك على الصحيحين ٣: ١٣٠.

3- تذكرة الحفّاظ ٣: ١٠٤٣ ترجمة الحاكم أبو عبد الله النيسابوري.

4- آل عمران ٣: ٣١.

5- المستدرك على الصحيحين ٣: ١٢١.


الصفحة 197

والأفضل هو من تُطلق عليه كلمات، مثلاً: سيّد وإمام وقائد، كما في الحديث الوارد عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): (أُوحي إليَّ في عليّ ثلاث: أنّه سيّد المسلمين، وإمام المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين)(1).

والأفضل هو مَن يكون خيرة الله من خلقه مع النبيّ المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما في قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لفاطمة(عليها السلام) : (يا فاطمة أما ترضين أنّ الله عزّ وجلّ أطّلع على أهل الأرض فاختار رجلين، أحدهما أبوك، والآخر بعلك)(2).

أمّا كون أبو بكر وعمر أحقّ بالخلافة من عليّ(عليه السلام)، فهذا لا وجه له؛ إذ لم تكن الأحقيّة المدّعاة بتنصيب من الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) مثلاً، أو إجماع من الأُمّة (للخلاف الكبير الوارد في مؤتمر السقيفة كما أشرنا إليه سابقاً)، أو حتّى بامتيازات خاصّة تؤهّلهما لتولّي شؤون المسلمين دونه(عليه السلام)..

فقد تواتر عن عمر بن الخطّاب قوله في أكثر من مورد ومورد: (لولا عليّ لهلك عمر)(3). بل قال عمر في نفسه: (كلّ الناس أفقه من عمر حتّى ربّات الحجال)(4).. وقد صرّح أبو بكر معترفاً بعجزه عن إدارة شؤون المسلمين بقوله: (أقيلوني فلست بخيركم)(5). وصرّح عمر بن الخطّاب ــ وهو أوّل من اختار أبا

____________

1- رواه الحاكم في المستدرك ٣: ١٣٨ وصرّح بصحّته على شرط الشيخين.

2- أخرجه الحاكم في المستدرك ٣: ١٢٩ وصحّحه.

3- انظر: تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة: ١٥٢، الاستيعاب، لابن عبد البر ٣: ١١٠٣، المواقف، للإيجي ٣: ٦٢٧، تفسير السمعاني ٥: ١٥٤، تفسير الرازي ٢١: ٢٢، وغيرهم.

4- انظر: المبسوط، للسرخسي ١٠: ١٥٣ كتاب الاستحسان، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ١: ١٨٢ طرف من أخبار عمر.

5- انظر: الإمامة والسياسة ١: ٢٠ كيف كانت بيعة عليّ بن أبي طالب، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ١: ١٨٦ عهد أبي بكر بالخلافة إلى عمر.


الصفحة 198

بكر وبايعه على الخلافة ــ: (إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرّها)(1). وأخيراً، فما بالك تحتجّ علينا بما ورد في كتبكم، وأنت تعلم أنّ هذا ليس بحجّة في المناظرة! ألا ترى أنّا ما ذكرنا لك واحتججنا عليك إلّا بما ورد في كتبكم ولم نأتِ بما في كتبنا ورواياتنا؟! وإلّا فعندنا أنّهم: لا فضل لهم حتّى تأتي النوبة لمفاضلتهم مع عليّ(عليه السلام)!!

وأمّا تفضيل عثمان على عليّ(عليه السلام)، فلا نعتقد أنّه يستحقّ الإجابة بعدما سمعت ما تقدّم!

وأمّا ما ذكرت من عدم منازعته(عليه السلام)لهما، فلا نسلّم به، بل إنّه(عليه السلام)طالب بحقّه بأقصى ما تسمح به مصلحة الإسلام، وأنّه امتنع عن البيعة حتّى أُكره. وما ذكرته من كتبكم فلا حجّة فيه علينا مع أنّه ضعيف في نفسه.

النقطة الثالثة: الولاية لعليّ(عليه السلام)وأولاده.

الجواب: التولّي لعليّ(عليه السلام)وأولاده الأئمّة الأحد عشر(عليهم السلام)من بعده لم يكن وليد رأي، أو اجتهاد، أو دعوة للإرث التقليدي من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو بفعل عامل القرابة والمصاهرة للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنّما هذا الأمر وليد النصوص النبوية المعصومة التي دعت إلى ولاية عليّ(عليه السلام)وأهل بيته.

____________

1- المعيار والموازنة، لأبي جعفر الإسكافي: ٣٨ بدء بيعة أبي بكر، سنن النسائي ٤: ٢٧٢ الحديث ٧١٥١، وانظر: مسند أحمد بن حنبل ١: ٥٥ حديث السقيفة، صحيح البخاري ٨: ٢٦ كتاب المحاربين من أهل الكفر والردّة، باب رجم الحبلى من الزنا، وغيرها.


الصفحة 199

فقد ورد عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث الثقلين المتواتر المشهور: (إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما فلن تضلّوا بعدي أبداً)(1).

وواضح لمن له أدنى مسكة علم، أنّ التمسّك بالكتاب والعترة هو: الاتّباع والأخذ بهديهما، وهو معنى الولاية لهما.

وقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): (من سرّه أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنّة عدن غرسها ربّي، فليوال عليّاً من بعدي، وليوال وليّه، وليقتدِ بالأئمّة من بعدي؛ فإنّهم عترتي، خُلقوا من طينتي، ورُزقوا فهماً وعلماً، وويل للمكذّبين بفضلهم من أُمّتي، القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي)(2).

وقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): (من أحبّ أن يحيى حياتي، ويموت موتتي، ويسكن جنّة الخلد التي وعدني ربّي، فإنّ ربّي عزّ وجلّ غرس قصباتها بيده، فليتولّ عليّ ابن أبي طالب رضي الله عنه؛ فإنّه لن يخرجكم من هديى، ولن يدخلكم في ضلالة)(3)، وقول ابن حجر: أنّ في إسناده يحيى بن يعلى المحاربي، وهو واهٍ(4)، مردود؛ لأنّ يحيى بن يعلى المحاربي ثقة بالاتّفاق، كما أنّه من رجال

____________

1- انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة، للألباني ٤: ٣٥٥، وقد ذكرت مصادر الحديث ورواته وتصحيحه في هذه الموسوعة بعنوان: (حديث الثقلين)؛ فليراجع.

2- حلية الأولياء، لأبي نعيم ١: ١٢٨ الحديث ٢٦٧ ترجمة عليّ بن أبي طالب، كنز العمّال ١٢: ١٠٣ الحديث ٣٤١٩٨، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٤٢: ٢٤٠ ترجمة الإمام عليّ.

3- انظر: المعجم الكبير، للطبراني ٥: ١٩٥، كنز العمّال ٦: ١٥٥.

4- انظر: الإصابة في تمييز الصحابة ٢: ٤٨٥ ـ٢٨٧٢ـ.


الصفحة 200

الصحيحين البخاري ومسلم، وعدّه أبو الفضل القيسراني وغيره ممّن احتجّ بهم الشيخان(1).

وأمّا عصمة أهل البيت(عليهم السلام) ، ففي حديث الثقلين دلالة واضحة عليها؛ إذ جعل الله سبحانه العصمة من الضلال بالتمسّك بالثقلين معاً، وغير المعصوم لا يهدي إلى الحقّ مطلقاً، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إلّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(2).

أمّا قولك: (أنّ الولاية له ولأولاده بمعنى العصمة)، فهو خلط منك؛ لأنّ معنى الولاية شيء وهو خلافة الله في أرضه، والولاية في شؤون الدين والدنيا، ومعنى العصمة شيء آخر، وهو: العصمة من الخطأ والنسيان وكلّ منفّر للناس من أوّل حياته إلى آخرها.

نعم، نحن نقول: لا بدّ للوليّ أن يكون معصوماً؛ إذ لو جاز عليه الخطأ لجاز للناس عدم اتّباعه فيه، فلا تكون له ولاية عليهم، وغيرها من الأدلّة مذكورة في محلّها، فالعصمة لازمة للولاية وليست بمعناها؛ فافهم!

وأمّا قولك: (كما يعتقد أهل الزيغ)، فأهل الزيغ من يزيغوا عن الدليل، فهلّم للدليل؟ وما نراك إلّا تحتجّ بما لقنه لك من قبلك، وتبني دليلك على مبادئ وعقائد نحن لا نسلّمها لك، فكيف تحتجّ علينا بها؟! فاثبت ما تدّعيه أوّلاً، ثمّ احتجّ به!!

____________

1- انظر: الجمع بين رجال الصحيحين، لابن القيسراني ٢: ٥٦٥ ـ٢١٩٥ـ.

2- يونس ١٠: ٣٥.


الصفحة 201

ومثاله: قولك: (قد وجد كثير من المسلمين من الصحابة ومن بعدهم أفضل من بعضهم)، فأين دليلك عليه؟! بل راجع تراجمهم تجد أنّهم أفضل الناس، بل عندنا أنّهم: أفضل الخلق بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

ثمّ إنّك تقول: (إنّ بعض الصحابة أفضل منهم)، لو سلّمنا، فإنّه لا يلزم التناقض؛ لأنّه لو فرضنا أنّ هناك صحابياً أفضل من بعض الأئمّة(عليهم السلام) ، ولكنّه ليس أفضل من الوليّ في زمنه وهو عليّ(عليه السلام)، أو الحسن أو الحسين(عليهما السلام) . ونحن على أقل الاحتمالات وتنزّلاً معك نثبت من خلال ما نقلتموه أنتم في تراجمهم أنّ كلّ واحد منهم كان أفضل الخلق في زمانه؛ فتأمّل!

ثمّ متى ادّعى الشيعة أنّ أساس التفضيل القرابة والنسب؟!!

نعم، إنّ القرابة منقبة وفضيلة، ولكن ليست هي المقوّم للولاية، وإنّما الولاية اختيار من الله ونصّ من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم، وكلّ إمام على الإمام الذي بعده، فما تقوله هو من فضول الكلام.

ونحن إذا كنّا نتّبع ما يقوله أهل السُنّة في عقائدهم (ومثالاً له: ما تقوله في أنّ العصمة للأنبياء فقط في تبليغ الوحي)، لكنّا من أهل السُنّة ولسنا من أتباع أهل البيت(عليهم السلام) ، والدليل من الكتاب والسُنّة بخصوص عقيدة العصمة بيننا وبينكم، وإن أردت فراجع كتبنا.

وأمّا ما ذكرت من الحديثين بعد الغضّ عن البحث في السند، فإنّ فيهما قضية كلّية لا مانع من تخصيصها بدليل آخر عقلي أو نقلي، وإلّا كيف ناقضت نفسك وأخرجت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) منهما؟!!


الصفحة 202

فما تقول في الجواب نقوله بخصوص أئمّتنا(عليهم السلام) .

تعليق:

« محمّد ــ العراق ــ إمامي »

(وقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): (من أحبّ أن يحيى حياتي، ويموت موتتي، ويسكن جنّة الخلد التي وعدني ربّي، فإنّ ربّي عزّ وجلّ غرس قصباتها بيده، فليتولّ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه؛ فإنّه لن يخرجكم من هديى، ولن يدخلكم في ضلالة)، وقول ابن حجر: إنّ في إسناده يحيى بن يعلى المحاربي، وهو واهٍ، مردود؛ لأنّ يحيى بن يعلى المحاربي ثقة بالاتّفاق، كما أنّه من رجال الصحيحين البخاري ومسلم، وعدّه أبو الفضل القيسراني وغيره ممّن احتجّ بهم الشيخان).

يقول الوهابيون: إنّ ذكر ابن حجر ليحيى بن يعلى المحاربي وهم منه، بل الوارد في السند هو يحيي بن يعلي الأسلمي، وهو ليس بثقة بالاتّفاق, وعليه فالحديث لا يصحّ.

فماذا تقولون يرحمكم الله؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

روى هذا الحديث الطبري في (المنتخب من ذيل المذيل من تاريخ الصحابة والتابعين)، وفي سنده يحيى بن يعلى المحاربي، لا الأسلمي؛ قال: (حدّثني زكريا بن يحيى بن أبان المصري، قال: حدّثنا أحمد بن إشكاب، قال: حدّثنا يحيى بن يعلى المحاربي، عن عمّار بن رزيق الضبّي، عن أبي إسحاق


الصفحة 203

الهمداني، عن زياد بن مطرف، قال سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: (من أحبّ أن يحيا حياتي ويموت ميتتي، ويدخل الجنّة التي وعدني ربّي، قضباناً من قضبانها غرسها في جنّة الخلد، فليتولّ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)وذرّيته من بعده، فإنّهم لن يخرجوهم من باب هدى، ولن يدخلوهم في باب ضلالة))(1).

وعلى فرض أنّ ما يقال صحيحاً، وأنّه قد وقع التصحيف في رواية الطبري في (المنتخب)، وأنّه يحيى بن يعلى الأسلمي؛ لا المحاربي، كما في (المعجم الكبير)(2)، ولكنّ الحاكم قد صحّح حديثاً قريباً من متنه بنفس السند وقع فيه الأسلمي، قال: (حدّثنا بكر بن محمّد الصيرفي بمرو، ثنا إسحاق، ثنا القاسم بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن يعلى الأسلمي، ثنا عمّار بن زريق، عن أبي إسحاق، عن زياد بن مطرف، عن زيد بن أرقم(رضي الله عنه) ، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (من يريد أن يحيى حياتي، ويموت موتي، ويسكن جنّة الخلد التي وعدني ربّي، فليتولّ عليّ بن أبي طالب؛ فإنّه لن يخرجكم من هدى، ولن يدخلكم في ضلالة)، هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)(3).

وتعقّبه الذهبي بقوله: (أنّى له الصحّة، والقاسم متروك، وشيخه ضعيف، واللفظ ركيك، فهو إلى الوضع أقرب، وهو قول ابن الملقّن)(4).

____________

1- المنتخب من ذيل المذيّل: ٨٣ فيمن روى عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من همدان.

2- المعجم الكبير، للطبراني ٥: ١٩٥ زياد بن مطرف عن زيد بن أرقم.

3- المستدرك على الصحيحين ٣: ١٢٨ مناقب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) ممّا لم يخرجاه.

4- المستدرك على الصحيحين بهامش تلخيص الذهبي ٣: ١٣٩٧ الحديث ٤٧٠٠.


الصفحة 204

ولكن القاسم توبع عليه في طرق أُخرى، فلم يبق إلّا شيخه، وهو يحيى بن يعلى الأسلمي، ولكنك عرفت من تصحيح الحاكم أنّه يوثّقه، وأمّا تضعيف الآخرين له، فلكونه شيعيّ!(1)

ومع ذلك فإنّ الحديث المذكور روي بأسانيد مختلفة، وهناك روايات بمضامين قريبة من مضمون هذا الحديث، وقد جمعها ابن عساكر في (تاريخ مدينة دمشق)، فقال:

(أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد، أنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله، نا محمّد بن المظفّر، نا محمّد بن جعفر بن عبد الرحيم، نا أحمد بن محمّد بن يزيد بن سليمان، نا عبد الرحمن بن عمران بن أبي ليلى، أنا محمّد بن عمران، نا يعقوب بن موسى الهاشمي، عن ابن أبي روّاد، عن إسماعيل بن أُميّة، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (من سرّه أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنّة عدن غرسها ربّي، فليوال عليّاً من بعدي، وليوال وليّه، وليقتد بالأئمّة من بعدي، فإنّهم عترتي، خُلقوا من طينتي، رزقوا فهما وعلماً، ويل للمكذّبين بفضلهم من أُمّتي، القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي). هذا حديث منكر، وفيه غير واحد من المجهولين.

أخبرنا أبو غالب بن البناء، أنا محمّد بن أحمد بن محمّد بن حسنون، نا محمّد ابن إسماعيل بن العبّاس الورّاق ــ إملاء ــ نا أحمد بن محمّد بن سعيد بن عبد الرحمن، نا يعقوب بن يوسف بن زياد الضبّي، نا أحمد بن حمّاد الهمداني، نا مختار

____________

1- انظر: تهذيب التهذيب، لابن حجر ١١: ٢٦٦ ـ٤٨٨ـ.


الصفحة 205

التمّار، عن أبي حيان ــ يعني التيمي ــ عن أبيه، عن عليّ بن أبي طالب، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (من تولّى عليّاً فقد تولاّني، ومن تولاّني فقد تولّى الله عزّ وجلّ).

أخبرنا أبو علي الحسن بن المظفّر، وأبو بكر محمّد بن الحسين، وأبو عبد الله البارع، وأبو غالب عبد الله بن أحمد بن بركة، ومحمّد بن أحمد بن الحسن بن قريس، قالوا: أنا أبو الغنائم بن المأمون، أنا أبو الحسن الحربي، نا العبّاس ــ يعني ابن علي بن العبّاس ــ أنا الفضل المعروف بالنسائي، نا محمّد ابن علي بن خلف العطار، نا أبو حذيفة، عن عبد الرحمن بن قبيصة، عن أبيه، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (عليّ أقضى أُمّتي بكتاب الله فمن أحبّني فليحبّه؛ فإنّ العبد لا ينال ولايتي إلّا بحبّ عليّ(عليه السلام).

أخبرنا أبو سعد بن أبي صالح الكرماني، وأبو الحسن مكي بن أبي طالب الهمداني، قالا: أنا أبو بكر بن خلف، أنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ، حدّثني محمّد بن مظفّر الحافظ، نا عبد الله بن محمّد بن غزوان، نا علي بن جابر، نا محمّد بن خالد بن عبد الله، نا محمّد بن فضيل، نا محمّد بن سوقة، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله، قال: قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): (يا عبد الله، أتاني ملك فقال: يا محمّد ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ(1) على ما بعثوا؟ قال: قلت: على ما بعثوا؟ قال: على ولايتك وولاية عليّ ابن أبي طالب). قال الحاكم: تفرّد به علي بن جابر، عن محمّد بن خالد، عن محمّد بن فضيل، ولم نكتبه إلّا عن ابن مظفّر، وهو عندنا حافظ ثقة مأمون.

____________

1- الزخرف ٤٣: ٤٥.


الصفحة 206

أخبرنا أبو محمّد القاسم بن هبة الله بن عبد الله، نا أبو بكر الخطيب، نا أبو طاهر إبراهيم بن محمّد بن عمر بن يحيى العلوي، أنا أبو المفضّل محمّد بن عبدالله الشيباني، حدّثني أحمد بن إسحاق بن العبّاس بن موسى بن جعفر العلوي بدبيل، نا الحسين بن محمّد بن بيان المدائني قاضي تفليس، حدّثني جدّي لأبي شريف بن سائق التفليسي، نا الفضل بن أبي قرّة التميمي، عن جابر الجعفي، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (من سرّه أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنّة عدن التي غرسها الله ربّي، فليتولّ عليّاً بعدي).

أخبرنا أبو الحسن علي بن المسلّم، أنا أبو القاسم بن أبي العلاء، أنا أبو بكر محمّد بن عمر بن سليمان النصيبي، بها، نا أبو بكر أحمد بن يوسف بن خلاد، نا أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المهوي، نا بشر بن مهران الفراء، أنا شريك، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (مَن أحبّ أن يحيا حياتي، ويموت موتي، فليتمسّك بالقصبة الياقوت التي خلقها الله بيده، وقال: كن ــ أو: كوني ــ وليتولّ عليّ بن أبي طالب بعدي).

أخبرنا أبو الحسن علي بن المسلم الفقيه، نا عبد العزيز بن أحمد الكتاني، لفظاً، نا أبو عبد الله الحسين بن عبد الله بن أبي كامل، نا أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم بن إسحاق السراج، ببيت المقدس إملاء، حدّثني أبي، نا يحيى بن عبد الحميد الحمّاني، نا يحيى بن يعلى، عن عمّار بن زريق، عن أبي إسحاق، عن عمّار بن مطرف، عن زيد بن أرقم، قال: قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): (من أحبّ أن يحيا حياتي، ويموت موتتي، ويسكن جنّة الخلد التي وعدني ربّي، فإنّ ربّي غرز قضبانها بيده، فليتولّ عليّاً؛ فإنّه لن يخرجكم من هدى ولن يدخلكم في ضلالة).


الصفحة 207

أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن المسلم الرحبي، أنا خال أبي سعد الله بن صاعد، أنا مسدّد بن علي، نا إسماعيل بن القاسم، نا يحيى بن علي، نا أبو عبد الرحمن، نا أبي، عن السدّي، عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (من أراد أن يتمسّك بالقضيب الياقوت الأحمر الذي غرسه الله لنبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بيمينه في جنّة الخلد، فليتمسّك بحبّ عليّ بن أبي طالب).

أخبرنا أبو القاسم زاهر بن طاهر، أنا أبو سعد الجنزرودي، أنا أبو الحسن علي بن أحمد الجيرفتي، أنا أبو أحمد حمزة بن محمّد بن العبّاس الدهقان، ببغداد، نا محمّد بن مندة بن أبي الهيثم الأصبهاني، نا محمّد بن بكير الحضرمي، نا عبد الله بن عمر البلخي، عن الفضل بن يحيى المكّي، عن السدّي، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (مَن أحبّ أن يتمسّك بقضيب من ياقوتة حمراء التي غرسه الله بيده في جنّة الفردوس الأعلى، فليتمسّك بحبّ عليّ بن أبي طالب).

أخبرنا أبو غالب بن البنا، أنا أبو محمّد الجوهري، أنا أبو الحسين بن المظفّر، نا محمّد بن محمّد بن سليمان، حدّثني محمّد بن أبي يعقوب الدينوري، نا أبو ميمون جعفر بن نصر، نا يزيد بن هارون الواسطي، نا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: (من سرّه أن يتمسّك بقضيب الدرّ الذي غرسه الله في جنّة عدن، فليتمسّك بحبّ عليّ).

أخبرنا أبو غالب بن البنا، أنّا أبو محمّد الجوهري، أنا محمّد بن العبّاس بن محمّد بن حيوية الخزّاز، نا الحسن بن علي بن زكريا، نا الحسن بن علي بن راشد، نا شريك عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطيب، عن


الصفحة 208

زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (من أحبّ أن يتمسّك بالقضيب الأحمر الذي غرسه الله في جنّة عدن بيمينه، فليتمسّك بحبّ عليّ بن أبي طالب))(1).

(شبهات وردود بخصوص إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام)

« أحمد علي ــ السعودية ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

بعد التحيّة والإجلال لمقامكم الرفيع؛ نرجوا منكم التفضّل بالردّ على الشبهات التي أوردها علينا أحد الإخوان السُنّة, يدّعي المنطقية والعقلانية والعلمية في ما يطرح, حيث عنون أُطروحته كما يقول، مقدّماً لشبهاته بشأن الإمامة بما يلي:

((عدم منطقية اعتقاد عكس الواقع الحادث ما لم يتأيد بدليل عقلي فطري سليم)

وقصدي من عنواني: إنّنا كلّنا خلقنا ونعرف بأنّ العصر الذهبي للأُمّة الإسلامية هو عصر الرسول والعصور الأُولى من بعده، ودليل العصر الذهبي انتشار الإسلام للصين والهند ولأفريقيا ولأسبانيا ولتركيا، أمّا نحن الآن في عصر الانحطاط بدأنا نضيّع ما بنوه أجدادنا المسلمون.

بعبارة أُخرى: الواقع الحادث من قبل وقد مضى وانتهى تسلسل أربع خلفاء، هم الصديق، ثمّ الفاروق، ثمّ ذي النورين، ثمّ أسد الله المرتضى (رضي الله عنهم).

____________

1- تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٤٢: ٢٤٠ ترجمة الإمام عليّ.


الصفحة 209

أمّا الدليل الشرعي من الكتاب والسُنّة: فلسنا بصدد مناقشة الأدلّة هنا؛ لأنّها تحتاج لمجلّدات، بل الفاهم عن الله تبارك وتعالى، والمحبّ لتصفية تأويل الأدلّة من الشوائب، وجب عليه مقارنة الأدلّة الشرعية بالأدلّة العلمية الفطرية السليمة المنطقية العقلية، المؤيّدة بالمسلّمات والبديهيات المتّفق عليها والموافقة لسنن الفطرة. ومن توجّه هذا التوجّه بدأ أوّل خطوة لنبذ التقليد الأعمى والتعصّب لفهم النص الضيق، والبدء بالتوسّع للانفتاح الذهني الديناميكي.

وهنا أطرح امتحانين (لمن أراد أن لا يكون مقلّداً أعمى في عقيدته من الإخوة الشيعة)، فإن نجح بإقناع نفسه بعكس ما سأطرح، فيكون إن شاء الله ليس مقلّداً أعمى، وإن لم يستطع أن يقنع ذاته بغير ما أطرح، فوجب عليه مراجعة نفسه (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا):

الأُطروحة الأُولى:

هل صحيح أنّ هناك نصّاً من الله تبارك وتعالى ووصيّة من رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) على خلافة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه) ؟

أخي الكريم، وفقاً للنصّ الإلهي والوصية النبوية اسأل نفسك هذه الأسئلة:

السؤال الأوّل: ما حكم من يخالف أمر الله الصريح ووصية نبيّه الواضحة؟

الجواب: مرتدّ، والعياذ بالله!

١ــ لا يعقل ترك الإمام عليّ لتنفيذ النصّ والوصية.

٢ــ لا يعقل ارتداد عليّ بن أبي طالب والعياذ بالله لعدم تنفيذ النصّ والوصية.

٣ــ لا يعقل ارتداد أكثر من ٧٠ ألف تلميذ ــ على أقلّ تقديرــ تتلمذوا على آخر أعظم معلّم للبشر محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ (مثال: يقال عن معلّم: أنّه فاشل، إذا فشل


الصفحة 210

أغلب تلاميذه في أغلب صفوفه، وهذا معلوم بديهي، فما بال معلّم البشر وخاتم رسل الله، والمؤيّد بتلاميذ لينشروا آخر وخاتم رسالة ــ وقد نشروا ــ؟).

السؤال الثاني: ما حكم العارف بوجوب تنفيذ أمر الله ووصيّة نبيّه ويسكت عنها؟

الجواب: الحكم: منافق، والعياذ بالله!

١ــ لا يعقل نسبة النفاق لأمير المؤمنين أبداً.

٢ــ لا يعقل لعليّ(عليه السلام)كتمان النصّ والوصية خوفاً؛ لأنّه الشجاع الصنديد المحارب، بل إنّه لمن أعلى الأمثلة على الشجاعة في التاريخ الإسلامي على مرّ العصور، ويعرف قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ(1).

٣ــ لا يعقل ممارسة التقيّة في أخطر أمر، ألا وهو: مخالفة النصّ والوصية، بل يضحّي عليّ بدمه وبنفسه بدلاً من ممارسة أشنع كذب ونفاق، يتبرّر بما يسمّونه: (التقية)، (ويعرف قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ(2)).

٤ــ لا يعقل لعليّ(عليه السلام)أن يقول ويجهر بالقول بتبليغ النصّ والوصية للصحابة، ثمّ يقعد مكتوف الأيدي، ليسجّل له التاريخ أجبن موقف مقارنة بالمضحّين بأنفسهم في سبيل الله.. (ضحّى الحسين(عليه السلام)بدمه الطاهر الزكي لمجابهة الطغاة، فكيف بأباه! أيبخل بدمه لمجابهة مخالفي أمر الله ووصية رسوله؟).

____________

1- البقرة ٢: ١٥٩.

2- التوبة ٩: ٣٨.


الصفحة 211
الصفحة السابقةالصفحة التالية