المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 7) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 7) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 241 - ص 270)

نبيّاً؟ وما حكم أكثر الأنبياء الذين لم يذكروا في القرآن؟ وهل يجب ذكر كلّ من اجتبي في القرآن؟

ثمّ أنّه تعالى اصطفى مريم وغيرها في القرآن، فهل تحكم بأنّها نبيّة؟!

نرجو الإجابة: بنعم أو لا، ولا نريد الدخول في معمعة المغالطات أيضاً!!

ونرجوا أن تأتي بنصّ من القرآن جليّ على أنّ مريم نبيّة!!

ومن أساليب القرآن: أن يذكّر بالسابقين ويذكر أسمائهم، ولم يذكر أيّ اسم للاحقين، وإنّما يذكرهم بصفاتهم وأعمالهم، ألا ترى أنّه لم يذكر اسم المهدي(عليه السلام)مع أنّه منصوص عليه عند جميع المسلمين بأنّه الذي سيحكم الأرض كلّها بعدل وسلام وأنّه سيحقّق الوعد الإلهي، مقابل لذكره ذي القرنين ونبيّ الله سليمان(عليه السلام). كما أنّه لم يذكر الدجّال مع أنّه ذكر فرعون وهامان.

٥ــ إنّ لكلّ لفظة اجتباء في كلّ آية جئت بها معناها الخاص، يعرف ممّا تعلّق بها في الآية.

٦ــ إنّ أحد معاني الاجتباء، هو: التفضيل والاختيار، وهو ليس مساوٍ للنبوّة.

نعم، النبوّة اختيار وتفضيل، وكذا الإمامة والوصاية، والاجتباء والاصطفاء أعمّ.

٧ــ لا نعرف ما العلاقة بين الاجتباء وتحديد ما كلّف به النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!!


الصفحة 242

وعلى كلّ حال فهذا السؤال كلّه تخليط في تخليط لم يظهر وجه الربط بين فقراته!

الجواب عن السؤال السابع من المغالطة:

١ــ الظاهر أنّك لم تفهم معنى العصمة، فبعد أن سلّمت العصمة للإمام(عليه السلام)لا تستطيع أن تقول: لِم لَم يقاتل، وأنّ عدم قتاله مخالف للعصمة؛ إذ أنّ التسليم بالعصمة لا يترك مجالاً للسؤال عن أفعال المعصوم، فهي تعني: أنّ كلّ أفعاله مطابقة للصحّة وللأمر الشرعي، وأنّ قتاله في وقته صحيح، وعدم قتاله في وقته صحيح!!

ثمّ إنّك قد قلت: إنّه بعد التسليم بالعصمة لا يكون للمعصوم مثل باقي الناس (من جهة العصمة طبعاً)، فكيف تقيس أفعاله بعد ذلك على أفعال الناس، أو تزنها بميزان نفسك، وأنت من باقي الناس؟!!

إنّا نعجب كيف ترتّب الأفكار في ذهنك، أو لعلّ هواك يغالط عقلك!! الله أعلم..

٢ــ إنّ مقياس أفعال المعصوم هو: الحكم الشرعي والأمر الإلهي والمصلحة الإلهية، لا المصلحة التي تفهمها أنت، وإلّا لكان اختيار الشريعة والأنبياء والأوصياء بيد أمثالك، أو لنقل بيد الناس لا الله سبحانه وتعالى العالم بالغيب وحقائق الأشياء.

٣ــ قد عرفت في ما سبق أنّ قتال أمير المؤمنين(عليه السلام)لم يكن حكماً ضرورياً بديهياً ثابتاً في الإسلام، كوجوب الصلاة مثلاً، حتّى تستطيع أن تخدش بالعصمة عندما يثبت عدم فعله، بل بالعكس نحن نستمدّ الحكم الشرعي بخصوص القتال من نفس فعل الإمام(عليه السلام)؛ لأنّه إمام ووصيّ ومشرّع ومعصوم، وإن أبيت إلّا جعل حكم القتال الوجوب فائتنا بالدليل رجاءً، ولا نرضى بالاستحسان والقياس


الصفحة 243

والرأي وما شابه ذلك، فدين الله لا يقاس بالعقول، وليس الحكم متروكاً لك ولا للناس!!! وقد بيّنا سابقاً أنّ عدم القتال لا ينفي ولا يسقط حقّ الإمامة, فسؤالك ليس في محلّه.

٤ــ إنّك تبني مغالطاتك على فرضيات من أوّل مغالطة إلى النهاية! ألم تسمع المثل القائل: (العرش ثمّ النقش)، يا أخانا! أثبت أوّلاً وجوب القتال وصوابه، ثمّ اعذر أمير المؤمنين(عليه السلام)، أو لا تعذره، ولا تبني الأوهام الجديدة التي تدّعيها منطقية على أوهام قديمة مغروسة في قلبك يرعاها الهوى والتعصّب.

وأنت تقول: لو كان إنساناً عادياً لعذرناه، أي: هو ليس بإنسان عادي، ثمّ ترجع وتقيس أفعاله على أفعال الناس العاديين، بأن يجب أن يفعل كذا أو لا يفعل كذا؛ لأنّه بنظرك أنّ الإنسان العادي يجب أن يفعل أو لا يفعل.

فقل لنا: هل تستطيع أن تصف عدم قتال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والدعوة بالسرّ في مكّة على أنّه خنوع، والعياذ بالله؟ فما تجيب هنا نجيب هناك!! وخذ مثلاً فعل موسى(عليه السلام)، أو أيّ نبيّ من الأنبياء أيّهم شئت، فما تقول؟

الجواب عن السؤال الثامن من المغالطة:

١ــ أيّها الأخ! نضرب لك مثال عساك أن تعي ما نقول.. فلو أنّ هناك مالكاً لشركة ناجحة فرضاً بأعمالها التجارية ومشاريعها، فهل يصحّح هذا النجاح ملكية صاحب الشركة لها حتّى لو كان غاصباً لها؟!!

لا ندري، متى تفهمون أنّ حقّ الإمامة لا تثبته الأفعال التي وقعت بعده، وإنّما هو حقّ إلهي، إثباته ونقضه بيد الله سبحانه وتعالى، ثمّ هل يصحّ نسبة النجاح التوسّعي والهندسي والتقني إلى مدير الشركة ولو كان جاهلاً وننسى


الصفحة 244

المهندسين والعمّال المخلصين؟! فأين ذهب إيمان المسلمين واندفاعهم وإخلاصهم، وقوّة مبادئ الإسلام ومثله وعدله، التي كانت باقية حيّة بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قبل مدّة قصيرة؟!!

وقبل أن تعترض، نقول لك: ثبت بعشرات الأدلّة، وسنثبته مكرّراً في موضعه، جهل أبي بكر وعمر وعثمان بأبسط المسائل فضلاً عن كبيرها. نعم، لا ننكر فضيلة وقوّة ملكة المكر والخداع والقسوة وإدارة الدولة على خلاف المقياس الشرعي عندهم، فهذه الفضيلة يملكها كلّ الجبابرة من أوّل التاريخ لحدّ الآن.

٢ــ ثمّ إنّك أخذت جانباً وتركت جوانب! فأين نسب النجاح على مستوى مُثل الإسلام ومبادئه التي ناضل من أجلها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه، أو على مستوى القرآن وتشريعاته والحديث وتفريعاته؟ إلّا إذا حسبت منع تدوين الحديث من المنجزات!

وأين ذهبت حرمة المسلم ودمه وماله؟ إلّا أن تحسب قتل مالك بن النويرة، ووطء زوجته(1)، من الحفاظ على حرمة المسلم!

وأين ذهب تأمير وتولية الثقة الأمين الكفوء؟ إلّا أن تحسب تولية معاوية وبني أُميّة وأمثالهم من هذا الباب!

وغيرها، وغيرها.

وإن أصررت على الإنكار، فنقول لك: أوّلاً لنبحث هذه الوقائع ومثلها أضعاف، ثمّ نرجع إلى تسليم ما ادّعيت.

أم تريدنا أن نغمض أعيننا ثمّ نقفز كما تريد أن تقفز أنت.

____________

1- انظر: أُسد الغابة ٢: ٩٥ ترجمة مالك، كتاب الفتوح، لابن أعثم ١: ١٩.


الصفحة 245

وأيضاً، من قال: إنّ مقياس الأحقّية هو التوسّع وكثرة الفتوحات وقوّة الدولة بغض النظر عن مبادئ الإسلام؟! وإلّا كانت أميركا الآن هي الأحقّ؛ لأنّها أقوى دولة وأكبر دولة، وكان رئيسها أحسن رئيس، وهذا ما لا يرضاه كلّ الناس فضلاً عن الأمريكيين أنفسهم.

٣ــ كأنّك نسيت أيّها الأخ وأنت تقرّر هذه المغالطة أنّ أحد إشكالات أهل السُنّة على أمير المؤمنين(عليه السلام)هو: القتال الذي نشب بين المسلمين أنفسهم، وتقلّص حركة الفتوحات في زمنه حتّى سجّله المؤرّخون الأوربيون على أنّه لولا هذا التقلص بسبب فعل معاوية لما نجت أوربا، وقد صرّحت أنت آنفاً بأنّ وحدة المسلمين قد انشقّت في زمانه، وتأتي الآن لتقول: فعل عليّ(رضي الله عنه) في خلافته وامتداد رقعة الإسلام وكثرة الفتوحات يدلّ على الفعل الصائب والخير العميم والاستفادة العظيمة للأُمّة الإسلامية من فترة خلافته!! ألم تقرأ التاريخ أم ماذا؟!

ونحن الشيعة الإمامية لا نقيس الخلافة بهذا المقياس، فلا يرد الإشكال علينا أصلاً.

ثمّ لا يوجد أيّ مؤرّخ ولا خبير سياسي، أو اجتماعي، أو أيّ باحث يصبّ كلّ اللوم في انحطاط الأُمّة على آخر خلفاء بني العبّاس، وإنّما يتدرجون في ذلك السابق فالسابق، وهذا ما نفعله نحن إلى أن نوصله إلى أوّل من غصب الخلافة وبنى هذا البنيان على الباطل، حتّى وصل أمر المسلمين بمرور الزمن إلى الوضع الراهن، وإلى هؤلاء الحكّام المتسلّطين علينا الآن.

ومع ذلك فواقع المسلمين الآن لا يعطي ضابطة عقلية على أنّ كلّ من يتولّى فهو غير كفوء، أو لا دين له، أو... أو...، وإنّما يقوّمون حسب أفعالهم وسلوكهم الشخصي، ومدى قربهم أو بعدهم عن الإسلام، ثمّ يحكم عليهم.


الصفحة 246

فربّما وجد هناك الحاكم الذي تنطبق عليه الموازين الشرعية، ولكنّه لا يستطيع أن يفعل شيئاً مقابل الانحطاط الشامل للمسلمين وقوّة أعدائهم الكثيرين.

فالذي نريد أن نقوله: إنّ انحطاط المسلمين، وإن كان يعطي مؤشّراً عامّاً لواقع حكّام المسلمين على مرّ التاريخ، ولكنّه ليس ضابطة عقلية لا تتخلّف، تُطبّق على كلّ شخص شخص منهم، فإذا أردنا الحكم على كلّ واحد منهم بمفرده يجب أن نقيس أفعاله على مبادئ الإسلام وأحكامه، ولا يستثنى من ذلك أبو بكر أو غيره، وهل هذا إلّا ما نفعله نحن وأنتم، ونتكلّم فيه منذ مئات السنين ولحد الآن، فيهدي الله من يهدي ويضلّ من يضلّ.

وقاعدة: الأثر يدلّ على المؤثر فعلاً، تُطبّق في كلّ النواحي لا في ناحية دون أُخرى! فإذا رأينا في موضع أو في وقت فعلاً من شخص مخالف لحكم الله جعلناه كأثر يدلّ على ماهية ودين ذلك الشخص، أي: فاعله!! وإذا جئت بالتأويل هنا جئنا بالتأويلات هناك، وإذا ادّعيت العقل والمنطق والفطرة السليمة، ادّعينا العقل والمنطق والفطرة السليمة والبديهية وحكم العقلاء وعرف الناس والقرآن والسُنّة والإجماع وسنن الله وأفعال الأنبياء، وما شئت فعدد!!

الجواب عن السؤال التاسع من المغالطة:

١ــ بدورنا نسأل: هل هناك نصّ جليّ من القرآن على عدد ركعات الصلاة، أو فروض الزكاة، أو أفعال الحجّ، مثلاً؟

الجواب: لا.

وعليه: يعدّ المسلمون الصلاة من أركان الدين، فهل هذا الأمر العظيم الجليل تُرك ذكره في القرآن؟ لا يعقل هذا!!


الصفحة 247

فماذا تجيب؟!

نعم، إنّك أجبت: بأنّه ذكر وجوب الصلاة ووجوب الجهاد... الخ؛ وأيضاً أقررت بذكر وجوب وجود إمام على الأُمّة، ووجوب وجود وصيّ لكلّ نبيّ، وأنّه سُنّة من سنن الله، ولم يذكر كما ادّعيت أنت (وجوب اختيار الإمام)، ولا تأتِ بآية: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ(1) حتّى لا تقع في التأويلات التي ترفضها وأنت لا تدري، مع أنّها أيضاً غير دالّة على مطلوبك حتّى بالتأويل، وتفسيرها في محلّه.

والجواب عن السؤال هو: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يفصّل لنا الأحكام من عدد ركعات الصلاة، وأفعال الحجّ، وغيرها، ومثله أيضاً يبيّن الإمام المختار من قبل الله سبحانه وتعالى لا من قبل الناس.

فالسؤال الأساسي بيننا منذ مئات السنين هو: هل عيّن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) خليفة أو لا؟ ولا داعي لما ذكرته أوّلاً من أسئلة، وقد سبقك أسلافك إليها، وأجاب عنها أئمّتنا بجوابهم المفحم.

وإليك الجواب:

ورد في (الكافي): (عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام)عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم(2)؟

فقال: نزلت في عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين(عليهم السلام).

____________

1- الشورى ٤٢: ٣٨.

2- النساء ٤: ٥٩.


الصفحة 248

فقلت له: إنّ الناس يقولون: فما له لم يسمّ عليّاً وأهل بيته(عليهم السلام)في كتاب الله عزّ وجلّ؟

قال: فقال: قولوا لهم: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نزلت عليه الصلاة ولم يسمّ الله لهم ثلاثاً ولا أربعاً، حتّى كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي فسّر ذلك لهم، ونزلت عليه الزكاة ولم يسمّ لهم من كلّ أربعين درهماً درهم، حتّى كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي فسّر ذلك لهم، ونزل الحجّ فلم يقل لهم: طوفوا أسبوعاً، حتّى كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي فسّر ذلك لهم، ونزلت: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم، ونزلت في عليّ والحسن والحسين ــ فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): في عليّ: (مَن كنت مولاه فعليّ مولاه...))(1) الحديث.

٢ــ وأمّا سؤالك عن الوصيّة، فسؤال سخيف! ألم تقل نحن لا نريد الدخول في التأويل والنقل، والبقاء على حكم العقل الفطري فقط، وهل سؤالك إلّا رجوع إلى النقل والتأويلات؟!

ثمّ ألم تقرأ كتب الشيعة الإمامية وأهل السُنّة حتّى تعرف أدلّة الشيعة على إثبات الوصيّة، وأدلّة أهل السُنّة على نفيها؟ ثمّ تقول: أين الوصيّة، ولِم لَم تُكتب؟!! كأنّك تريد أن نعيد لك تراث المسلمين كلّه منذ مئات السنين ولحدّ الآن.

أيّها الأخ! العاقل يطّلع أوّلاً على ما كتب، ثمّ يأتي بسؤال جديد، ولا يجعل نفسه كمغفّل ويسأل سؤالاً أجيب عليه آلاف المرّات، ثمّ يدّعي التعقّل.

____________

1- الكافي ١: ٢٨٦ ــ ٢٧٨ كتاب الحجّة، باب ما نصّ الله ورسوله على الأئمّة واحداً فواحداً.


الصفحة 249

نعم، نحن نقول: إنّ هناك وصيّة من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ(عليه السلام)بالخلافة، وأنّها مشهورة، وأنّه قالها أمام الناس، في عدّة مرّات، وبأساليب مختلفة، وبنصوص حديثية وصلت إلينا، وتسمّى بأسماء معروفة، كحديث الغدير والدار، والمنزلة، وغيرها.

ثمّ لا نعرف الربط بين الصحيفة والوصيّة! فإنّ أحد أدلّة الوصيّة عندنا: صحيفة أراد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يكتبها قبل وفاته لعموم المسلمين، فمنعه من ذلك عمر (الذي من المفروض أنّه في جيش أُسامة)، لمّا فطن لما ستحويه.

ثمّ أوصى بها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أهل بيته خاصّة، ونقلتها الشيعة في كتبهم.

فقولك: أين هي؟ ما هو إلّا تغابي ليس إلّا!!

وقولك: لِم لَم تكتب وهي على تلك الدرجة من الخطورة؟

فنقول لك: ما قيمتها؟ بعد أن يجتمع المنافقون وزعماء قريش الذين قرّروا غصب الخلافة على أنّها هذيان من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ــ والعياذ بالله ــ! وهل سوف يبقى دليل حيّ مجسّد على هذيان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) غيرها؟ وبالتالي جواز هذيانه بالقرآن! فبطلان النبوّة فذهاب الإسلام! وهل غير هذا كان ما يريدوه؟

فتركها الإنسان الكامل المسدّد من الله أفضل الأنبياء والرسل، حفاظاً على الإسلام ولم يكتبها أمامهم ووصى بها أهل بيته خاصّة.

المغالطة الثانية:

وفي الأخير نسأل: إذا كان آدم(عليه السلام)قد بيّن أحكام الله لولده وعرّفهم وصيّه فلماذا اختلفوا بعده؟ وكذا نوح وإبراهيم وبقية الأنبياء(عليهم السلام) .


الصفحة 250

وإذا كان موسى(عليه السلام)قد بشّر بعيسى(عليه السلام)، وكذا بخاتم الأنبياء(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبشّر عيسى(عليه السلام)بمحمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلماذا اختلف بنو إسرائيل بعده ولم يؤمنوا لا بعيسى ولا بمحمّد؟ ولم يؤمن النصارى بمحمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

وإذا كان قد بيّن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) للمسلمين أحكام الإسلام وعقائده؟ فلماذا اختلفوا بعده؟

وإذا كان قد بيّن (صلى الله عليه وآله وسلم) لهم أحكام الوضوء، بل أكثر من ذلك، كان يمارسه أمامهم كلّ يوم، فلماذا اختلفوا فيه بعده؟

وهل كان السبب في كلّ ذلك سوى الهوى والدنيا والأنا والكفر والطغيان.

إنّا لو قلنا: إنّ المقياس للحقّ هو: (عدم الاختلاف)، لَما ثبت عندنا أحقّية نبوّة من النبوات، ولا كان هناك داعٍ لأن ينصّب الله للبشر حجّة وعلم على الحقّ، من رسل وأنبياء وأوصياء، فلا معنى لذلك، إذ يتفّق الناس على شخص فيكون هو الحقّ، ونبيّ أو وصيّ، ويختلفوا على آخر فيكون هو الباطل وليس نبيّاً ولا وصيّاً.

ومن ذلك نقول: إنّ أمر الإمامة، كالنبوّة، ليس للناس فيه نصيب إلّا الطاعة؛ بل يكفينا أنّه توجد ثلّة من الناس تبقى مؤمنة بالحقّ وإن قلّوا، وأنّ الحجّة على دين الله قائمة فيها، آمن بها من آمن، وكفر بها من كفر.

وأمّا لماذا لم يذكر أسماء الأئمّة(عليهم السلام)في القرآن، فقد أجبنا عليه آنفاً، فلا نعيد، بل ذكر الإمامة ووجودها في كلّ أُمّة، وبقائها مستمرّة، وذكر صفات


الصفحة 251

الأئمّة، وأنّ الله هو الذي يصطفيهم، وأوكل أمر بيانهم بأشخاصهم وأسمائهم إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

وإلى هنا نعتذر عن قصر الجواب، وعدم دعمه بالنصوص من القرآن والسُنّة، فإنّها مباحث طويلة الذيل. ونعتذر عن عدم التفصيل بالنقض والإبرام وإيراد الاستلزامات، فإنّ كلّ كلمة من كلامه يرد عليها إشكال، ولكن الطريقة واحدة، وعليك أنت أن تُفَرّع وتحشد ما شئت من الفروع والإلزامات.

(هل خالف الإمام عليّ(عليه السلام)أمر الله له بالخلافة؟)

« أُمّ حيدر ــ البحرين ــ إمامية »

السؤال:

السلام عليكم..

تحيّة طيبة لجهودكم الخالصة لوجه الله.

لديّ سؤال بخصوص خلافة أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام)..

معتقداتنا نحن الشيعة أنّ الإمام عليّاً(عليه السلام)منصّب من قبل الله سبحانه وتعالى، فكيف يوصي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الإمام عليّاً(عليه السلام)بأن يصبر في حال غصب الخلافة منه؟

وهل تنفيذ الإمام عليّ(عليه السلام)لوصيّة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) يعدّ خلافاً للأمر الإلهي لا سامح الله؟


الصفحة 252

ولو كان الردّ هو: قلّة الناصر، فهل الله يأمر الإمام عليّاً(عليه السلام)بشيء لا يستطيع أن يؤدّيه ــ عزّ الله عن ذلك ــ؟

أرجو منكم الإفادة والتوضيح.

ولكم منّا جزيل الشكر والامتنان.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ النصّ على إمامة عليّ(عليه السلام)أمر أنزله الله وأًمر رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) بتبليغه إلى الناس، فعلى الناس أن يقبلوه، وقد حدّد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) للإمام منهجاً للعمل في حال مخالفة القوم له، وعدم قبول إمامته، وعهد عليه عهداً أن لا يخالفه، وهو: أن لا يريق من أجل تطبيق إمامته دماً، بل عليه إن قَبِل القوم بإمامته أن يسعى إلى العمل بها، وإن رفضوها دعاهم إليها بالشكل الذي لا يوصله إلى محاربة القوم وتشتيت جمع المسلمين..

فإمامته التي حباه الله بها وقبلها لم تتعطّل بسبب الإمام، بل بسبب عدم قبول القوم لها، والأمر الذي جاء من الله وأمر رسوله بتبليغه كان يكلّف الناس بقبول هذه الإمامة وعدم رفضها, وإن رفضها القوم، فإنّ للإمام منهجاً محدّداً أُمر أن لا يخالفه، وهو: عدم استعمال السيف من أجل تطبيق الإمامة، فصار سبب تعطيل الإمامة هؤلاء القوم وليس الإمام..

فكانت الإمامة التي نصّ عليها الله مورداً للاختبار, اختباراً للقوم في قبولها وعدم قبولها، وقد فشل القوم في ذلك, واختباراً للإمام في عدم استعمال قدرته وشجاعته في تطبيق تلك الإمامة، وقد نجح الإمام في


الصفحة 253

ذلك نجاحاً لا نظير له في التاريخ، من شخص يستطيع الوصول إلى الزعامة، وهو أهل لها، فيتركها للمصلحة العامّة ولأمر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).

وبعبارة أُخرى: إنّ ما ذكرتيه هو مغالطة يوردها المتحذلقون من الوهابية في هذا الزمان؛ ظنّاً منهم أنّها تدخل على من يقول بالنصّ على أمير المؤمنين(عليه السلام)، لكنّها لا تعدو أكثر من وهم.

وذلك لأنّ الإمامة، كالنبوّة، اصطفاء من الله سبحانه وتعالى, ولا يقال: إنّ الله أمر أنبياءه أن يكونوا أنبياء، وكذا لم يأمر الأئمّة بأن يكونوا أئمّة، بل هذا يسمّى: اصطفاء، لا أمر، كما أنّ النصّ على أوصياء الأنبياء لا يقال له: إنّ النبيّ يأمر فلان بأن يكون وصيّاً له، بل يختاره بإذن الله, وهذا جارٍ في العرف العام بأن يختار الملك ولي عهده، وهو واضح.

ثمّ إنّ الله بعد أن يصطفي ويختار أنبياءه وأوصياءهم، يأمرهم بالقيام بالدعوى وحفظ الشريعة، أي: أنّ للأمر ناحيتين: الأُولى هي: الاصطفاء، الثانية: الأمر بالمنهج والسلوك والرسالة, وفي المقابل يأمر الناس بالطاعة وسلوك هذا المسلك والتشريع.

فتنصيب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً(عليه السلام)خليفة عن أمر الله لا يقال له: إنّه أمره بأن يكون خليفة.

نعم، جاء الأمر بتنصيبه في غدير خمّ من الله إلى رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا الأمر يدخل في ناحية الأمر بالمنهج. ومن المنهج الذي أمر به الوصيّ والخليفة أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام)، هو: الصبر ومداراة القوم إذا لم يجد ناصراً.


الصفحة 254

(توهّم نقوض على جعل الإمامة من الله وردّها)

« أحمد ــ النرويج »

السؤال:

لقد وجدت هذا في أحد المنتديات, فما ردّكم عليه؟

(إذا فرضنا أنّ الإمامة نصّ عليها الله تعالى, ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فنجد الآتي:

١ــ إنّ عليّاً(كرّم الله وجهه) رفض أن يصبح خليفة بعد استشهاد عثمان بن عفّان.

٢ــ إنّ عليّاً(رضي الله عنه) أصبح وزيراً في عهد أبي بكر الصدّيق, فهذا يخالف النصّ.

٣ــ أصبح عليّاً(كرّم الله وجهه) والياً عند فتح المقدس والشام في عصر عمر.

فماذا يعني لك النصّ في الولاية؟! هل تعتقد بمن استطاع أن يخترق بصره عرش الرحمن (والعياذ بالله) والثرى في الأرض, أن يعجز أن يأخذ الولاية؟

فماذا يعني لك النصّ بالولاية؟! هل تعتقد بمن فتح خيبر بضربة سيفه, حتّى عجز جبريل(عليه السلام)أن يمسك يده, لكي لا يصل سيفه إلى سابع أرض.. بعاجز أن يأخذ الخلافة؟!

فماذا يعني لك النصّ بالولاية؟! هل تعتقد أنّ عليّاً(كرّم الله وجهه) بعاجز؟!).

ودمتم سالمين.


الصفحة 255

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ ما ذكرت فيه عدّة تساؤلات, أو إن شئت فسمّها إشكالات:

أوّلها: وهو لماذا رفض عليّ(عليه السلام)الخلافة بعد مقتل عثمان؟

وهذا ما سنأتي إلى تفصيله.

ثانيها: إنّ عليّاً(عليه السلام)أصبح وزيراً في عهد أبي بكر.

وهذا كذب محض لا يسنده أيّ شاهد تاريخي ضعيف، فضلاً عن أن يكون صحيحاً.. فعليّ بن أبي طالب(عليه السلام)لم يصبح وزيراً في يوم من الأيام لأبي بكر، أو عمر، أو عثمان, وهذه افتراءات وتقوّلات جاءت من أتباع ابن تيمية.

ثالثها: أصبح عليّ(عليه السلام)والياً لبيت المقدس عند فتحها في عهد عمر.

وهذا من المضحكات.. فهو مثل سابقه دعوى لا دليل عليها, وزوبعة كلام يتشدّق بها أتباع ابن تيمية, بلا سند أو عمد, كشيخهم الذي كثرت ادّعاءاته بدون سند ولا دليل.

الرابعة: الربط بين فضائل عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، وخصوص الشجاعة منها، وبين عدم أخذه للسلطة ومغالبته عليها.

وبتعبير آخر: الاتّكاء على نظرية الاستبعاد؛ فإنّ من كان في الشجاعة ما يذكر له(عليه السلام)في الفتوحات والحروب, كيف يُغلب؟! وكيف يؤخذ حقّه في السلطة؟!

وهذا الاعتراض متوقّف على فهم الإمامة في القرآن الكريم والسُنّة المطهرة, والتي بنى عليها المذهب الشيعي الاثني عشري أُسسه, والأخ


الصفحة 256

صاحب هذا المقال باعتبار كونه يعيش ذهنياً في نظرية مدرسة الخلفاء التي صوّرت الإمامة مساوية للحكومة والسلطة, فلأجل ذلك يحتاج تفهيمه إلى شرح ما, وبيان للموضوع.

أمّا التساؤل الأوّل: وهو لماذا رفض عليّ(عليه السلام)الخلافة بعد مقتل عثمان؟

الجواب: إذا رجعنا إلى الوراء قليلاً وسرنا مع الأحداث, نعرف السبب الذي دعا عليّ(عليه السلام)أن يرفض.

وإليك بيان موجز من ذلك:

الإمامة التي يطرحها القرآن الكريم والسُنّة النبوية والتي سار عليها المذهب الاثنا عشري, تعني: رئاسة عامّة على أُمور الدين والدنيا, أي: القيومية الكاملة من قبل شخص، وهو الذي يسمّى إماماً على سائر المخلوقات, وهو المتصرّف لأُمورهم الدينية والدنيوية, أي: هو العارف بالأحكام والمبيّن لها, والذي يسوس الرعية, وهو الذي يحملها على ما يراه, قال الله تعالى مخاطباً إبراهيم(عليه السلام): ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(1), وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا(2), وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ(3), وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ

____________

1- البقرة ٢: ١٢٤.

2- فاطر ٣٥: ٣٢.

3- الزخرف ٤٣: ٢٨.


الصفحة 257

الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(1), إلى غيرها من الآيات الكثيرة الناطقة بالولاية والإمامة والخلافة الإلهية.

ومن الواضح أنّ هذه الخلافة لا تساوي الحكومة بالمفهوم الذي فسّرته مدرسة الخلفاء للإمامة, وذلك واضح في القرآن الكريم, إذ أنّه جعل إبراهيم إماماً مع أنّه لم يكن حاكماً ولم يستلم حكومة بعد, فالإمامة لو كانت بمعنى الحكومة التي نفهمها الآن لَما كان إبراهيم إماماً، مع أنّه إمام ولم يكن حاكماً, فمن ذلك نفهم أنّ الإمامة القرآنية تعني: السلطة الواقعية على الكائنات والتصرّف في شؤونها الدينية والدنيوية, وأنّ الحكومة السياسية هي وظيفة من وظائف الإمامة، وشعبة من شعبها, فالإمام فيه اقتضاء وقابلية الحكومة، وأنّ المفروض على الرعية تسليم الأمر إليه..

ولهذا يظهر الفرق واضحاً بين الإمامة العامّة (المطلقة)، التي هي جعل من الله ولا دخل للإنسان فيها, بل هي من مختصّات حكومة الذات الإلهية المقدّسة؛ فالله هو المعيّن للإمام لا غير, وبين السلطة والحكومة؛ فإنّها تعني: التصرّف بشؤون الناس السياسية، فتحتاج إلى بيعة ومناصر، وتحتاج إلى مؤازر, ولأجل ذلك أخذ الرسول الأكرم محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) البيعة لعليّ(عليه السلام)يوم غدير خمّ؛ فإنّ سرّ أخذ البيعة هو ذلك.

____________

1- المائدة ٥: ٥٥.


الصفحة 258

هذا مفهوم الإمامة عندنا, وبه يتّضح الفرق بين مذهب الشيعة الاثني عشرية ومذهب مدرسة الخلفاء؛ فإنّهم فسّروا الإمامة بما يساوي الحكومة التي نعرفها بمعناها اليوم.

وأمّا مصداق الإمامة, وأنّ مَن هو الإمام؟ فهذا تحدّده السُنّة النبوية المطهّرة, والسُنّة النبوية بيّنت أنّ الإمام بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هو: عليّ بن أبي طالب(عليه السلام), كما في حديث الغدير المتواتر، والذي يقول فيه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): (مَن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه).

وكذلك في أحاديث أُخرى كثيرة, تشير إلى ما لا ريب فيه ولا مناقشة تعتريه, ومنها: ما أخرجه الحاكم في (المستدرك) وصرّح بصحّته(1).. وكذلك صحّحه الذهبي المتعصّب(2), والحديث هو: (قال ابن عبّاس: وقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (أنت وليّ كلّ مؤمن بعدي ومؤمنة).. وكذلك ذكره الترمذي في سننه(3)

وصرّح الشيخ ناصر الدين الألباني بصحّته في كتابه (صحيح سنن الترمذي)(4), وأيضاً صرّح بطرق عديدة للحديث في (سلسلة الأحاديث الصحيحة)(5).

____________

1- المستدرك على الصحيحين ٣: ١٣٤ كتاب معرفة الصحابة، وانظر: مسند أحمد ابن حنبل ١: ٣٣١ عن عبد الله بن العبّاس، مسند أبي داود الطيالسي: ٣٦٠، المعجم الكبير، للطبراني ١٢: ٧٨، وغيرها.

2- المستدرك على الصحيحين بهامش تلخيص الذهبي ٣: ٣٤٤ الحديث ٤٧١٠.

3- سنن الترمذي ٥: ٢٩٦ الحديث ٣٧٩٦ أبواب المناقب، باب مناقب عليّ(عليه السلام) .

4- صحيح سنن الترمذي ٣: ٥٢١ الحديث ٣٧١٢ أبواب المناقب، باب مناقب عليّ(عليه السلام) .

5- سلسلة الأحاديث الصحيحة ٥: ٢٦١ الحديث ٢٢٢٣.


الصفحة 259

وهذا الحديث يقصم ظهور القوم؛ إذ لا يمكنهم تأويله بالمحبّة أو النصرة؛ لأنّ معنى ذلك: أنّ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)يحبّ المؤمنين وينصرهم بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم), ولو على نحو السالبة الجزئية, أي: بعض المؤمنين يحبّهم وينصرهم بعد الرسول لا في حياته.. وهذا يشهد القرآن والسُنّة والتاريخ بكذبه؛ لأنّ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)كان وما زال، منذ بعث النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يوم استشهاده، ناصراً ومحبّاً للمؤمنين.

هذا عرض موجز لمفهوم الإمامة الكلّي وشخصها الجزئي يمهّد لنا الدخول في الموضوع.

فبعد اتّضاح معنى الإمامة, وأنّها تنصيب من الله سبحانه, وأنّ الإمام إمام, تسلّم السلطة أو لا, كما في حديث النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) المعروف في حقّ الحسن والحسين(عليهما السلام) ؛ إذ قال: (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)(1).

فعلى ذلك, يأتي سؤال: لماذا رفض الإمام عليّ(عليه السلام)بيعة القوم بعد وفاة عثمان, مع أنّه منصّب من الله, وأنّ الظرف تهيّأ للحكم والسيادة؟

الجواب: إذا رجعنا إلى الفترة التي أعقبت وفاة النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم), نعرف ذلك.. فبعد أن ظهر قوله سبحانه وتعالى للعيان واتّضح: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ(2), وانقلب الأمر على آل بيت

____________

1- انظر: دعائم الإسلام، للقاضي النعمان ١: ٣٧ كتاب الولاية، ذكر إيجاب الصلاة على محمّد وآل محمّد، علل الشرائع، للصدوق ١: ٢١١ الباب ١٥٩، كفاية الأثر، للخزّاز: ٣٨، باب ما جاء عن أبي ذرّ الغفاري، سنن الترمذي ٥: ٦٥٦ (هذان ابناي).

2- آل عمران ٣: ١٤٤.


الصفحة 260

النبيّ, وصدق قول النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما يرويه عليّ(عليه السلام)حينما قال: (قال لي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ الأُمّة ستغدر بك بعدي)(1), فأخذها أبو بكر وابن الخطّاب من عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)مدّعين الشورى، وأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يوصِ، في حين لم يحضر الشورى كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار، كعليّ(عليه السلام)، والعبّاس، وطلحة، والزبير، وعمّار، وأبو ذرّ، وسلمان، والمقداد، وغيرهم؛ إذ لم يحضرها من المهاجرين إلّا ثلاثة نفر، فأخذ الأمر وزُحزح عن عليّ(عليه السلام)إلى أبي بكر.

فصار الإمام(عليه السلام)بين أمرين: إمّا أن يقاتلهم على الخلافة، التي هو أحقّ بها, أو يصبر.

ومن المعلوم أنّ الدخول معهم في معركة لم يكن صالحاً للإسلام, بل يقضى عليه وتذهب أتعاب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وعليّ(عليه السلام)خلال السنين السالفة هباءً منثوراً؛ وذلك لكثرة المنافقين في المدينة وحولها، قال الله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ...(2), وقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ...(3), وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(4).

____________

1- المستدرك على الصحيحين، للنيسابوري ٣: ١٤٢ كتاب معرفة الصحابة.

2- التوبة ٩: ١٠١.

3- المنافقون ٦٣: ١.

4- التوبة ٩: ٩٨.


الصفحة 261

إذاً، المبرّر لسكوت عليّ(عليه السلام)هو: وجود المنافقين في المجتمع الإسلامي, وكانوا بكثرة, ويشكّلون قوّة لا يُستهان بها, وهم يتربّصون بالمسلمين الفلتات والزلاّت.

ولو نازع أمير المؤمنين(عليه السلام)القوم لكان في ذلك فرصة لهم لضرب المجتمع الإسلامي والإسلام, وإرجاع الناس إلى الجاهلية الأُولى.. فحفاظاً على ذلك، لم يدخل أمير المؤمنين(عليه السلام)مع القوم في نزاع, وصبر على خلافة الأوّل, وعلى خلافة الثاني.

أضف إلى ذلك أنّه لم يدخل معهم في وزارة أو إمرة, بل كان معتزلاً عنها, ومن يدّعي أنّه تولّى أمراً أو استوزر من قبل الخليفة, فهو كاذب لا مستند تاريخي له.

إلى أن وصل الأمر إلى الثالث, وبوصولها إليه ابتعد المسلمون كثيراً عن الخط الذي رسمه النبيّ(عليه السلام), ووضح شرخ الانحراف داخل المجتمع، بخلافه على زمن الأوّل والثاني, فإنّ الانحراف لم يكن بالمستوى الذي وصل إليه في خلافة عثمان؛ لأنّ عثمان بن عفّان ولّى بني عمّه على الأمصار وعزل الصحابة الأخيار, وولّى الطلقاء الذين هم من المنافقين والذين لم يُسلموا, بل استسلموا خوفاً على دمائهم, لا رغبة في الإيمان, فهؤلاء عندما ولاّهم عثمان عاثوا في الأرض الفساد, واستعبدوا العباد, وغيّروا السُنّة, وبدّلوا الشريعة..

فلذلك رفض أمير المؤمنين(عليه السلام)البيعة؛ لأنّه لو كانت الخلافة جاءته بعد عمر لكان هناك مجال واسع لإصلاح الانحراف الذي خلفه أبو بكر وعمر,


الصفحة 262

فلذلك دخل الأمير(عليه السلام)في الشورى, الذين عيّنهم عمر, وأمّا بعد تولّي عثمان الخلافة فإنّ الانحراف وصل إلى أوْجِه, بحيث لا ينفع معه إصلاح ولا تعديل, فلذلك رفض أمير المؤمنين(عليه السلام)البيعة، وقال لهم: افعلوا بها كما شئتم, فكما قدّمتم الأوّل والثاني والثالث علَيَّ فالآن لا حاجة لي بها قدّموها إلى غيري, واطلبوا لها غيري يسايرها مع هذا الانحراف؛ لأنّه إذا أخذها عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)لا تستطيعون أن تسيروا حسب ما يريد، ولا تطيقوا تعاليمه التي هي تعاليم القرآن؛ لأنّه غرس بنو أُمّية في نفوسهم تعاليم الجاهلية وأبعدوهم عن تعاليم الإسلام, فلذلك لا يستطيعون مسايرة الإمام واتّباعه, وهذا ما عرفه الأمير(عليه السلام)من البداية، فلذلك قال لهم: (دعوني والتمسوا غيري)(1).

وإليك هذان النصّان التاريخيان، يوضّحان ما قلناه ويشهدان عليه:

١ــ روي عن ابن عبّاس أنّه قال: (دخلت على عمر يوماً فقال لي: يا بن العبّاس لقد أجهد هذا الرجل نفسه في العبادة حتّى نحلته رياءً.

قلت: من هو؟

فقال: هذا ابن عمّك ـ يعني عليّاً ـ..

قلت: وما يقصد بالرياء أمير المؤمنين؟

قال: يرشّح نفسه بين الناس للخلافة.

قلت: وما يصنع بالترشيح, قد رشّحه لها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فصُرفت عنه.

____________

1- نهج البلاغة ١: ١٨١ الخطبة ٩٢.


الصفحة 263

قال: إنّه كان شابّاً حدثاً فاستصغرت العرب سنّه، وقد كمل الآن, ألم تعلم أنّ الله تعالى لم يبعث نبيّاً إلّا بعد الأربعين.

قلت: يا أمير المؤمنين, أمّا أهل الحجى والنهى، فإنّهم ما زالوا يعدّونه كاملاً منذ رفع الله منار الإسلام, ولكنّهم يعدّونه محروماً مجدوداً.

فقال: أما أنّه سيليها بعد هياط ومياط, ثمّ تزلّ فيها قدمه, ولا يقضى فيها أربه, ولتكونّن شاهداً ذلك يا عبد الله, ثمّ يتبيّن الصبح لذي عينين, وتعلم العرب صحّة رأي المهاجرين الأوّلين الذين صرفوها عنه بادئ بدء)(1).

فانظر إلى قوله: (سيليها بعد هياط ومياط), أي: تصله مضطربة قد نخر فيها الفساد نخراً, وانحرفت أشدّ الانحراف, فلا يستطيع أن يصنع فيها شيئاً, فلذلك ستلفظه لعدم طاقتها له!!

٢ــ لمّا ضرب عمر بن الخطّاب، قال الإمام(عليه السلام)لقوم من بني هاشم: (إن أطيع فيكم قومكم من قريش لم تؤمّروا أبداً).

وقال للعبّاس: (عدل بالأمر عنّي يا عمّ) ــ يقصد: عمر بن الخطّاب ــ .

قال: وما علمك؟

قال: (قرن بي عثمان, وقال عمر: كونوا مع الأكثر، فإن رضي رجلان رجلاً ورجلان رجلاً، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف, فسعد ــ يعني: سعد بن أبي وقّاص ــ لا يخالف ابن عمّه ــ يعني: عبد الرحمن ــ وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفان, فيولّيها أحدهم الآخر, فلو كان الآخران معي لم يغنيا شيئاً).

____________

1- شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ١٢: ٨٠.


الصفحة 264

فقال العبّاس: لم أدفعك إلى شيء إلّا رجعت إلَيَّ مستأخراً بما أكره, أشرت عليك عند مرض رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن تسأله عن هذا الأمر فيمن هو؟ فأبيت, وأشرت عليك عند وفاته أن تعاجل البيعة، فأبيت, وقد أشرت عليك حين سمّاك عمر في الشورى اليوم أن ترفع نفسك عنها ولا تدخل معهم فيها, فأبيت, فاحفظ عنّي واحدة؛ كلّما عرض عليك القوم الأمر فقل: لا, إلّا أن يولّوك, واعلم أنّ هؤلاء لا يبرحون يدفعونك عن هذا الأمر حتّى يقوم لك به غيرك, وأيم الله لا تناله إلّا بشرّ لا ينفع معه خير.

فقال عليّ: (أما إنّي أعلم أنّهم سيولّون عثمان, وليحدثنّ البدع والإحداث، ولئن بقي لأذكّرنّك، وإن قتل أو مات ليتداولنّها بنو أُمّية بينهم, وإن كنت حيّاً لتجدنّي حيث يكرهون), ثمّ تمثل:


حلفت بربّ الراقصات عشيةغدون خفافاً يتبدون المحصّبا
ليجتلبنّ رهط ابن يعمر غدوةنجيعاً بنو الشداخ ورداً مصلّباً(1)

فكلمة: (والله لا تناله إلّا بشرّ لا ينفع معه خير...)، و(تداول بني أُمّية لها), هو الذي يوضّح سرّ رفض الأمير(عليه السلام)للبيعة.

وأمّا التساؤل الرابع, وهو: الاستبعاد، وأنّ مع شجاعة الأمير(عليه السلام)المشهورة، كيف يستطيع القوم أن يغلبوه بها؟

فالجواب: اتّضح جلياً أمره, وأنّ المسألة لم تكن مسألة شجاعة وإظهار القوّة, وإنّما مسألة بقاء الشريعة وذهابها, فهناك، كما أسلفنا، المنافقون من

____________

1- شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ١: ١٩١ ــ ١٩٢، وانظر: تاريخ الطبري ٣: ٢٩٤ أحداث سنة ٢٣ قصّة الشورى، الكامل، لابن الأثير ٣: ٦٧، العقد الفريد، لابن عبد ربّه ٥: ٢٩، تاريخ المدينة المنورة، للنميري ٣: ٩٢٥.


الصفحة 265

الصحابة, وهناك المحيطون بالمدينة من الأعراب المنافقين والذين يتربّصون الدوائر بالمسلمين, ويتحيّنون الفرصة التي يرون ضعف المسلمين بها حتّى ينقضّوا عليهم ويرجعوهم إلى الجاهلية.

فهنا ليس حرب مع المشركين كي يبرز لها عليّ(عليه السلام)، كما برز في الحروب والغزوات, بل هنا انحراف في داخل المجتمع, وهنا أنفس مريضة في داخل المسلمين والمجتمع المدني, فيحتاج التعامل معه إلى حنكة وخبرة أكثر ممّا يحتاجه من إبراز العضلات والضرب بالصمصام, فلذلك لم يكن بدّاً لأمير المؤمنين(عليه السلام)إلّا الصبر أمام هذا الانحراف والتنازل عن الحقّ ما دام في ذلك حفظ بيضة الإسلام, وبقاء كلمة لا إله إلّا الله على رؤوس الأشهاد ولمدى الأجيال.

وعليّ بن أبي طالب(عليه السلام)هو ربيب البيت النبوي, والنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ربيب ربّه؛ إذ الله الذي قام بتربيته وتأديبه, فعليّ(عليه السلام)ينتهي أدبه وتعليمه إلى الله سبحانه وتعالى, وحاشاه أن يجبن أو يضعف, لكن الظروف حكمته والمجتمع المنحرف خان به, فلذلك لم يكن له طريق غير الصبر، كما أشار إليه في خطبته الشقشقية: (فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجى، أرى تراثي نهبا)(1).

فالمسألة تحتاج قبل الحكم عليها إلى تأمّل ودراسة, ولا يكفي الجلوس خلف المنضدة وقراءة كتاب أو كرّاس, ثمّ الحكم على وقائع تاريخية مرّ عليها أربعة عشر قرناً, فإنّ العاقل الباحث لا يفعل ذلك, بل التأمّل ودراسة الأحداث بموضوعية هو الحلّ الوحيد.

____________

1- نهج البلاغة ١: ٣١ خطبة ٣.


الصفحة 266

فهناك مجتمع فتي في أوّل نشأته وأوّل ظهوره بعد جاهلية عمياء طالت قروناً من الزمن, لم تتعمّق في نفوس أفراده آثار التغيير الذي أحدثه النبيّ الأكرم في أفكاره وسلوكيّاته، وهذا المجتمع الناشئ فيه الكثير من المنافقين، والذين في قلوبهم مرض, ومن حوله من الأعداء الذين يتربّصون به السوء, وعليّ بن أبي طالب(عليه السلام)لا ترتضيه قريش والقبائل الحليفة لها؛ لأنّه ضرب خراطيمهم حتّى أسلموا, وهو الذي أذلّهم بعد عزّهم, وهو الذي قتل فرسانهم ورجالاتهم, ففي أنفسهم عليه الأحقاد, كما أشار عمر بن الخطّاب إلى ذلك في الحديث المتقدّم الذي نقلناه.

فعلى ذلك، لا مفرّ من ركوب أمرين لا ثالث لهما، إمّا أن يقاتل عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)على حقّه الشرعي, وفي ذلك تحطيم للمجتمع الذي جهد النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) في بنائه طيلة ٢٣ سنة؛ لأنّ المنافقين وممّن حول المدينة سيجدون في اضطراب أهل المدينة الفرصة لتحقيق أهدافهم التي يصبون إليها منذ سنين, وبالتالي سيؤدّي ذلك إلى ذهاب الإسلام وذهاب الحقّ الشرعي العلوي معه.

وإمّا أن يصبر على الظلم, ويكون بذلك حقّق شيئاً وخسر شيئاً, حقّق بقاء الإسلام، وأغلق الباب أمام المنافقين للانقلاب على المجتمع الإسلامي, وخسر خلافته ومنصبه الإلهي الذي كان به يحمل الناس على طاعة الله.

فالطريق الثاني، وهو الصبر، أوْلى؛ لأنّ فيه بقاء الإسلام الذي نافح وكافح عليّ(عليه السلام)طيلة حياته في تشييد دعائمه وإقامة أركانه, خلافاً للطريق الأوّل وهو القيام والمطالبة بالحقّ؛ فإنّ في ذلك هدم الإسلام وفتح الباب للمنافقين وغيرهم لضرب المجتمع الإسلامي، وهذا ما يكون فيه الوبال على الإسلام


الصفحة 267

والمسلمين, الذين منهم عليّ بن أبي طالب(عليه السلام), فلذلك قال(عليه السلام): (فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجا)، أي: الصبر على غصب الخلافة وتحمّل الظلم أرجح عقلياً, وأشدّ صواباً.

تعليق ١:

« محمّد ــ مصر ــ سُنّي »

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يا إخواني! أدلّتكم على الإمامة من القرآن أدلّة لا يفهمها الإنسان العادي؛ لأنّها وردت بصيغة الجمع، أو نزلت في نبيّ سابق، ولم ترد الإشارة بأيّ حال من الأحوال لأبي الشهداء عليّاً عليه السلام ورضي الله عنه، فلا يوجد إنسان عاقل واحد يصدّق أنّ الإمام عليّ يؤدّي الزكاة حال الركوع في الصلاة؛ لأنّه رضي الله عنه من أخشع الناس لربّه في صلاته، ويلزم هذا انقطاعه رضي الله عنه للصلاة دون غيرها.

أمّا بخصوص آيات المنافقين، فهي واضحة جليّة أنّها نزلت في بعض الأعراب، وبعض أهل المدينة، وقد وضّحت من قبل أنّ حركة المنافقين ظهرت في المدينة؛ وذلك لأنّ الإسلام أصبح قوّياً، فلم يستطع البعض الوقوف ضدّه فتظاهروا بالإيمان وأبطنوا النفاق.

أمّا أن نعمّم الحكم ونخالف المنطق برمي الصحابة الأوائل بالنفاق، فهذا غير مقبول عقلاً، وهذا لأنّه لا يعقل أن يترك إنسان حياة الشرك المرفّهة في قريش والدخول في دين جديد مضطهد، بل وأتباعه ينالهم كلّ تنكيل!


الصفحة 268

ومن هذا يتّضح لمن يستخدم المنطق: أنّ أبا بكر وعمر وعثمان وسائر الصحابة الأوائل هم أسياد الإسلام, وعن استدلال البعض بسؤال عمر لحذيفة عن كون اسمه من أسماء المنافقين، فو الله هذا دليل قاطع على التقوى التي يتمتّع بها الفاروق رضي الله عنه؛ لأنّه لو كان منافقاً لما اهتم أن يسأل..

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ هذا الاستبعاد العقلي لا يقف أمام الأدلّة النقلية التي تثبت أن الذي تصدّق في حال الركوع هو عليّ(عليه السلام)، وأنّ الآية نزلت لتثبت هذا الموقف، وهو: أنّ الذي يستحقّ الولاية هو عليّ(عليه السلام). وقد أوضحنا أدلّة ذلك بصورة مفصّلة في موضوع: (آية الولاية).

وأمّا قولك: إنّ الآيات التي نزلت في القرآن والتي تشير إلى الإمامة لا يفهمها الإنسان العادي.

فنحن نقول: لقد فهم الصحابة أنّ الآية نزلت في عليّ(عليه السلام)، وأنّه هو الذي يستحقّ الولاية، ولو كان ذلك بمعونة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكذلك نحن إذا لم نفهم المراد من الآية لا بدّ أن نرجع إلى السُنّة النبوية الشريفة التي توضّح المراد من الآية، لا أن نرفض الآية ولا نقبلها لأنّ عقولنا لا تقبل ذلك, ومتى كانت عقولنا مستقيمة لا تتأثّر بالأهواء حتّى تدرك ذلك؟!

وأمّا ردّك على الآيات التي ذكرت المنافقين، وأنّهم قلّة من أهل المدينة، فهو غير صحيح.. بل إنّ بعض وجوه الصحابة كانوا من المنافقين، حتّى إنّ عمر كان يستفسر من حذيفة الذي كان يعرف أسماء المنافقين هل أنّه منهم أم لا؟!


الصفحة 269

وإنّ حديث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من أنّ الصحابة سوف ترتدّ معناه الحكم عليهم بالنفاق، ذلك أنّهم بقوا يظهرون الإسلام، لكن الرسول يتكلّم عن سريرتهم، فحكم عليهم بالارتداد, وهل النفاق إلّا أن يكون الباطن أسوأ من الظاهر؟ وهؤلاء كانوا هم الكثرة الكاثرة؛ إذ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (ارتدوا على أدبارهم القهقرى فلا أراه يخلص منهم إلّا مثل همل النعم)(1)، وهو نص صريح بأنّ المنافقين أكثر، ولا يستزلك الشيطان وتكذّب الحديث، فتردّ على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)!

تعليق ٢:

« صالح ــ السعودية ــ إمامي »

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

توجد شبهة لحديث: (أنت وليّ كلّ مؤمن من بعدي ومؤمنة)، وهي: أنّ (من بعدي) ليس من الضرورة أن تكون بعدية بلحاظ الزمان، أي: لماذا تفرضونها بمعنى: بعد رحيل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فقد يكون المعنى: أنت ناصر ومحبّ لكلّ مؤمن ومؤمنة من بعدي بلحاظ الرتبة، أي: أنا ناصر ومحبّ للمؤمنين بالدرجة الأُولى، ثمّ أنت..

____________

1- انظر: مسند أحمد بن حنبل ١: ٢٣٥ عن عبد الله بن العبّاس، ٣: ٢٨ عن أبي سعيد الخدري، صحيح البخاري ٥: ١٩٢ كتاب التفسير، صحيح مسلم ١: ١٥٠ كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة، سنن ابن ماجة ٢: ١٠١٦ الحديث ٣٠٥٧ كتاب المناسك، باب ٧٦، سنن الترمذي ٤: ٣٨ أبواب صفة القيامة، باب ما جاء في شأن الحشر، وغيرها.


الصفحة 270

وفي هذه الحالة لا يترتّب على الحديث الالتزام بالولاية التي عند رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ(1)، وأيضاً لا ينتج عنه منزلة الإمامة الإلهية وأنّها نصّ.

وإثبات الشيء لا ينفي ما عداه؛ فبقية المؤمنين أولياء بعضهم البعض، وهذا الحديث جاء لرفع ودفع ما قاله أحد الصحابة حينما رأى الإمام أخذ من الخمس وظنّ أنّه أساء بذلك، فأخبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأزال ما علق في الأذهان، وكما قلت: إنّ إثبات الشيء لا ينفي ما عداه، وإنّما غاية ما يمكن قوله: أنّها فضيلة للإمام عليّ(عليه السلام)، لا أنّ فيها النصّ الصريح بإمامته وأوْلويته على المؤمنين من أنفسهم..

وتمادى بالقول أنّ هذه الروايات والفضائل التي تروى في حقّ الإمام عليّ غاية ما يمكن القول فيها: أنّ فيها بيان أنّ هذه الشخصية جيّدة وصالحة ومرشّحة للقيادة والزعامة من بين قيادات أُخرى، أشاد بها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، كسلمان وأبي ذرّ وغيرهم من كبار الصحابة الأفاضل، وليس فيها تنصيص وإخبار من الله بولايته وخلافته الإلهية على الناس، وأنّه يجب الاعتقاد بذلك بعد رحيل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

وجزاكم الله خيراً بما تجهدون في الإجابة.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

____________

1- الأحزاب ٣٣: ٦.


الصفحة 271
الصفحة السابقةالصفحة التالية