المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 8) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج8 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 1 - ص 30)




الصفحة 1

موسوعة الأسئلة العقائدية

المجلّد الثامن

تأليف

مركز الأبحاث العقائدية


الصفحة 2


الصفحة 3

بسم الله الرحمن الرحيم


الصفحة 4


الصفحة 5

أهل البيت عليهم السلام بالمعنى العام*

*انظر ــ ما يتعلّق بهذا الموضوع :أهل البيت (بالمعنى الخاص)، الخمس، الإمام الحسين عليه السلام، زيد بن عليّ والزيدية، زينب الكبرى عليها السلام، سكينة بنت الحسين عليها السلام، سلمان المحمّدي(سلام الله عليه)، الصلاة على النبيّ وآله صلى الله عليه وآله وسلم، العباس بن عليّ عليه السلام، عليّ الأكبر الحسين عليه السلام، المحسن بن عليّ عليه السلام، محمّد بن الحنفية.


الصفحة 6


الصفحة 7

(كيف ينسب السادة للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وهم أبناء ابنته)

« أمّ علي ــ البحرين ــ إمامية »

السؤال:

السلام عليكم ورحمته وبركاته..

إنّ النسب للولد والبنت هو من الأب وليس من الأمّ, ونحن نقول السّادة (سيّد) في المذهب الشيعي أبناء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والرسول الأعظم لم يكن له أبناء.

الرجاء توضيح الأمر، وشرح كيفية نسب الأئمّة وبني هاشم.

وجزاكم الله ألف خير.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا دليل على أنّ الانتساب يكون فقط من طريق الأب, كيف وقد نصّ القرآن الكريم بلحوق عيسى عليه السلام عن طريق أُمّه مريم عليها السلام بذراري الأنبياء عليهم السلام، قال تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ... وَيَحْيَى وَعِيسَى(1). وأيضاً قد اتّفق المسلمون على أنّ المراد من ﴿أَبْنَاءَنَا في آية المباهلة: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا(2): الحسن والحسين عليهما السلام(3).

____________

1- الأنعام (٦): ٨٤، ٨٥.

2- آل عمران (٣): ٦١.

3- التفسير الكبير، للرازي ٨: ٨٦ ذيل آية (٦١) آل عمران، المسألة الرابعة، الكشاف، للزمخشري ١: ٤٣٤، صحيح مسلم ٧: ١٢٠ كتاب فضائل الصحابة، مسند أحمد بن حنبل ١: ١٨٥ مسند سعد بن أبي وقّاص، أحكام القرآن، للجصاص ٢: ١٩، تفسير الطبري ٣: ٤٠٩، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ١٥٠ كتاب معرفة الصحابة، سنن الترمذي ٤: ٢٩٣ أبواب تفسير القرآن سورة آل عمران، وغيرها.


الصفحة 8
أضف إلى ذلك ورود روايات في كتب العامّة فضلاً عن كتبنا تصرّح ببنوّة الحسن والحسين عليهما السلام وولد عليّ عليه السلام وأولاد فاطمة عليها السلام للرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم(1).

ثمّ إنّ هناك أحكاماً شرعية كالإرث واستحقاق سهم السّادة في الخمس تختص بمواردها المنصوص عليها, فلا تنفي الانتساب من جهة الأمّ, بل إنّها قوانين خاصّة تعبّدية لا علاقة لها بالمميّزات النسبية.

وهنا نذكر مقطعاً من المناظرة التي دارت بين الإمام الكاظم عليه السلام مع هارون الرشيد, والتي تختص بموضوعنا هذا: ((ثمّ قال لي ــ يعني هارون الرشيد ــ : لمَ جوّزتم للعامّة والخاصّة أن ينسبوكم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقولون لكم: يا بني رسول الله, وأنتم بنو عليّ, وإنّما ينسب المرء إلى أبيه, وفاطمة إنّما هي وعاء, والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم جدّكم من قبل أمّكم؟ فقلت ــ يعني الإمام موسى بن جعفر عليه السلام ــ :

(يا أمير المؤمنين! لو أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نشر فخطب إليك كريمتك هل كنت تجيبه)؟

فقال: سبحان الله، ولمَ لا أجيبه؟! بل أفتخر على العرب والعجم وقريش بذلك.

فقلت له: (لكنّه لا يخطب إليّ ولا أزوّجه).

فقال: ولمَ؟

____________

1- ينابيع المودّة، للقندوزي ١: ١٦٥، الباب (٧)، و٢: ٣٣ الباب (٥٤)، و٣٤٣ الباب (٥٧)، إحياء الميت بفضائل أهل البيت عليهم السلام، للسيوطي: ٢٧، ٢٨ حديث (٢٩، ٣٠، ٣١).


الصفحة 9
فقلت: (لأنّه ولدني ولم يلدك).

فقال: أحسنت يا موسى.

ثمّ قال: كيف قلتم: إنّا ذرّية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والنبيّ لم يعقب, وإنّما العقب للذكر لا للأنثى, وأنتم ولد البنت ولا يكون لها عقب؟...

قلت: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ _ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ(1), مَن أبو عيسى يا أمير المؤمنين)؟

فقال: ليس لعيسى أب.

فقلت: (إنّما ألحقناه بذراري الأنبياء عليهم السلام من طريق مريم عليها السلام, وكذلك ألحقنا بذراري النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من قبل أمّنا فاطمة عليها السلام.

أزيدك يا أمير المؤمنين)؟

قال: هات.

قلت: (قول الله عزّ وجلّ: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثمّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ(2), ولم يدّع أحد أنّه أدخل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تحت الكساء عند المباهلة للنصارى إلّا عليّ بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين, فكان تأويل قوله تعالى: ﴿أَبْنَاءَنَا: الحسن والحسين, و﴿نِسَاءَنَا: فاطمة, و﴿وَأَنْفُسَنَا: عليّ بن أبي طالب عليهم السلام...)))(3).

____________

1- الأنعام (٦): ٨٤، ٨٥.

2- آل عمران (٣): ٦١.

3- عيون أخبار الرضا عليه السلام، للصدوق ١: ٨٠ باب (٧) الحديث ٩، تحف العقول، لابن شعبة: ٤٠٤.


الصفحة 10

(مصطلح: (السيّد) هل يطلق على أمير المؤمنين عليه السلام)

« بهاء الدين ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

تعرفون أنّ الذي ينتمي إلى نسب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقال عنه: سيّد..

١ــ هل يطلق هذا اللقب على الإمام أمير المؤمنين عليه السلام؟

٢ــ وهل آباء وأجداد النبيّ والإمام أمير المؤمنين عليهم السلام أيضاً سادة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ لفظ (السيّد) مصطلح عند المتأخّرين، يقصد به من ينتهي نسبه إلى الإمام أمير المؤمنين والسيّدة فاطمة الزهراء عليهما السلام، وبالتالي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبذلك يكون أمير المؤمنين عليه السلام سيّد السادات.

ولا يحتاج الأئمّة عليهم السلام لأن نجري عليهم هذا المصطلح الذي نتبناه، بل ورد في حقّهم من النصوص ما تشير إلى أنّهم سادة:

ففي الزيارة الجامعة ورد: (السلام على الأئمّة الدعاة، والقادة الهداة، والسادة الولاة، والذادة الحماة، وأهل الذكر وأُولي الأمر...)(1).

وكذلك ورد في دعاء الندبة: (يا بن السادة المقرّبين، يا بن النجباء الأكرمين)(2).

وفي الرواية عن أبي عبد الله عليه السلام: (والأوصياء سادة)(3).

____________

1- من لا يحضره الفقيه، للصدوق ٢: ٦١٠ الحديث (٣٢١٣) الزيارة الجامعة.

2- المزار، لابن المشهدي: ٥٨٠ الباب ٩ الدعاء الندبة.

3- الكافي، للكليني ١: ٣٣ الحديث (٥) كتاب فضل العلم، باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء.


الصفحة 11

(تفضيل السّادة على غيرهم)

« عقيل ــ السعودية »

السؤال:

لماذا تفضّل الشيعة الإمامية السّادة على غيرهم، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم(1)؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الناس في الشريعة الإسلامية لا يتفاضلون إلّا بالتقوى, ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم فمن أخلَّ بالتقوى, وتعدّى حدود الله, لم يفلت من طائلة الشرع, مهما كانت مكانته, أو منزلته, أو حسبه، أو نسبه, أليس أبو لهب عمّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ومع ذلك قال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ(2), فليس في الإسلام عنصرية يختلّ بها ميزان العدالة، ولا محسوبية يتذبذب بها القانون, فالنسب الحقيقي عند الله تعالى إنّما هو التقوى, ويؤيّده الوحي المحفوظ: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ(3), فأرجع الباري تعالى البنوّة الحقيقية إلى العمل الصالح.

ولكن مع ذلك فهناك نظرة من جهة أُخرى, لا تغيّر من هذا المبدأ العام أيّ شيء, ولكنّها تدخل الفضل في حسابها، والفضل لا يمنع الحقّ لمن طلب العدل. بل إنّ الله تعالى ضرب لنا أمثلة لنسلك سبيل الفضل فيما لا يعطّل حداً من حدود

____________

1- الحجرات (٤٩): ١٣.

2- المسد (١١١): ١.

3- هود (١١): ٤٦.


الصفحة 12
الله, ولا يؤدّي إلى الإضرار بأحد من خلقه. فقال تبارك وتعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا(1), أراد الله ذلك لا لشيء إلّا لأنّ أباهما كان صالحاً.

بل إنّ الله تعالى رغّبنا في سلوك طريق الفضل قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(2)، قال أهل البيان: في الآية إطناب لأنّ تعفوا وحدها, أو تصفحوا وحدها, أو تغفروا وحدها كانت تكفي, ولكن الله تعالى كرّر هذه الأفعال ترغيباً لنا في الفضل وحثّاً لنا عليه(3).

وعليه فلا غرابة أن تحترم الشيعة الإمامية السّادة من ذرّية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على غيرهم، إكراماً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ــ ولأجل عين ألف عين تكرم ــ وإطاعة لما جاء في القرآن الكريم من قوله تعالى: ﴿قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى(4)، وهذه الآية وإن نزلت في حقّ أهل البيت عليهم السلام، إلّا أنّها بعموم اللفظ دلّت على مودّة ذرّية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, فاحترامهم وتفضيلهم وتقديمهم كما في إمامة صلاة الجماعة مصداق من مصاديق المودّة.

هذا من جهة، ومن جهة أُخرى وردت روايات عن النبيّ وأهل بيته صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين تحثّنا على احترام ذرّية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإكرامهم وقضاء حوائجهم و...

منها ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (إنّي شافع يوم القيامة لأربعة أصناف ولو جاؤوا بذنوب أهل الدنيا: رجل نصر ذرّيتي، ورجل بذل ماله لذرّيتي عند المضيق،

____________

1- الكهف (١٨): ٨٢.

2- التغابن (٦٤): ١٤.

3- انظر: كتاب علّموا أولادكم محبّة آل بيت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: ٤٠.

4- الشورى (٤٢): ٢٣.


الصفحة 13
ورجل أحبّ ذرّيتي باللسان وبالقلب، ورجل يسعى في حوائج ذرّيتي إذا طردوا أو شرّدوا)(1).

وقال الصادق عليه السلام: (إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أيّها الخلائق أنصتوا فإنّ محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم يكلّمكم. فتنصت الخلائق فيقوم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فيقول: يا معشر الخلائق من كانت له عندي يد أو منّة أو معروف فليقم حتّى أكافيه.

فيقولون: بآبائنا وأُمّهاتنا، وأيّ يد، وأيّ منّة، وأي معروف لنا! بل اليد والمنّة والمعروف لله ولرسوله على جميع الخلائق.

فيقول لهم: بلى، من أوى أحداً من أهل بيتي أو برّهم أو كساهم من عرى أو أشبع جائعهم فليقم حتّى أكافيه.

فيقوم أناس قد فعلوا ذلك، فيأتي النداء من عند الله عزّ وجلّ: يا محمّد

يا حبيبي! قد جعلت مكافاتهم إليك فأسكنهم من الجنّة حيث شئت.

قال: فيسكنهم في الوسيلة حيث لا يحجبون عن محمّد وأهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين)(2).

فعلى هذا نحن نحترم ونقدّر أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، و(المرء يحفظ في ولده)(3)، ما دام سائراً على سيرة النبيّ وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام.

تعليق:

« حسن محمّد ــ العراق ــ إمامي »

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

____________

1- الكافي، للكليني ٤: ٦٠ كتاب الزكاة، أبواب الصدقة، باب الصدقة لبني هاشم ومواليه.

2- من لا يحضره الفقيه، للصدوق ٢: ٦٥ الحديث (١٧٢٧) كتاب الخمس، باب أبواب اصطناع المعروف إلى العلوية.

3- انظر: كتاب سليم بن قيس الهلالي: ٣٩٠ الحديث (٤٨).


الصفحة 14
أحسنتم وجزيتم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وآل بيته عليه السلام خير جزاء المحسنين.

وأوّد ربط الآية الكريمة مع الحديث في إجابتكم، فتكون النتيجة أنّ النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله وسلم يجزي من أحسن لذرّيته المؤمنين والصالحين منهم لا عامّتهم.

ولو كان الأمر مرهوناً بعامّة السّادة لكان النبيّ يتّبع ما يسمّى اليوم بــ(المحسوبية)، ولكان قد أمر برسالته وخوف بعذاب الله الناس من غير السّادة، وأمّا هم فليس عليهم العذاب باعتبارهم يمتّون له بصلة القربى.

ودليل على أنّ السّادة يحاسبون على سوء أعمالهم وبصورة أشدّ، فلذا أنّ الصادق عليه السلام في إحدى المرّات أراد أن ينصح أحد الأشخاص وكان قد ارتكب معصية، فقال له: (إنّ الحسن من كلّ شيء حسن وأنّه منك أحسن لمكانك منّا، وإنّ القبيح من كلّ أحد قبيح وأنّه منك أقبح)(1).

هذا من جهة، ومن جهة أُخرى لا بدّ للسيّد أن يأخذ على نفسه الالتزام بما أراده النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ويحسن عبادته وخلقه، ومن ثمّ ينال ــ في الدنيا ــ استحقاقه ومنزلته، وإلّا لا يمكن إعطاء متجاهر الذنب أو سوء الخلق منزلة القربى من نبيّنا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الرواية كانت مطلقة لم تقيّد الذرّية بالمؤمنين والصالحين، لذا ما ذكرته لا يصحّ مع عدم إيراد المقيّد، وما ذكرته من المحسوبية إنّما يتم لو كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم

____________

1- مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب ٣: ٣٦٢.


الصفحة 15
قال: إنّه شافع لذرّيته، ولكن الرواية تقول إنّه شافع لتلك الأصناف التي تفضّلت على ذرّيته، وليس فيها ما يشير إلى شفاعته لذرّيته، سواء أكانوا مؤمنين أم عصاة.

(السرّ في تفضيل السّادة على غيرهم)

« إحسان ــ ألمانيا ــ إمامي »

السؤال:

سُئلت عن التالي وأريد الإجابة منكم، ولكم الفضل في ذلك:

لماذا أنتم الشيعة تميّزون بين السيّد وغير السيّد؟ أليس ذلك من التفرقة الاجتماعية؟

كما أنّكم ترتّبون أحكاماً شرعية وفق هذا التمييز، فما هو ذنب من لم يكن سيّداً ــ أي نسبه يرجع لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ــ تحترمون السيّد وتخصّوه بكلمة السيّد بخلاف غيره ــ من لا يرجع نسبه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ــ أليس هذا من التفرقة، والدين الإسلامي دين المساواة؟

ولكم الأجر والثواب في ذلك.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الملاك في الإسلام التقوى, وذلك بصريح القرآن الكريم: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم(1)، وإنّما يوجّه المسلمون محبّة خاصة للسادة من

____________

1- الحجرات (٤٩): ١٣.


الصفحة 16
ذرّية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تكريماً لجدّهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, ويعظّمون السادة تعظيماً لجدّهم.

وهذا التعظيم والتبجيل يظهر جليّاً بتحريم الصدقة عليهم, وتعويضهم بالخمس: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ(1).

كما توضّح الآية الواردة في سورة الشورى أهمّية احترام وتعظيم السادة من نسل الرسول: ﴿قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى(2).

والخلاصة: إنّ تكريم السّادة الأشراف من نسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الدنيا, يكون في واقع الأمر تكريماً لجدّهم واحتراماً خاصّاً له.

ولعلّ السرّ في ذلك: أن يكون هذا العمل باعثاً حثيثاً للتمسّك بتعاليم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم واستمرار شريعته, حيث الأُمّة تمسي وتصبح وتشاهد ذرّية رسولها بين ظهرانيها, تحترمهم وتجلّلهم لأجل جدّهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, وبذلك يتذكّرون الرسول طيلة حياتهم, فيكون سبباً للاستمرار بالتمسّك بتعاليمه.

(لماذا حرّمت الصدقة عليهم؟)

« إبراهيم ــ السعودية »

السؤال:

لماذا حرّم النبيّ عليه الصلاة والسلام الصدقة على بني هاشم؟

____________

1- الأنفال (٨): ٤١.

2- الشورى (٤٢): ٢٣.


الصفحة 17
وجزاكم الله خيراً.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الصدقة شرّعت لأجل تطهير الأموال وتزكيتها, قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا...(1), والتطهير يتضمّن وجود الدنس والوسخ, فكأنّ هذا المال عند بلوغه حدّاً معيّناً، فإنّه كما يتكاثر من حيث المالية يتكاثر معه الدنس والوسخ ويصبح ملوّثاً، ولا يطهر ولا يرتفع عنه التلوّث إلّا بإخراج الصدقة منه, فهذه الصدقة هي اللوّث الذي عرض على مال الغني عند بلوغه حدّاً معيّناً؛ ولأجل ذلك كرّم الله سبحانه وتعالى بني هاشم من أن يأخذوا هذا المال, والعيش بهذه الأوساخ.

وهذا ملحوظ ــ أيضاً ــ في السياق القرآني لآية الزكاة وآية الخمس, فنجد أنّ التعبير بلفظ التطهير ورد في آية الصدقة دون آية الخمس, بل نجدها تشرّع الخمس والأنفال مع حفظ مقام النبوّة والإمامة بمستوى من الإجلال والتقدير.

روى الكليني في (الكافي) عن أمير المؤمنين عليه السلام، قوله: (نحن والله الذين عنى الله بذي القربى, الذين قرنهم الله بنفسه ونبيّه صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى...(2) منّا خاصّة، ولم يجعل لنا سهماً من الصدقة, أكرم الله نبيّه وأكرمنا أن يطعمنا أوساخ ما في أيدي الناس)(3).

____________

1- التوبة (٩): ١٠٣.

2- الحشر (٥٩): ٧.

3- الكافي ١: ٥٣٩ أبواب التاريخ، باب الفيء والأنفال وتفسير الخمس.


الصفحة 18
ويمكن أن يكون السبب في تحريم الصدقة على بني هاشم باعتبار أشرفية المقام النبوي, فهو (صلوات الله عليه) منهم، إذ أنّ النفس النبوية لها مرتبتها الخاصّة, وقداستها المميّزة عن بقية النفوس, كما هو الملحوظ في الروايات والزيارات, والمعطي يكون أكمل من المعطى, بعد ملاحظة كون الزكاة هي أوساخ ما في أيدي الناس, فأراد الله إكرامهم من أجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, فلا يكونوا محلّاً لأوساخ الناس، ولا لهم عليهم فضل.

وهذه المسألة من مختصّات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في رهطه وذرّيته تكريماً له, وذلك كجعل نسائه أُمّهات المؤمنين من باب تحريم نكاحهن من بعده, وذلك تكريماً للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم, لأنّهن قد نسبن إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم, فيقال: زوجات النبيّ, وكذلك هو الأمر فيهم، حيث يُنسبون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

(كيفية انتشار النسل الهاشمي)

« محمّد علي ــ إمامي »

السؤال:

كلّنا يعلم بأنّ النسل الهاشمي انتشر في أصقاع الأرض.. هل لنا أن نعرف بالتفصيل كيف انتشر في البلاد التي تقع شرق الجزيرة العربية؟

مع خالص الشكر.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ نسل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد انتشر وشاع من أولاد عليّ عليه السلام وفاطمة عليها السلام، وهذا ممّا لا خلاف فيه.


الصفحة 19
وأمّا كيفية الانتشار فهو يختلف باختلاف الموارد والبقاع، فبعضهم قد التجأ إلى مناطق نائية حذراً من بطش حكّام الجور، وبعضهم هاجر إلى البلدان البعيدة للتبليغ والدعوة، أو حفظاً لعقيدته، أو نفسه، أو عياله عندما كانت تطاردهم الحكومات الأموية والعبّاسية وغيرها، وبعضهم سافر إلى بقاع كان يراها موالية لأهل البيت عليهم السلام، أو انتقل إلى أماكن خاصّة من البلاد الإسلامية في سبيل القيام بالثورة في وجه الطغيان والتعدّي الحاكم آنذاك، لما فيها من أرضية اجتماعية مؤيّده لهم ومهيئة للثورة.

(هل حدثت منازعات بين أبناء الأئمّة والأئمّة عليهم السلام؟)

« أسامة أبو مطر ــ لبنان »

السؤال:

قرأت في بعض المواقع الشيعية بأنّ جعفراً ــ عمّ الإمام المهدي عليه السلام وعجّل الله فرجه الشريف ــ، يلقّب بجعفر الكذّاب.. لأنّه ادّعى الإمامة لنفسه كما هو معروف.. في حين أنّي علمت أنّ الشيعة الجعفرية.. وهي غير الشيعة الإمامية.. هي شيعة جعفر (الكذّاب)، ولكن الكثيرين لا يعلمون هذا، بل يعتقدون أنّ الاسم نسبة إلى فقه الإمام جعفر الصادق عليه السلام.. في حين أنّ الذين يدركون هذا الأمر يعتبرون السبب هو أنّ عمّ الإمام المهدي عليه السلام كان يحاول حمايته.. وبالمقارنة مع أقارب آل البيت من نسل محمّد بن إسماعيل يصبح لدي التساؤل التالي:

هل اختلف آل البيت (غير الأئمّة عليهم السلام) فيما بينهم ونازعوا الأئمّة المعصومين عليهم السلام؟ أم أنّ الموضوع يدخل ضمن مسألة الحماية؟


الصفحة 20
واعذروني وتقبلوا شكري واحترامي..

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ما ذكرتموه من نسبة الشيعة الجعفرية إلى جعفر بن عليّ الهادي الموصوف بـ(الكذّاب) لا يوجد له أثر أو عين في كتب الملل والنحل التي ذكرت الفِرق والمذاهب.

وأيضاً دعوى أنّ ما فعله (الكذّاب)، هو لحماية الإمام المهدي عليه السلام فهي على مدّعيها، والوقائع والمنقولات تكذّب هذه الدعوى.

أمّا الاختلاف بين أبناء الأئمّة والأئمّة عليهم السلام، فقد كانت هناك بعض الضغوطات التي تعرّض لها بعض أبناء الأئمّة عليهم السلام من قبل حكّام زمانهم، دعتهم إلى الإقدام على مواجهة هؤلاء الحكّام ومحاربتهم، ولم يوافقهم أئمّة أهل البيت عليهم السلام على هذه المواجهة لعدم توفّر شروط الانتصار فيها, كما حدث لأبناء عبد الله بن الحسن بن الحسن في أيام الإمام الصادق عليه السلام، والتي انتهت بمقتل إبراهيم ومحمّد ابني عبد الله بن الحسن وموته هو وإخوته من بني الحسن في سجن المنصور، وقد كان الإمام الصادق عليه السلام يحذّرهم من هذا الخروج ومواجهة الحاكم في زمانهم، إلّا أنّهم أصرّوا عليه، حتّى انتهوا إلى تلك النتيجة المؤلمة, ولم يحقّقوا ممّا أملوا شيئاً..

وهناك مواقف أُخرى دافعها الطمع والتصدّر للإمامة، مثل ما وقع بين الإمام الرضا عليه السلام وإخوته في صدقة الإمام الكاظم عليه السلام وإرثه، وكادّعاء عبد الله الأفطح ابن الإمام الصادق عليه السلام الإمامة مقابل الإمام موسى الكاظم عليه السلام، ومحاولة جعفر ابن الإمام الهادي عليه السلام التصدّي لذلك مستغلاً غيبة الإمام الحجّة بن الحسن عليه السلام.


الصفحة 21
إلّا أنّ الباقي من أبناء الأئمّة عليهم السلام كان يدين بالطاعة لأئمّة الهدى من آل البيت عليهم السلام.

(روايات يظهر منها الذم ّ لبعض بني هاشم وبعض أولاد الأئمّة عليهم السلام)

« أحمد الشايب ــ سوريا ــ مستبصر »

السؤال:

السلام عليكم..

أرجو إفادتي بمدى صحّة هذه الروايات المسيئة لأهل البيت من كتب الشيعة:

عن محمّد الباقر أنّه قال عن العبّاس عمّ النبيّ وعقيل أخي عليّ: (بقي مع عليّ ــ أي: بعد موت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ــ رجلان ضعيفان ذليلان حديثا عهد بالإسلام، عبّاس وعقيل).

وفي رواية أنّه قال: (بقيت بين خلَفين خائفين ذليلين حقيرين، عبّاس وعقيل).(حياة القلوب للملا باقر المجلسي ص٧٥٦ ج٢ ط الهند). (الفروع من الكافي/ كتاب الروضة).

وقوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً(الإسراء/٧٢)، وقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَنفَعُكُم نُصحِي إِن أَرَدتُّ أَن أَنصَحَ لَكُم(هود/٣٤)، نزلتا فيه. (٥٢ ــ٥٣).

وروى الكشي أيضاً: أنّ أمير المؤمنين عليه السلام دعا على عبد الله بن العبّاس وأخيه عبيد الله، فقال: (اللّهمّ العن ابني فلان ــ يعني عبد الله وعبيد الله ــ واعم أبصارهما


الصفحة 22
كما عميت قلوبهما الأجلين في رقبتي، واجعل عمى أبصارهما دليلاً على عمى قلوبهما).(٥٢).

وأمّا الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين، فقد روى الكليني: أنّ يزيد بن معاوية سأله أن يكون عبداً له، فرضي عليه السلام أن يكون عبداً ليزيد، إذ قال له: (قد أقررت لك بما سألت، أنا عبد مكره، فإن شئت فأمسك، وإن شئت فبع).(الروضة من الكافي ٨/٢٣٥).

عن أبي عبد الله جعفر الصادق أنّه قال: هل تدرون ما أضحكني؟ قالوا: لا.قال: زعم ابن عبّاس أنّه من الذين قالوا ربّنا الله ثمّ استقاموا ــ وذكر كلاماً طويلاً ــ ثمّ قال: فاستضحكت، ثمّ تركته يومه ذلك لسخافة عقله.(الكافي١/٢٤٧).

عن أبي عبد الله جعفر الصادق أنّه قال: (وعندي الجفر الأحمر).فقال له عبد الله بن أبي يعقوب: أصلحك الله أيعرف هذا بنو الحسن؟ قال: (إي والله، كما يعرفون الليل أنّه ليل، والنهار أنّه نهار، ولكنّهم يحملهم الحسد وطلب الدنيا على الجحود والإنكار).(الكافي ١/٢٤٠).

فرووا عن عليّ أنّه جمع الناس لإقامة حدّ الزنا على امرأة، ثمّ قال: (لا يقيم الحدّ مَن لله عليه حدّ). يعني: لا يقيم عليها الحدّ إلّا الطاهرون. قال: فانصرف الناس يومئذ كلّهم ما خلا أمير المؤمنين والحسن والحسين. وانصرف فيمن انصرف محمّد ابن أمير المؤمنين.(الكافي ٧/١٨٧).

عن حنان بن سدير، قال: كنت جالساً عند الحسن بن الحسن، فجاء سعيد ابن منصور وكان من رؤساء الزيدية، فقال: ما ترى في النبيذ؟ قال: إنّ زيداً كان يشربه عندنا. قال: ما أُصدق على زيد أنّه شرب مسكراً. قال: بلى قد


الصفحة 23
شربه. قال: فإن كان فعل، فإنّ زيداً ليس بنبيّ ولا وصي نبيّ، إنّما هو رجل من آل محمّد.

عن صفوان الجمّال أنّه قال: وقع بين أبي عبد الله وبين عبد الله بن الحسن كلام، حتّى وقعت الضوضاء بينهما واجتمع الناس فتفرّقا ــ وذكر قصّة طويلة ــ قال المحقّق في الحاشية: فيه دلالة على حسن رعاية الرحم وإن كان بهذه المثابة، وإن كان فاسقاً ضالاً.(الكافي ٢/١٥٥).

عن جعفر الصادق والده أنّه قال له: (أفعلتها يا فاسق؟ أبشر بالنار).(الكشي ٢١١).

وذكروا عن أبي عبد الله جعفر الصادق أنّه قال عن ولده إسماعيل: (إنّه عاص، لا يشبهني ولا يشبه أحداً من آبائي).(بحار الأنوار ٤٧/٢٤٧).

عن يعقوب بن المثنى، قال: كان المتوكّل يقول: أعياني أمر ابن الرضا ــ يعني: محمّد بن عليّ الجواد ــ أبى أن يشرب معي. فقالوا له: فإن لم تجد منه، فهذا أخوه موسى قصَّاف عزَّاف يأكل ويشرب ويتعشّق.(الكافي ١/٥٠٢).

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قبل الجواب على ما ذكرت، نودّ أن نقول: إنّ هذه الروايات جمعها المدعوّ عثمان الخميس ليشنع بها على الشيعة، وقبله ذكر جملة منها إحسان إلهي ظهير، ثمّ ذُكر بعضها في الكتاب المختلق المطبوع في الكويت (لله ثمّ للتاريخ).


الصفحة 24
أمّا الجواب، فنقول:

هناك جواب إجمالي بغض النظر عن مدى صحّة الروايات من عدمها، فهذه الروايات ليس فيها ذمّ لأهل البيت عليهم السلام المخصوصين الذين أرادهم الله في قرآنه، وذكرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أحاديثه، والذين تتوالاهم الشيعة، فإنّ أهل البيت المعنيون جماعة خاصّة، وهم النبيّ وعليّ وفاطمة والحسن والحسين والتسعة المعصومين عليهم السلام، وهؤلاء هم المعصومون الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وأوجب الله موالاتهم، ولا يدخل فيهم العبّاس، ولا عقيل، ولا محمّد بن الحنفية، ولا عبد الله بن عبّاس، ولا عبيد الله بن عبّاس، ولا زيد، ولا إسماعيل، ولا غيره من أبناء الأئمّة، وإذا انحرف أحد هؤلاء لا يعد ذلك إساءة إلى أهل البيت عليهم السلام، كما هو الحال في عمّ النبيّ أبي جهل إذ كان كافراً، ولكن هذا لا يحطّ من قدر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بقدر ما يرفعه، إذ كان بهذا المحيط واستطاع أن يكون بهذا المستوى من العصمة والدرجة العالية من القرب من الله تعالى.

وكذا لا يحطّ من قدر أئمّة أهل البيت عليهم السلام ما ينسب من ذمّ وإساءة في بعض الروايات لبعض من يقربهم بالنسب؛ وإلّا لو كان في ذلك ما يشين لسرى الإشكال إلى كلام الله تعالى، إذ يذمّ أبا لهب عمّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ويذكر ابن نبيّ الله نوح عليه السلام بالكفر، ويضرب المثل بامرأتي نوح ولوط عليهما السلام.

فما قاله هذان وغيرهما لا يعدو كونه تدليس لخداع الناس، إذ لا يلزم الشيعة شيء من ذلك وهم يعلنون بأعلى أصواتهم أنّهم يوالون الأربعة عشر معصوماً، النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وفاطمة عليها السلام، والاثني عشر إماماً، عليّ وولده إلى المهدي عليهم السلام، وإنّهم يقصدون بأهل البيت هؤلاء عليهم السلام لا غير.

وأمّا تفصيل الجواب على هذه الروايات:


الصفحة 25
أوّلاً: الرواية الأُولى رواها الكليني في (الكافي)، قال: ((محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن علي بن النعمان، عن عبد الله بن مسكان، عن سدير، قال: كنّا عند أبي جعفر عليه السلام فذكرنا ما أحدث الناس بعد نبيّهم صلى الله عليه وآله وسلم واستذلالهم أمير المؤمنين عليه السلام، فقال رجل من القوم: أصلحك الله، فأين كان عزّ بني هاشم وما كانوا فيه من العدد؟!

فقال أبو جعفر عليه السلام: ومن كان بقي من بني هاشم، إنّما كان جعفر وحمزة فمضيا، وبقي معه رجلان ضعيفان ذليلان حديثا عهد بالإسلام: عبّاس وعقيل، وكانا من الطلقاء، أما والله، لو أنّ حمزة وجعفراً كانا بحضرتهما ما وصلا إلى ما وصلا إليه، ولو كانا شاهديهما لأتلفا نفسيهما))(1). وقد حسّن المجلسي سندها(2)، وصحّحه السيّد الخوئي قدس سره(3).

والرواية التي بعدها، رواها سليم بن قيس في كتابه من خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام في آخر سنة من حياته، وفيها: (ولم يكن معي أحد من أهل بيتي أصول به ولا أقوى به، أمّا حمزة فقتل يوم أحد، وأمّا جعفر فقتل يوم مؤتة، وبقيت بين جلفين جافيين ذليلين حقيرين عاجزين: العبّاس وعقيل، وكانا قريبي العهد بكفر)(4)، ولكن وقع الكلام في كتاب سليم ومدى الاعتماد عليه خاصّة في نسخه المتأخّرة.

وأورد الطبرسي هذه الخطبة في (الاحتجاج) باختصار واختلاف: عن إسحاق ابن موسى، عن أبيه موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام، وفيها: (فأنشدتهم حقّي، ودعوتهم إلى نصرتي، فما أجابني منهم إلّا أربعة رهط: سلمان، وعمّار، والمقداد،

____________

1- الكافي ٨: ١٩٠ الحديث (٢١٦).

2- مرآة العقول ٢٦: ٨٣ الحديث (٢١٦).

3- معجم رجال الحديث ١٠: ٢٥٤ (٦١٨٩).

4- كتاب سليم بن قيس: ٢١٦ خطبة أمير المؤمنين عليه السلام في السنة الأخيرة من عمره.


الصفحة 26
وأبو ذرّ، وذهب من كنت أعتضد بهم على دين الله من أهل بيتي، وبقيت بين خفيرتين قريبي العهد بجاهلية عقيل والعبّاس)(1)، ولكنّه حذف سندها، فجاءت مرسلة.

وروى السيّد ابن طاووس في (كشف المحجّة) من (كتاب الرسائل) للكليني، عن علي بن إبراهيم، كتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى شيعته بعد منصرفه من النهروان، وفيه: (فنظرت فإذا ليس لي رافد، ولا معي مساعد، إلّا أهل بيتي فظننت بهم عن الهلاك، ولو كان لي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عمّي حمزة وأخي جعفر، لم أبايع كرهاً، ولكنّني بليت برجلين حديثي عهد بالإسلام العبّاس وعقيل، فظننت بأهل بيتي عن الهلاك، فأغضيت عيني على القذى...)(2)، ولكنّه رحمه الله أورده منقطعاً مرسلاً.

فلا بدّ من إرجاع هذه الروايات إلى ما ورد من نصّ في صحيحة الكافي رحمه الله المتقدّمة، والاقتصار على كونهما (أي: العبّاس وعقيل) ضعيفان ذليلان، أي لم يكن لهما من القوّة والعزّة والعزيمة ما لحمزة وجعفر(رضوان الله عليهما)، وأمّا حداثة العهد بالإسلام، فقد اتّفقت عليه متون هذه الروايات، ولا يوجد طعن في شخصهما من جهة الوثاقة أو الديانة أو عدم معرفة حقّ أمير المؤمنين عليه السلام؛ نعم لم يكونا بصلابة واستماتة حمزة وجعفر في الدفاع عن الدين.

ثانياً: أمّا رواية الكشي بسنديه عن الإمام الباقر عليه السلام من أنّ قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً(3)، وقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَنفَعُكُم نُصحِي إِن أَرَدتُّ أَن أَنصَحَ لَكُم(4)، نزلتا في العبّاس.

____________

1- الاحتجاج ١: ٢٨١ احتجاجه عليه السلام في الاعتذار من قعوده عن قتال من تأمّر عليه من الأوّلين.

2- كشف المحجّة لثمرة المهجة: ١٨٠ الفصل الخامس والخمسون والمائة.

3- الإسراء (١٧): ٧٢.

4- هود (١١): ٣٤.


الصفحة 27
فسنده الأوّل: عن جعفر بن معروف، قال: حدّثنا يعقوب بن يزيد الأنباري، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر عليه السلام، قال:...الخ(1)، ففيه جعفر بن معروف اعتمد عليه الكشي كثيراً؛ وترجمه الطوسي في رجاله بعنوان: ((جعفر بن معروف يكنى أبو محمّد من أهل كش، وكيل وكان مكاتباً))(2)، ولم يوثّقه؛ وقال فيه ابن الغضائري: ((جعفر بن معروف، أبو الفضل السمرقندي، يروي عنه العيّاشي كثيراً، كان في مذهبه ارتفاع، وحديثه يعرف تارة وينكر أُخرى))(3)، وظاهرهما الاتّحاد من مراجعة رواياتهما وشيوخهما. وهو غير متّهم في هذه الرواية لوجود طرق أُخر لها، منها:

ما ورد في (الاختصاص) المنسوب للشيخ المفيد رحمه الله: عن محمّد بن الحسن، عن محمّد بن الحسن الصفّار، عن علي بن إسماعيل، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر عليه السلام، قال:... الخ(4)، كما عن الكشي باختلاف يسير. والسند صحيح، أورده الصدوق رحمه الله في توحيده مختصراً في وصف العرش(5).

ومنها: ما رواه (علي بن إبراهيم القمّي) في (تفسيره): عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبي الطفيل، عن أبي جعفر عليه السلام، قال:... الخ(6)، باختلاف في بعض عباراته.

____________

1- اختيار معرفة الرجال ١: ٢٧٤ (١٠٣) عبد الله بن عبّاس.

2- رجال الطوسي: ٤١٨ (٦٠٤١).

3- مجمع الرجال، للقهباني ٢: ٤٥ جعفر بن معروف.

4- الاختصاص: ٧١ عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب.

5- التوحيد: ٣٢٤ باب (٥١).

6- تفسير القمّي ٢: ٢٣ سورة بني إسرائيل.


الصفحة 28
ورواه (النعماني) في (الغيبة) مختصراً باختلاف: عن علي بن أحمد، قال: حدّثنا عبيد الله بن موسى العلوي، عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن علي بن إسماعيل، عن حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبي الطفيل، عن أبي جعفر محمّد بن علي، عن أبيه عليّ بن الحسين عليه السلام، قال:... الخ(1)، وليس فيه الآيتان النازلتان في العبّاس، وسنده ضعيف بعلي بن أحمد بن نصر البندنيجي.

ورواه مرسلاً (العيّاشي) في تفسيره مختصراً وباختلاف أيضاً: عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال:... الخ(2).

وعند الثلاثة أبو الطفيل بدل الفضيل بن يسار، وظاهره اشتباه الرواة بين الطفيل والفضيل.

وأمّا سند الكشي الثاني، قال: حدّثني أبو الحسن علي بن محمّد بن قتيبة، قال: حدّثنا الفضل بن شاذان، عن محمّد بن أبي عمير، عن أحمد بن محمّد بن زياد، قال: جاء رجل إلى عليّ بن الحسين عليهما السلام...(3). ففيه أحمد بن محمّد بن زياد الرواي عن الإمام السجّاد عليه السلام مجهول.

ثالثاً: أمّا رواية الكشي عن أمير المؤمنين عليه السلام(4)، فيقول السيّد الخوئي: إنّها ضعيفة بالإرسال أوّلاً بجهالة طريق الكشي إلى محمّد بن يحيى بن عبيد، وبمحمّد بن سنان وموسى بن بكر الواسطي ثانياً(5).

____________

1- الغيبة: ٢٠٥ الحديث (١٢) باب (١١).

2- تفسير العيّاشي ٢: ٣٠٥، الحديث (١٢٩) سورة بني إسرائيل.

3- اختيار معرفة الرجال ١: ٢٧٥ (١٠٤).

4- اختيار معرفة الرجال ١: ٢٦٩ (١٠٢)، و٣٣٠ (١٨٠).

5- معجم رجال الحديث ١١: ٢٢٥ (٦٩٥٤) عبد الله بن عبّاس.


الصفحة 29
رابعاً: أمّا رواية الكليني في (الكافي) بخصوص إقرار الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام بالعبودية ليزيد(1)، فهو مردود معلول، للقطع تاريخياً بعدم ذهاب يزيد إلى الحجاز أيام خلافته، بل عدم مغادرته الشام إلى أن هلك.

خامساً: أمّا رواية الكليني في (الكافي) بخصوص كلام الإمام الصادق عليه السلام مع ابن عبّاس وضحك الإمام عليه السلام منه، ففي سندها الحسن بن العبّاس بن حريش ضعيف جدّاً، أُتّهم بالوضع، قال فيه ابن الغضائري: ((الحسن بن العبّاس بن حريش الرازي أبو محمّد، ضعيف، روى عن أبي جعفر الثاني عليه السلام فضل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ(2)، كتاباً مصنّفاً فاسد الألفاظ، تشهد مخايله على أنّه موضوع، وهذا الرجل لا يلتفت إليه ولا يكتب حديثه))(3). وقال فيه النجاشي: ((الحسن بن العبّاس ابن حريش الرازي أبو علي، روى عن أبي جعفر الثاني عليه السلام، ضعيف جدّاً له كتاب: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ(4)، وهو كتاب رديء الحديث مضطرب الألفاظ))(5).

وهذه الرواية من صنف ما أورده في الكتاب المذكور.

وقد ردّ علماؤنا أعلى الله مقامهم هذه الرواية:

قال السيّد الخوئي قدس سره: وهذه الرواية مضافاً إلى ضعفها بالحسن بن العبّاس بن حريش، آثار الوضع عليها ظاهرة، فإنّ الظاهر من ضحك الباقر عليه السلام أنّ الأمر وقع قريباً، والمفروض في الرواية أنّه عليه السلام كان جالساً وعنده نفر، فكانت هذه القصّة

____________

1- الكافي ٨: ٢٣٤ الحديث (٣١٣).

2- القدر (٩٧): ١.

3- مجمع الرجال، للقهباني ٢: ١١٨ الحسن بن العبّاس بن الحريش.

4- القدر (٩٧): ١.

5- رجال النجاشي: ٦٠ (١٣٨).


الصفحة 30
زمان إمامته عليه السلام، ولا أقلّ أنّها كانت زمان كبره عليه السلام، مع أنّ ابن عبّاس مات سنة ثمان وستّين، وولد أبو جعفر عليه السلام سنة سبع وخمسين، فالقضية مكذوبة لا محالة(1).

وقال الشيخ التستري في (الأخبار الدخيلة): ((ويشهد لوضعه أُمور:

الأوّل: إنّ المفهوم منه أنّ محاجّة الباقر عليه السلام مع ابن عبّاس كان في زمان إمامته، مع أنّ إمامته كانت بعد خمس وتسعين، وابن عبّاس مات بالطائف في فتنة ابن الزبير سنة ثمان وستّين، وإنّما أدركه الباقر عليه السلام في صغره.

فروى الكشّي عن الصادق عليه السلام: (إنَّ أبي كان يحبّ ابن عبّاس حبّاً شديداً، وكانت أُمّه تلبسه ثيابه وهو غلام فينطلق إليه في غلمان بني عبد المطّلب، فأتاه بعدما أصيب بصره، فقال: من أنت؟ قال: أنا محمّد بن عليّ بن الحسين، فقال: حسبك من لا يعرفك فلا عرفك).

الثاني: أنّه دالٌّ على نصب ابن عبّاس، مع أنّ استبصاره من المتواترات، ومحاجّاته في الإمامة مع عمر ومعاوية وعائشة وابن الزبير وغيرهم مشهورة معروفة.

الثالث: أنّه مشتمل على أنّ عمى ابن عبّاس كان من صفقة جناح جبرئيل لجحده ليلة القدر على أمير المؤمنين عليه السلام، مع أنّ المسعودي، قال: ((كان ذهاب بصر ابن عبّاس لبكائه على عليّ والحسن والحسين عليهم السلام)).

ولِمَ لَم يعم جبرئيل مبغضي أمير المؤمنين عليه السلام وأعمى من كان في أوّل المحامين عنه عليه السلام، فإنّه لم يعط أحد لسانه بعد المعصومين عليهم السلام؟!

ولِمَ لَم يعم معاوية الذي كان يعيّر بني هاشم بالعمى؟! ففي معارف ابن قتيبة: ((ثلاثة مكافيف في نسق: عبد الله بن العبّاس، وأبوه العبّاس، وأبو العبّاس: عبد

____________

1- معجم رجال الحديث ١١: ٢٥٦ (٦٩٥٤) عبد الله بن عبّاس.


الصفحة 31
الصفحة السابقةالصفحة التالية