المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 8) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج8 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 271 - ص 300) الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا شكّ أنّ لأهل البيت عليهم السلام دوراً كبيراً يوم القيامة، في مواقف كثيرة، منها عند الحساب:

فقد روى الكليني في (الكافي) عن: ((عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن سنان، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قال: (يا جابر! إذا كان يوم القيامة جمع الله عزّ وجلّ الأوّلين والآخرين لفصل الخطاب، دعي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ودعي أمير المؤمنين عليه السلام، فيكسا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حلّة خضراء تضيء ما بين المشرق والمغرب، ويكسا عليّ عليه السلام مثلها، ويكسا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حلّة وردية يضيء لها ما بين المشرق والمغرب، ويكسا عليّ عليه السلام مثلها، ثمّ يصعدان عندها، ثمّ يدعى بنا فيدفع إلينا حساب الناس، فنحن والله ندخل أهل الجنّة الجنّة، وأهل النار النار، ثمّ يدعى بالنبيّين عليهم السلام فيقامون صفين عند عرش الله عزّ وجلّ حتّى نفرغ من حساب الناس، فإذا دخل أهل الجنّة الجنّة، وأهل النار النار، بعث ربّ العزّة عليّاً عليه السلام فأنزلهم منازلهم من الجنّة، وزوّجهم، فعليّ والله الذي يزوّج أهل الجنّة في الجنّة، وما ذاك إلى أحد غيره، كرامة من الله عزّ ذكره، وفضلاً فضّله الله به ومَنّ به عليه، وهو والله يدخل أهل النار النار، وهو الذي يغلق على أهل الجنّة إذا دخلوا فيها أبوابها؛ لأنّ أبواب الجنّة إليه وأبواب النار إليه))(1).

وروى أيضاً عن: ((سهل بن زياد، عن ابن سنان، عن ابن سعدان، عن سماعة، قال: كنت قاعداً مع أبي الحسن الأوّل عليه السلام والناس في الطواف في جوف الليل، فقال: (يا سماعة! إلينا إياب هذا الخلق وعلينا حسابهم، فما كان لهم من ذنب بينهم

____________

1- الكافي ٨: ١٥٩ الحديث (١٥٤) حديث الناس يوم القيامة.


الصفحة 272
وبين الله عزّ وجلّ حتمنا على الله في تركه لنا، فأجابنا إلى ذلك، وما كان بينه وبين الناس استوهبناه منهم، وأجابوا إلى ذلك، وعوّضهم الله عزّ وجلّ))(1).

وفي تفسير فرات الكوفي، قال: ((حدّثنا جعفر بن محمّد بن يوسف معنعناً: عن صفوان، قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: إنّ إلينا إياب هذا الخلق وعلينا حسابهم))(2).

وفيه أيضاً: ((حدّثني جعفر بن محمّد الفزاري معنعناً: عن قبيصة بن يزيد الجعفي، قال: دخلت على الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام... ــ في حديث طويل إلى أن قال ــ: قلت: لوجه ربّي الحمد أسألك عن قول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ _ ثمّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(3)؟ قال: (فينا التنزيل). قال: قلت: إنّما أسألك عن التفسير؟ قال: (نعم، يا قبيصة! إذا كان يوم القيامة جعل الله حساب شيعتنا علينا، فما كان بينهم وبين الله استوهبه محمّد صلى الله عليه وآله وسلم من الله، وما كان فيما بينهم وبين الناس من المظالم أدّاه محمّد صلى الله عليه وآله وسلم عنهم، وما كان فيما بيننا وبينهم وهبناه لهم، حتّى يدخلون الجنّة بغير حساب))(4).

وورد في تفسير (تأويل الآيات الظاهرة) ما رواه: ((محمّد بن العبّاس رحمه الله، عن أحمد بن هوذة، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد الله بن حمّاد، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إذا كان يوم القيامة وكلنا الله بحساب شيعتنا، فما كان لله سألنا الله أن يهبه لنا فهو لهم، وما كان للآدميين سألنا الله أن يعوّضهم بدله فهو لهم، وما كان لنا فهو لهم)، ثمّ قرأ: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ _ ثمّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ.

____________

1- الكافي ٨: ١٦٢ الحديث (١٦٧) حديث الناس يوم القيامة.

2- تفسير فرات الكوفي: ٥٥١ الحديث (٧٠٦) سورة الغاشية.

3- الغاشية (٨٨): ٢٥، ٢٦.

4- تفسير فرات الكوفي: ٥٥٢ الحديث (٧٠٧) سورة الغاشية.


الصفحة 273

وبهذا الإسناد إلى عبد الله بن حمّاد، عن محمّد بن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه عليهم السلام في قوله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ _ ثمّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ، قال: (إذا كان يوم القيامة وكلنا الله بحساب شيعتنا، فما كان لله سألناه أن يهبه لنا فهو لهم، وما كان لمخالفيهم فهو لهم، وما كان لنا فهو لهم، ثمّ قال: هم معنا حيث كنّا).

وروي عن الصادق عليه السلام في قوله: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ _ ثمّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ، قال عليه السلام: (إذا حشر الله الناس في صعيد واحد أجّل الله أشياعنا أن يناقشهم في الحساب، فنقول: إلهنا هؤلاء شيعتنا. فيقول الله تعالى: قد جعلت أمرهم إليكم، وقد شفعتكم فيهم وغفرت لمسيئهم، أدخلوهم الجنّة بغير حساب).

وقال محمّد بن العبّاس: حدّثنا الحسين بن أحمد، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن يعقوب، عن جميل بن دراج، قال: قلت لأبي الحسن عليه السلام: أحدّثهم بتفسير جابر؟ قال: (لا تحدّث به السفلة فيذيعوه، أما تقرأ: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ _ ثمّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ)، قلت: بلى. قال: (إذا كان يوم القيامة وجمع الله الأوّلين والآخرين ولانا حساب شيعتنا، فما كان بينهم وبين الله حكمنا على الله فيه فأجاز حكومتنا، وما كان بينهم وبين الناس استوهبناه فوهبوه لنا، وما كان بيننا وبينهم فنحن أحقّ من عفا وصفح)))(1).

وجاء في الزيارة الجامعة التي رواها الطوسي في (تهذيب الأحكام): (فالراغب عنكم مارق، واللازم لكم لاحق، والمقصّر في حقّكم زاهق، والحقّ معكم وفيكم ومنكم وإليكم، وأنتم أهله ومعدنه ومثواه ومنتهاه، وميراث النبوّة عندكم، وإياب الخلق إليكم، وحسابهم عليكم، وفصل الخطاب عندكم...الخ)(2).

____________

1- تأويل الآيات الظاهرة، لشرف الدين الأسترآبادي ٢: ٧٨٨ سورة الغاشية.

2- تهذيب الأحكام ٦: ٩٧ الحديث (١٧٧)، باب زيارة جامعة لسائر المشاهد على أصحابها السلام.


الصفحة 274
وروى الصفّار في (بصائر الدرجات)، قال: ((حدّثنا الحسن بن علي، عن أبي الصباح، عن زيد الشحام، قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام، فقال: (يا زيد! جدّد عبادة، وأحدث توبة)، قال: نعيت إليَّ نفسي جعلت فداك! قال: فقال لي: (يا زيد! ما عندنا خير لك، وأنت من شيعتنا)، قال: وقلت: وكيف لي أنا أكون من شيعتكم؟! قال: فقال لي: (أنت من شيعتنا، إلينا الصراط والميزان وحساب شيعتنا والله؛ لأنّا أرحم بكم منكم بأنفسكم، كأنّي انظر إليك ورفيقك في درجتك في الجنّة)))(1).

وقال البرسي في (مشارق أنوار اليقين): روى المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام في شرح هذه الآية [أي: قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ _ ثمّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ] فإنّه قال: سألته من هم؟ فقال: (يا مفضل! من ترى هم؟ نحن والله هم، إلينا يرجعون، وعلينا يعرضون، وعندنا يقفون، وعن حبّنا يسألون)(2).

وروى الصدوق في (عيون أخبار الرضا عليه السلام، قال: ((حدّثنا أبو علي أحمد بن أبي جعفر البيهقي بفيد بعد منصرفي من حجّ بيت الله الحرام في سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، قال: حدّثنا علي بن جعفر المدني، قال: حدّثني علي بن محمّد بن مهرويه القزويني، قال: حدّثني داود بن سليمان، قال: حدّثني عليّ بن موسى الرضا عليه السلام، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليّ، عن أبيه عليّ ابن أبي طالب عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا كان يوم القيامة ولينا حساب شيعتنا، فمن كانت مظلمته فيما بينه وبين الله عزّ وجلّ حكمنا فيها فأجابنا، ومن

____________

1- بصائر الدرجات: ٢٨٥ الحديث (١٥) الجزء السادس، باب (١).

2- مشارق أنوار اليقين: ٢٨٣.


الصفحة 275
كانت مظلمته فيما بينه وبين الناس استوهبناها فوهبت لنا، ومن كانت مظلمته فيما بينه وبيننا كنّا أحقّ ممّن عفا وصفح)(1).

ويشير إلى ذلك بعض ما ورد في القرآن الكريم كقوله عزّ وجلّ: ﴿وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ(2)، الذي تكفّلت السُنّة المأثورة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وآله عليهم السلام بتوضيحه(3).

فإنّ القرآن والعترة الطاهرة هما الثقلان اللذان أمرنا بالرجوع إليهم لمعرفة الحلال والحرام، ومعرفة العقائد والأحكام، وقد ذكروا عليهم السلام تفصيل هذه المسألة في عدد كبير من الروايات.

(القول بأنّهم عليهم السلام علّة الوجود)

« محمّد قاسم ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

حديث (لولا وجود الحجّة لساخت الأرض بأهلها)، يظهر منه الاختصاص بالأرض، فما هو حكم الخلق الموجودين على غير هذه الأرض من كواكب.

وقد ورد في الحديث القدسي عن ربّ العزّة ما مضمونه: إنّه جلّ وعلا لم يخلق الخلق والوجود إلّا من أجل محمّد وآله صلوات الله عليهم, فمن أجل من

____________

1- عيون أخبار الرضا عليه السلام ٢: ٦٢ الحديث (٢١٣).

2- الأعراف (٧): ٤٦.

3- انظر: بصائر الدرجات، للصفّار: ٥١٥ الجزء التاسع باب (١٦)، بحار الأنوار، للمجلسي ٢٤: ٢٤٩ باب (٦٢) أنّهم عليهم السلام أهل الأعراف الذين ذكرهم الله في القرآن.


الصفحة 276
سيخلق الله الخلق والعوالم التي بعد عالمنا على فرض صحّة الآراء القائلة بذلك، والمتصوّر أنّ الحقّ معهم؛ لأنّ من صفات الباري عزّ وجلّ الفيض، وحسب فهمنا القاصر أنّ علّة خلق الخلق الأوّل هو اتّصاف الواجب بالفيض.

نرجوا منكم بيان ما خفي عنّا وتصحيح الفكرة إن كانت خاطئة.

وفّقكم الله لمراضيه.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

١ــ ذكر (الأرض) في الحديث إنّما هو من باب المثال لا الاختصاص، وهذا المعنى يستفاد من مجموع الأحاديث، فإنّ إثبات الشيء لا ينفي ما عداه كما هو معلوم.

٢ــ وردت عندنا روايات تدلّ على أنّ نور نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم وأنوار الأئمّة عليهم السلام أوّل ما خُلق، وأنّها الصادر الأوّل، ومنها صدرت باقي الأشياء، فأنوارهم كانت سابقة على العرش فما دونه.

ويؤيّده ما استدلّ به على أنّهم مظاهر أسمائه تعالى، وأنّهم واسطة الفيض ومجارية؛ هذا من جهة العلّة الفاعلية، ومنها بتوسط بعض المقدّمات يثبت كونهم عليهم السلام العلّة الغائية لمطلق الخلق.

نعم، ولعلّه يمكن أيضاً التمسّك بظاهر إطلاق بعض الروايات على ذلك، يعني: كونهم العلّة الغائية لمطلق عالم الإمكان.

ثمّ إنّ تحديد المراد من العوالم الأُخر المفروضة يحتاج إلى تحقيق، فإنّ لها معانٍ مختلفة في الروايات، وقد ورد النصّ على أنّ الأئمّة عليهم السلام حجّة عليها.


الصفحة 277

(خلق الأئمّة عليهم السلام لهداية الخلق)

« م/ حسن ــ السعودية »

السؤال:

هل خلق الله الخلق من أجل الخمسة أهل الكساء عليهم السلام؟

أم أنّ أهل البيت عليهم السلام جميعاً خُلقوا لهداية الخلق والأخذ بيدهم؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

من الواضح أنّ الله سبحانه وتعالى لم يخلق هذا الخلق عبثاً، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً(1)، وإنّما خلق الله الأشياء من أجل الإنسان، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً(2)، وخلق الإنسان من أجل تكامله، والتكامل يحتاج إلى هداة إليه، والهداة هم أئمّة أهل البيت عليهم السلام ــ كما نقرأ في زيارة الجامعة الكبيرة المروية عن الإمام عليّ الهادي عليه السلامــ : (السلام على أئمّة الهدى، ومصابيح الدجى... وأنتم نور الأخيار، وهداة الأبرار...)(3).

إذن الأئمّة عليهم السلام خُلقوا لهداية الخلق، ولكن بما أنّهم خيار الخلق وأكرمهم على الله، بل أسماؤه الحسنى، وآياته الكبرى، وحججه بينه وبين الخلق، فالخلق ــ بمعنى كلّ المخلوقات ــ خُلقوا لأجلهم، كما ورد في بعض الأحاديث المروية عنهم عليهم السلام(4)، فمن جهة هم أفضل وأكرم الخلق على الله،

____________

1- المؤمنون (٢٣): ١١٥.

2- الجاثية (٤٥): ١٣.

3- من لا يحضره الفقيه، للصدوق ٢: ٦٠٩ الحديث (٣٢١٣).

4- انظر: بحار الأنوار، للمجلسي ٢٥: ١٧ الحديث (٣١).


الصفحة 278
فالخَلق خُلق لأجلهم، ومن جهة أُخرى لا يوجد من هو أولى منهم وأفضل لهداية الخَلق؛ فلاحظ!

جعلنا الله وإيّاكم من المتمسّكين بولاية أهل البيت عليهم السلام.

(هم عليهم السلام وعبادة الله العلّة للخلق)

« الأسدي ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

سادتي الأفاضل كيف يمكننا الجمع بين ما يلي، أرجو بيان الوجه العلمي والأصولي لذلك:

ما ورد في الآية الكريمة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(1)، وبين بعض مروياتنا التي تجعل العلّة الغائية أهل البيت عليهم السلام، وهذا في واقعه يعارض الانحصار في الآية الشريفة.

أفيدونا جزاكم الله خيراً.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا تنافي بين الآية الكريمة وبين كونهم عليهم السلام العلّة الغائية، إذ بالتدبّر سينحل ما أشكل عليك، وذلك ببيان مختصر نقدّمه إليك:

إنّ الآية الكريمة تدلّ على أنّ الغاية من الخلق هي عبادة الله تعالى، وللعبادة مراتب كثيرة، فلا بدّ أنّ المراد والغاية أعلاها وأشرفها، وهي التي تحقّق العبودية

____________

1- الذاريات (٥١): ٥٦.


الصفحة 279
المحضة الكاملة، فهي المطلوبة بالأصل، وهي لا تتأتى إلّا من الإنسان الذي يصل إلى أقصى درجات الكمال بحيث لا يوجد من هو أقرب إلى الله منه، فتكون العبودية حقيقة وجوده، حتّى يصدق عليه صفة العبد، وهو نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، فصحّ أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم غاية الخلق.

بل لمّا كان نور محمّد صلى الله عليه وآله وسلم هو أوّل صادر، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أوّل ما خلق الله نوري)، فهو أقرب المخلوقات لله سبحانه وتعالى، فلا بدّ أن تتحقّق فيه أعلى درجات العبودية المحضة التي هي الغاية من خلق الخلق، وعليّ وفاطمة وأولادهما الأئمّة عليهم السلام أنوار اشتقوا من نور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصحّ أن يكونوا غاية الخلق بعد أن تحقّقت العبودية فيهم بأعلى مراتبها.

والكلام على نفس السياق وبناء الدليل لو قلنا إنّ المراد بـ﴿يَعْبُدُونِ في الآية: (ليعرفون).

وبعبارة مختصرة: حيث قال الله تعالى في غاية الخلقة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، أي: ليعرفون، ولا يوجد أكمل من الإنسان الكامل، فلا يوجد من يعرفه تعالى بالمعرفة الحقّة غيره، فهو إذن علّة الخلقة.

ولو أردت نوعاً من التفصيل فسنسرد عليك مجموعة من كلمات علمائنا فيها حقائق نورية كثيرة كلّ منهم أدّاها حسب مرتبته من العلم وقدرته على البيان:

قال آية الله الميرزا جواد التبريزي: ((وبما أنّ الحكمة هي ما ذكر في الخلق، حيث يفصح عنه قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، وبضميمة قوله سبحانه: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً، يعلم أنّ الغاية من خلق الإنس والجنّ هي خلق الذين يعرفون الله سبحانه ويعبدونه، ويهتدون بالهدى، والسابقون على ذلك في علم الله سبحانه الذين يعيشون في الدنيا وسيلة لكسب رضا ربّهم


الصفحة 280
والتفاني في رضاه هم الأنبياء والأوصياء والأئمّة(سلام الله عليهم أجمعين)، والسابقون في هذه المرتبة هم نبيّنا محمّد والأئمّة الأطهار(صلّى الله عليهم أجمعين) من بعده. وبذلك يصحّ القول أنّهم علّة غائية لخلق العباد، لا بمعنى أنّ الخالق يحتاج إلى الغاية، بل لأنّ إفاضة فيض الوجود بسبب ما سبق في علمه أنّهم السابقون الكاملون في الغرض والغاية من الفيض، والله العالم))(1).

وقال العلاّمة الطباطبائي: ((على أنّ الإنسان أكمل وأتقن المخلوقات الجسمانية من السماوات والأرض وما فيهما صنعاً، ولئن نما في جانب العلم والعمل نماء حسناً كان أفضل ذاتاً ممّا سواه وأرفع مقاماً وأعلى درجة من غيره، وإن كان بعض الخليقة كالسماء أشدّ منه خلقاً كما ذكره الله تعالى، ومن المعلوم أنّ كمال الصنع هو المقصود منه إذا اشتمل على ناقص [أي: المقصود من الإنسان هو الكامل منه] ولذا كنّا نعد مراحل وجود الإنسان المختلفة من المنوية والجنينية والطفولية وغيرها مقدّمة لوجود الإنسان السوي الكامل، وهكذا.

وبهذا البيان يظهر أنّ أفضل أفراد الإنسان ــ إن كان فيهم من هو أفضل مطلقاً ــ غاية لخلق السماوات والأرض، ولفظ الآية أيضاً لا يخلو عن إشارة أو دلالة على ذلك، فإنّ قوله: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً(2) يفيد أنّ القصد إلى تمييز من هو أحسن عملاً من غيره سواء كان ذلك الغير محسناً أو مسيئاً، فمن كان عمله أحسن من سائر الأفراد سواء كانوا محسنين وأعمالهم دون عمله أو مسيئين كان تمييزه منهم هو الغرض المقصود من الخلقة، وبذلك يستصحّ ما ورد في الحديث القدسي من خطابه تعالى لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم: (لولاك لما خلقت الأفلاك)، فإنّه صلى الله عليه وآله وسلم أفضل الخلق))(3).

____________

1- صراط النجاة ٣: ٤٣٧ (س١٢٥٨).

2- هود (١١): ٧، المُلك (٦٧): ٢.

3- تفسير الميزان ١٠: ١٥٢ سورة هود.


الصفحة 281
وقال السيّد محسن الخرازي في (بداية المعارف): ((إنّ الباعث على إيجاد الإنسان هو المعرفة الكاملة به تعالى ــ ومنه الحديث القدسي: (كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أُعرف، فخلقت الخلق لكي أُعرف) ــ فليكن في كلّ وقت فرد بين آحاد الإنسان يعرفه كما هو حقّه، ولا يحصل ذلك في غير النبيّ والإمام، فلا بدّ من وجود النبيّ أو الإمام بين الناس حتّى تحصل المعرفة الكاملة به تعالى كما هو حقّه.

ولعلّ إليه ترجع الروايات الدالّة على أنّه لولا محمّد وآله عليهم السلام لما خلق الله الخلق، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا عليّ! لولا نحن ما خلق الله آدم ولا حواء، ولا الجنّة ولا النار، ولا السماء ولا الأرض)(1).

ويؤكّد ذلك ما استفيض من الأخبار الدالّة على أنّ الأئمّة عليهم السلام علّة غائية للخلقة))(2).

وقال الشيخ جواد الكربلائي في شرحه لعبارة: (ورضيكم خلفاء في أرضه) من الزيارة الجامعة: ((وعلم ممّا ذكر [أي: من مفاد قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ(3)] أنّ الغاية القصوى في إيجاد هذا العالم الكوني ومكّوناته الحسّية هي خلقة الإنسان، وغاية خلقة الإنسان ماهية العقل المستفاد، أي مشاهدة المعقولات والاتصال بالملأ الأعلى، والعبودية الذاتية التي هي الفناء في الحقّ، والخلافة الإلهية، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، وفي الحديث القدسي: (خلقت الأشياء لأجلك وخلقتك لأجلي))).

____________

1- علل الشرائع، للصدوق ١: ٥٠، وعيون أخبار الرضا عليه السلام ١: ٢٣٧، وإكمال الدين وإتمام النعمة: ٢٥٤.

2- بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإمامية ٢: ١٥٢ عقيدتنا في المهدي.

3- البقرة (٢): ٣٠.


الصفحة 282
ثمّ قال: ((إنّ للإنسان بحسب التدرج في مدارج الكمال والسعادة أصنافاً، فإنّه إن صدّق الأنبياء فيما جاؤوا به من الله سبحانه فهو مسلم... وإن قرن بهذا موالاة الأئمّة الهداة عليهم السلام... فهو مؤمن، وإن اشتغل مع هذا في أغلب أوقاته بالعبادة فهو عابد، أي تحقّقت فيه العبودية... وإن كان مع ذلك تاركاً للدنيا وشهواتها فهو زاهد... وإن عرف مع ذلك الأشياء على ما هي عليها بالتحقيق فهو عارف... فالعارف إن أوصله الله تعالى مع هذا إلى مقام القرب وأيّده بالإلهام ونفث الروع فهو وليّ... وإن خصّه مع هذا بالكتاب فهو رسول، وإن خصّه مع هذا بنسخ الشريعة السابقة فهو من أولي العزم، وإن مع هذا بخاتمية النبوّة فهو الخاتم، فهذه عشرة كاملة.

وتقدّم أنّ الإنسان الكامل هو غاية خلق السماوات وما فيهنّ، وهو منطبق على الواحد الختمي وهو نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم فهو المقصود من الكلّ والغاية للكلّ))(1).

وقال الشيخ أبو طالب التجليل: ((إنّ الإنسان موجود أعطي له الاختيار في طاعة الله ومعصيته، فإن اختار طاعة الله كان أفضل الموجودات وأشرفها، لأنّ سائر الموجودات من ذوي الشعور وغيره لا يقدرون على طاعة الله بالاختيار، وإن كان كلّها مطيعاً له بالفطرة يسبّحون الله بحسب الخلقة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ(2)، فأراد الله تعالى إبداع أشرف الموجودات، فتعلّقت مشيئته بإبداع نوع بين أنواع الحيوان الذي هو موجود له إحساس وشعور وإرادة، يكون هذا النوع أكمل أنواعه في الإحساس والشعور وقوّة الإدراك، فأعطاه

____________

1- الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة ٣: ٣٦٧ ــ ٣٧١ قوله: ورضيكم خلفاء في أرضه.

2- الإسراء (١٧): ٤٤.


الصفحة 283
الخصيصة المذكورة، أعني: خصيصة اختيار طاعة الله وعصيانه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً(1).

فخلق الإنسان وأعطاه هذا الاختيار، ومن البديهي أنّ كونه واجداً للاختيار بالنسبة إلى الطاعة يستلزم كونه واجداً للاختيار بالنسبة إلى المعصية، وإلّا كان مجبوراً على الطاعة، فأبناء هذه السلسلة قد يختارون الطاعة، وقد يختارون المعصية ما دام هذا النسل باقياً على وجه الأرض.

ولا بدّ ألّا يخلو هذا النسل ما دام باقياً من إنسان يطيع الله بالاختيار لمحض الطاعة ولا يخالطها بالمعصية وهو غاية كمال الإنسانية، وهو الواصل إلى ما أريد من إبداع هذا النوع من البشر.

وهذا وإن كان بمحض الاختيار وليس بالإرادة القاهرة من ناحية الله، ولكن الله يعلم قبل إبداع الإنسان أنّه يكون في ذرّية الإنسان في كلّ عصر وزمان فرد يبلغ هذه المرتبة من الكمال، فلو كان الله الذي هو علّام الغيوب يعلم أنّه لا يكون من أبناء هذا النوع الكامل في كلّ عصر من الأعصار من يبلغ هذه المرتبة، ويكون بقاء هذه السلسلة خالياً عن غرضه، لقطع السلسلة وأفناهم في عصر الفترة وخلوّ نوع الإنسان عن ذلك الفرد السامي، ثمّ شرع ثانياً بإبداع الإنسان عن كتم العدم في عصر كان الإنسان مشتملاً على من يبلغ إلى تلك المرتبة، وهو غاية نوع الإنسان والمثل الكامل للإنسانية وحجّة الله عليهم.

نعم! الغرض الأقصى من إبداع نوع الإنسان وخلقه ــ بشهادة القرآن الكريم ــ هو العبودية والطاعة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا

____________

1- الأحزاب (٣٣): ٧٢.


الصفحة 284
لِيَعبُدُونِ(1). والمحقّق للغرض الأعلى لإبداع نوع الإنسان وخلقته ونشأة فرد منه لم يخلط الطاعة بالمعصية والعبودية بالتمرّد، ولم يلبس العرفان بالله والمعرفة به بالجهل والجهالة.

نعم! يصل أفراد الإنسان إلى الكمال النسبي، ولكن أكمل أفراد نوع الإنسان الذي هو الهدف الأعلى من الخلقة، هو الذي استقرّ على شامخ قُلّة الإنسانية. وهذا الفرد من الإنسان الذي هو معصوم عن المعصية هو حجّة الله، وقوله وفعله مظهر الحقّ ومعيار أحكام الله ومنهجه، وهذا هو السرّ في عدم خلوّ أي زمان من الأزمنة عن الحجّة))(2).

وقال الشيخ المنتظري: ((إنّ نظام الوجود يتلخّص في ذات الله الكاملة واللامتناهية، فهو الوجود المطلق والقائم بالذات، وما الموجودات إلّا مراتب ودرجات متنوّعة لفيضه وإشعاعاته، وعين التعلّق والارتباط به، فما أمكن له منها أن يوجد، وجد في قوس النزول بإذن الله وإرادته، وتبدأ هذه المراتب من العقل الأوّل المتّصل بإرادة الله بلا واسطة، إلى أدنى مراتب الوجود الذي هو المادّة، وأنّ نور الوجود يتنزّل إلى المراتب الدنيا عبر الوسائط.

وفي الحقيقة إنّ كلّ مرتبة من هذه المراتب معلولة للمرتبة التي تسبقها، وإنّ علّة العلل هو الله، وهذا حتّى الآن هو قوس النزول من إفاضة الله. ولكن بما أنّ الله فيّاض مطلق ولا ينقطع عن الإفاضة، تبدأ المادّة بما لها من الاستعداد الكامن في ذاتها بالسير طبقاً للحركة الجوهرية نحو الكمال، فتستمرّ إفاضة الله في قوس الصعود بحسب القابليات، فتظهر الكائنات المتنوعة في درجات ومراتب مختلفة، حتّى يبرز في نهاية المطاف أفراد كاملون يضاهون العقل الأوّل في كمالهم.

____________

1- الذاريات (٥١): ٥٦.

2- تنزيه الشريعة الاثني عشرية عن الشبهات الواهية ٢: ٤٦١ ــ ٤٦٣.


الصفحة 285
إذاً فالإنسان الكامل ــ وبعبارة أُخرى: النبيّ والإمام ــ هو الثمرة الطيّبة العُليا، والعلّة الغائية العُظمى من عالم المادّة وحركتها.

فمثلاً: إنّ الفلاح الماهر يزرع في بستانه مختلف الأشجار، ويقوم بسقيها وتوفير الظروف اللازمة لنموّها وتكاملها، وهدفه من ذلك الحصول على الثمار الجيدة والصالحة، برغم أنّه قد يجني في الأثناء ثماراً تافهة وأعشاباً ضارّة؛ والفلاح هو غاية الغايات، لأنّه إنّما يريد الثمار لنفسه.

وبعبارة أُخرى: إنّ غاية الغايات هو الفاعل.

فهكذا بالنسبة إلى موجد عالم الطبيعة، فهو يهدف من إيجاد المادّة وهدايتها في مختلف المسيرات، إلى إيجاد الإنسان المتكامل الذي يضاهي العقل الأوّل، إذن فأنبياء الله والأئمّة المعصومون، هم العلّة الغائية العُظمى لنظام التكوين وخلق عالم المادّة، وأنّ الله سبحانه هو غاية الغايات، كما جاء في الحديث القدسي: (خلقت الأشياء لأجلك، وخلقتك لأجلي). فعالم الطبيعة معلول على الدوام، وكما أنّ المعلول بحاجة إلى علّة فاعلية، فهو بحاجة إلى علّة غائية أيضاً، وقد قيل في محلّه: إنّ العلّة الغائية هي العلّة الفاعلية، وعليه يكون للأنبياء والأئمّة عليهم السلام دخل في تكوين هذا العالم وتحولاته وتحركاته، وربّما أشارت الروايات المتقدّمة إلى هذا المعنى، ومنها الحديث القدسي الذي خاطب فيه الله النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: (وأنت خيرتي من خلقي، وعزّتي وجلالي لولاك ما خلقت الأفلاك)))(1).

ونقول: تبيّن من ذلك أنّ الغاية هي غاية لقوس الصعود في مراتب الكمال، ومن الواضح أنّ العبادة هي أداة الصعود، والكلّ يصعد ويصل إلى الله بمقداره،

____________

1- من المبدأ إلى المعاد: ١٤٢ ــ ١٤٣.


الصفحة 286
والكامل يصل إلى أعلى المراتب، وهي مرتبة الفناء في الله، أو قاب قوسين أو أدنى، وهي الغاية لأنّها أشرف المراتب.

وقد تسأل عن ضرورة خلق كلّ هذا الخلق من أجل الأكمل الواصل إلى أعلى الدرجات في عالم العقل والمجرّدات الذي يضاهي الصادر الأوّل؟

فيكون الجواب: إنّ ذلك لازم لقوس الصعود من أدنى مراتب المادّة وهي الهيولى التامّة القابلية ذات الاستعداد للتلبس بصور الكمال صورة بعد صورة، حتّى تصل إلى أعلى مراتب التجرّد والتكامل.

وبعبارة فلسفية قالها صدر المتألهين: ((اعلم، أنّ الطبيعة ما لم توفّ بالمادّة جميع درجات النوع الأخس لم يتجاوز بها إلى النوع الأشرف، وقد حقّق بالبرهان أنّ الموجود الأشرف يجب أن يندرج فيه جميع المعاني المتحقّقة في الموجود الأخس على وجه أعلى وألطف))(1).

وبعبارة ملا هادي الشيرازي: ((إذ يحصل من العناصر الكثيرة قليل هو النبات، ومن كثير منه قليل منه يصير غذاء للحيوان، ومن كثير منهما قليل غذاء الإنسان، ومن كثير منه قليل المني، ومن كثير منه قليل النطفة، ومن كثير منها قليل المتولّد، ومن كثير منهم قليل العايش والباقي، ومن كثير منه قليل مسلم، ومن كثير منهم قليل مؤمن، ومن كثير منهم قليل طالب، ومن كثير منهم قليل عالم، ومن كثير منهم قليل عارف، ومن كثير منهم قليل محقّق، ومن كثير منهم قليل عامل، ومن كثير منهم قليل مستقيم، ومن كثير منهم قليل أنبياء، ومن كثير منهم قليل رسل، ومن كثير منهم قليل أولوا العزم، ومن بينهم واحد هو

____________

1- أسرار الآيات: ١٢٦ قاعدة في خلقة الإنسان وأنّه الثمرة العليا واللباب الأصفى...


الصفحة 287
٧الخاتم صلّى الله عليه وعلى أصله وفرعه وسلّم... فهذا الواحد الختمي هو المقصود من الكلّ والغاية للكلّ))(1).

فإلى هنا تبيّن أنّه يصحّ أن يطلق عليهم عليهم السلام العلّة الفاعلية في قوس النزول؛ لأنّهم واسطة الفيض، ونور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصادر الأوّل، وأنوارهم اشتقت من نوره، وأن يطلق عليهم في قوس الصعود العلّة الغائية لأنّهم أشرف الممكنات بوصولهم إلى أعلى درجات الكمال في عالم العقل والتجرّد.

(صحّة إطلاق العلل الأربعة على أهل البيت عليهم السلام)

« رابطة فذكّر الثقافية ــ العراق »

السؤال:

السلام على العاملين في مركز الأبحاث العقائدية..

هل يصحّ أن نطلق على أهل البيت عليهم السلام بأنّهم العلل الأربع للخلق: (الفاعلية، والمادّية، والصورية، والغائية)؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

القدر المعتدّ به هو جواز إطلاق العلّة الفاعلية والعلّة الغائية على أهل البيت عليهم السلام؛ لأنّهم عليهم السلام مجرى الفيض الإلهي إلى الخلق ولهم الولاية التكوينية في كلّ شيء بإذن الله تعالى، لا بالاستقلال كما يذهب إليه الغلاة المفوّضة. وجواز هذا الإطلاق إنّما هو باعتبار مقاماتهم العلوية كمقام الحقيقة المحمّدية،

____________

1- شرح الأسماء الحسنى ١: ٢٠٢.


الصفحة 288
ووجوداتهم النورية كمقام نور الأنوار، لا باعتبار ذواتهم الأرضية وأشخاصهم الزمانية.

فأمّا صحّة إطلاق العلّة الغائية عليهم؛ فلأنّ الله تبارك وتعالى قد خلق كلّ شيء لأجلهم كما هو الثابت من مفاد الأخبار، كالحديث القدسي: (لولاك لما خلقت الأفلاك)(1)، وغيرها. فهم إذن غاية ما خلق الله تعالى، ولولاهم لما كان في الوجود زيد ولا عمرو.

وأمّا صحّة إطلاق العلّة الفاعلية عليهم، فمن جهة أنّ الله تعالى لتنزّهه عن المباشرة، جعل وسائط بينه وبين خلقه، ومن جملة هذه الوسائط الفواعل، ومع هذا فلا يعني ذلك أنّ أهل البيت عليهم السلام فاعلون وخالقون، بل الله عزّ وجلّ هو الفاعل الخالق لما يشاء لا شريك له في خلقه، إلّا أنّه سبحانه إنّما يفعل بفعله ومشيئته لا بذاته لتنزّه وتقدّس ذاته عن مباشرة عالم الإمكان، فقد ورد عن الصادق عليه السلام: (خلق الله المشيئة بنفسها ثمّ خلق الأشياء بالمشيئة)(2) ومعنى ذلك أنّ المباشر للخلق هي المشيئة وهي فعل الله عزّ وجلّ، وهم عليهم السلام محال مشيئة الله كما ورد في زيارة الجامعة.

فحينما نقول: إنّهم عليهم السلام العلّة الفاعلية، نريد أنّ لهم تأثيراً في عالم التكوين بإذن الله عزّ وجلّ، فإنّ الله قد نسب فعل الخلق إلى بعض أنبيائه فقال في حقّ

____________

1- مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب ١: ١٨٦، باب ذكر سيّدنا رسول الله، فصل في اللطائف، تفسير المحيط الأعظم، للآملي ١: ٥٤٨ الوجه الخامس في بيان التأويل المخصوص بالعلماء الراسخين، عوالم العلوم، للبحراني ١١: ٤٤ في أحوال فاطمة الزهراء عليها السلام، أبواب نورها، بحار الأنوار، للمجلسي ١٥: ٢٨، باب بدأ خلقه وما جرى له في الميثاق، مستدرك سفينة البحار، للنمازي ٣: ١٦٨.

2- الكافي، للكليني ١: ١١٠ كتاب التوحيد، باب الإرادة أنّها من صفات الفعل الحديث (٤).


الصفحة 289
عيسى عليه السلام: ﴿وَإِذ تَخلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيئَةِ الطَّيرِ بِإِذنِي(1)، ووكّل بعض ملائكته الكرام عليهم السلام بالرزق كميكائيل، وبعضهم وكّلهم بالحياة كإسرافيل، وبعضهم بالإماتة كعزرائيل.. وورد أنّه إذا أتى على الجنين في بطن أُمّه أربعة أشهر (يبعث الله ملكين خلاّقين فيقولان: يا ربّ ما نخلق؟ ذكر أم أنثى؟ شقيّاً أو سعيداً؟...)(2) الحديث. فإذا صحّت نسبة الخلق إلى بعض مخلوقات الله عزّ وجلّ كالأنبياء والملائكة، فليس ثمّة غرابة في صحّة نسبته إلى الأئمّة عليهم السلام، فهم خالقون فاعلون بإذن الله عزّ وجلّ.

وأمّا العلّة الصورية والعلّة المادّية ففي صحّة إطلاقهما على الأئمّة عليهم السلام والاعتقاد بهما اختلاف.

(الأئمّة عليهم السلام عباد مخلوقون حادثون)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الأئمّة عليهم السلام كغيرهم عباد مخلوقون حادثون، فكلّ ما سوى الله سبحانه وتعالى فهو مخلوق وحادث، وكونهم واقعين في أعلى سلسلة العلل لا يعني أنّهم علّة العلل، فعلّة العلل هو الله سبحانه وتعالى، فهو العلّة التي ليست معلولة لعلّة أُخرى، وكلّ ما عداه سبحانه وتعالى فهو معلول لغيره، وهذا يشمل الأئمّة المعصومين عليهم السلام.

نعم، بما أنّهم واسطة الفيض ومجاريه، كانوا علّة فاعليه من هذه الجهة، ومن جهة كونهم المصداق الأتم والأكمل لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(3)، كانوا غاية الخلقة.

____________

1- المائدة (٥): ١١٠.

2- الكافي ٦: ١٦ كتاب العقيقة، باب بدء خلق الإنسان وتقلّبه في بطن أمّه الحديث (٦).

3- الذاريات (٥١): ٥٦.


الصفحة 290

(هل نال الأنبياء والأئمّة مراتبهم من دون عمل؟)

« محمّد آل ناصر ــ السعودية ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

لماذا فضّل الله سبحانه وتعالى محمّداً وآل محمّد صلّى الله عليهم جميعاً وسلّم، أقصد إذا كان الله عصمهم ومتحكّم بهم ومعصومين مطلقاً فمن أين أتت الأفضلية المطلقة لهم؛ حيث قال تعالى في حديث الكساء: (إنّي ما خلقت سماء مبنية ولا أرضاً مدحية...) الخ؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الله تبارك وتعالى عَلِمَ بسابق علمه أنّ خلقه متفاوتون من جهة الطاعة والإخلاص والإقرار بالعبودية وتقديم الشكر له على نعمه وفضله، فانتجب في القدم قبل أن يخلق الخلق أخلص عباده وأشدّهم طاعة له حسبما علم في السابق علمه، ثمّ جعلهم أنبياء وأئمّة وأوكل إليهم هداية عباده، فالعصمة رتبة وجودية حقيقية استحقّها الأنبياء والأئمّة عليهم السلام؛ لأنّهم أخلصوا لله تبارك وتعالى، وتقرّبوا إليه بالطاعة، وانصرفوا عن الآثام، وامتنعوا عن إتيان الذنوب، وكلّ ذلك حدث منهم لمّا خلقوا، فطابق عملهم علم الله السابق بهم، ولم ينالوا العصمة والقرب منه تعالى عبثاً، وحينما علموا ما أنعم الله تعالى به عليهم من النعمة أن جعلهم الله عزّ وجلّ القادة والسادة والرؤساء في الدين والداعين إلى صراطه المستقيم، شكروا الله تعالى وحمدوه واضطلعوا بالمهام الملقاة على عاتقهم.


الصفحة 291
أمّا غيرهم من سائر العباد، فلم يكونوا في تقديم مراسم العبودية لله عز ّوجلّ كالأنبياء والأئمّة فكانوا دونهم درجة، وقد علم الله تعالى ذلك منهم أيضاً في سابق علمه.

إذن لا تحسبنّ أنّ هؤلاء الأئمّة عليهم السلام قد نالوا ما نالوا من الله

عزّ وجلّ من دون أن يكون لهم عمل أو اجتهاد، بل إنّ عملهم هو أفضل الأعمال، واجتهادهم أشدّ الاجتهاد، فلا يدانيهم أحد من المكلفين, لا عابد ولا زاهد ولا عالم، فقد بلغوا في كلّ طاعة الغاية القصوى والدرجة العليا، وكلّ ذلك نتيجة لعملهم وإخلاصهم.

(المراد من لفظة (أمرنا) في قولهم عليهم السلام: (أمرنا صعب مستصعب))

« م/ عقائدية ــ العراق ــ إمامية »

السؤال:

السلام عليكم..

نقرأ في روايات أهل البيت: (أمرنا صعب مستصعب).

السؤال أوّلاً: ما هو تحديداً المعنى المرجو من لفظ (الأمر)؟ وكم هي الروايات التي جاءت بلفظ (الأمر)؟

ثانياً: هل نستطيع أن نقول: إنّ أمر آل محمّد هو القائم، وإذا كان القائم عليه السلام، فكيف يكون وليّ الأمر، أي كيف يكون نفسه؟!

وفّقكم الله.


الصفحة 292
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: معنى لفظ (أمرنا) الوارد في قولهم عليهم السلام هذا: (شأنهم عليهم السلام)، والمراد به ولايتهم على ما يظهر من بعض الروايات، وعلمهم على ما يظهر من روايات أُخر، ومقامهم من ظاهر طائفة ثالثة من الروايات.

فمن الطائفة الأُولى: ما رواه الصفّار في (بصائر الدرجات)، قال: ((حدّثنا محمّد بن عبد الحميد وأبو طالب جميعاً، عن حنّان، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام: أنّه قال: (يا أبا الفضل! لقد أمست شيعتنا أو أصبحت على أمرنا ما أقرّ به إلّا ملك مقرّب، أو نبيّ مرسل، أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان)))(1).

نقول: ولا شيء يشمل شيعتهم ويعمّهم أظهر وأوضح من ولايتهم للأئمّة عليهم السلام.

وقال أيضاً: ((حدّثنا محمّد بن الحسين، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن حمّاد بن عثمان، عن فضل، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إنّ أمركم هذا لا يعرفه ولا يقرّ به إلّا ثلاثة: ملك مقرّب، أو نبيّ مرسل، أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان)))(2).

نقول: قوله عليه السلام: (أمركم هذا)، ينصرف إلى أوضح مصاديقه وأجلاها، وهو ولايتهم عليهم السلام.

وروى الطبري في (بشارة المصطفى)، بسنده: عن صالح بن ميثم، عن أبيه، قال: بينما أنا في السوق إذ أتاني أصبغ بن نباتة، فقال: ويحك يا ميثم! لقد سمعت من أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام حديثاً صعباً شديداً، فأما يكون كذلك؟

قلت: وما هو؟

____________

1- بصائر الدرجات: ٤٧ الحديث (٣) باب (١٢) تتمة في أنّ أمرهم صعب مستصعب.

2- بصائر الدرجات: ٤٧ الحديث (٤) باب (١٢) تتمة في أنّ أمرهم صعب مستصعب.


الصفحة 293
قال: سمعته يقول: (إنّ حديثنا أهل البيت صعب مستصعب لا يحتمله إلّا ملك مقرب، أو نبيّ مرسل، أو عبد أمتحن الله قلبه للإيمان).

فقمت من فورتي فأتيت عليّاً عليه السلام، فقلت: يا أمير المؤمنين! حديث أخبرني به الأصبغ عنك قد ضقت به ذرعاً!

قال: وما هو؟ فأخبرته.

قال: فتبسم، ثمّ قال: أجلس يا ميثم! أو كلّ علم يحتمله عامل [عالم]؟! إنّ الله تعالى قال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجعَلُ فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا وَيَسفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحنُ نُسَبِّحُ بِحَمدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعلَمُ مَا لا تَعلَمُونَ(1)، فهل رأيت الملائكة احتملوا العلم؟

قال: قلت: هذه والله أعظم من ذلك!

قال: والأُخرى أنّ موسى عليه السلام أنزل الله عزّ وجلّ عليه التوراة فظنّ أن لا أحد أعلم منه، فأخبره الله عزّ وجلّ أنّ في خلقي من هو أعلم منك، وذلك إذ خاف على نبيّه العجب، قال: فدعا ربّه أن يرشده إلى العالم، قال: فجمع الله بينه وبين الخضر، فخرق السفينة فلم يحتمل ذلك موسى، وقتل الغلام فلم يحتمله، وأقام الجدار فلم يحتمله، وأمّا المؤمنون فإنّ نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم أخذ يوم غدير خمّ بيدي، فقال: (اللّهمّ من كنت مولاه فإنّ عليّاً مولاه)، فهل رأيت احتملوا ذلك إلّا من عصمه الله منهم؟ فابشروا ثمّ أبشروا فإنّ الله تعالى قد خصّكم بما لم يخصّ به الملائكة والنبيّين والمرسلين فيما احتملتم من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلمه))(2).

نقول: يمكن أن يحمل هذا على معنى (علمهم) في الطائفة الثانية الآتية.

____________

1- البقرة (٢): ٣٠.

2- بشارة المصطفى: ٢٣٦ الحديث (١٢) الجزء الرابع.


الصفحة 294
ومن الطائفة الثانية: ما ورد متواتراً: (أنّ حديثنا صعب مستصعب):

منها ما رواه الكليني في (الكافي) عن: ((محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن سنان، عن عمّار بن مروان، عن جابر، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ حديث آل محمّد صعب مستصعب، لا يؤمن به إلّا ملك مقرّب، أو نبيّ مرسل، أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان، فما ورد عليكم من حديث آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم فلانت له قلوبكم وعرفتموه فاقبلوه، وما اشمأزت منه قلوبكم وأنكرتموه فردّوه إلى الله، وإلى الرسول، وإلى العالم من آل محمّد، وإنّما الهالك أن يُحدّث أحدكم بشيء منه لا يحتمله، فيقول: والله ما كان هذا، والله ما كان هذا، والإنكار هو الكفر)))(1).

ومنها ما رواه عن: ((أحمد بن إدريس، عن عمران بن موسى، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (ذُكرت التقيّة يوماً عند عليّ ابن الحسين عليهما السلام، فقال: والله، لو علم أبو ذرّ ما في قلب سلمان لقتله، ولقد آخا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينهما، فما ظنّكم بسائر الخلق، إنّ علم العلماء صعب مستصعب، لا يحتمله إلّا نبيّ مرسل، أو ملك مقرّب، أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان، فقال: وإنّما صار سلمان من العلماء؛ لأنّه أمرء منّا أهل البيت، فلذلك نسبته إلى العلماء)))(2).

ومن الطائفة الثالثة:

ما رواه ابن ميثم البحراني في (شرح نهج البلاغة) من خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام: ((إنّ قريشاً طلبت السعادة فشقيت، وطلبت النجاة فهلكت، وطلبت الهدى فضلّت.

____________

1- الكافي ١: ٤٠١ الحديث (١) باب فيما جاء أنّ حديثهم صعب مستصعب.

2- الكافي ١: ٤٠١ الحديث (٢) باب فيما جاء أنّ حديثهم صعب مستصعب.


الصفحة 295
ألم يسمعوا ويحهم قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ(1)، فأين العدل والنزع عن ذرّيّة الرسول الذين شيّد الله بنيانهم فوق البنيان وأعلى رؤوسهم واختارهم عليهم. ألا إنّ الذّريّة أفنان أنا شجرتها، ودوحة أنا ساقها، وإنّي من أحمد بمنزلة الضوء من الضوء كنّا إظلالاً تحت العرش قبل خلق البشر وقبل خلق الطينة التي كان منها البشر أشباحاً عالية لا أجساما نامية. إنّ أمرنا صعب مستصعب لا يعرف كنهه إلّا ملك مقرّب، أو نبيّ مرسل، أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان، فإذا انكشف لكم سرّاً ووضح لكم أمر فاقبلوه، وإلّا فأمسكوا تسلموا وردّوا علمها إلى الله فإنّكم في أوسع ما بين السماء والأرض)))(2).

وما رواه القطب الراوندي في (الخرائج والجرائح)، قال: ((وأخبرنا جماعة منهم: الشيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن النيسابوري، والشيخ محمّد بن علي بن عبد الصمد، عن الشيخ أبي الحسن بن عبد الصمد التميمي: حدّثنا أبو محمّد أحمد بن محمّد بن محمّد العمري: حدّثنا أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين، عن محمّد بن الحسن بن الوليد، عن الصفّار، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن علي بن الحكم، عن عبد الرحمان بن كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (أتى الحسين عليه السلام أناس، فقالوا له: يا أبا عبد الله! حدّثنا بفضلكم الذي جعل الله لكم؟

فقال: إنّكم لا تحتملونه ولا تطيقونه.

قالوا: بلى نحتمل.

____________

1- الطور (٥٢): ٢١.

2- شرح نهج البلاغة، لابن هيثم ٤: ١٩٩ (٢٣١).


الصفحة 296
قال: إن كنتم صادقين، فليتنح اثنان وأُحدّث واحداً، فإن احتمله حدّثتكم.

فتنحّى اثنان وحدّث واحداً، فقام طائر العقل، ومرّ على وجهه وذهب، فكلّمه صاحباه فلم يرد عليهما شيئاً وانصرفوا)))(1).

والأمر بين هذه المعاني سهل، فإنّها متلازمة وترجع بالآخرة إلى معنى واحد، فملاكها هو رتبتهم ومقامهم الوجودي في أصل الخلقة من كونهم كانوا أنواراً حول العرش، وأنّهم في أعلى المراتب الوجودية للممكنات، حتّى كانوا واسطة الفيض لها.

وأمّا عدد الروايات التي جاءت بلفظ (أمرنا)، فقد عددنا أكثر من خمسة عشر رواية، وهناك أُخر يحتاج العثور عليها إلى تتبّع أكثر.

ثانياً: روى الصفّار في (بصائر الدرجات)، قال: ((حدّثنا محمّد بن أحمد، عن جعفر بن مالك الكوفي، عن علي بن هاشم، عن زياد بن المنذر، عن زياد بن سوقة، قال: كنّا عند محمّد بن عمرو بن الحسن فذكرنا ما أتى إليهم، فبكى حتّى ابتلّت لحيته من دموعه، ثمّ قال: إنّ أمر آل محمّد أمر جسيم مقنع لا يستطاع ذكره، ولو قام قائمنا لتكلّم به وصدّقه القرآن))(2).

وعلى هذا يكون أمرهم غير القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف، وأنّه سيبيّنه عندما يظهر بدلالة القرآن.

____________

1- الخرائج والجرائح ٢: ٧٩٥ الحديث (٤) الباب السادس عشر: في نوادر المعجزات.

2- بصائر الدرجات: ٤٨ الحديث (٨) الجزء الأوّل، باب تتمة في أنّ أمرهم صعب مستصعب.


الصفحة 297

(معنى قولهم عليهم السلام: (كلّنا محمّد))

« عزيز ــ السويد ــ إمامي »

السؤال:

قولهم عليهم السلام: (كلّنا محمّد)، هل مرادهم عليهم السلام من هذه الكليّة مفاد (كان) التامّة، أم مفاد (كان) الناقصة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قبل كلّ شيء لا بدّ أن نوضّح أنّ هذه العبارة (كلّنا محمّد) لم ترد بسند صحيح، فقد رواها المجلسي في (بحار الأنوار) عن كتاب عتيق لا يعرف اسمه ولا مؤلّفه، وقال: ((إنّما أفردت لهذه الأخبار باباً لعدم صحّة أسانيدها وغرابة مضامينها، فلا نحكم بصحتّها ولا ببطلانها، ونردّ علمها إليهم عليهم السلام))(1).

وروى النعماني في (الغيبة)، بسند ضعيف أيضاً، قال: ((أخبرنا علي بن الحسين، قال: حدّثنا محمّد بن يحيى العطار بقم، قال: حدّثنا محمّد بن حسّان الرازي، قال: حدّثنا محمّد بن علي الكوفي، قال: حدّثنا إبراهيم بن محمّد بن يوسف، قال: حدّثنا محمّد بن عيسى، عن عبد الرزاق، عن زيد الشحّام، عن أبي عبد الله عليه السلام:

وقال محمّد بن حسان الرازي: وحدّثنا به محمّد بن علي الكوفي، عن محمّد ابن سنان، عن زيد الشحّام، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أيّهما أفضل الحسن أو الحسين؟

____________

1- بحار الأنوار ٢٦: ٦، ١٦ الحديث (١، ٢)، باب نادر في معرفتهم صلوات الله عليهم بالنورانية.


الصفحة 298
قال: إنّ فضل أوّلنا يلحق فضل آخرنا، وفضل آخرنا يلحق فضل أوّلنا، فكلّ له فضل.

قال: قلت له: جعلت فداك، وسع علَيَّ في الجواب، فإنّي والله ما أسألك إلّا مرتاداً.

فقال: نحن من شجرة برأنا الله من طينة واحدة، فضلنا من الله، وعلمنا من عند الله، ونحن أُمناء الله على خلقه، والدعاة إلى دينه، والحجاب فيما بينه وبين خلقه. أزيدك يا زيد؟

قلت: نعم.

فقال: خلقنا واحد، وعلمنا واحد، وفضلنا واحد، وكلّنا واحد عند الله

عزّ وجلّ.

فقلت: أخبرني بعدتكم؟

فقال: نحن اثنا عشر، هكذا حول عرش ربّنا جلّ وعزّ في مبتدأ خلقنا، أوّلنا محمّد، وأوسطنا محمّد، وآخرنا محمّد))(1).

نعم، ورد في روايات كثيرة متضافرة: إنّهم خلقوا من نور واحد، وطينة واحدة، وأنّ أرواحهم واحدة. ففي (الزيارة الجامعة): (وأنّ أرواحكم ونوركم وطينتكم واحدة، طابت وطهرت بعضها من بعض)(2).

ووردت أيضاً روايات كثيرة متضافرة في أنّه جرى لهم عليهم السلام من الفضل والطاعة مثل ما جرى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنّهم عليهم السلام في الأمر والنهي والحلال والحرام واحد، وحجّتهم واحدة، وطاعتهم واحدة(3).

____________

1- الغيبة: ٨٧ الحديث (١٦)، باب (٤) ما روي في أنّ الأئمّة اثنا عشر إماماً.

2- من لا يحضره الفقيه، للصدوق ٢: ٦١٣ الحديث (٣٢١٣) الزيارة الجامعة.

3- انظر: بحار الأنوار، للمجلسي ٢٥: ٣٥٢ باب (١٢) أنّه جرى لهم من الفضل والطاعة مثل ما جرى لرسول الله(صلّى الله عليه) وأنّهم في الفضل سواء.


الصفحة 299
إذا تبيّن ذلك نقول: إنّ مفاد (كان) التامّة هو إثبات أصل وجود الشيء، ومفاد (كان) الناقصة هو إثبات تمامية الشيء وصفاته.

وعليه: فيكون مفاد القسم الأوّل من الروايات من أنّهم عليهم السلام خلقوا من نور واحد، وأنّ حقيقتهم النورية واحدة في أصل الخلقة والنشأة الملكوتية، وأنّهم خلقوا من طينة واحدة، مفاد (كان) التامّة.

ويكون مفاد القسم الثاني من الروايات من أنّهم في الأمر والنهي، والحلال والحرام، والطاعة والحجّية، والفضل والشجاعة واحد، مفاد (كان) الناقصة.

والله أعلم بحقائق الأُمور.

(معنى ما ورد منسوباً إليهم عليهم السلام: (أوّلنا محمّد، وأوسطنا محمّد، وآخرنا محمّد))

« جاسم رحمان عويد ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

ما هو تفسير: (أوّلنا محمّد، أوسطنا محمّد، آخرنا محمّد)؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

وردت هذه العبارة في حديث ضعيف منسوب إلى أمير المؤمنين عليه السلام نقتبس منه موضع الحاجة: (...الأئمّة من أولادي يعلمون ويفعلون هذا إذا أحبّوا وأرادوا لأنّا كلّنا واحد، أوّلنا محمّد، وآخرنا محمّد، وأوسطنا محمّد، وكلّنا محمّد فلا تفرّقوا


الصفحة 300
بيننا، ونحن إذا شئنا شاء الله، وإذا كرهنا كره الله، الويل كلّ الويل لمن أنكر فضلنا وخصوصيتنا، وما أعطانا الله ربّنا؛ لأنّ من أنكر شيئاً ممّا أعطانا الله فقد أنكر قدرة الله عزّ وجلّ ومشيته فينا...)(1) الحديث.

وورد بسند ضعيف أيضاً عن زيد الشحّام، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أيّهما أفضل الحسن أم الحسين؟ فقال: (إنّ فضل أوَّلنا يلحق بفضل آخرنا، وفضل آخرنا يلحق بفضل أوَّلنا، فكلُّ له فضل)، قال: قلت له: جعلت فداك وسِّع علَيَّ في الجواب فإنِّي والله ما سألتك إلّا مرتاداً، فقال: (نحن من شجرة برأنا الله من طينة واحدة، فضلُنا من الله، وعلمُنا من عند الله، ونحن أمناء الله على خلقه، والدُّعاة إلى دينه، والحجاب فيما بينه وبين خلقه.. أزيدك يا زيد!) قلت: نعم، فقال: (خلقُنا واحد، وعلمُنا واحد، وفضلُنا واحد، وكلُّنا واحدُ عند الله عزّ وجلّ)، فقلت: أخبرني بعدَّتكم، فقال: (نحن اثنا عشر هكذا حولَ عرش ربّنا جلّ وعزّ في مبتدأ خلقنا، أوَّلنا محمّد، وأوسطنا محمّد، وآخرنا محمّد)(2).

ولكن وردت روايات كثيرة مشهورة من أنّهم عليهم السلام خلقوا من نور واحد، وأنّ طينتهم واحدة، وأنّهم في الفضل والعلم والطاعة والأمر والنهي والحجّية واحد، جرى لهم في ذلك مثل ما جرى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فعليه لا يجوز التفريق بينهم في ذلك.

____________

1- انظر: بحار الأنوار، للمجلسي ٢٦: ٦ ــ ٧ الحديث (١)، باب نادر في معرفتهم صلوات الله عليهم بالنورانية.

2- غيبة النعماني: ٨٧ الباب (٤) ما روي في أنّ الأئمّة اثنا عشر، وانظر: المحتضر، لابن سليمان الحلّي: ٢٧٧ إنّهم أفضل الخلق أجمعين، بحار الأنوار، للمجلسي ٣٦: ٣٩٩ الحديث (٩)، باب (٤٦) ما ورد من النصوص عن الصادق عليه السلام عليهم.


الصفحة 301
الصفحة السابقةالصفحة التالية