المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 8) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج8 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 301 - ص 330)

(معنى قولهم عليهم السلام: (بنا فتح الله وبنا يختم))

« أم ّعبّاس ــ الكويت ــ إمامية »

السؤال:

من قول الإمام الحسين عليه السلام للوليد بن عتبة: (بنا فتح الله وبنا ختم).

كيف فتح الله تعالى بهم؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ورد قولهم عليهم السلام: (بنا فتح الله...):

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما عند المفيد، والطوسي، وابن بابويه، والصدوق، وابن طاووس، وابن حمّاد، والطبراني، وابن أبي الحديد، وابن ميثم، والمتّقي الهندي(1).

وعن الإمام عليّ أمير المؤمنين عليه السلام، كما عند سليم، وفرات الكوفي، والصدوق، والمفيد، وابن جرير الطبري الشيعي، وابن شعبة الحرّاني، والقاضي النعمان، والطبرسي، وعلي بن محمّد الليثي، والجاحظ، وابن عبد ربّه، وابن أبي الحديد، والمتّقي الهندي(2).

____________

1- أمالي المفيد: ٢٥١ المجلس (٢٩) الحديث (٤)، و٢٩٠ المجلس (٣٤) الحديث (٧)، أمالي الطوسي: ٢١ الحديث (٢٤)، و٦٦ الحديث (٩٦)، الإمامة والتبصرة: ٩٢ الحديث (٨١)، إكمال الدين وإتمام النعمة: ٢٣١ الباب (٢٢) الحديث (٣١)، التشريف بالمنن: ٣٢١ الحديث (٤٦٣) الباب (٢٣)، الفتن: ٢٢٩ اسم المهدي، المعجم الأوسط ١: ٥٦ باب: أحمد، شرح نهج البلاغة ٩: ٢٠٦ خطبة (١٥٧)، شرح نهج البلاغة لابن ميثم ٣: ٢٦٥ (١٥٥)، كنز العمّال ١٦: ١٩٦ الحديث (٤٤٢١٦).

2- كتاب سليم بن قيس: ١٦٠ (١٧) خطبة أمير المؤمنين عليه السلام محذراًً من الفتن، تفسير فرات: ٣٦٧ الحديث (٤٩٩)، الخصال: ٦٢٦ الحديث (١٠) باب الواحد إلى المائة، الإرشاد ١: ٢٤٠ من كلامه عليه السلام في الدعاء إلى نفسه، المسترشد: ٤٠٦ الحديث (١٣٧)، تحف العقول عن آل الرسول: ١١٥ آدابه عليه السلام لأصحابه، شرح الأخبار ٣: ٣٨٩ (١٢٦٦)، الاحتجاج ١: ٣٣٩ احتجاجه عليه السلام على ابن الكواء، عيون الحكم والمواعظ: ١٩٦ الباب (٢) الفصل (٤)، البيان والتبيين: ١٣٨ الجزء الثاني، خطبة لعليّ بن أبي طالب، العقد الفريد ٤: ١٥٧ خطب عليّ بن أبي طالب، شرح نهج البلاغة ١: ٢٧٦ خطبة (١٦)، كنز العمّال ١٤: ٥٩٢ الحديث (٣٩٦٧٩).


الصفحة 302

وعن الإمام الحسن عليه السلام، كما عند فرات الكوفي(1).

وعن الإمام الحسين عليه السلام، كما عند ابن أعثم الكوفي، وابن طاووس، والخوارزمي(2).

وعن الإمام زين العابدين عليه السلام، كما عند فرات الكوفي، والخصيبي(3).

وعن الإمام الباقر عليه السلام، كما عند الصفّار، والصدوق، والكليني، وفرات الكوفي، والطوسي، والحسين بن عبد الوهاب، وابن شهر آشوب، وابن طاووس، والحسن بن سليمان الحلّي(4).

____________

1- تفسير فرات: ٢٨٦ الحديث (٣٨٥).

2- الفتوح ٥: ١٤ ذكر الكتاب لأهل البيعة بأخذ البيعة، اللهوف في قتلى الطفوف: ١٧ في أخذ البيعة ليزيد، مقتل الحسين: ٢٦٧ الفصل التاسع.

3- تفسير فرات: ٢٨٤ الحديث (٣٨٤)، الهداية الكبرى: ٢٢٦ الباب السادس الإمام علي السجاد عليه السلام.

4- بصائر الدرجات: ٨٣ الجزء(٢) الباب (٣) الحديث (١٠)، إكمال الدين وإتمام النعمة: ٢٠٦ الحديث (٢٠) الباب الحادي والعشرون، الكافي ١: ٤٧١ الحديث (٤) باب مولد أبي جعفر عليه السلام، تفسير فرات: ٣٤٨ الحديث (٤٧٤)، أمالي الطوسي: ٦٥٣ الحديث (١٣٥٤)، عيون المعجزات: ٦٧ إمامة الباقر عليه السلام، مناقب آل أبي طالب ٣: ٣٣٦ باب إمامة أبي جعفر الباقر، فصل في معالي أُموره عليه السلام، سعد السعود: ١٠٧ ما نذكره من تفسير محمّد بن العبّاس في قوله: (ثم أورثنا الكتاب الذين...)، المحتضر: ٢٢٧ الحديث (٢٩٧).


الصفحة 303

وعن الإمام الصادق عليه السلام، كما عند المجلسي(1).

وعن الإمام الرضا عليه السلام، كما عند القمّي(2).

وظاهر الجمع بين الروايات، أنّ المراد هو أنّه بهم افتتح الله الإسلام، حيث وقع (الإسلام) أو (الدين) في بعض الروايات مفعولاً للفعل (فتح)، بقوله عليه السلام: (بنا فتح الله الإسلام)(3)، وبقوله عليه السلام: (بنا فتح الله الدين)(4)، أو قوله عليه السلام: (إن الدين بنا فتح)(5)، وفي بعض الروايات: (بنا فتح الله أوّلكم وبنا يختم آخركم)(6)، وفي بعضها يخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّ الله يختم الدين بالمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، كما أنّه فتحه بهم، قال صلى الله عليه وآله وسلم لعليّ عليه السلام عندما سأله: (يا رسول الله! العدل منّا أم من غيرنا؟)، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (بل منّا، بنا فتح الله وبنا يختم)(7)، أو عندما سأله عليه السلام: (يا رسول الله! أمنّا المهدي أو [أم] من غيرنا؟)، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (بل منّا، يختم الله به الدين كما فتحه بنا)(8)، بل كلّ الروايات التي فيها أنّه يختم بالمهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف تدلّ بالمقابلة على أنّ الإسلام بدأ بهم، وهذا واضح حيث أنّ جدّهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوّل الإسلام وأساسه، فبجدّهم بدأ الإسلام وفتح.

____________

1- بحار الأنوار ٢٦: ٢٥٩ الحديث (٣٦) باب جوامع مناقبهم عليهم السلام.

2- تفسير القمّي ٢: ١٠٤ تفسير آية النور.

3- كنز العمّال، للمتقي الهندي ١٦: ١٩٦ الحديث (٤٤٢١٦)، الاحتجاج، للطبرسي ١: ٣٣٩ احتجاجه عليه السلام على ابن الكواء.

4- تفسير فرات الكوفي: ٢٨٦ الحديث (٣٨٥)، تفسير القمّي ٢: ١٠٤ تفسير آية النور.

5- شرح الأخبار، للقاضي النعمان ٣: ٣٨٩ (١٢٦٦).

6- الكافي، للكليني ١: ٤٧١ الحديث (٥) باب مولد أبي جعفر محمّد بن عليّ عليه السلام.

7- أمالي المفيد: ٢٨٩ المجلس (٣٤) الحديث (٧).

8- عقد الدرر في أخبار المنتظر، للمقدسي: ٢٥ الباب الأوّل: في بيان أنّه من ذرية رسول اللهصلى الله عليه وسلم.


الصفحة 304

نعم، قد يكون المراد به الإشارة إلى ما في الروايات الكثيرة من أنّ أوّل ما خلق الله تعالى نورهم(1)، وفي أُخرى أن رجوع الخلق إليهم(2)، أو المراد به الإشارة إلى أنّهم علّة الخلق وغايته.

(أعمار الأئمّة عليهم السلام وإمكان العيش الطويل)

« عماد ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لو افترضنا أنّ حقّ الرئاسة الدنيوية لم يغصب من الأئمّة عليهم السلام وتسنّموا مواقعهم في المجتمع الإسلامي، ولم يزاحوا عنه إلّا بموت الإمام بقدر الله المحتوم.

عند افتراض ذلك؛ فإنّ فترة حكم الأئمّة الاثني عشر ستنتهي بعد مدّة من الزمن لا تتجاوز الألف سنة على التقادير العادية، إذا أضفنا إلى هذا الفرض الحقائق التالية:

أوّلاً: عقيدتنا بأنّ الأرض لا تخلو من حجّة وإلّا لساخت بأهلها.

ثانياً: إنّ للقيامة أجلاً محدّداً لقوله تعالى: ﴿لِوَقْتِهَا في الآية ١٨٧من سورة الأعراف.

ثالثاً: إنّ القيامة لم تقع حتّى بعد مرور ١٤٢٠ سنة على وفاة النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وهي فترة أطول من العمر الافتراضي لحكم الأئمّة عليهم السلام.

____________

1- انظر: بحار الأنوار: ج٢٥ باب: بدو أرواحهم وأنوارهم وطينتهم عليهم السلام، و ج١٥ باب: بدء خلقه صلى الله عليه وآله وسلم وما جرى له في الميثاق وبدء نوره وظهوره صلى الله عليه وآله وسلم، والكافي، للكليني ١: ٤٤٠ الحديث (٣)، و٤٤١ الحديث (٥، ٧)، و٤٤٢ الحديث (٩، ١٠).

2- انظر: من لا يحضره الفقيه، للصدوق ٢: ٦١٢ الحديث (٣٢١٣) زيارة الجامعة.


الصفحة 305

عند ذلك أيصحّ لنا أن نستنتج أنّ عمر الأئمّة عليهم السلام (كلّهم أو بعضهم) كان سيمتد ليغطي هذه الفترة وما بعدها حتّى قيام الساعة لئلا تخلو الأرض من حجّة، أم لنا أن نرفع اليد عن ظهور آية الأعراف، أم نتسامح في قضية أنّ الأرض لا تخلو من حجّة، خصوصاً مع وجود أخبار بأنّ الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف يقتل قبل أن تقوم الساعة، أم أنّ هناك تخريجاً آخر؟

أرجو الإجابة تفصيلاً عن السؤال، وجزاكم الله عن أهل البيت خير جزاء المحسنين.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ردّاً على استفساراتكم، نقول:

١ــ إنّ الأرض لا تخلو من حجّة, وهذا الأمر قطعي بما تواتر من أحاديث(1).

٢ــ استحالة الافتراق بين الأوصياء عليهم السلام وكتاب الله تبارك وتعالى, وحديث الثقلين خير شاهد على ذلك: (إنّي مخلّف فيكم ــ أو أنّي تارك فيكم ــ كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً, وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا علَيَّ الحوض)(2), إذن لا بدّ من بقائهما معاً حتّى يردا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, وتواتر الحديث قطعي.

٣ــ إنّ عدد الأئمّة الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين هو اثنا عشر إماماً وصيّاً من بعد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم, وهذا أيضاً قطعي بما تواتر من أحاديث في آل محمّد صلوات الله عليهم وسلامه وتحياته: (الأئمّة من بعدي اثنا عشر)(3).

____________

1- انظر: الكافي، للكليني ١: ١٧٨ كتاب الحجّة، باب إنّ الأرض لا تخلو من حجّة، الإمامة والتبصرة، لابن بابويه: ٢٥ باب ٢.

2- انظر: عنوان (حديث الثقلين) من هذه الموسوعة.

3- انظر: عنوان (حديث اثني عشر خليفة) من هذه الموسوعة.


الصفحة 306

٤ــ إطالة العمر يمكن أن تكون في كلّ الأئمّة الطاهرين أو بعضهم أو في واحد منهم, وهذا له أمثلة كثيرة, كما في الخضر ونوح وعيسى عليهم السلام, وكان ممكن أن يعيش أمير المؤمنين عليه السلام ما شاء الله من العمر لو لم يقتل, وما ذلك بعزيز, وهكذا بالنسبة لباقي الأئمّة الأوصياء عليهم السلام, هذا مع عدم الإخلال بالفترة التي هي ما بين بداية إمامتهم إلى نهاية الدنيا قبل القيامة, والله يقضي ما يشاء, سبحانه لا إله إلّا هو: ﴿إِنَّا كلّ شَيءٍ خَلَقنَاهُ بِقَدَرٍ _ وَمَا أَمرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمحٍ بِالبَصَرِ(1).

٥ــ إنّ الأخبار بأنّ الإمام يُقتل قبل أن تقوم الساعة (ضعيفة)؛ لأنَّا نؤمن بالرجعة التي ستكون قبل يوم القيامة, بل هناك روايات من أنّ الإمام الحسين عليه السلام يحكم مدّة أهل الكهف(2), ثمّ (يموت) أرواحنا فداه, وهذه المدّة الزمنية خاصّة للأئمّة الطاهرين الحجج التي لو خليت الأرض منهم لساخت بأهلها، كما في الحديث, ولذلك فإنّ الفترة الزمنية التي تمتدّ إلى يوم القيامة لا بدّ أن تستوعبها حياة الحجج الطاهرين حتّى لا تخلو الأرض من حجّة، سواءً أطالت المدّة أم قصرت.

٦ــ أضف إلى ذلك كلـّه؛ قدرة (الخليَّة) الإنسانية على العيش سنين طوال ما لم تهرم وتموت, والعلم الحديث والطب يؤكّد إمكانية المحافظة على الخلية التي يتألف منها جسم الإنسان إذا توفّرت لها ظروف مناسبة, وأنّ هذا متحصّل لدى الأئمّة الطاهرين المعصومين(سلام الله عليهم) بما أودعوا من علم وعصمة يمكنهم من استقصاء سبل الصحّة والعيش لأطول فترة زمنية من دون أمراض وآفات وعلل.

____________

1- القمر (٥٤): ٤٩ ــ ٥٠.

2- مختصر بصائر الدرجات، للحسن بن سليمان: ٢١٤، الاختصاص، للمفيد: ٢٥٧.


الصفحة 307

فمن هذه المقدّمات يتّضح أنّ ما فرضته من أقصى مدّة زمنية لعمر الأئمّة زمن افتراضي، وليس من المستحيل عقلاً أن تطول أعمارهم، والعلم لا يمنع ذلك.

وأمّا بقية الفروض فلا مقتضى لرفع اليد عن ظاهر آية الأعراف، ولا يمكن الاعتماد على رواية غير ثابتة بأنّ المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف يقتل قبل أن تقوم الساعة وتردّ روايات الرجعة المستفيضة.

فلم يبق إلّا فرضان يمكن تصوّرهما ولا يتعارضان مع الثوابت:

الأوّل: أن تطول أعمار الأئمّة عليهم السلام إلى نهاية العالم.

الثاني: أن يكون مقدار أعمارهم حسب العادة، ثمّ تحدث الرجعة ويرجعون إلى الدنيا إلى نهاية العالم وقيام الساعة.

(التوفيق بين انحصار عدد الأئمّة عليهم السلام بالاثني عشر واستمرار بقاء الحجّة في الأرض إلى يوم القيامة)

« علي ــ الدانمارك ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

كيف يمكننا تصوّر أنّ القيادة السياسية منحصرة بالأئمّة الاثني عشر.. مع العلم أنّ الحياة قد تمتد آلاف لسنين؟

بعبارة أُخرى: ماذا لو لم يحدث للأئمّة ما حدث.. هل كانت أعمّارهم ستمتد.. لأنّ الإمامة محصورة بهم(سلام الله عليهم)؟

وشكراً.


الصفحة 308
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

انحصار الإمامة بالأئمّة الاثني عشر عليهم السلام يستلزم أن لا يخلو الزمان بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أحدٍ منهم؛ لأنّ الأرض لا يجوز أن تخلو من حجّة لله على خلقه، فإنّها لو خلت عن الحجّة طرفة عين لساخت بأهلها، كما هو صريح عدد غير قليل من الأخبار.

نعم، يجوز أن تخلو الأرض عن بعضهم مع وجود واحدٍ منهم في كلّ عصر، ولا يشترط أن يكونوا بأجمعهم أحياء في كلّ عصر، إذ الحجّية تتحقّق بوجود فرد واحدٍ منهم لا جميعهم؛ وبالتالي ينحصر فرض بقاء واستمرار حكومتهم على نحوين:

أ ــ طول أعمّارهم عليهم السلام، أو بعضهم على الأقلّ.

ب ــ إمكانية رجعتهم بعد الموت.

وكلا النحوين ممكن التحقّق عقلاً إذا فرضنا أنّ ما وقع في الخارج من شهادة الأئمّة الأحد عشر عليهم السلام قبل المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف لم يحصل، ولكن بالنظر إلى ما وقع من شهادتهم عليهم السلام نعلم بأنّ الإمام الثاني عشر عليه السلام الذي هو آخر الأئمّة يجب أن يبقى حيّاً، ويمتد عمره إلى ما شاء الله حتّى يرث الله الأرض ومن عليها، على ما بشّر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وليس ذلك ببعيد عقلاً حتّى تستغرب أيّها الأخ العزيز!

فمن الناحية التاريخية يؤكد فالقرآن الكريم ــ الذي هو أصدق الكتب ــ على أنّ بعض الأنبياء قد أمتد عمره طويلاً، كنوح عليه السلام الذي ناهز الألف، أو الألفين من السنين.

ومن الناحية العلمية (البايولوجية)، برهن العلم الحديث على إمكانية إطالة عمر الخلايا الحيّة إلى أضعاف عمرها، بل قد أجريت تجارب في هذا المضمار على جملة من الكائنات الحيّة وتمّ التحقّق من الأمر.


الصفحة 309
وبعبارة موجزة: إنّ بقاء النوع الإنساني منوط بوجود أحد الأئمّة الاثني عشر في العصور التالية لعصر الرسالة، ولا مانع من أن يمتد عمر آخرهم آلاف السنين، وهذا يتطلّب أن يجعل الله فيه من القابليات ما يؤهله للبقاء إلى زمان الوقت المعلوم، وهو الزمان الذي يأذن الله تعالى فيه بإقامة دولة القسط والعدل العالمية، فللإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف خصوصية ليست متوفّرة لدى سائر الأئمّة عليهم السلام، وهي كونه خاتم الحجّج الإلهية، وبما أنّ سُنّة الله تعالى قد جرت على عدم جواز خلو الأرض من حجّة، وسُنّته تعالى لا تتخلّف: ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبدِيلاً(1)، فيجب أن يمتد عمر الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف حتّى يتحقّق وعد الله تعالى: ﴿وَلَقَد كَتَبنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعدِ الذِّكرِ أَنَّ الأَرضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ(2).

وهو زمان خروجه عجل الله تعالى فرجه الشريف في آخر الزمان ليملأ الدنيا قسطاً وعدلاً بعدما مُلئت ظُلماً وجوراً.

وهذا لا يتعارض مع وقوع الرجعة للأئمّة الباقين عليهم السلام، أو بعضهم إلى يوم القيامة بعد شهادة، أو وفاة الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف، وبذلك يمكن أن يتحقّق كلا النحوين السابقين.

(هل: (ما منّا إلّا مسموم أو مقتول) رواية صحيحة؟)

« كوثر الجابري ــ إمامية »

السؤال:

السلام عليكم..

____________

1- الأحزاب (٣٣): ٦٢.

2- الأنبياء (٢١): ١٠٥.


الصفحة 310
هل أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد استشهد، أم أنّه مات ميتة عادية؟

فإن كان قد استشهد ما هو الدليل.. ولماذا لا نجد المسلمين وخصوصاً نحن الشيعة يهتمّون لهذا الأمر إن كان قد استشهد؟

ثمّ إنّ هناك حديثاً مضمونه: (ما منّا إلّا وقد مات شهيداً أو مسموماً)، ونحن نجد أنّ بعض الأئمّة عليهم السلام ليسوا شهداء أو مسمومين... فإن كان الحديث صحيحاً ما هو الدليل على شهادة أو سمّ كلّ إمام (عدا الإمام عليّ والحسنين والإمام الكاظم عليهم السلام)..

وتقبلوا دعائي.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

بالنسبة للسؤال الأوّل: يمكنك مراجعة ما ذكرناه في هذه الموسوعة تحت عنوان: (النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم/ استشهاده صلى الله عليه وآله وسلم مسموماً).

وأمّا ما يخص الرواية المذكورة: فقد رويت بأسانيد متعدّدة عن الإمام الحسن الزكي، والإمام الصادق، والإمام الرضا عليهم السلام، وبعضها صحيحة الإسناد(1).

ونحن من خلال هذه الرواية ومن خلال روايات أُخر لوفاة كلّ إمام، نستدلّ على أنّهم ماتوا بالسمّ أو القتل؛ ولذا نحن نقول: إنّ كلّ المعصومين الأربعة عشر ماتوا شهداء، بمعنى القتل في سبيله سبحانه وتعالى.

____________

1- كفاية الأثر، للخزّاز: ١٦٢ ما روي عن الحسن عليه السلام، و٢٢٧ ما جاء عن الحسن من النصّ على أخيه، إعلام الورى، للطبرسي ٢: ١٣٢ الباب العاشر، الفصل الأوّل، مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب ٢: ٥١ فصل في مصائب أهل البيت عليهم السلام، أمالي الصدوق: ١٢٠ الحديث (١٠٩) المجلس الخامس عشر، عيون أخبار الرضا عليه السلام، للصدوق ٢: ٢٨٧، باب (٦٦)، من لا يحضره الفقيه، للصدوق ٢: ٥٨٥ الحديث (٣١٩٢).


الصفحة 311

نعم، تواتر ذلك بخصوص عليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين، والكاظم، والرضا عليهم السلام، وأمّا باقي الأئمّة عليهم السلام فلم تصل الروايات بسمّهم إلى حدّ التواتر، ولكن يحصل من تلك الروايات ظنّ قوّي بذلك.

(هل هم عليهم السلام مشمولون بموتة الصعق؟)

« فاطمة ــ البحرين ــ إمامية »

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلّ اللّهمّ على محمّد وآل محمّد وعجلّ فرجهم يا كريم.

أحباب الله وأتباع خيرة خلقه، بصراحة وجدت بعض العلماء الأفاضل حفظهم الله يشير إلى أنّ محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم وآل بيته الطيبين الطاهرين لا يموتون عند نفخة إسرافيل في الصور، وأنا لا أنفي ذلك ولا أقرّه! وهذا طلبي منكم ــ حفظكم الله ــ هل أنفي هذه النظرية أم أصدّقها وأقرّ بها؟

مع رجاء إرفاق دليل من القرآن أو سُنّة النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته، وإن أمكن إرشادي إلى بعض الكتب المختصّة.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ(1)؛ وقد اختلف في من هم المستثنون من الصعق:

____________

1- الزمر (٣٩): ٦٨.


الصفحة 312
فقيل: هم جبرئيل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، سادة الملائكة، فإنّهم إنّما يموتون بعد ذلك.

وقيل: هم هؤلاء الأربعة، وحملة العرش.

وقيل: هم رضوان، والحور، ومالك، والزبانية...

وقيل غير ذلك، حتّى أوصلها بعض العامّة إلى عشرة أقوال(1).

وقال العلاّمة الطباطبائي: ((وأنت خبير بأنّ شيئاً من هذه الأقاويل لا يستند إلى دليل من لفظة الآيات يصحّ الاستناد إليه))(2).

ودليل بعضها روايات وردت عن طريق العامّة لا يعوّل عليها عندنا، غير أنّه قد ورد من طرقنا في كتاب (التوحيد) للشيخ الصدوق في باب تفسير حروف المعجم في حديث طويل عن الرضا عليه السلام نقتبس منه موضع الحاجة: (...ويقول الله عزّ وجلّ: ﴿لِّمَنِ المُلكُ اليَومَ(3)، ثمّ تنطق أرواح أنبيائه ورسله وحججه فيقولون: ﴿لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ(4)...)(5) الحديث، ما يدلّ على أنّ المجيبين هم أهل خاصّة الله تعالى، وحينئذ فأجلّ المجيبين وأجدرهم بالجواب هم محمّد وآله عليها السلام. ومن ثمّ اعتبر البعض أنّ المجيبين هم الأئمّة عليهم السلام(6)، ولكن الخبر يشمل جميع أرواح أنبياء الله ورسله وحججه، مع أنّه لا يستفاد منه عدم شمولهم بموتة الصعق، لأنّ لفظ الحديث: (ثمّ تنطق أرواح أنبيائه ورسله وحججه)، ونطق الأرواح يكون بعد

____________

1- انظر: فتح الباري، لابن حجر ١١: ٣٢ باب نفخ الصور.

2- تفسير الميزان ١٧: ٢٩٣ سورة الزمر، الآيات ٦٢ ــ ٧٥.

3- غافر (٤٠): ١٦.

4- غافر (٤٠): ١٦.

5- التوحيد: ٢٣٤ باب (٣٢) الحديث (١).

6- تفسير الصراط المستقيم، للبروجردي ٣: ٤٧٧ سورة الفاتحة، أسماء القيامة.


الصفحة 313
الموت، فلعلّ الجواب كان منها بعد موت كلّ حيّ حتّى المستثنين من موتة الصعق.

ومن هنا ذكر العلاّمة الطباطبائي قدس سره وجهاً على نحو القيل أيّده بهذه الرواية: ((إنّ الموت إنّما يلحق الأجساد بانقطاع تعلّق الأرواح بها، وأمّا الأرواح فإنّها لا تموت، فالأرواح هم المستثنون استثناء متّصلاً، ويؤيّد هذا الوجه بعض الروايات المروية عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام))(1). ولكنّك ترى أنّه عمّم الاستثناء إلى كلّ الأرواح، وهذا لا ينسجم مع الرواية وأبعد عن حصره بالأئمّة عليهم السلام.

وبيّن بعض العرفاء من هم المستثنون من الصعق على مبانيهم بقولهم: إنّ للإنسان نشآت ثلاث: الجسم والنفس والعقل، وقيامات ثلاث: صغرى ووسطى وكبرى، فإنّه إذا انتقلت النفس من هذه النشأة قبض منها الوجود الطبيعي لا الوجود البرزخي أو الأخروي الصوري، فلها هناك أيضاً أنانية ومالكية ووجود، ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآَخِرَةِ أَعْمَى...(2)، فمن لم يحصل هاهنا له بذر البصيرة، لم يحصل له هناك حصاده، ولذا قالوا: المعرفة بذر المشاهدة، وأسباب انتقالاتها في كلّ موضع مسمّاة باسم، كالموت للانتقال من نشأة الجسم الطبيعي إلى نشأة النفس، ونفخة الفزع للانتقال من نشأة النفس إلى نشأة العقل أخذاً من قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ(3)، والاستثناء بالنسبة إلى من تحقّق

____________

1- تفسير الميزان ١٧: ٢٩٣ سورة الزمر، الآيات ٦٢ ــ ٧٥.

2- الإسراء (١٧): ٧٢.

3- النمل (٢٧): ٨٧.


الصفحة 314
بمضمون: (موتوا قبل أن تموتوا)، وسمع قوله تعالى: ﴿لِّمَنِ المُلكُ اليَومَ لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ قبل الآخرين، ونفخة الصعق للانتقال من نشأة العقل إلى مقام رجوع الأمر كلّه إلى الله الواحد القهار، أخذاً من قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ، والمستثنى في الآية من مات قبل أن يموت وسمع نداء ﴿لِّمَنِ المُلكُ اليَومَ لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّار فبل القيمة الكبرى...))(1).

وتفصيله مبني على أنّ نفخة الفزع قبل نفخة الصعق، وهو المشهور بين المفسّرين.

ولكنّه قد يقال: إنّ ذلك لا دليل عليه من آيات القرآن الكريم إذا لم يكن ظاهرها العكس؛ قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ، فبقرينة قوله تعالى في الآية: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ، يظهر أنّ هذه النفخة نفخة النشور وجمعهم ليوم القيامة وحضورهم عند الله تعالى، ويكون فزعهم ممّا يرونه من هول في ذلك اليوم.

فقد جاء في (الصحيفة السجادية) من دعاء الإمام السجاد عليه السلام عند ختم القرآن: (واكسنا به حلل الأمان يوم الفزع الأكبر في نشورنا)(2)، وقال تعالى: ﴿لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(3).

____________

1- شرح الأسماء الحسنى، للسبزواري ٢: ١٠٩.

2- الصحيفة السجادية: ١٧٨ (٤٢) دعائه عليه السلام عند ختم القرآن.

3- الأنبياء (٢١): ١٠٣.


الصفحة 315

ومن ثمّ فإنّ المستثنين في الآية هم الذين ذكرهم بعد آيتين: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ(1)؛ وقد روى علي بن إبراهيم القمّي عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن عمرو بن أبي شيبة، في خبر أنّه قال لأبي جعفر عليه السلام: ((جعلني الله فداك يا أبا جعفر! وأين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمير المؤمنين عليه السلام وشيعته؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: (رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليّ عليه السلام وشيعته على كثبان من المسك الأذفر على منابر من نور، يحزن الناس ولا يحزنون، ويفزع الناس ولا يفزعون)، ثمّ تلا هذه الآية: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ، فالحسنة والله ولاية عليّ عليه السلام، ثمّ قال: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ))(2). فهؤلاء هم المستثنون من نفخة الفزع، ولم يرد في شيء من الأخبار من هم المستثنون من نفخة الصعق، ولا يمكن الالتزام على نحو الجزم بأحد الأقوال التي ذكرت آنفاً، والله أعلم.

تعليق:

« محمّد جمال الديواني ــ سوريا »

في التوحيد، عن الإمام الرضا عن آبائه عن عليّ عليهم السلام في حديث، قال: (ويقول الله عزّ وجلّ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ(3)، ثمّ تنطق أرواح أنبيائه ورسله وحججه فيقولون: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ(4)، ثمّ يقول الله جلّ جلاله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ(5).

____________

1- النمل (٢٧): ٨٩.

2- تفسير القمّي ٢: ٧٧ سورة الأنبياء.

3- غافر (٤٠): ١٦.

4- غافر (٤٠): ١٦.

5- غافر (٤٠): ١٧.


الصفحة 316
هل سند هذه الرواية معتبر والمتن مقبول؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

روى الشيخ الصّدوق رحمه الله في (التوحيد) هذه الرواية بسند معتبر(1)، ولا إشكال في دلالتها، كما بيّناه آنفاً.

(لا غلوّ في الاعتقاد بحضور الأئمّة عليهم السلام عند الاحتضار)

« حمد ــ الإمارات ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

أليس الاعتقاد بحضور الإمام عليه السلام عند احتضار الإنسان المؤمن يُعد من الغلوّ؛ في حين أنّ الحضور فقط للملائكة؟

وإذا حضر أمير المؤمنين عليه السلام، فهل حضر عند وفاة الصحابة من بعده، وهل حضر وفاة المؤمنين قبل عهد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا نعرف وجه الغلوّ في ذلك! وقد دلّ على هذا المعنى روايات صحيحة صريحة متضافرة في المذهب..

____________

1- التوحيد: ٢٣٤ باب (٣٢ الحديث (١).


الصفحة 317

ويبتني على مقدّمات اعتقادية لا تدخل في الغلوّ، كالاعتقاد بالحياة البرزخية بعد الموت، وهي ثابتة للأنبياء عليهم السلام والأولياء والشهداء، وإنّ حضور الأئمّة عليهم السلام عند المحتضر ليس بالجسد المادّي، وإنّما بالجسد المثالي البرزخي أو وجودهم النوري.

وعالم البرزخ المتوسط بين الدنيا والآخرة ثابت بأدلّة كثيرة، وله قوانين تختلف عن قوانين عالمنا.

والخلقة النورية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمير المؤمنين عليه السلام، والأئمّة من ولده عليهم السلام، فيها روايات كثيرة تصل حدّ التواتر.

وإنّ الأئمّة عليهم السلام أفضل من الملائكة، ورتبتهم الوجودية الملكوتية أعلى وأقدم من جميع الكائنات، وأنّ لهم وظائف ومقامات رتّبها الله تعالى لهم في العوالم الوجودية تبعاً لمراتبهم؛ ففي الدنيا ثبت لهم منصب الإمامة والولاية العظمى، وأنّ الأعمال لا تقبل إلّا بولايتهم، وأنّ أعمال العباد تعرض عليهم، وفي الآخرة هم أصحاب الأعراف، والشهود على العباد، ولهم مرتبة الشفاعة؛ وفي مراتبهم الوجودية هم واسطة الفيض ومظاهر أسماء الله الحسنى.

فإذا أعطى الله سبحانه وتعالى القدرة للملائكة على الحضور عند المحتضر، أفلا يمكن أن يعطيها لمن هم أعلى منهم شئناً وأفضل، ولهم كلّ هذه المراتب؟!!

وأمّا حضور أمير المؤمنين عليه السلام عند احتضار الصحابة، فيوجد فيه روايات.

وأمّا حضوره عند من احتضر قبل عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنّه يحضر عند المؤمن والكافر، فيمكن استفادته من إطلاق بعض الروايات، ونصوص روايات أُخر، كما في رواية (تفسير العيّاشي): ((عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ


الصفحة 318
الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً(1)، قال: (ليس من أحد من جميع الأديان يموت إلّا رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمير المؤمنين عليه السلام حقّاً من الأوّلين والآخرين)))(2).

(توجيه روايات حضور أرواحهم في عدّة أماكن في وقت واحد)

« حنين ــ السعودية ــ إمامية »

السؤال:

كيفية وجود الأشباح الخمسة عليهم السلام عند تشيع جنازة الميّت..

وهنالك العديد من المتوفّين في الدقيقة الواحدة..

فكيف يحضرون لجميع الأموات..في نفس الدقيقة؟

كيف تتواجد سيّدتنا ومولاتنا فاطمة الزهراء عليها السلام في جميع المجالس الحسينية، وفي نفس الوقت هنالك الملايين من المجالس التي تقام في نفس الوقت وفي أماكن مختلفة؟

فكيف تحضر لجميع المجالس في نفس الوقت؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: يجب أن يثبت حضورهم عليهم السلام عند أكثر من محتضر في وقت واحد في عالم البرزخ، ولا يكفي علمنا باحتضار مجموعة أشخاص في وقت واحد في

____________

1- النساء (٤): ١٥٩.

2- تفسير العيّاشي ١: ٢٨٤ الحديث (٣٠٣) سورة النساء.


الصفحة 319
عالمنا! وأن يثبت حضورهم عليهم السلام في عدّة مجالس عزاء في وقت واحد كذلك، وهذا ما لم يثبت!

مع ملاحظة أنّ قوانين عالم المادّة في أبعاد الزمان والمكان لا تنطبق على عالم البرزخ، فإنّ له قوانينه الخاصّة، حتّى لو ثبت أنّ فيه نحو وجود للزمان والمكان، ولك أن تتعقل ذلك بالنظر إلى ما تراه في النوم من أحداث قد تطول ساعات وفي أماكن عديدة وهي لم تأخذ من نومك سوى ثوان أو دقائق، كما أثبتها العلم الحديث.

ثانياً: لو ثبت ذلك، فقد قال بعض العلماء: إنّه من الممكن أن يكون لتلك النفوس القدسية والأرواح النورية أكثر من مثال برزخي تتصرف به في ذلك العالم(1).

هذا كلّه إذا قلنا أنّهم عليهم السلام يحضرون بأجسادهم البرزخية اللطيفة، وأمّا إذا كان حضورهم بأرواحهم النورية فالأمر أوضح من ذلك، لأنّ عالم المجرّدات مهيمن ومحيط بالعوالم التي تحته وغير خاضع للزمان والمكان.

(طهارة ما يخرج منهم عليهم السلام)(١)

« حسن علي ــ أمريكا ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

إنّي أعلم أنّ دم وبول المعصوم طاهر، ولكن أريد دليل على ذلك من كتبنا الشيعية.

____________

1- بحار الأنوار، للمجلسي ٦: ٢٠٢ أبواب الموت، باب ما يعاين المؤمن والكافر عند الموت وحضور الأئمّة عليهم السلام عند ذلك...


الصفحة 320
وهل هذه فضيلة لأهل البيت عليهم السلام؟ وأنّ منكرها متسافل في العقيدة وأنّه ينقص في حقّ أهل البيت؟

هل من الممكن أن تفيدوننا، أفادكم الله؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يمكن الاستدلال على الطهارة الذاتية لمدفوعات الأئمّة عليهم السلام ودمائهم بآية التطهير التي تدلّ على خلوّهم من جميع آثار الرجس ومن جملتها النجاسة المنسوبة إلى المدفوعات والدم.

فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(1)، هو نفي الرجس عنهم على وجه المبالغة، حيث أكد ذلك بوجوه:

١ــ (إنّما) الدال على الحصر والتأكيد.

٢ــ لام التأكيد في (لِيذهِبَ).

٣ــ لفظ (الإذهاب) الدال على الإزالة بالكلّية.

٤ــ التعريف بلام الجنس في (الرجس) الذي يستلزم نفيه نفي جميع جزئياته.

٥ــ الإتيان بالمضارع الدال على الاستمرار.

٦ــ تقديم الظرف على المفعول الدال على كمال العناية والاختصاص.

٧ــ الإتيان بأهل البيت لا بأسمائهم تعظيماً لهم.

٨ــ النداء على وجه الاختصاص.

____________

1- الأحزاب (٣٣): ٣٣.


الصفحة 321

٩ــ الإتيان بالتطهير الدال على التنزيه عن كلّ دنس.

١٠ــ الإتيان بالمصدر تأكيداً.

ويمكن الاستدلال لذلك أيضاً بما ورد في الزيارة الجامعة: (عالم بأنّ الله قد طهّركم من الفواحش، ما ظهر منها وما بطن، ومن كلّ ريبة ونجاسة ودنية ورجاسة)(1).

وكذلك ما روي في (الكافي) عن أبي جعفر عليه السلام: أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال لمولى لبني بياضة لمّا حجمه وشرب دمه: (أين الدم؟) قال: شربته يا رسول الله! فقال: (ما كان ينبغي لك أن تفعل، وقد جعله الله عزّ وجلّ لك حجاباً من النار، فلا تعد)(2)، بعد تسرية الحكم لبقية الأئمّة عليهم السلام بالقول بعدم الفصل، وأنّ الحكم إذا ثبت لأحد المعصومين ثبت للكلّ وأنّ حكمهم واحد.

ومثلها ما في (طب الأئمّة عليهم السلام) لابني بسطام: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له: (أخذت أماناً من الأوجاع والأسقام والفقر والفاقة، والله ما تمسّك النار أبداً)(3)، ولكنّها ضعيفة السند.

هذا، ولكن لا تلازم بين الطهارة الذاتية لهذه الأُمور من الأئمّة عليهم السلام وأنّها فضيلة لهم، وبين جواز مباشرتها، ولذا أفتى مشهور علماء الشيعة بوجوب الاجتناب عنها تمسّكاً بعمومات الاجتناب وروايات غسل الأئمّة عليهم السلام لبولهم ودمائهم.

فالحكم في هذه المسألة ــ أي وجوب الاجتناب عنها ــ تابع لِما يستنبط من الأدلّة الفقهية الخاضعة للقواعد المقررّة في علمي الأصول والفقه، ولا علاقة لها بنقص العقيدة وتمامها بالنسبة لمقام الأئمّة المعصومين عليهم السلام.

____________

1- المزار، للمشهدي: ٢٩٤ زيارة جامعة لسائر الأئمّة عليهم السلام.

2- الكافي، للكليني ٥: ١١٦ الحديث (٣)، باب كسب الحجّام.

3- طب الأئمّة: ٥٦ منافع الحجامة.


الصفحة 322

(طهارة ما يخرج منهم عليهم السلام)(٢)

« أمّ فاطمة ــ العراق ــ إمامية »

السؤال:

ما رأيكم بقول هذا المدعي:

((إليكم بعضاً من فقه الشيعة, اقرأوا واحكموا بأنفسكم, هل ما تقرؤنه من الإسلام في شيء، هذا مع العلم أنّ جرائم الشيعة في مسائل العقيدة أشنع من ذلك وأفظع:

بول الأئمّة وغائطهم سبب دخول الجنّة:

((ليس في بول الأئمّة وغائطهم استخباث ولا نتن ولا قذارة، بل هما كالمسك الأذفر، بل من شرب بولهم وغائطهم ودمهم يحرم الله عليه النار واستوجب دخول الجنّة))(أنوار الولاية لآية الله الآخوند ملا زين العابدين الكلبايكاني ١٤٠٩هـ ــ ص٤٤٠).

فساء وضراط الأئمّة كريح المسك:

قال أبو جعفر: (للإمام عشر علامات: يولد مطهراً مختوناً، وإذا وقع على الأرض وقع على راحته رافعاً صوته بالشهادتين، ولا يجنب، وتنام عينه ولا ينام قلبه، ولا يتثاءب ولا يتمطى، ويرى من خلفه كما يرى من أمامه، ونجوه (فساؤه وضراطه وغائطه) كرائحة المسك))(الكافي ١/٣٨٨ كتاب الحجّة ــ باب مواليد الأئمّة))).

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


الصفحة 323
إنّ هذه المسألة بفروعها طرحت أوّلاً عند أهل السُنّة بخصوص النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ثمّ طرحت عند الشيعة بما يشمل الأئمّة المعصومين عليهم السلام، فهي ليست من مختصّات الشيعة، بل الأصل فيها كبار فقهاء العامّة؛ إذ المشهور عندهم: إنّ من مختصّات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طهارة دمه وبوله وغيرها من مدفوعات جسمه الشريف ــ سيأتي نقل بعض كلماتهم ــ ووافقهم مجموعة من علماء الخاصّة.

والمنقول عن مشهور الشيعة: وجوب الاجتناب عنها، تمسّكاً بظاهر الأدلّة، وإنّ الدليل على عكسه لم يثبت.

ونقل العلاّمة الإشكال فيه في (منتهى المطلب)، فقال: ((في نجاسة دم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إشكال ينشأ من أنّه دم مسفوح، ومن أنّ أبا طيبة الحجّام شربه ولم ينكر عليه. وكذا في بوله عليه السلام من حيث أنّه بول، ومن أنّ أُمّ أيمن شربته))(1).

وقال في (نهاية الأحكام): ((والأقرب نجاسة بول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وغائطه، للعموم. وروي أنّ أُمّ أيمن شربت بوله، فقال: (إذن لا تلج النار بطنك)...

ــ إلى أن قال ــ : وأمّا دم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فالأقرب أنّه كذلك، للعموم، وروي أنّ أبا ظبية الحاجم شرب دمه فلم ينكر عليه. وروي أنّه قال: (لا تعد)))(2).

وقال المقداد السيوري في (التنقيح الرائع): ((بول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عندنا أنّه نجس للعموم، وقال الشافعي: طاهر، لأنّ أُمّ أيمن شربته ولم ينكر ذلك عليه السلام. قلنا: روي أنّه أنكر. قالوا: روي أنّه لم ينكر. قلنا: المثبت يقدم على النافي كما تقرّر في الأصول))(3).

____________

1- منتهى المطلب ٣: ١٩٤ نجاسة الدم المسفوح، الفرع الخامس.

2- نهاية الأحكام ١: ٢٦٧ المقصد الثالث: النجاسات، وانظر: تذكرة الفقهاء ١: ٤٩، ٥٧، ذكرى الشيعة، للشهيد الأوّل ١: ١١٧ في ذكر الأعيان النجسة، مسائل: الأولى.

3- التنقيح الرائع لمختصر الشرائع ١: شرح ص ١٤٣، وانظر: روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان، للشهيد الثاني ١: ٤٣٣، ٤٣٤، كشف الالتباس عن موجز أبي العبّاس، للصيمري ١: ٣٩٢ أصناف النجاسات.


الصفحة 324
وقال الشيخ محمّد حسن الجواهري عند عدّه للنجاسات: (((البول والغائط)... (من) كلّ (ما لا) يجوز أن (يؤكل لحمه) من سائر أصناف الحيوان حتّى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من الإنسان، إذ لم يثبت أنّه أقرّ أُمّ أيمن على شرب بوله، وإن قيل: إنّه قال صلى الله عليه وآله وسلم لها: (إذن لا تلج النار بطنك)، فما عن الشافعي في قول له بطهارته لذلك غير صحيح))(1).

واستدلّ من سرّى حكم طهارة هذه الأُمور إلى المعصومين بعد التسليم بطهارتها من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بعدم القول بالفصل، فإذا ثبت الحكم لأحد المعصومين ثبت للكلّ عليهم السلام، وللنصوص الواردة في أنّهم خلقوا من طينة واحدة ونور واحد.

ولكن في دلالة آية التطهير على ذلك كفاية بما لا يحتاج فيه إلى التمسّك بما تقدّم، فدلالة دخول الألف واللام على الرجس في الإطلاق الشامل للطهارة الباطنية والظاهرية تامّة، فضلاً عن التأكيد في قوله تعالى: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(2) في آخرها.

وقد ورد في الروايات ما يستفاد منه ذلك، كما في الزيارة الجامعة: (إنّ الله طهّركم من الفواحش ما ظهر منها وما بطن ومن كلّ ريبة ورجاسة ودنية ونجاسة)(3)، وغيرها.

وحقّ الكلام أن نقول: إنّ في المسألة ثلاث جهات:

الأولى: طهارة جسد المعصوم الذاتية بما يشمل دمه وفضلاته وجسده بعد الموت بما يقابل الخباثة الذاتية للكلب والخنزير والخمر مثلاً. وفي آية التطهير والروايات دلالة قاطعة على ذلك.

____________

1- جواهر الكلام ٥: ٢٧٣ في النجاسات وأحكامها.

2- الأحزاب (٣٣): ٣٣.

3- المزار، للمشهدي: ٢٩٤ زيارة جامعة لسائر الأئمّة عليهم السلام.


الصفحة 325
الثانية: وجوب الاجتناب عن ذلك؛ لحكم ومصالح شتّى تمسكاً بالعمومات وروايات غسل المعصومين عليهم السلام لبولهم ودمائهم، إذ لا ملازمة بين الحرمة ووجوب الاجتناب وبين الخباثة الذاتية، كما ورد النهي عن أكل التربة الحسينية زائداً على مقدار الحمّصة مع أنّها طاهرة بلا ريب(1).

وما جاء في مكاتبة الإمام الصادق عليه السلام للقاسم بن الصيقل عند سؤاله عن غُسل أمير المؤمنين عليه السلام حين غسّل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند وفاته؟

فأجابه: (النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم طاهر مطهّر، ولكن أمير المؤمنين عليه السلام فعل، وجرت به السُنّة)(2).

قال أقا رضا الهمداني في (مصباح الفقيه): ((والذي تقتضيه القواعد التعبّديّة: التجنّب عنها في المأكول والمشروب والصلاة ونحوها من الأُمور المشروطة بالطهارة، فلعلّ حكمته الاطّراد في الحكم أو غيره من الحكم المقتضية للاجتناب، لا الاستقذار، فليس علينا البحث عن تحقيق السبب بعد إطلاق الأمر بإزالة البول عن الثوب عند إرادة الصلاة، والنهي عن شربه، ولم يثبت ما يقتضي التقييد...))(3).

الثالثة: ثبوت الآثار التكوينية في هذه الأشياء من المعصومين عليهم السلام، من كون رائحتها كالمسّك الأذفر، وحصول الشفاء وعدم المرض عند تناولها، أو الآثار الأخروية من الأمن من دخول النار واستلزام دخول الجنّة؛ وهو ما تشير إليه المرويات العديدة عند أهل السُنّة ــ كما سيأتي ــ وما روي عندنا في (الكافي)

____________

1- وسائل الشيعة، للحرّ العاملي ١٤: ٥٢٨ باب تحريم أكل الطين حتّى طين قبور الأئمّة عليهم السلام.

2- تهذيب الأحكام، للطوسي ١: ١٠٧ الحديث (٢٨١).

3- مصباح الفقيه ٧: ٨ نجاسة البول والغائط.


الصفحة 326
عن أبي جعفر عليه السلام: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لمولى بني بياضة الحجّام لمّا حجمه وشرب دمه: (أين الدم؟) قال: شربته يا رسول الله، فقال: (ما كان ينبغي لك أن تفعل وقد جعله الله عزّ وجلّ لك حجاباً من النار، فلا تعد)(1).

وما فيه أيضاً عن أبي جعفر عليه السلام في علامات الإمام العشر التي أوردها السائل في سؤاله(2).

وما في (طب الأئمّة) لابني بسطام: عن أبي طيبة الحجّام أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له لمّا شرب دمه: (أخذت أماناً من الأوجاع والأسقام والفقر والفاقة، والله ما تمسّك النار أبداً)(3).

وأمّا الكلام في هذه المسألة عند أهل السُنّة:

فقد روى أهل السُنّة الكثير من الأحاديث التي تنص على شرب بول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من قبل الصحابة، مثل: أُمّ أيمن(4)، وأُمّ يوسف بركة(5)، أو غيرهما(6)، وقال لهما

____________

1- الكافي، للكليني ٥: ١١٦ الحديث (٣) باب كسب الحجّام.

2- الكافي، للكليني ١: ٣٨٨ الحديث (٨) باب مواليد الأئمّة عليهم السلام.

3- طب الأئمّة: ٥٦ منافع الحجامة.

4- المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٤: ٦٣ ذكر أُمّ أيمن مولاة رسول الله، المعجم الكبير، للطبراني ٢٥: ٨٩ ما أسندت أُمّ أيمن، مجمع الزوائد، للهيثمي ٨: ٢٧١ باب صفته صلى الله عليه وآله وسلم، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٤: ٣٠٣ بركة وتكنى أمً أيمن، أسد الغابة، لابن الأثير ٥: ٥٦٧ أمّ أيمن، دلائل النبوة، لأبي نعيم ١: ٤٤٤ الحديث (٣٦٥).

5- السنن الكبرى، للبيهقي ٧: ٦٧ باب تركه الإنكار على من شرب بوله ودمه، المعجم الكبير، للطبراني ٢٤: ١٨٩ أُميمة بنت رقيقة، الآحاد والمثاني ٦: ١٢١ الحديث (٣٣٤٢)، الاستيعاب، لابن عبد البر ٤ ١٧٩٤ (٣٢٥٢)، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٦٩: ٥٠ (٩٣٩٠)، أسد الغابة، لابن الأثير ٥: ٤٠٣ أمية بنت رقيقة، الإصابة، لابن حجر ٨: ٤٧(١٠٩٢)، و٨: ٤٩٢ (١٢٣٠).

6- انظر: مجمع الزوائد، للهيثمي ٨: ٢٧٠ باب منه في الخصائص، المعجم الكبير، للطبراني ٢٤: ٢٠٦ برة خادم أُمّ سلمة.


الصفحة 327
النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّك لا تتجعين بطنك أبداً)، أو(لا تلج النار بطنك)، والكثير من الأحاديث في شرب الصحابة لدم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من الحجامة، كابن الزبير(1)، وسفينة(2)، ومولى بني بياضة أبو هند الحجّام(3)، وأبو طيبة الحجّام(4)، وغلام لبعض قريش(5)، ومالك والد أبي سعيد الخدري(6)، وكان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إمّا يضحك معهم، أو يقول: (لا تمسّك النار)، أو (أحرزت نفسك من النار).

وكذلك ذكروا: طيب ريح عرقه، وأنّه كالمسك الأذفر، وأطيب من المسك(7).

____________

1- المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ٥٥٣ ذكر عبد الله بن الزبير، حلية الأولياء، لأبي نعيم ١: ٣٢٩ عبد الله بن الزبير، جزء ابن غطريف: ١٠٤ الحديث(٦٥)، مسند البزّار ٦: ١٦٩ الحديث(٢٢١٠)، السنن الكبرى، للبيهقي
٧: ٦٧ باب تركه الإنكار على من شرب بوله ودمه، سنن الدارقطني ١: ٤٢٨ الحديث(٨٨٢) باب بيان الموضع الذي يجوز فيه الصلاة.

2- السنن الكبرى، للبيهقي ٧: ١٨٠ باب تركه الإنكار على من شرب بوله ودمه، أمالي المحاملي: ٤٤٢ الحديث (٥٢٦)، المعجم الكبير، للطبراني ٧: ٨١ سفينة أبو عبد الرحمن مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الكامل، لابن عدي ٢: ٦٤ (٢٩٦)، تاريخ ابن خثيمة ٢: ٦٨٩ الحديث(٢٨٦٦).

3- معرفة الصحابة، لأبي نعيم ٣: ١٣٦٤ الحديث(٣٤٤٣)، معرفة الصحابة، لابن مندة ١: ٧١٧ سالم بن أبي سالم الحجّام، الفردوس، للديلمي ٤: ٣٩٦ الحديث (٧١٤٥)، الاستيعاب، لابن عبد البر ٢: ٥٦٩ (٨٨٢).

4- عمدة القاري، للعيني ٣: ٣٥ باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ١٠: ١٨٣ خطبة (١٩٠).

5- المجروحين، لابن حبّان ٣: ٥٩ ترجمة نافع أبو هرمز، تلخيص الحبير، لابن حجر
١: ١٧٩ حديث: أنّ أبا طيبة الحجّام شرب دم رسول الله.

6- سنن سعيد بن منصور ٢: ٢٢١ الحديث (٢٥٧٣)، دلائل النبوة، للبيهقي ٣: ٢٦٦ باب شدة رسول اللهصلى الله عليه وسلم في البأس، الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض
١: ٦٤ فصل: وأما نظافة جسمه، المعجم الأوسط، للطبراني ٩: ٤٧ مسعدة.

7- انظر: سنن الدارمي ١: ٣١ باب في حسن النبيّصلى الله عليه وسلم، كنز العمّال، للمتّقي الهندي ٧: ١٧٥، ١٧٧، الطبقات الكبرى، لابن سعد ١: ٤١٠ ذكر صفة خلق رسول اللهصلى الله عليه وسلم، أنساب الأشراف، للبلاذري١: ٣٩٤ صفة رسول اللهصلى الله عليه وسلم، دلائل النبوة، لأبي نعيم ١: ٦٠٧ الحديث (٥٥٤).


الصفحة 328

وقال القاضي عياض المالكي في (الشفا): ((وقد حكى بعض المعتنين بأخباره وشمائله صلى الله عليه وسلم: أنّه كان إذا أراد أن يتغوط انشقت الأرض فابتلعت غائطه وبوله وفاحت لذلك رائحة طيّبة صلى الله عليه وسلم...

إلى أن قال: فقد قال قوم من أهل العلم بطهارة هذين الحدثين منهصلى الله عليه وسلم، وهو قول بعض أصحاب الشافعي حكاه الإمام أبو نصر بن الصباغ في شامله، وقد حكى القولين عن العلماء في ذلك أبو بكر بن سابق المالكي في كتابه (البديع في فروع المالكية وتخريج ما لم يقع لهم منها على مذهبهم من تفاريع الشافعية)، وشاهد هذا: أنّهصلى الله عليه وسلم لم يكن منه شيء يكره ولا غير طيب))(1).

وقال السهيلي المالكي في (الروض الأنف): ((وذكر أنّ ابن مالك سنان مصّ دم رسول اللهصلى الله عليه وسلم وازدرده، وقد فعل مثل ذلك ابن الزبير، وهو غلام حزور حين أعطاه رسول اللهصلى الله عليه وسلم دم محاجمه ليدفنه فشربه، فقال له النبيّصلى الله عليه وسلم كما قال لمالك حين ازدرد دم جرحه: (من مس دمه دمي، لم تصبه النار). لكنّه قال لابن الزبير: (ويل لك من الناس وويل للناس منك). ذكره الدارقطني في السنن، وفي هذا من الفقه أنّ دم رسول اللهصلى الله عليه وسلم يخالف دم غيره في التحريم، وكذلك بوله قد شربته أُمّ أيمن حين وجدته في إناء من عيدان تحت سريره، فلم ينكر ذلك عليها، وذلك والله أعلم للمعنى الذي بيناه في حديث نزول الملكين عليه حين غسلا جوفه بالثلج في طست الذهب، فصار بذلك من المتطهرين...))(2) الخ.

____________

1- الشفا بتعريف حقوق المصطفى ١: ٦٣ فصل: وأمّا نظافة جسمه.

2- الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام ٣: ١٦٥ غزوة أحد، من مص دم رسول اللهصلى الله عليه وسلم.


الصفحة 329
وقال الزرقاني المالكي في شرحه على (المواهب اللدنية): ((وفي هذه الأحاديث دلالة على طهارة بوله ودمه صلى الله عليه وسلم؛ لأنّه لم يأمر واحداً منهم بغسل فمه، ولا نهاه عن عودة، قاله عياض، ((قال النووي في شرح المهذّب: واستدلّ من قال بطهارتهما بالحديثين المعروفين، أنّ أبا طيبة الحجّام حجمه صلى الله عليه وسلم، وشرب دمه، ولم ينكر عليه، وأنّ امرأة شربت بوله صلى الله عليه وسلم، فلم ينكر عليها))، قال عياض: وشاهد هذا أنّه صلى الله عليه وسلم لم يكن منه شيء يكره، ولا غير طيب، ((وحديث أبي طيبة ضعيف))، أي: شربه الدم، وإلّا فحجامته للنبيّصلى الله عليه وسلم في الصحيحين من حديث أنس، وجابر، وغيرهما، ((وحديث شرب المرأة البول صحيح))، يعني: أُمّ أيمن؛ لأنّها التي ((رواه الدارقطني)) أنّها شربت بوله، كما مرّ قريباً، ((قال: وهو حديث حسن صحيح))، نحوه قول عياض في الشفاء: حديث المرأة التي شربت بوله صلى الله عليه وسلم صحيح, ألزم الدارقطني مسلماً والبخاري إخراجه في الصحيح. انتهى، لكن تعقّب بأنّ الدارقطني قال في علله: إنّه مضطرب, جاء عن أبي مالك النخعي وهو ضعيف، وذلك ((كافٍ في الاحتجاج لكلّ الفضلات قياساً، ثمّ قال)) النووي: ((إنّ القاضي حسيناً قال بطهارة الجميع، انتهى)). أي: جميع فضلاته، وبه جزم البغوي وغيره، واختاره كثير من متأخّري الشافعية، وصحّحه السبكي، والبارزي، والزركشي، وابن الرفعة، والبلقيني، والقاياتي، قال الرملي: وهو المعتمد خلافاً لِما صحّحه الرافعي، وتبعه النووي: إنّ حكمهما منه كغيره، وحمل الأخبار على التداوي، وردّ بحديث: (لن يجعل الله شفاء أُمّتي فيما حُرِّمَ عليها)، وحمل تنزهه صلى الله عليه وسلم منها على الاستحباب ومزيد النظافة، ((وبهذا قال أبو حنيفة كما قاله العيني))، وقطع به ابن العربي من المالكية، وعمّمه بعض متأخّريهم في جميع الأنبياء...))(1).

____________

1- شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمّدية ٥: ٥٥١ المقصد الثالث: فيما فضّله الله تعالى به، الفصل الأوّل.


الصفحة 330
ونقل الخرشي المالكي في شرحه على (مختصر خليل) قول ابن هارون في الخلاف في طهارة ميتة الآدمي: ((وهذا الخلاف لا يدخل عندي أجساد الأنبياء، بل يجب الاتّفاق على طهارة أجسادهم، وقد قيل بطهارة الخارج منه عليه الصلاة والسلام، فكيف بجسده الكريم، انتهى. وفي عبارة أُخرى: والخلاف في غير الأنبياء، وأمّا هم فأجسادهم بل جميع فضلاتهم طاهرة))(1).

وقال الدسوقي المالكي في حاشيته على (الشرح الكبير) للدردير: ((ولا يدخل الخلاف أجساد الأنبياء، إذ أجسادهم بل جميع فضلاتهم طاهرة اتّفاقاً حتّى بالنسبة لهم، لأنّ الطهارة متى ثبتت لذات فهي مطلقة، واستنجاؤهم تنزيه وتشريع ولو قبل النبوّة، وإن كان لا حكم إذ ذاك، لاصطفائهم من أصل الخلقة))(2).

وقال العيني الحنفي في (عمدة القاري): ((وقد اخترق بعض الشافعية، وكاد أن يخرج عن دائرة الإسلام، حيث قال: وفي شعر النبيّصلى الله عليه وسلم وجهان، وحاشا شعر النبيّ عليه الصلاة والسلام من ذلك، وكيف قال هذا وقد قيل بطهارة فضلاته فضلاً عن شعره الكريم؟!

ــ إلى أن قال ــ: وقال بعض شرّاح البخاري في بوله ودمه وجهان، والأليق الطهارة، وذكر القاضي حسين في العذرة وجهين، وأنكر بعضهم على الغزالي حكايتهما فيها، وزعم نجاستها بالاتّفاق.

____________

1- شرح مختصر خليل ١: ٨٩ باب الطهارة، فصل في بيان الطاهر والنجس، وانظر: مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، للرعيني ١: ٩٩ كتاب الطهارة، فصل الطاهر أنواع.

2- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١: ٥٤ باب أحكام الطهارة، فصل: بيان الأعيان الظاهرة والنجسة.


الصفحة 331
الصفحة السابقةالصفحة التالية