المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 8) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج8 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 331 - ص 360) قلت: يا للغزالي من هفوات حتّى في تعلّقات النبيّ عليه الصلاة والسلام، وقد وردت أحاديث كثيرة أن جماعة شربوا دم النبيّ عليه الصلاة والسلام، منهم: أبو طيبة الحجام، وغلام من قريش حجم النبيّ عليه الصلاة والسلام، وعبد الله بن الزبير شرب دم النبيّ عليه الصلاة والسلام، رواه البزّار، والطبراني، والحاكم، والبيهقي، وأبو نعيم في (الحلية).

ويروى عن عليّ رضي الله عنه أنّه شرب دم النبيّ عليه الصلاة والسلام، وروي أيضاً أنّ أُمّ أيمن شربت بول النبيّصلى الله عليه وسلم، رواه الحاكم، والدارقطني، والطبراني، وأبو نعيم.

وأخرج الطبراني في (الأوسط) في رواية سلمى امرأة أبي رافع أنّها شربت بعض ماء غسل به رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال لها: (حرم الله بدنك على النار).

وقال بعضهم: الحقّ أنّ حكم النبيّ عليه الصلاة والسلام، كحكم جميع المكلّفين في الأحكام التكليفية، إلّا فيما يخصّ بدليل.

قلت: يلزم من هذا أن يكون الناس مساويين للنبيّ عليه الصلاة والسلام، ولا يقول بذلك إلّا جاهل غبي، وأين مرتبته من مراتب الناس؟! ولا يلزم أن يكون دليل الخصوص بالنقل دائماً، والعقل له مدخل في تميز النبيّ عليه الصلاة والسلام، من غيره في مثل هذه الأشياء، وأنا اعتقد أنّه لا يقاس عليه غيره، وإن قالوا غير ذلك فأذني عنه صمّاء))(1).

____________

1- عمدة القاري ٣: ٣٥ الحديث (٣٣)، وانظر: شرح الشفا للقاري ١: ١٦٨ الباب الثاني، فصل: وأمّا نظافة جسمه...، جمع الوسائل في شرح الشمائل، للقاري ٢: ٢ باب: ما جاء في تعطّر رسول اللهصلى الله عليه وسلم، مرقاة المفاتيح، لعلي القاري ٢: ١٦٠ الحديث (٣) باب أحكام المياه، البناية شرح الهداية، للعيني ١: ٤٢٤ كتاب الطهارات، الأعيان الطاهرة.


الصفحة 332
وقال ابن عابدين الحنفي في (حاشية ردّ المحتار على الدر المختار): ((صحّح بعض أئمّة الشافعية طهارة بوله [ صلى الله عليه وآله وسلم] وسائر فضلاته، وبه قال أبو حنيفة، كما نقله في المواهب اللدنية على شرح البخاري للعيني، وصرّح به البيري في شرح الأشباه. وقال الحافظ ابن حجر: تضافرت الأدلّة على ذلك، وعدّ الأئمّة ذلك من خصائصه [ صلى الله عليه وآله وسلم]. ونقل بعضهم عن شرح المشكاة لملا على القاري، أنّه قال: اختاره كثير من أصحابنا، وأطال في تحقيقه في شرحه على الشمائل في باب ما جاء في تعطّره عليه الصلاة والسلام))(1).

وقال النووي الشافعي في (المجموع): ((وأمّا بوله صلى الله عليه وسلم ودمه ففيهما وجهان مشهوران عند الخراسانيين، وذكر القاضي حسين وقليل منهم في العذرة وجهين، ونقلهما في العذرة صاحب البيان عن الخراسانيين، وقد أنكر بعضهم على الغزالي طرده الوجهين في العذرة، وزعم أنّ العذرة نجسة بالاتّفاق، وأنّ الخلاف مخصوص بالبول والدم، وهذا الإنكار غلط، بل الخلاف في العذرة نقله غير الغزالي، كما حكيناه عن القاضي حسين وصاحب البيان وآخرين، وأشار إليه إمام الحرمين وآخرون، فقالوا في فضلات بدنه صلى الله عليه وسلم كبوله ودمه وغيرهما وجهان.

وقال القفّال في شرح التلخيص في الخصائص: قال بعض أصحابنا: جميع ما يخرج منه صلى الله عليه وسلم طاهر، قال: وليس بصحيح، فهذا نقل القفّال وهو شيخ طريقة الخراسانيين وعليه مدارها.

____________

1- حاشية ردّ المحتار على الدر المختار ١: ٣٤٤ مطلب في طهارة بولهصلى الله عليه وسلم، وانظر: العقود الدرّية في تنقيح الفتاوى الحامدية، لابن عابدين ٢: ٣٣١ مسائل وفوائد شتّى، فائدة: من مات على الكفر أبيح لعنه إلّا والدي رسول اللهصلى الله عليه وسلم.


الصفحة 333
واستدلّ من قال بنجاسة هذه الفضلات بأنّهصلى الله عليه وسلم كان يتنزه منها، واستدلّ من قال بطهارتها بالحديثين المعروفين: أنّ أبا طيبة الحاجم حجمهصلى الله عليه وسلم وشرب دمه ولم ينكر عليه، وأنّ امرأة شربت بولهصلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليها، وحديث أبي طيبة ضعيف، وحديث شرب المرأة البول صحيح، رواه الدارقطني وقال: هو حديث صحيح، وهو كافٍ في الاحتجاج لكلّ الفضلات قياساً.

وموضع الدلالة: أنّه صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليها ولم يأمرها بغسل فمها ولا نهاها عن العود إلى مثله.

وأجاب القائل بالطهارة عن تنزههصلى الله عليه وسلم عنها: إنّ ذلك على الاستحباب والنظافة.

والصحيح عند الجمهور نجاسة الدم والفضلات، وبه قطع العراقيون، وخالفهم القاضي حسين، فقال: الأصحّ طهارة الجميع، والله أعلم))(1).

وقال ابن حجر العسقلاني الشافعي: ((والحقّ أنّ حكمه حكم جميع المكلّفين في الأحكام التكليفية إلّا فيما خصّ بدليل، وقد تكاثرت الأدلّة على طهارة فضلاته، وعدّ الأئمّة ذلك في خصائصه))(2).

وقال في موضع آخر: ((وطعن بعضهم في الاستدلال بحديث الفرك على طهارة المني، بأنّ مني النبيّصلى الله عليه وسلم طاهر دون غيره كسائر فضلاته))(3).

____________

1- المجموع شرح المهذب ١: ٢٣٣ كتاب الطهارة، فرع: المذهب الصحيح القطع بطهارة شعر رسول اللهصلى الله عليه وسلم، وانظر: روضة الطالبين، للنووي ١: ١٢٦ كتاب الطهارة، باب: بيان النجاسات والماء النجس، و٥: ٣٦٠ كتاب النكاح، الضرب الرابع: ما اختصّ به رسول اللهصلى الله عليه وسلم.

2- فتح الباري ١: ٢٣٧ باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان.

3- فتح الباري ١: ٢٨٧ باب غسل المني وفركه وغسل ما يصيب من المرأة.


الصفحة 334
وقال الشربيني الشافعي في (الإقناع): ((هذه الفضلات من النبيّ[ صلى الله عليه وآله وسلم] طاهرة، كما جزم به البغوي وغيره، وصحّحه القاضي وغيره، وهو المعتمد خلافاً لما في الشرح الصغير.

والتحقيق: أنّها ليست من النجاسة، لأنّ بركة الحبشية شربت بوله [ صلى الله عليه وآله وسلم]، فقال: (لن تلج النار بطنك)، صحّحه الدارقطني.

وقال أبو جعفر الترمذي: دم النبيّ[ صلى الله عليه وآله وسلم] طاهر؛ لأنّ أبا طيبة شربه، وفعل مثل ذلك ابن الزبير وهو غلام حين أعطاه النبيّ[ صلى الله عليه وآله وسلم] دم حجامته ليدفنه فشربه، فقال له[ صلى الله عليه وآله وسلم]: (من خالط دمه دمي لم تمسّه النار)))(1).

وعلى هذا كثير من فقهاء الشافعية(2).

وقال عبد الرحمن بن قدامة الحنبلي في (الشرح الكبير) في مسألة تجريد الميت مع ستر العورة: ((فأمّا النبيّصلى الله عليه وسلم فذلك خاص له، ألا ترى أنّهم قالوا: نجرده كما نجرد موتانا كذلك روته عائشة، قال ابن عبد البرّ: روي ذلك عنها من وجه صحيح، فالظاهر أنّ تجريد الميت فيما عدا العورة كان مشهوراً عندهم ولم يكن هذا ليخفى عن النبيّصلى الله عليه وسلم، بل الظاهر أنّه كان بأمره لأنّهم كانوا ينتهون إلى رأيه ويصدرون عن أمره في الشرعيات، واتّباع أمره وفعله أولى من اتّباع غيره، ولأنّ ما

____________

1- الإقناع في حلّ ألفاظ أبي شجاع ١: ٨٠ فصل في إزالة النجاسة، وانظر: مغني المحتاج ١: ٧٩ باب النجاسة.

2- انظر: الفتاوى الكبرى الفقهية، لابن حجر الهيتمي ٤: ٥١ باب الوليمة، كفاية الطالب في خصائص الحبيب، للسيوطي ٢: ٢٥٢ باب اختصاصهصلى الله عليه وسلم بطهارة دمه وبوله وغائطه، حواشي الشيرواني على تحفة المحتاج ١: ٢٩٦ باب النجاسة وإزالتها، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، للشافعي ١: ٢٤٢ باب النجاسة وإزالتها.


الصفحة 335
يخشى من تنجيس قميصه بما يخرج منه كان مأموناً في حقّ النبيّصلى الله عليه وسلم لأنّه طاهر حيّاً وميّتاً بخلاف غيره))(1).

وقال ابن مفلح الحنبلي في (شرح المقنع): ((وغسله [ صلى الله عليه وآله وسلم] في قميص من خصائصه، واحتمال المفسدة منتفية في حقّه، لأنّه طيب حيّاً وميّتاً))(2).

وقال البهوتي الحنبلي في (كشّاف القناع): ((فقاموا إليه [ صلى الله عليه وآله وسلم] فغسّلوه وعليه قميص يصبّون الماء فوق القميص، ويدلكون بالقميص دون أيديهم، رواه أحمد وأبو داود. ولأنّ فضلاته كلّها طاهرة، فلم يخش تنجيس قميصه))(3).

ومع وجود هذه الروايات عندكم وكلّ هذه الأقوال من أربع مذاهبكم، وتعدية بعضكم ذلك ليشمل كلّ الأنبياء، بدليل اصطفائهم وعصمتهم الذاتية، ألا يحقّ لبعض علماء الشيعة الذين أفتوا بالمسألة أن يعمموها إلى أئمّة أهل البيت عليهم السلام، مع وجود نصّ قرآني مطلق يصلح للاستدلال على الشمول، وهو آية التطهير، إضافة إلى ما عندهم من روايات خاصّة بمذهبهم.

وبالتالي فإنّ الاستشناع إمّا أن يكون في أصل القضية، وتتقززوا منها على نحو الكلّية دون استثناء نبيّ أو رسول أو وإمام، فأنتم أولى بالشفعة، وإمّا أن تكون سائغة مقبولة وليست ممجوجة أو مستقبحة في الكلّ، فلا يجوز حينئذ

____________

1- الشرح الكبير على متن المقنع ٢: ٣١٦ كتاب الجنائز، فصل: تجريد الميت مع ستر العورة، وانظر: المغني، لابن قدامة ٢: ٣١٦ كتاب الجنائز: تجريد الميت مع ستر العورة.

2- المبدع في شرح المقنع ٢: ٢٢٩ كتاب الجنائز، فصل في غسل الميّت، وانظر: شرح الزركشي ٢: ٢٨٠ كتاب الجنائز، غسل الميّت.

3- كشّاف القناع ٢: ١٠٧ كتاب الجنائز، فصل غسل الميّت، وانظر: مطالب أولى النهى في شرح غاية المنتهى، لمصطفى السيوطي ١: ٨٥٣ كتاب الجنائز، فصل غسل الميّت المسلم.


الصفحة 336
التهريج بها على بعض الشيعة لوجودها بعينها بلا فرق عند كلّ مذاهبكم، فالمسألة مشتركة والقضية واحدة، فيجب أن يكون الموقف واحداً.

وأمّا التشنيع على هذا البعض من الشيعة في خصوص تعديتهم المسألة إلى الأئمّة من أئمّة أهل البيت عليهم السلام، فهو لا يخلو من التجني، بل الصقاعة! إذ حقّ البحث عندئذ يجب أن يكون على أصل مبناهم في اصطفاء الأئمّة من أئمّة أهل البيت عليهم السلام، وعصمتهم ومساواتهم للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك، ومنا قشة أدلّتهم وردّها.

وفوق كلّ ذلك فإنّ هذه المسألة كما عرفت شاذة عند الشيعة، ومشهورهم حكموا بوجوب الاجتناب، ولا يصحّ التشنيع على مذهب ما بشواذه والإغماض عن مشهوره، خاصّة من قبل مستشنع يلتزم مشهور علمائه ومذاهبه بما استشنع به، فإنّه يكون مصداقاً للمثل القائل: ((رمتني بدائها وانسلّت)).

ويتّضح بهذا أنّ الاستشناع على الشيعة نابع من جهل، بل أصله من التعصّب والهوى وما في القلب من حسيكة.

وأمّا قوله: ((فساء وضراط... كريح المسك))، وكذلك العلامات العشرة للإمام عليه السلام..

فنقول: أمّا مسألة النجو فهي تدخل فيما تقدّم من كلامنا عن فضلات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وتعديتها إلى سائر الأنبياء والأئمّة عليهم السلام، فلا جديد في المسألة.

والقول في رائحتها الزكية، هي كالقول في رائحة عرق وفضلات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الزكية بخلاف سائر البشر العاديين، فلا غرابة في ذلك مطلقاً.

ولعلّ منشأ هذه الاستغرابات اعتقاد الوهابية وأمثالهم بأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وسائر إخوانه من الأنبياء والرسل عليهم السلام هم بشر مثلنا، ولا يجوز نسبة شيء لهم خلاف الطبع البشري، والتشنيع بها على الشيعة وأئمّتهم نابع عمّا يعتمل في قلوبهم من النصب.


الصفحة 337
وما قاله هذا المستشكل شاهد على جرأتهم وسوء أدبهم مع أهل بيت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ــ الذين أوصى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بمودّتهم واحترامهم ــ فجعل عنواناً غير موجود في الحديث، قال: ((فساء وضراط...))!! أمّا الرواية ففيها: (ونجوه كريح المسك)، وهذا العنوان يدلّ على قلّة أدبه ودينه هو وأمثاله!

ونختم الكلام في هذه المسألة بما نقله القاضي عياض في (الشفا) بقوله: ((وقد حكى بعض المعتنين بأخباره وشمائله صلى الله عليه وسلم أنّه كان إذا أراد أن يتغوّط انشقت الأرض فابتلعت غائطه وبوله وفاحت لذلك رائحة طيّبة صلى الله عليه وسلم، وأسند محمّد بن سعد كاتب الواقدي في هذا خبراً عن عائشة أنّها قالت للنبيّصلى الله عليه وسلم: إنّك تأتي الخلاء فلا نرى منك شيئاً من الأذى! فقال: (يا عائشة! أو ما علمت أنّ الأرض تبتلع ما يخرج من الأنبياء فلا يرى منه شيء)))(1).

وأمّا بالنسبة لسائر هذه العلامات والخصائص، فكأصل كلّي، نقول: إن ثبتت للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أو لأحد من البشر فهي ممكنة في حقّ أهل البيت عليهم السلام، فلا يجوز التشنيع حينها! فوقوعها لبشر وإكرامه بها يدلّ على إمكان تحقّقها فيه وفي غيره، وخصوصاً في مثل أهل البيت عليهم السلام، وإذا كان هناك مجال للنقاش فإنّه يجب أن يكون في دليل مساواتهم عليهم السلام للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الخصائص، وحتّى لو قلنا بعدم وقوعها له صلى الله عليه وآله وسلم، فلا يجوز التهريج بإنكارها ورمي من يعتقد بها بالغلوّ، خصوصاً مع وصولها إلينا بأسانيد صحيحة وكثيرة وطرق متعدّدة في كتبنا.

هذا؛ ولنتكلّم على ما ورد في الرواية بالترتيب:

____________

1- الشفا بتعريف حقوق المصطفى ١: ٦٣، فصل: وأمّا نظافة جسمه.


الصفحة 338
أمّا مسألة ولادة الأئمّة عليهم السلام مختونين، فقد صرّحوا بولادة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مختوناً، ووردت عندهم فيه روايات كثيرة(1)، حتّى قال الحاكم في مستدركه: ((وقد تواترت الأخبار أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولد مختوناً مسروراً))(2). وقال ابن الجوزي: ((لا شكّ أنّه ولد مختوناً))(3).

وقال المناوي في (فيض القدير): ((وبفرضه ــ بفرض صحّة حديث ولادته صلى الله عليه وآله وسلم مختوناً ــ ليس ذا من خصائصه فقد عدّ في الوشاح اثني عشر نبيّاً ولدوا مختونين))(4)، بل تكلّم عامّة الفقهاء على حكم من يولد مختوناً من سائر الناس، هل يجب إمرار الموسى عليه أم يستحبّ؟ وتضعيفهم لطرق حديث ولادة النبيّصلى الله عليه وسلم مختوناً لا ينافي تسليمهم بإمكانه، كيف وقد سلّموا بوقوعه للناس العاديين! كما عرفت))(5).

فلا ندري بعد هذا كلّه سبب استغرابهم واستبشاعهم إثباتنا ذلك لأئمّة الهدى من أهل بيت المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بعد ورود روايات كثيرة عندنا في وقوعه؟! بل الأدهى من ذلك والأَمرّ أنّهم يثبتون ذلك للدجّال!

____________

1- المعجم الأوسط ٦: ١٨٨ باب الميم (محمّد)، والمعجم الصغير، للطبراني ٢: ٥٩ باب الميم (محمّد)، الاستيعاب، لابن عبد البر ١: ٥١ محمّد رسول الله، كنز العمّال، للمتّقي الهندي ١١: ٤٥٤ الحديث (٣٢١٣٤)، و١٢: ٤٢٦ الحديث (٣٥٤٨٥، ٣٥٥١٩، ٣٥٥٢٠، ٣٥٥٢١، ٣٥٥٢٧)، الطبقات الكبرى، لابن سعد ١: ١٠٣ ذكر مولد رسول اللهصلى الله عليه وسلم، تاريخ بغداد، للخطيب ١: ٣٤٦ الحديث (٢٣٧)، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٣: ٨٠ باب ذكر مولده، و٣: ٤١٠ ــ ٤١٤ باب ذكر مولده وطيب أصله، أخبار أصفهان، لأبي نعيم ١: ١٥٦، دلائل النبوة، للبيهقي ١: ١١٣، باب تزوج عبد الله بن عبد المطّلب.

2- المستدرك على الصحيحين ٢: ٦٠٢ كتاب تواريخ المتقدّمين من الأنبياء والمرسلين، يوم ولادته صلى الله عليه وآله وسلم يوم الاثنين.

3- العلل المتناهية ١: ١٦٦ الحديث (٢٦٤).

4- فيض القدير شرح الجامع الصغير ٦: ٢٢ الحديث (٨٢٥٩).

5- زاد المعاد، لابن القيّم ١: ٨٠ فصل في ختانه.


الصفحة 339
فقد قال المزّي ــ تلميذ ابن تيمية ــ في (تهذيب الكمال): ((وعبد الله بن صياد الذي ولد مختوناً مسروراً، فأتاه النبيّصلى الله عليه وسلم، فقال: قد خبأت لك خبئاً، فقال: الدخ، فقال: اخسأ لن تعدو قَدَرك، وهو الذي قيل: إنّه الدجّال))(1)، وما عشت أراك الدهر عجباً!!

وأمّا مسألة تشهّد الإمام حين ولادته، فهو أمر ممكن وغير مستحيل، وقع في المعجزات والكرامات للأنبياء والأولياء، قال سبحانه وتعالى حكاية عن قصّة مريم وابنها عليهما السلام: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ _ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ(2)، وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً...(3) الآية، وقال تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً _ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً...(4)، وقد ثبت في الصحيح عندهم من رواية أبي هريرة حصر من تكلّم في المهد بثلاثة(5)، وروي

____________

1- تهذيب الكمال ٢١: ٢٥٠ (٤١٨٨) ترجمة عمّارة بن عبد الله، وانظر: مسند أحمد ابن حنبل ٥: ٥٢ حديث أبي بكرة، المصنّف، لابن أبي شيبة ٨: ٦٦١ الحديث (٧٤) ما ذكر في فتنة الدجّال، مسند ابن راهويه ٤: ١٧٨ الحديث (١٩٦٧، الكامل، لابن عدي ٣: ٤٣٣ (٨٥٠)، أُسد الغابة، لابن الأثير ٣: ١٨٧ عبد الله بن صياد، الإصابة
٥: ١٤٨ (٦٦٢٦)، وتهذيب التهذيب، لابن حجر ٧: ٣٦٧ (٦٨٢).

2- آل عمران (٣): ٤٥، ٤٦.

3- المائدة (٥): ١١٠.

4- مريم (١٩): ٢٩، ٣٠.

5- صحيح البخاري ٤: ١٤٠ كتاب بدأ الخلق، باب: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا...)، صحيح مسلم ٨: ٤ كتاب البرّ والصلة، باب برّ الوالدين على التطوع بالصلاة.


الصفحة 340
عن ابن عبّاس أنّهم أربعة(1)، وأضافوا صاحب الأُخدود فأصبحوا خمسة(2)، بل ذكروا أنّهم ستّة وسبعة حتّى أوصلوهم إلى العشرة.

قال ابن حجر في (فتحه) في باب قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا...(3): ((ثم ذكر المصنّف ــ أي البخاري ــ في الباب عشرة أحاديث: أوّلها حديث أبي هريرة في قصّة جريج الراهب وغيره، والغرض منه ذكر الذين تكلّموا في المه د، وأورده في ترجمة عيسى لأنّه أوّلهم (قوله: لم يتكلّم في المهد إلّا ثلاثة)، قال القرطبي: في هذا الحصر نظر، إلّا أن يحمل على أنّه صلى الله عليه وسلم قال ذلك قبل أن يعلم الزيادة على ذلك، وفيه بعد، ويحتمل أن يكون كلام الثلاثة المذكورين مقيّداً بالمهد وكلام غيرهم من الأطفال بغير مهد، لكنّه يعكر عليه أنّ في رواية ابن قتيبة: إنّ الصبي الذي طرحته أُمّه في الأخدود كان ابن سبعة أشهر، وصرّح بالمهد في حديث أبي هريرة، وفيه تعقب على النووي في قوله: إنّ صاحب الأخدود لم يكن في المهد، والسبب في قوله هذا ما وقع في حديث ابن عبّاس عند أحمد والبزّار وابن حبّان والحاكم: لم يتكلّم في المهد إلّا أربعة، فلم يذكر الثالث الذي هنا، وذكر شاهد يوسف والصبي الرضيع الذي قال لأُمّه وهي ماشطة بنت فرعون لمّا أراد فرعون إلقاء أُمّه في النار: اصبري يا أمة فأنا على

____________

1- مسند أحمد بن حنبل ٦: ٣١٠ مسند عبد الله بن عبّاس، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٢: ٤٩٦ تفسير سورة التحريم، المعجم الكبير، للطبراني ١١: ٣٥٧ سعيد بن جبير عن ابن عبّاس، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري ١٢: ٢٥٣ سورة يوسف.

2- مسند أحمد بن حنبل ٦: ١٧ حديث صهيب، صحيح مسلم ٨: ٣٢١، باب قصّة أصحاب الأخدود.

3- مريم (١٩): ١٦.


الصفحة 341
الحقّ، وأخرج الحاكم نحوه من حديث أبي هريرة، فيجتمع من هذا خمسة، ووقع ذكر شاهد يوسف أيضاً في حديث عمران بن حصين، لكنّه موقوف.

وروى ابن أبي شيبة من مرسل هلال بن يساف مثل حديث ابن عبّاس، إلّا أنّه لم يذكر ابن الماشطة.

وفي صحيح مسلم من حديث صهيب في قصّة أصحاب الأخدود: أنّ امرأة جيء بها لتلقى في النار أو لتكفر ومعها صبي يرضع فتقاعست، فقال لها: يا أمه اصبري فإنّك على الحقّ.

وزعم الضحّاك في تفسيره أنّ يحيى تكلّم في المهد، أخرجه الثعلبي، فإن ثبت صاروا سبعة.

وذكر البغوي في تفسيره: أنّ إبراهيم الخليل تكلّم في المهد، وفي سير الواقدي: إنّ النبيّصلى الله عليه وسلم تكلّم أوائل ما ولد، وقد تكلّم في زمن النبيّصلى الله عليه وسلم مبارك اليمامة، وقصّته في دلائل النبوّة للبيهقي من حديث معرض ــ بالضاد المعجمة ــ والله أعلم))(1). ونظمهم السيوطي أحد عشر صبياً(2).

وبالتالي فثبوت نطق نبيّ أو إنسان عادي وهو طفل قد وقع فعلاً، ويمكن أن يحصل مستقبلاً، فلا يأتي أحد بعد ذلك ويهرّج باستحالة ذلك، أو أنّه غلوّ، وما إلى ذلك، ثمّ ينفي ذلك عن أفضل البشرية بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع ثبوته بالنقل الصحيح عندنا.

____________

1- فتح الباري ٦: ٣٤٤، باب قوله تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا...).

2- نواهد الأبكار وشوارد الأفكار/حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي ٢: ٥٢٥ سورة آل عمران، قوله: قيل تكلمت صغيرة.


الصفحة 342
وأمّا مسألة عدم الجنابة بقوله: ((ولا يجنب))، فالمعنى الأقرب أنّ المراد به (لا يحتلم)، وقد ثبت ذلك للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عند كبار علماء أهل السُنّة وعدّوه من خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم، وعلّلوه: بأنّ الاحتلام من الشيطان، وهو معصوم منه.

قال النووي في شرحه على قول عائشة وأُمّ سلمة: ((يصبح جنباً من غير حلم)) في صحيح مسلم: ((وفيه دليل لمن يقول بجواز الاحتلام على الأنبياء، وفيه خلاف قدّمناه، الأشهر امتناعه، قالوا: لأنّه من تلاعب الشيطان وهم منزّهون عنه، ويتأوّلون هذا الحديث على أنّ المراد: يصبح جنباً من جماع، ولا يجنب من احتلام لامتناعه منه))(1).

وقال في (تهذيب الأسماء واللغات) عند ذكره لخصائص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((واختلفوا ــ أي أصحابه الشافعية ــ في جواز الاحتلام، والأشهر امتناعه))(2).

ونقل ابن حجر في (فتحه) عن القرطبي فيما ذكره من الفائدة الثانية المستفادة من هذا الحديث: ((والثاني: إنّ ذلك كان من جماع لا من احتلام، لأنّه كان لا يحتلم، إذ الاحتلام من الشيطان وهو معصوم منه)).

ثمّ قال ابن حجر: ((وقال غيره [أي: غير القرطبي] في قولها [أي: عائشة، أو أُمّ سلمة] من غير احتلام، إشارة إلى جواز الاحتلام عليه، وإلّا لما كان للاستثناء معنى،

____________

1- شرح صحيح مسلم ٧: ٢٢١ صحّة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب.

2- تهذيب الأسماء واللغات ١: ٤٢ ترجمة رسول اللهصلى الله عليه وسلم، فصل في خصائصه، وانظر: روضة الطالبين ٥: ٣٦١ كتاب النكاح، ما اختص به رسول اللهصلى الله عليه وسلم، غاية السؤول في خصائص الرسول، لابن الملقن: ٢٩٠ النوع الرابع، القسم الثاني، المسألة الخامسة والثلاثون.


الصفحة 343
وردّ بأنّ الاحتلام من الشيطان وهو معصوم منه، وأجيب: بأنّ الاحتلام يطلق على الإنزال، وقد وقع الإنزال بغير رؤية شيء في المنام))(1).

وقال ابن قدامة في (المغني) عند استدلاله لطهارة فرج المرأة بهذا الحديث: ((أنّ عائشة كانت تفرك المني من ثوب رسول اللهصلى الله عليه وسلم وهو من جماع، فإنّه ما احتلم نبيّ قطّ))(2).

وقال ابن الصلاح عند كلامه على الرؤيا الشيطانية: ((ومن هذا النوع الاحتلام فإنّه من الشيطان، ولهذا لا تحتلم الأنبياء عليهم السلام))(3).

واعتبر السيوطي عدم الاحتلام خصيصة من خصائص الأنبياء؛ لأنّ الاحتلام من الشيطان فلم يسلّط عليهم(4).

وأنت ترى أنّهم علّلوه بعصمة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأنبياء عليهم السلام عن تلاعب الشيطان بهم، وقد ثبت عندنا عقلاً ونقلاً عصمة الأئمّة من أهل البيت عليهم السلام، بل في دلالة آية التطهير كفاية، فضلاً عن أدلّة مساواتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك، وما وصلنا من روايات عديدة بعضها صريحة في ذكر العلّة.

____________

1- فتح الباري ٤: ١٢٣، ١٢٤، باب الصائم يصبح جنباً، وانظر: عمدة القاري، للعيني ١١: ٤، باب الصائم يصبح جنبا، شرح الزرقاني على الموطأ ٢: ٢٣٥ الحديث (٦٣٩ ــ ٦٤٢)، باب ما جاء في صيام الذي يصبح جنباً في رمضانً.

2- المغني، لابن قدامة ١: ٧٣٢، باب الصلاة بالنجاسة وغير ذلك.

3- فتاوى ابن الصلاح: ١٤٣ ــ ١٤٤ القسم الأوّل في شرح آيات من كتاب الله تعالى، مسألة في قوله تبارك وتعالى: (الله يتوفى الأنفس حين موتها...).

4- تنوير الحوالك: ٧١، باب غسل المرأة إذا رأت في المنام مثل ما يرى الرجل، وانظر: أسنى المطالب في شرح روض الطالب ٣: ١٠٦ كتاب النكاح، الباب الأوّل في خصائص النبيّصلى الله عليه وسلم.


الصفحة 344

ففي (الكافي): ((عن الأقرع قال: كتبت إلى أبي محمّد أسأله عن الإمام هل يحتلم؟ وقلت في نفسي بعد ما فصل الكتاب: الاحتلام شيطنة وقد أعاذ الله تبارك وتعالى أولياءه من ذلك.

فورد الجواب: حال الأئمّة في المنام حالهم في اليقظة لا يغير النوم منهم شيئاً، وقد أعاذ الله أولياءه من لمّة الشيطان كما حدّثتك نفسك))(1).

وكذا مسألة النوم في قوله: ((وتنام عينه ولا ينام قلبه))، فهذا أيضاً قد ثبت للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عند أهل السُنّة من رواية البخاري: عن جابر، وعائشة، وأنس(2).

وفي رواية أنس عدّاه إلى سائر الأنبياء، ففيها: ((والنبيّ نائمة عيناه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم))، ومن رواية مسلم عن عائشة(3)، وعن سفيان(4).

ورواه أحمد عن أبي هريرة(5)، وعن عائشة(6)، وأبو داود السجستاني عن عائشة(7)، والترمذي عن عائشة(8)، وغيرهم، ولم يقل أحد أنّه غلوّ، ولم ينكره، ولم يستقبحه أحد!

____________

1- الكافي، للكليني ١: ٥٠٩ الحديث (١٢) باب مولد أبي محمّد الحسن بن عليّ عليه السلام.

2- صحيح البخاري ٢: ٤٨، باب التهجّد بالليل، و٤: ١٦٨، باب كان النبيّصلى الله عليه وسلم تنام عينه ولا ينام قلبه.

3- صحيح مسلم ٢: ١٦٦، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبيّصلى الله عليه وسلم.

4- صحيح مسلم ٢: ١٨٠، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه.

5- مسند أحمد بن حنبل ٢: ٢٥١، ٤٣٨ مسند أبي هريرة.

6- مسند أحمد بن حنبل ٦: ٣٦، ٧٣ حديث عائشة.

7- سنن أبي داود ١: ٣٠١ الحديث (١٣٤١).

8- سنن الترمذي ١: ٢٧٥ الحديث (٤٣٧).


الصفحة 345
فما وجه الاستنكار إذا أثبتناه لأهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم، وهم عليهم السلام منه، وأخص الناس به، بعد أن وردت به الأدلّة عندنا؟ ألم يرد في رواية أنس الآنفة في البخاري: (وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم)، فإذا ثبت ذلك للأنبياء عليهم السلام، فأيّ ضير أن يثبت للأئمّة من أهل البيت عليهم السلام وهم ليسوا بأدنى مرتبة منهم؟

بل أنّكم أثبتموه لغير الأنبياء والأولياء، إذ يروي أحمد والترمذي(1) وغيرهما، بأنّ الدجّال قد وصفه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (تنام عينه ولا ينام قلبه)!! فإن ثبت ذلك للدجّال من دون أي استهجان منكم! فلماذا هذا الاستهجان حين يوصف أهل البيت عليهم السلام بهذه الميزة!! فما لكم كيف تحكمون؟!!

وأمّا مسألة التثاؤب والتمطي، فهما من المكروهات عموماً، فقد روى أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم(2)، بأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان يكره التثاؤب، وكان ينهى عنه، وكان يقول بأنّه من الشيطان، وأنّه يدخل الشيطان في فيه عند التثاؤب، وأنّه يضحك منه الشيطان حين تثاؤبه، ويكره أن يتمطّى الرجل في الصلاة أو عند العشاء إلّا أن يكون عند أهله(3)، ولأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان أبعد الخلق عن الشيطان، فقد ثبت أنّه لا يتثاءب ولا يتمطى أيضاً.

____________

1- مسند أحمد بن حنبل ٥: ٤٠، ٤٩، ٥٢ حديث أبي بكرة، سنن الترمذي ٣: ٣٥٣ الحديث (٢٣٥٠)، باب ما جاء في ذكر ابن صياد.

2- مسند أحمد بن حنبل ٢: ٢٦٥، ٣٩٧، ٤٢٨، ٥١٧ عن أبي هريرة، و٣: ٣١، ٣٧، ٩٣، ٩٦ عن أبي سعيد الخدري، صحيح البخاري ٤: ٩٥ كتاب بدء الخلق، و٧: ١٢٤ كتاب الأدب، صحيح مسلم ٨: ٢٢٥ كتاب الزهد، باب تشميت العاطس وكراهة التثاؤب، سنن الدارمي ١: ٣٢١ كتاب الصلاة، باب التثاؤب في الصلاة، المصنّف، لعبد الرزّاق ٢: ٢٦٩ الحديث (٣٣١٨)، و٢: ٢٧٠ الحديث (٣٣٢٥)، السنن الكبرى، للبيهقي ٢: ٢٨٩، باب كراهية التثاؤب في الصلاة وغيرها، صحيح ابن حبّان ٦: ١٢١ باب الحدث في الصلاة، كراهة التثاؤب في الصلاة.

3- الجزء الثالث من فوائد أبي علي الصواف انتقاء علي بن محمّد الدارقطني (مخطوط): ٢٣ الحديث (٨٨)، وانظر: الجامع الصغير، للسيوطي ٢: ٧٠٩ الحديث (٩٥٦٤).


الصفحة 346
قال ابن حجر في (فتح الباري): ((ومن الخصائص النبوّية ما أخرجه ابن أبي شيبة والبخاري في التاريخ من مرسل يزيد بن الأصم، قال: ما تثاءب النبيّصلى الله عليه وسلم قط. وأخرج الخطّابي من طريق مسلمة بن عبد الملك بن مروان، قال: ما تثاءب نبيّ قط، ومسلمة أدرك بعض الصحابة وهو صدوق، ويؤيّد ذلك ما ثبت أنّ التثاؤب من الشيطان، ووقع في (الشفاء) لابن سبع أنّهصلى الله عليه وسلم كان لا يتمطّى لأنّه من الشيطان، والله أعلم))(1).

وقال البهوتي في (كشاف القناع): ((وكان لا يتثاءب؛ لأنّه من الشيطان والله عصمه منه))(2). وكذلك كلّ عبد مؤمن بعيد عن الشيطان قريب من الرحمن بمداومة ذكره وعدم الغفلة عن صلته، وهذا ثابت لأهل البيت عليهم السلام قطعاً لعصمتهم، ناهيك عن ثبوت ذلك من الروايات بحقّهم عليهم السلام.

وأمّا مسألة أنّهم يرون من خلفهم كما يرون من إمامهم، فهذه الصفة أيضاً ممّا ثبت للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقد روى البخاري ومسلم عن أنس قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أقيموا الصفوف فإنّي أراكم خلف ظهري)(3)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أقيموا صفوفكم وتراصّوا فإنّي أراكم من وراء ظهري)(4)، أو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (فو الله إنّي لأراكم من بعدي)، وربّما قال:

____________

1- فتح الباري ١٠: ٥٠٦ كتاب الأدب، باب إذا تثاءب، وانظر: المصنّف، لابن أبي شيبة ٢: ٣١٧ في التثاؤب في الصلاة.

2- كشاف القناع ٥: ٣٥ كتاب النكاح، فصل في خصائص النبيّصلى الله عليه وسلم.

3- صحيح البخاري ١: ١٧٦، باب تسوية الصفوف عند الإقامة وبعدها، صحيح مسلم ٢: ٣٠، باب تسوية الصفوف وإقامتها، وفيه (أتمّوا).

4- صحيح البخاري ١: ١٧٦، باب إقبال الإمام على الناس عند تسوية الصفوف، ١: ١٧٧، باب إلزاق المنكب والقدم بالقدم في الصف، وانظر: مسند أحمد بن حنبل ٣: ٣ مسند أبي سعيد الخدري، و٣: ١٠٣، ١٢٥، ٢٢٩، ٢٦٣ مسند أنس ابن مالك، سنن النسائي ٢: ٩٢ حث الإمام على رص الصفوف والمقاربة بينها.


الصفحة 347
(من بعد ظهري)(1)، وفي رواية أُخرى لمسلم: (فإنّي أراكم أمامي ومن خلفي)(2)، وفي رواية للحاكم: (إنّكم ترون أنّي لا أراكم إنّي والله لأرى من خلف ظهري كما أرى من بين يدي)(3).

وما كان ذلك إلّا لِما مَنّ الله عليه من قوّة نفسه الشريفة، وهو أمر قد ثبت بالدليل، ولا مانع من ثبوته لغيره من النفوس القوّية، كالأنبياء والأئمّة من أهل البيت عليهم السلام، خاصّة إذا كان من لوازم الإمامة، وقد وردت عندنا روايات تثبت لهم عليهم السلام ذلك، فلماذا تستكثرون عليهم هذه الخصائص إن كنتم مؤمنين؟!

وأمّا المسألة الأخيرة في هذه الرواية وهي قوله: ((ونجوه كريح المسك))، فقد تكلّمنا عن هذا الأمر آنفاً مفرداً، ولكنّنا نحبّ أن نعلّق على تعليقهم على قوله عليه السلام: (ونجوه) بقولهم: ((فساؤه وضراطه وغائطه))، كما عنونوا بذلك هذه الرواية كاملة، وجعلوا علامات الإمام العشر التي يتميّز بها ويختص، تحت عنوان: (فساء وضراط الأئمّة كريح المسك).

فنقول لهؤلاء: إنّكم والله سيئوا الأدب بشكل لا يتصوّر، ولا خلاق لكم حينما تستهزؤن بأئمّة أهل البيت عليهم السلام المجمع على عدالتهم وإمامتهم في الدين والتقى، وتتجرأون في القدح بهم لأجل إغاضة أتباعهم وشيعتهم، كما يفعل شيخ

____________

1- مسند أحمد بن حنبل ٣: ١٣٠، ٢٧٩ مسند أنس بن مالك، صحيح البخاري
١: ١٨١ كتاب الأذان، باب الخشوع في الصلاة، صحيح مسلم ٢: ٢٨، باب الأمر بتحسين الصلاة وإتمامها.

2- صحيح مسلم ٢: ٢٨، باب النهي عن سبق الإمام بركوع أو سجود ونحوهما، وانظر: مسند أحمد بن حنبل ٣: ١٠٢، ١٢٦، ١٥٤، ٢١٧، ٢٤٠ مسند أنس بن مالك.

3- المستدرك على الصحيحين ١: ٢٣٦ كتاب الإمامة وصلاة الجماعة، وانظر: مسند أحمد بن حنبل ٢: ٤٤٩ مسند أبي هريرة.


الصفحة 348
النواصب ابن تيمية، فهذا الأسلوب الوقح يدلّ على خبث سريرة وبغض حقيقي داخلي لا تستطيعون البوح به؛ لأنّه مخالف حتّى لمذهبكم من وجوب حبّ أهل البيت عليهم السلام وتوقيرهم وإكرامهم، ومخالف لطريقة علماء أهل السُنّة عند كلامهم في هذه المسألة، ولكن كلّ إناء بالذي فيه ينضح!!

ومن ثمّ نقول: إنّ الرواية تذكر النجو وهي الريح والفضلات كما فسّرها أهل اللغة، ولكنّهم لسخافتهم يذكرون ألفاظاً مستقبحة في عرفنا ويومنا، ليؤذوا به أتباع أهل البيت عليهم السلام، ولكن أهل البيت عليهم السلام لا يضرّهم مذمّة أمثال هؤلاء واستهزاؤهم, وقد ذكرنا ثبوت هذه الصفات كلّها للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ولسائر أنبياء الله تعالى، فهل يستطيع هؤلاء أن يعنونوا بهذا العنوان وعلى هذا الشكل من الاستهزاء، حينما يذكرون هذه الأُمور وهذه الصفات لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟!! أم أنّ جميع العلماء قد ذكروا ذلك بالكناية والأدب في مدحه صلى الله عليه وآله وسلم وخصائصه وعظمته وعصمته وخلوّه من المنفرات وإثبات الصفات الحميدة له صلى الله عليه وآله وسلم!

فأين هؤلاء النواصب الجهلة من أولئك الأعلام الذين تعاملوا مع هذه الروايات بكلّ احترام وأدب ودين، يا من لا يملك شيئاً سوى الحقد والبغض والنصب والشيطنة والنفاق!! فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الملأ كما في صحيح مسلم وغيره على لسان عليّ عليه السلام: (والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة إنّه لعهد النبيّ الأّمّيصلى الله عليه وسلم إليَّ أن لا يحبّني إلّا مؤمن، ولا يبغضني إلّا منافق)(1).

وكذلك فإنّ الأئمّة عليهم السلام عندنا عترة النبيّ وأهل بيته ينوبون عنه صلى الله عليه وآله وسلم، ويكملون مسيرته، ويقودون الأُمّة على صراط مستقيم وإلى طريق الهداية والجنّة، فهم منه

____________

1- صحيح مسلم ١: ٦١ كتاب الإيمان، سنن النسائي ٨: ١١٦ الحديث (٥٠١٨) كتاب الإيمان، علامة الإيمان.


الصفحة 349
وهو منهم، وهم الأئمّة المنصّبون من الله بعده إذ لا نبيّ بعده صلى الله عليه وآله وسلم، وهم طاهرون مطهّرون بنصّ القرآن، ومع القرآن الذي لا يمسّه إلّا المطهّرون لا يفارقونه إلى يوم القيامة كما نص على ذلك في حديث الثقلين، فأثبت لهم كلّ شيء وصفة له صلى الله عليه وآله وسلم حاشا النبوّة؛ لأنّه صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين وسيّد الرسل أجمعين.

ولكن: لقد أسمعت لو ناديت حيّاً ولكن لا حياة لمن تنادي!!

تعليق (١):

« علي ــ البحرين ــ إمامي»

يقول أهل السُنّة: إنّ حديث أُمّ أيمن ضعيف، فكيف نردّ عليهم؟

هل يمكن إعطانا مصدر الحديث الذي تصححه.

الجواب:

السلام علي كم ورحمة الله وبركاته..

إنّ في قضية شرب بول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عدّة أحاديث مرّت الإشارة إليها في أصل الجواب، والمعروف منها حديثان:

الأوّل: وفيه أنّ الشاربة كانت أُمّ أيمن، رواه الحاكم(1)، والطبراني(2)،

وأبو نعيم(3)، والطبري(4)، بطرقهم عن شبابة بن سوار، عن أبي مالك النخعي، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزي، عن أُمّ أيمن. وهذا الطريق ضعيف بأبي مالك النخعي، واسمه عبد الملك بن الحسين، كان متروك الحديث.

____________

1- المستدرك على الصحيحين ٤: ٦٣ ذكر أمّ أيمن مولاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

2- المعجم الكبير ٢٥: ٨٩ ما أسندت أُمّ أيمن.

3- دلائل النبوّة ١: ٤٤٤ الحديث (٣٦٥).

4- المنتخب من ذيل المذيل: ١١٢ ذكر أسماء من عاش بعد رسول اللهصلى الله عليه وسلم من النساء المؤمنات.


الصفحة 350
قال فيه ابن حجر في (التهذيب): ((قال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء، وقال عمرو بن علي: ضعيف منكر الحديث، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال أبو داود: ضعيف، وقال النسائي: ليس بثقة ولا يكتب حديثه.

قلت: وقال الأزدي والنسائي أيضاً: متروك الحديث، وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم))(1).

وفي السند علّة أُخرى، وهي أنّ نبيح العنزي لم يلحق أُمّ أيمن.

قال ابن حجر العسقلاني في (التلخيص الحبير): (((حديث): أنّ أُمّ أيمن شربت بول النبيّصلى الله عليه وسلم، فقال: (إذن لا تلج النار بطنك)، ولم ينكر عليها. الحسن بن سفيان في مسنده، والحاكم، والدارقطني، والطبراني، وأبو نعيم، من حديث أبي مالك النخعي، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزى، عن أُمّ أيمن...

إلى أن قال: ورواه أبو أحمد العسكري بلفظ: (لن تشتكي بطنك)، وأبو مالك ضعيف، ونبيح لم يلحق أُمّ أيمن))(2).

وسئل الدارقطني عن حديث أُمّ أيمن؟ فقال: ((يرويه أبو مالك النخعي، واسمه عبد الملك بن حسين، واختلف فرواه شهاب، عن أبي مالك، عن الأسود ابن قيس، عن نبيح العنزي، عن أًمّ أيمن، وخالفه سلم بن قتيبة وقرّة سليمان، فروياه عن أبي مالك، عن يعلى بن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن أًمّ أيمن، وأبو مالك ضعيف، والاضطراب فيه من جهته))(3).

____________

1- تهذيب التهذيب ١٢: ١٩٧ (٨٦٧٧).

2- تلخيص الجيد ١٨٢: ١، الباب الثاني في المياه النجسة.

3- العلل الواردة في الأحاديث النبوّية ٩: ٤١٥ الحديث (٤١٠٦).


الصفحة 351
هذا ولكن ابن عساكر أورد طريق سلم بن قتيبة عند أبي يعلى الموصلي، هكذا: ((أخبرتنا أُمّ المجتبى فاطمة بنت ناصر، قالت: قرئ على إبراهيم بن منصور السلمي، أنا أبو بكر بن المقرئ، أنا أبو يعلى، نا محمّد بن أبي بكر المقدمي، نا سلم بن قتيبة، عن الحسين بن حريث، عن يعلى بن عطاء، عن الوليد ابن عبد الرحمن، عن أُمّ أيمن، قالت: كان لرسول اللهصلى الله عليه وسلم فخارة يبول فيها...))(1). وبنفس السند عن أبي يعلى الموصلي أورده ابن كثير في (البداية والنهاية)(2)، والسيرة النبوية(3)، والبويصري في (الإتحاف)(4)، وابن حجر العسقلاني في (المطالب العالية)(5).

ولكن هذا السند فيه سقط؛ لأنّ الحسين بن حريث (ت٢٤٤هـ) لم يلحق يعلى ابن عطاء (ت١٢٠هـ) حتّى يروي عنه، ولا سلم بن قتيبة (ت٢٠١هـ) يروي عن الحسين بن حريث، فالحسين متأخّر بطبقة عنه، إذ هو من طبقة محمّد بن أبي بكر المقدمي (ت٢٣٤هـ)، فلا بدّ أن يكون الطريق في الأصل طريقان: محمّد بن أبي بكر المقدمي عن سلم بن قتيبة، والحسين بن حريث عن راوٍ آخر، وهما ــ أي: سلم بن قتيبة والراوي الآخر ــ يرويان عمّن روى عن يعلى بن عطاء، فيكون السقط في السند راويان.

ولعلّ هذا الطريق هو الذي أورده ابن حجر العسقلاني في الإصابة، وفيه بعض التصحيف، قال: ((أخرج ابن السكن من طريق عبد الملك بن حصين

____________

1- تاريخ مدينة دمشق ٤: ٣٠٣، فأمّا إمائه صلى الله عليه وسلم، فمنهم بركة وتكنى أُمّ أيمن.

2- البداية والنهاية ٥: ٣٤٧، وأمّا إمائه صلى الله عليه وسلم.

3- السيرة النبوية ٤: ٦٤٣ باب ذكر عبيده وإمائه صلى الله عليه وسلم.

4- إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة ٩: ١١٩ كتاب علامات النبوة،
الباب (٣٩) الشفاء ببوله صلى الله عليه وسلم.

5- المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية ١٥: ٥٨١ الحديث (٣٨١٣) كتاب المناقب، باب طهارة دمه وبوله صلى الله عليه وسلم.


الصفحة 352
(وهو أبو مالك النخعي)، عن نافع بن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن أُمّ أيمن، قالت:...)) الحديث(1).

وفي السند علّة أُخرى، فإنّ الوليد بن عبد الرحمن الجرشي لم يلحق أُمّ أيمن، قال ابن حبّان: ((الوليد بن عبد الرحمن الجرشي مولى لآل أبي سفيان، من ثقات أهل الشام، لا يصحّ له عن أبي أُمامة ولا غيره من الصحابة سماع))(2).

الثاني: وفيه أنّ الشاربة بركة مولاة أُمّ حبيبة.

رواه البيهقي(3)، وابن أبي عاصم(4)، والطبراني(5)، وابن عبد البرّ(6)، وابن المقرئ(7)، وابن عساكر(8)، بطرقهم عن الحجّاج بن محمّد، عن ابن جريج، عن حكيمة بنت أُميمة، عن أُمّها أُميمة.

ورواه الطبراني أيضاً عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن يحيى بن معين، حجاج... الخ، وفيه أنّ الشاربة اسمها برّة خادم أُمّ سلمة(9).

وهذا الطريق صحّحه الحاكم ووافقه الذهبي(10)، وقال الهيثمي: ((رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد بن حنبل وحكيمة وكلاهما

____________

1- الإصابة في تمييز الصحابة ٨: ٣٦٠ (١١٩٠٢).

2- مشاهير علماء الأمصار: ٢٩١ (١٤٦٢).

3- السنن الكبرى ٧: ٦٧، باب تركه الإنكار على من شرب بوله ودمه.

4- الآحاد والمثاني ٦: ١٢١ الحديث (٣٣٤٢).

5- المعجم الكبير ٢٤: ١٨٩ أُميمة بنت رقيقة.

6- الاستيعاب ٤: ١٧٩٤ (٣٢٥٢).

7- معجم ابن المقرئ: ٧٠ الحديث (١٣٨).

8- تاريخ مدينة دمشق ٦٩: ٥٠ (٩٣٠٩).

9- المعجم الكبير ٢٤: ٢٠٦ برّة خادم أُمّ سلمة أُمّ المؤمنين.

10- المستدرك على الصحيحين بهامشه تلخيص الذهبي ١: ٢٧٢ الحديث (٦٠٧).


الصفحة 353
ثقة))(1)، وحكيمة ذكرها ابن حبّان في ثقاته(2)، وأخرج لها في صحيحه(3)، والطريق في إلزامات الدارقطني على البخاري ومسلم في (ذكر رجال من الصحابة رووا عن النبيّصلى الله عليه وسلم رويت أحاديثهم من وجوه لا مطعن في ناقليها ولم يخرجا من أحاديثهم شيئاً فيلزم إخراجها على مذهبهما وعلى ما قدمنا ذكره وما أخرجاه أو أحدهما)، قال: أُميمة بنت رقيقة روى عنها ابن المنكدر وابنتها حكيمة(4).

قال القاضي عياض في (الشفا): ((وحديث هذه المرأة التي شربت بوله صحيح ألزم الدارقطني مسلماً والبخاري إخراجه في الصحيح))(5).

وقال ابن الصلاح في (شرح مشكل الوسيط) للغزالي: ((فروي بإسناد جيد عن أُميمة بنت رقيقة إحدى الصحابيات))(6).

وقال ابن حجر العسقلاني في (التلخيص الحبير) بعد أن ضعّف طريق أُمّ أيمن: ((وله طريق أُخرى رواه عبد الرزّاق عن ابن جريج: أخبرت أنّ النبيّصلى الله عليه وسلم كان يبول في قدح من عيدان ثمّ يوضع تحت سريره، فجاء فإذا القدح ليس فيه شيء، فقال لامرأة يقال لها: بركة، كانت تخدم أُمّ حبيبة جاءت معها من أرض

____________

1- مجمع الزوائد ٨: ٢٧١، باب منه في الخصائص.

2- الثقات ٤: ١٩٥ كتاب التابعين، باب الهاء.

3- صحيح ابن حبّان ٤: ٢٧٤ باب الاستطابة.

4- الإلزامات والتتبّع، للدارقطني: ١١٤.

5- الشفا بتعريف حقوق المصطفى مع حاشية الشمّني ١: ٦٥، الباب الثاني في تكميل محاسنه، فصل وأمّا نظافة جسمه...

6- الوسيط في المذهب وبهامشه شرح مشكل الوسيط ١: ١٥٢ الهامش (٣) القسم الأوّل، الباب الثاني، الفصل الأوّل في النجاسات، النظر في فضلات خمسة.


الصفحة 354
الحبشة: (أين البول الذي كان في القدح؟) قالت: شربته، قال: (صحّة يا أُمّ يوسف)، وكانت تكنّى:أُمّ يوسف، فما مرضت قط! حتّى كان مرضها الذي ماتت فيه.

وروى أبو داود، عن محمّد بن عيسى بن الطباع، وتابعه يحيى بن معين، كلاهما عن حجّاج، عن ابن جريج، عن حكيمة، عن أُمّها أُميمة بنت رقيقة، أنّها قالت: كان لرسول اللهصلى الله عليه وسلم قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه بالليل، وهكذا رواه ابن حبّان، والحاكم، ورواه أبو ذرّ الهروي في مستدركه الذي خرّجه على إلزامات الدارقطني للشيخين، وصحّحه ابن دحية، أنّهما قضيتان وقعتا لامرأتين، وهو واضح من اختلاف السياق، ووضّح أنّ بركة أُمّ يوسف غير بركة أُمّ أيمن مولاته، والله أعلم))(1).

وكلام ابن دحية ذكره ابن الملقّن في (البدر المنير)، قال: ((وقال ابن دحية في كتاب (الآيات البينات): رواه عبد الرزّاق عن (العدل) ابن جريج، قال: أُخبرت أنّ النبيّصلى الله عليه وسلم كان يبول في قدح من عيدان، ثمّ يوضع تحت سريره، (قال: فوضع تحت سريره)، فجاء (فأراده)، فإذا القدح ليس فيه شيء، فقال لامرأة يقال: لها بركة [كانت تخدم لأُمّ حبيبة] جاءت معها من أرض الحبشة: (أين البول الذي كان في القدح؟) فقالت: شربته، قال: (صحّة يا أُمّ يوسف) ــ وكانت تكنى أُمّ يوسف ــ فما مرضت قطّ حتّى كان مرضها الذي ماتت فيه)).

____________

1- تلخيص الحبير ١: ١٨٢، الباب الثاني في المياه النجسة، وانظر: سنن أبي داود
١: ١٤ الحديث (٢٤) كتاب الطهارة، باب في الرجل يبول بالليل في الإناء، سنن النسائي ١: ٣١ كتاب الطهارة، باب البول في الإناء، المستدرك على الصحيحين
١: ١٦٧ كتاب الطهارة، البول في القدح بالليل، صحيح ابن حبّان ٤: ٢٧٤ كتاب الطهارة، باب الاستطابة.


الصفحة 355

قال ابن دحية: إن كان عبد الرزاق، قال: أُخبرت، فقد أسنده يحيى بن معين عن حجّاج، عن ابن جريج، عن حكيمة، عن أُمّها أُميمة))(1).

ولكنّا لم نجد كلام ابن دحية في (الآيات البيّنات) المطبوع، ولا طريق عبد الرزّاق في مصنّفه، حتّى نلاحظ السند، فيبقى عل إرساله، وكذا أورده القسطلاني في (المواهب اللدنية) مرسلاً عن عبد الرزّاق(2)، ولذا ضعّف الألباني هذه الزيادة ــ أي قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (صحّة يا أُمّ يوسف) ــ لإرسالها(3).

(من صفات الأئمّة عليهم السلام أنّهم لا يحتلمون)

« طالب الحقّ »

السؤال:

أورد الكليني رواية عن الإمام أبي جعفر عليه السلام، قال: للإمام عشر علامات: يولد مطهّراً مختوناً، وإذا وقع على الأرض وقع على راحته رافعاً صوته بالشهادتين، ولا يجنب، وتنام عينه ولا ينام قلبه، ولا يتثاءب ولا يتمطّى، ويرى من خلفه كما يرى من أمامه، ونجوه كرائحة المسك والأرض موكلة بستره وابتلاعه...))(الكافي ١/٣٨٨ كتاب الحجّة، باب مواليد الأئمّة).

وأورد شيخ الطائفة الطوسي: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنّه قال: (لا ينام في مسجدي أحد ولا يجنب فيه أحد، وقال: إنّ الله أوحى إليَّ أن اتّخذ مسجداً طهوراً، لا يحلّ لأحد أن يجنب فيه إلّا أنا وعليّ والحسن والحسين عليهم السلام)(التهذيب ٦/١٥، بحار الأنوار ٢٥/١٦٨).

____________

1- البدر المنير ١: ٤٨١ كتاب الطهارة، باب بيان النجاسات، الحديث التاسع.

2- المواهب اللدنية ٢: ٩٣ المقصد الثالث، الفصل الأوّل في كمال خلقته وجمال صورتهصلى الله عليه وسلم.

3- سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ٣: ٣٢٩ الحديث (١١٨٢).


الصفحة 356

أليست الروايتان متناقضتين؟!!

فالأولى تقول: إنّ الأئمّة لا يجنبون. والثانية تقول: لا يحلّ لأحد أن يجنب إلّا من هم أئمّة في المسجد, والتي تدلّ على أنّهم يجنبون؟

وما معنى نجوهم؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ معنى لا يجنب في الرواية الأولى، أي: لا يحتلم، فيمكن أن يطلق أحدهما على الآخر تجوّزاً, والذي يؤكّد ذلك أنّ الرواية في علامات الإمام الواردة عن الرضا عليه السلام جاءت بـ(لا يحتلم)(1).

وقال المازندراني في (شرح أصول الكافي): أي لا يلحقه خبث الجنابة، كما يلحق غيره إلّا إنّه يجب عليه الغسل، أو لا يحتلم لأنّ كلّاً من الجنابة والاحتلام يطلق على الآخر تجوزاً(2).

وفي (بحار الأنوار): ((أي: لا يحتلم كما مرّ في الخبر الأوّل وغيره، أو أنّه لا يلحقه خبث الجنابة وإن وجب عليه الغسل تعبّداً، ويؤيّده ما سيأتي في أخبار كثيرة أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (لا يحلّ لأحد أن يجنب في هذا المسجد إلّا أنا وعليّ وفاطمة والحسن والحسين، ومن كان من أهلي فإنّه منّي)))(3).

____________

1- عيون أخبار الرضا عليه السلام، للصدوق ١: ١٩٢ الباب (١٩) الحديث (١)، ومن لا يحضره الفقيه ٤: ٤١٨ الحديث (٥٩١٤) علامات الإمام وخصوصياته.

2- شرح أصول الكافي ٦: ٣٦١ الحديث (٨) كتاب الحجّة، باب مواليد الأئمّة.

3- بحار الأنوار، للمجلسي ٢٥: ١٦٩ الحديث (٣٧)، باب جامع في صفات الإمام وشرائط الإمامة.


الصفحة 357
ثمّ إنّ عدم الاحتلام ليس من مختصاتهم، بل يشاركهم في ذلك الأنبياء, وقد ثبت هذا عند أهل السُنّة أيضاً, ويعلّلون ذلك كما نعلّله بأنّ الاحتلام من الشيطان، وهو لا يتسلّط عليهم.

روى الكليني: ((عن إسحاق، عن الأقرع، قال كتبت إلى أبي محمّد أسأله عن الإمام هل يحتلم؟ وقلت في نفسي بعد ما فصل الكتاب: الاحتلام شيطنة وقد أعاذ الله تبارك وتعالى أولياءه من ذلك، فورد الجواب: حال الأئمّة في المنام حالهم في اليقظة، لا يغيّر النوم منهم شيئاً، وقد أعاذ الله أولياءه من لمة الشيطان كما حدّثتك نفسك))(1).

وأمّا الرواية الثانية، فالمقصود بعدم حلّ الجنابة هو: عدم حلّ المقاربة لا الاحتلام في المسجد، فيرتفع التعارض بين الروايتين، فيحقّ لهؤلاء الأربعة الدخول إلى المسجد وهم في حال الجنابة؛ لأنّهم مطهرون بنص آية التطهير، فلا يلحقهم خبث الجنابة.

أمّا (النجو): ففي (لسان العرب): ما يخرج من البطن من ريح وغائط(2).

(الأئمّة عليهم السلام يعلمون جميع الّلغات)

« م/ إحسان »

السؤال:

هل يصحّ القول بأنّ الأئمّة عليهم السلام يعلمون جميع الّلغات؟

____________

1- الكافي ١: ٥٠٩ الحديث (١٢)، باب مولد أبي محمّد الحسن بن عليّ عليه السلام.

2- لسان العرب، لابن منظور ١٥: ٣٠٦ مادّة (نجا).


الصفحة 358
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الأخبار في هذا الأمر كثيرة مشهورة بلغت حدّ التواتر، والأمر بيّن في ذلك؛ لأنّ الأئمّة عليهم السلام وارثوا علم الأنبياء والأوصياء، فليس غريباً أن يعلموا جميع اللغات.

هذا، وقد نقل الصفّار خمس عشر رواية في باب (في الأئمّة عليهم السلام أنّهم يتكلّمون الألسن كلّها)، وسبعة في باب (في الأئمّة عليهم السلام أنّهم يعرفون الألسن كلّها)، وثلاثة في باب (في الأئمّة عليهم السلام أنّهم يقرأون الكتب التي نزلت على الأنبياء باختلاف ألسنتهم التوراة والإنجيل وغير ذلك)، منها:

١ــحدّثنا محمّد بن عيسى، عن علي بن مهزيار، قال: أرسلت إلى أبي الحسن عليه السلام غلامي وكان سقلامياً, فرجع الغلام إليّ متعجّباً! فقلت له: مالك يا بنيّ؟ قال: كيف لا أتعجّب! ما زال يكلّمني بالصّقلانية كأنّه واحد منّا، فظننت أنّه إنّما دار بينهم(1).

٢ــ حدّثنا أحمد بن محمّد، عن ابن أبي القاسم وعبد الله بن عمران، عن محمّد ابن بشير، عن رجل، عن عمّار الساباطي، قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا عمّار أبو مسلم فظلّله فكساه فكسحه بساطورا، قلت: جعلت فداك، ما رأيت نبطياً أفصح منك، فقال: يا عمّار! وبكلّ لسان(2).

٣ــحدّثنا النهدي، عن إسماعيل بن مهران، عن رجل من أهل بيرما، قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فودّعته وخرجت حتّى بلغت الأعوص، ثمّ ذكرت حاجة لي فرجعت إليه والبيت غاص بأهله، وكنت أردت أن أسأله عن بيوض

____________

1- بصائر الدرجات: ٣٥٣ الجزء السادس باب (١١) الحديث (٣).

2- بصائر الدرجات: ٣٥٣ الجزء السادس، باب (١١) الحديث (٤).


الصفحة 359
ديوك الماء؟ فقال لي: ياتب، يعنى: البيض، دعا نامينا، يعنى: ديوك الماء، بناحل، يعنى: لا تأكل(1).

٤ــ حدّثنا محمّد بن جزك، عن ياسر الخادم، قال: كان لأبي الحسن غلمان في البيت سقلابية روم، وكان أبو الحسن عليه السلام قريباً منهم، فسمعهم بالليل يتراطنون بالسقلابية والرومية، ويقولون: إنّا كنّا نفتصد في كلّ سنة، وليس نفصدها هنا, فلمّا كان من الغد وجّه عليه السلام إلى بعض الأطباء فقال له: أفصد لهذا عرق كذا, ولهذا عرق كذا. ثمّ قال: يا ياسر! لا تفتصد أنت، فافتصدت فورمت يدي، فأحضرت، فقال لي: يا ياسر! مالك؟ فأخبرته، فقال: ألم أنهك عن ذلك، هلم يدك فمسح يده عليها فبرأ عليها، قال: أو وضع، وأوصاني أن لا أتعشى، فكنت بعد ذلك ما شاء الله [لا] أتعشى، ثمّ أغافل فأتعشى فيضرب علَيَّ (2).

وأورد الكليني رحمه الله في (الكافي) روايتين في باب (إنّ الأئمّة عليهم السلام عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله عزّ وجلّ وأنّهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها)، وفي (الاختصاص) المنسوب للمفيد رحمه الله تسعة روايات في هذا الباب، منها:

١ــ أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، ومحمّد بن خالد البرقي، عن النضر بن سويد، عن يحيى بن عمران الحلبي، عن أخي مليح، قال: حدّثني أبو يزيد فرقد، قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام وقد بعث غلاماً له أعجميا في حاجة، فرجع إليه فجعل يغيّر الرسالة فلا يحيرها حتّى ظننت أنّه سيغضب عليه، فقال: تكلّم بأيّ لسان شئت، فإنّي أفهم عنك(3).

____________

1- بصائر الدرجات: ٣٥٤ الجزء السادس، باب (١١) الحديث (٦).

2- بصائر الدرجات: ٣٥٨ الجزء السادس باب (١٢) الحديث ٤.

3- الاختصاص: ٢٨٩ إنّ الأئمّة عليهم السلام يعلمون جميع الألسن واللغات.


الصفحة 360

٢ــ محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن أبان بن عثمان الفزاري، عن موسى بن أكيل النميري، قال: جئنا إلى باب أبي جعفر عليه السلام نستأذن عليه، فسمعنا صوتاً يقرأ بالعبرانية فبكينا حيث سمعنا الصوت، فظننّا أنّه بعث إلى رجل من أهل الكتاب ليقرأ عليه، فدخلنا فلم نر عنده أحداً. فقلنا: أصلحك الله سمعنا صوتاً بالعبرانية، فظننّا أنّك بعثت إلى رجل من أهل الكتاب استقرأته, فقال: لا ولكنّي ذكرت مناجاة إليا فبكيت من ذلك. قلنا: وما كانت مناجاته؟ فقال: جعل يقول: يا رب! أتراك معذبي بعد طول قيامي لك وعبادتي إيّاك ومعذبي بعد صلاتي لك، وجعل يعدّد أعماله، فأوحى الله إليه أنّي لست أعذّبك، فقال: يا رب! وما يمنعك أن تقول: لا، بعد نعم، وأنا عبدك وفي قبضتك، فأوحى الله إليه أنّي إذا قلت قولاً وفيت به(1).

والروايات في ذلك كثيرة ليس هنا محلّ جمعها وإيرادها؛ فراجع ثمّ.

(إطلاق الأئمّة لفظ ((عليه السلام)) عند ذكر إمام آخر)

« عبد الله البصري ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

تعارفت الشيعة على إطلاق لفظة ((عليه السلام)) بعد إيراد اسم المعصوم، ولكن نريد أن نسأل هل كان المعصوم نفسه يورد هذا اللفظ عندما يذكر اسم معصوم آخر؟ مثلاً عندما يتكلّم الإمام الحسين عليه السلام عن أبيه أمير المؤمنين عليه السلام فهل كان يقول: ((عليه السلام))؟

____________

1- الاختصاص: ٢٩٢ عندهم عليهم السلام كتب الأنبياء يقرؤونها على اختلاف لغاتها.


الصفحة 361
الصفحة السابقةالصفحة التالية