المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 8) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج8 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 421 - ص 450) على أيّ أساس، أو بماذا يمتاز الأئمّة عليهم السلام على الأنبياء, دون النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم؟

وهل يختلف علماؤنا حول أفضليتهم؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الذي عليه أكثر علمائنا المتأخّرين أنّ الأئمّة الاثني عشر أفضل من جميع الأنبياء حتّى أولي العزم، والدليل عليه وجوه:

أوّلاً: ما رواه المفضل بن عمر، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (إنّ الله تبارك وتعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام، فجعل أعلاها وأشرفها أرواح محمّد وعليّ والحسن والحسين والأئمّة عليهم السلام، فعرضها على السموات والأرض والجبال فغشيها نورهم، فقال الله تبارك وتعالى للسموات والأرض والجبال: هؤلاء أحبائي وأوليائي وحججي على خلقي وأئمّة بريتي، ما خلقت خلقاً أحبّ إليَّ منهم، ولمن تولّاهم خلقت جنّتي، ولمن خالفهم وعاداهم خلقت ناري...

إلى أن قال: فلمّا أسكن آدم وحواء الجنّة... فنظرا إلى منزلة محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة من بعدهم عليها السلام، فوجداها أشرف منازل أهل الجنّة، فقالا: يا ربّنا! لمن هذه المنزلة؟ فقال الله جلّ جلاله: ارفعا رؤوسكما إلى ساق عرشي، فرفعا رؤوسهما فوجدا اسم محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة بعدهم عليها السلام مكتوبة على ساق العرش بنور من نور الجبّار جلّ جلاله، فقالا: يا ربّنا! ما أكرم أهل هذه المنزلة عليك، وما أحبّهم إليك، وما أشرفهم لديك؟ فقال الله جلّ جلاله: لولاهم ما خلقتكما...)(1).

____________

1- معاني الأخبار، للصدوق: ١٠٨ ح١ باب معنى الإمامة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال.


الصفحة 422
ثانياً: ما استفاض في الأخبار من أنّ علم الأئمّة عليهم السلام أكمل من علوم كلّ الأنبياء، وذلك أنّ من جملته علم الاسم الأعظم وهو ثلاثة وسبعون حرفاً، حرف منها استأثر به الله تعالى نفسه، واثنان وسبعون علّمها لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأمره أن يعلّمها لأهل بيته.

وأمّا باقي الأنبياء عليهم السلام، فأعطي آدم خمسة وعشرين حرفاً، ونوح خمسة عشر حرفاً، وإبراهيم ثمانية أحرف، وموسى أربعة أحرف، وعيسى حرفين(1).

ثالثاً: إنّ القرآن الكريم أشار إلى أنّ الأنبياء لو بعثوا في زمان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لما وسعهم إلّا الإيمان به واتّباعه، ومقتضى الإيمان والاتّباع هو الامتثال لكلّ ما يأمر به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم واتّباعه في كلّ شيء، وقد نصّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على إمامة الأئمّة عليهم السلام وأمر باتّباعهم.

فلو فرضنا أنّ الأنبياء كانوا في زمان الأئمّة عليهم السلام، فهل يسعهم مخالفتهم وعدم اتّباعهم؟

وحينئذ نسأل: أيّهما أفضل الإمام أم المأموم، والتابع أم المتبوع؟

وإذا ثبتت أفضلية الأئمّة عليهم السلام في هذا الحال، فهي ثابتة في كلّ الأحوال. فليس هناك ما يمنع من أفضليتهم عليهم السلام على سائر الأنبياء لا عقلاً ولا شرعاً.

رابعاً: إنّ نورهم من نور النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وأنّهم من نور واحد، فقد روى ابن شاذان القمّي في(مائة منقبة)، والموفّق الخوارزمي في (مقتل الحسين)، بالسند عن أبي سلمى راعي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ليلة أُسري بي إلى السماء قال لي الجليل جلّ جلاله: ﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ، قلت:

____________

1- بصائر الدرجات، للصفّار: ٢٢٨ الجزء الثالث، الباب (١٢) في الأئمّة عليهم السلام أنّهم أعطوا اسم الله الأعظم.


الصفحة 423
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كلّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ(1)، قال: صدقت يا محمّد، من خلفت في أُمّتك؟ قلت: خيّرها. قال: عليّ بن أبي طالب؟ قلت: نعم يا ربّ.

قال: يا محمّد! إنّي اطلعت إلى الأرض اطلاعة فاخترتك منها فشققت لك اسماً من أسمائي، فلا أُذكر في موضع إلّا ذُكرت معي، فأنا المحمود وأنت محمّد.

ثمّ اطلعت الثانية فاخترت منها عليّاً، فشققت له اسما من أسمائي، فأنا العليّ الأعلى، وهو عليّ.

يا محمّد! إنّي خلقتك وخلقت عليّاً وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة من ولده من سنخ نوري، وعرضت ولايتكم على أهل السماوات وأهل الأرضين، فمن قبلها كان عندي من المؤمنين، ومن جحدها كان عندي من الكافرين... الحديث(2).

هذا وقد وقع الخلاف بين أصحابنا في أفضلية الأئمّة عليهم السلام على الأنبياء ما عدا جدّهم:

فذهب جماعة إلى أنّهم عليهم السلام أفضل من باقي الأنبياء ما خلا أُولي العزم، وذهب بعضهم إلى مساواتهم.

وكما ذكرنا سابقاً فإنّ أكثر المتأخّرين على أفضلية الأئمّة عليهم السلام على أُولي العزم وغيرهم. وهو الرأي الصحيح!

وهناك الكثير من الأدلّة على أفضلية الإمام أمير المؤمنين عليه السلام والأئمّة على جميع الأنبياء والمرسلين ما خلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعرضنا عن ذكرها خوف الإطالة.

____________

1- البقرة (٢): ٢٨٥.

2- مائة منقبة: ٣٧ المنقبة السابعة عشر، مقتل الحسين عليه السلام ١: ١٤٦ الحديث (٢٣)، الفصل السادس في فضائل الحسن والحسين عليهما السلام.


الصفحة 424
وللتعرّف على المزيد راجع كتاب (دفع المناواة عن التفضيل والمساواة) للسيّد حسين بن الحسن الكركي (ت١٠٠١هـ).

ويمكن أن نستدلّ على الأفضلية بشكل آخر، نذكره بنقاط:

١ــ أن نثبت الإمكان العقلي لأن يكون هناك شخص أفضل من الأنبياء عليهم السلام حتّى أولي العزم، وهذا واضح، فهو ليس بعزيز على الله، ولا يلزم منه محذور.

٢ــ أن نثبت الوقوع والوجود لمثل هذا الشخص بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وهو أمير المؤمنين عليه السلام أوّل الأئمّة، بأدلّة عديدة، منها مساواته للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ما عدا النبوّة، كما في آية المباهلة، فهو نفس النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم, والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أفضل، فنفسه وهو عليّ عليه السلام أفضل، ومنها حديث الطائر ومفاده ((عليّ عليه السلام أحبّ الخلق إلى الله عزّ وجلّ))، وكذلك أحاديث تشبيه عليّ عليه السلام بالأنبياء.

٣ــأن نثبت وقوع الأفضلية لإمام آخر وهو المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف من خلال ما تواتر من صلاة عيسى عليه السلام خلفه وأنّه من أتباعه.

٤ــ أن نوسّع ما ثبت أعلاه حتّى يشمل بقية الأئمّة عليهم السلام؛ لعدم القول بالفرق، أو ببعض ما أوردناه آنفاً ككونهم خلقوا من نور واحد، أو أنّهم نور واحد، أو بما دلّ على تساويهم في الفضل والعلم، وغير ذلك ممّا ورد في الأخبار.

(مقام الأئمّة عليهم السلام)

« يعقوب المعولي ــ اليمن ــ شافعي »

السؤال:

المعروف أنّ المسلم لا يقول في دينه كلاماً إلّا بحجّة وبرهان!


الصفحة 425
فما حجّة وبرهان قول السيّد الخميني ــ أثابه الله ــ في كتابه (الحكومة الإسلامية ص٥٢): ((إنّ من ضرورات مذهبنا أنّ لأئمّتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل!!)).

وشكراً!

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ورد عندنا عن المعصومين عليهم السلام نصوص في هذا المعنى.

منها ما ورد في زيارة الجامعة الكبيرة التي يزار بها جميع الأئمّة عليهم السلام، حيث قال الإمام المعصوم عليه السلام: (فبلغ الله بكم أشرف محلّ المكرمين، وأعلى منازل المقرّبين، وأرفع درجات المرسلين، حيث لا يلحقه لاحق، ولا يفوقه فائق، ولا يسبقه سابق، ولا يطمع في إدراكه طامع، حتّى لا يبقى ملك مقرّب، ولا نبيّ مرسل، ولا صديق ولا شهيد، ولا عالم ولا جاهل، ولا دني ولا فاضل، ولا مؤمن صالح ولا فاجر طالح، ولا جبّار عنيد ولا شيطان مريد، ولا خلق فيما بين ذلك شهيد، إلّا عرّفهم جلالة أمركم، وعظم خطركم، وكبر شأنكم، وتمام نوركم، وصدق مقاعدكم، وثبات مقامكم، وشرف محلّكم ومنزلتكم عنده، وكرامتكم عليه، وخاصّتكم لديه، وقرب منزلتكم منه)(1).

وورد عنهم أيضاً: (إنّ حديثهم صعب مستصعب، لا يحتمله إلّا ملك مقرّب، أو نبيّ مرسل، أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان)(2).

____________

1- من لا يحضره الفقيه، للصدوق ٢: ٦١٤ كتاب الحجج الحديث (٣٢١٣).

2- بصائر الدرجات، للصفّار: ٤٢ باب (١١).


الصفحة 426

فإذا كانت هذه درجة حديثهم، فكيف بمقامهم أنفسهم؟

ثمّ إنّ أوضح ما يدلّ على علوّ مقامهم، وأنّه لا مقام لغيرهم فوقهم، ما ورد متواتراً من حديث كونهم كانوا أنواراً محدقين حول العرش، وإنّ الله خلق أنوارهم قبل الخلق، أو ما ثبت بالعقل والنقل أنّ نور محمّد صلى الله عليه وآله وسلم أوّل صادر، ومنه انشقت أنوار عليّ وفاطمة والأئمّة عليهم السلام، وأنّهم وسائط الفيض.

ويكفي في الاستدلال على ذلك: بما في آية المباهلة من أنّ عليّاً عليه السلام نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفضل الخلق، فعليّ عليه السلام مثله، وأنّ فاطمة عليها السلام بضعة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنّ الأئمّة عليهم السلام نور واحد، وهم من نور جدّهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد أجملنا تحت هذا العنوان في أجوبة عديدة بعض مقاماتهم بما يكفي في إثبات ذلك؛ فراجع!

(أفضلية أهل البيت عليهم السلام على الخلق عقيدة)

« رابطة فذكّر الثقافية ــ العراق »

السؤال:

السلام على العاملين في مركز الأبحاث العقائدية..

هل الاعتقاد بأفضلية أهل البيت عليهم السلام على الخلق واجب من ضروريات المذهب؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الاعتقاد بأفضلية أهل البيت عليهم السلام من حيث المجموع على سائر الخلق واجب؛ لأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو أحدهم، وهو أفضل الخلق قطعاً للنصوص المتكاثرة لدى الطرفين. وحينئذ يكون أهل البيت عليهم السلام بهذا اللحاظ المجموعي أفضل الخلق,


الصفحة 427
ويجب الاعتقاد بهذه الأفضلية؛ وإلّا جاز الاعتقاد بتقدّم وأفضلية المفضول على الفاضل وهو باطل.

ولا يبعد أن يكون الاعتقاد بأنّ كلّ واحد من أهل البيت عليهم السلام بإنفراده أفضل الخلق كذلك، وتشير إلى ذلك آية المباهلة، فمقام عليّ عليه السلام هو مقام نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومقام سائر أبنائه مقامه.. فيكون عليّ وأبناؤه عليهم السلام أفضل الخلق، وحينئذ فوجوب الاعتقاد بكونهم أفضل يسري إلى كلّ واحد منهم صلوات الله عليهم.

ويدلّ عليه أيضاً جملة من الأخبار المروية عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وآله الأطهار(1)، خاصّة ما ورد في كون أنوارهم أوّل ما خلق الله.

قال الشيخ الصدوق رحمه الله: ((ويجب أن تعتقد أنّ الله تعالى لم يخلق خلقاً أفضل من محمّد والأئمّة، وأنّهم أحبّ الخلق إلى الله وأكرمهم عليه، وأوّلهم إقراراً به لمّا أخذ الله ميثاق النبيّين ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى(2)، وأنّ الله تعالى بعث نبيّه محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم إلى الأنبياء في الذر، وأنّ الله تعالى أعطى ما أعطى كلّ نبيّ على قدر معرفته نبيّنا وسبقه إلى الإقرار به. وأنّ الله تعالى خلق جميع ما خلق له ولأهل بيته عليهم السلام، وأنّه لولاهم لما خلق الله السماء والأرض، ولا الجنّة ولا النار، ولا آدم ولا حواء، ولا الملائكة ولا شيئاً ممّا خلق، صلوات الله عليهم أجمعين))(3).

نعم، ربّما نوقش في كون هذا الاعتقاد من ضروريات مذهب الإمامية بحيث يكون غير المعتقد به خارجاً عن المذهب؛ وذلك لوجود بعض من خالف من الإمامية القدماء في ذلك.

____________

1- انظر: بحار الأنوار، للمجلسي ٢٦: ٢٩٧، باب تفضيلهم عليهم السلام على الأنبياء وعلى جميع الخلق.

2- الأعراف (٧): ١٥١.

3- الاعتقادات في دين الإمامية: ٩٣، باب الاعتقاد في عدد الأنبياء والأوصياء عليهم السلام، وانظر: الهداية، للصدوق: ٢٣ باب النبوّة.


الصفحة 428

قال الشيخ المفيد رحمه الله: ((قد قطع قوم من أهل الإمامة بفضل الأئمّة عليهم السلام من آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم على سائر من تقدّم من الرسل والأنبياء سوى نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وأوجب فريق منهم لهم الفضل على جميع الأنبياء سوى أولي العزم منهم عليهم السلام، وأبى القولين فريق منهم آخر وقطعوا بفضل الأنبياء كلّهم على سائر الأئمّة عليهم السلام. وهذا باب ليس للعقول في إيجابه والمنع منه مجال ولا على أحد الأقوال فيه إجماع، وقد جاءت آثار عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في أمير المؤمنين عليه السلام وذرّيته من الأئمّة والأخبار عن الأئمّة الصادقين أيضاً من بعد، وفي القرآن مواضع تقوّي العزم على ما قاله الفريق الأوّل في هذا المعنى))(1).

وقال السيّد نعمة الله الجزائري: ((اعلم أنّه لا خلاف بين أصحابنا(رضوان الله عليهم) في أشرفية نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم على سائر الأنبياء عليهم السلام للأخبار المتواترة، وإنّما الخلاف بينهم في أفضلية أمير المؤمنين والأئمّة الطاهرين عليهم السلام على الأنبياء ما عدا جدّهم صلى الله عليه وآله وسلم، فذهب جماعة إلى أنّهم أفضل من باقي الأنبياء ما خلا أولي العزم فإنّهم أفضل من الأئمّة عليهم السلام، وبعضهم إلى المساواة، وأكثر المتأخّرين إلى أفضلية الأئمّة عليهم السلام على أولي العزم وغيرهم، وهو الصواب))(2).

(النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم أفضل من جميع الخلق بما فيهم الأئمّة عليهم السلام)

« أبو دانية ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد

____________

1- أوائل المقالات: ٧٠ (٤٦)، القول في المفاضلة بين الأئمّة والأنبياء عليهم السلام.

2- الأنوار النعمانية ١: ٢٠ نور علوي.


الصفحة 429
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لقد كنت أقرأ كتاباً في موقعكم المبارك، عنوانه: (آية المباهلة) للمؤلّف السيّد علي الحسيني الميلاني, وقرأت فيه تحت عنوان (دلالة آية المباهلة على إمامة عليّ عليه السلام).. وسنقتبس ممّا يقول:

((وعليّ نفس رسول الله بحسب الروايات الواردة بتفسير الآية، كما أشرنا إلى مصادر تلك الروايات، ولم يخرج رسول الله إلّا عليّاً، فكان عليّ نفس رسول الله, إلّا أنّ كون عليّ نفس رسول الله بالمعنى الحقيقي غير ممكن، فيكون المعنى المجازي هو المراد، وأقرب المجازات إلى الحقيقة يؤخذ في مثل هذه الموارد كما تقرّر في كتبنا العلمية، فأقرب المجازات إلى المعنى الحقيقي في مثل هذا المورد هو أن يكون عليّ مساوياً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إلّا أنّ المساواة مع رسول الله في جميع الجهات وفي جميع النواحي حتّى النبوّة؟ لا.

فتخرج النبوّة بالإجماع على أنّه لا نبيّ بعد رسول الله، وتبقى بقيّة مزايا رسول الله، وخصوصيات رسول الله، وكمالات رسول الله، موجودةً في عليّ بمقتضى هذه الآية المباركة.

من خصوصيّات رسول الله: العصمة، فآية المباهلة تدلّ على عصمة عليّ بن أبي طالب قطعاً.

من خصوصيّات رسول الله: أنّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فعليّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم كرسول الله قطعاً.

من خصوصيّات رسول الله: أنّه أفضل جميع الخلائق، أفضل البشر والبشريّة، منذ أن خلق الله سبحانه وتعالى العالم وخلق الخلائق كلّها، فكان أشرفهم رسول الله محمّد بن عبد الله، وعليّ كذلك.


الصفحة 430
وسنبحث إن شاء الله في ليلة من الليالي عن مسألة تفضيل الأئمّة على الأنبياء، وسترون أنّ هذه الآية المباركة ــ وهناك أدلّة أُخرى أيضاً ــ تدلّ على أنّ عليّاً أفضل من جميع الأنبياء سوى نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم.

فحينئذ حصل عندنا تفسير الآية المباركة على ضوء الأحاديث المعتبرة، حصل عندنا صغرى الحكم العقلي بقبح تقدّم المفضول على الفاضل، بحكم هذه الأحاديث المعتبرة.

وناهيك بقضيّة الأولويّة، رسول الله أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وعليّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم.

وفي جميع بحوثنا هذه ــ وإلى آخر ليلة ــ سترون أنّ الأحاديث كلّها وإن اختلفت ألفاظها، اختلفت أسانيدها، اختلفت مداليلها، لكن كلّها تصبّ في مصب واحد، وهو أولويّة عليّ، وهو إمامة عليّ، وهو خلافة عليّ بعد رسول الله بلا فصل.

لا بدّ وأنّكم تتذكّرون حديث الغدير: (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، قال: فمن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه).

نفس المعنى الذي قاله في حديث الغدير، هو نفس المفهوم الذي تجدونه في آية المباهلة، وبالنظر إلى ما ذكرنا من المقدّمات والممهّدات، التي كلّ واحد منها أمر قطعي أساسي، لا يمكن الخدشة في شيء ممّا ذكرت)).(آية المباهلة: ٢٨ ــ ٣٠، دلالة آية المباهلة على إمامة عليّ عليه السلام).

ونطلب من سماحتكم التوضيح؛ لأنّي فهمت ــ حسب ما هو يقول ــ بأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والإمام عليّاً عليه السلام متساويان, أي بمعنى: ليس النبيّ أفضل من عليّ ولا عليّ أفضل من محمّد، إنّما متساوون.. والذي أعرفه أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفضل من الإمام عليّ عليه السلام!


الصفحة 431
وقد يكون الجواب: بأنّ الأئمّة أفضل من جميع الأنبياء عدا نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم, وهذا يدلّ على أنّ النبيّ أفضل من الإمام عليّ.

وأقول: قد يكون هذا هو المفهوم، لكن نريد من سماحتكم شيئاً أوضح من ذلك؛ لأنّ هذا قد يقال أيضاً: إنّ الأئمّة أفضل من جميع الأنبياء عدا نبيّنا محمّد، أي: يعني الإمام عليّ أفضل من كلّ الأنبياء ما عدا محمّداً؛ لأنّهم متساوون، وليس معنى عندما يقال: (عدا نبيّنا محمّد) يدلّ أنّه أقل من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، هكذا قد يقال.

ولكم جزيل الشكر.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ما ذكره السيّد أنّ الإمام عليّاً عليه السلام مساوٍ للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في جميع مزاياه وكمالاته ما عدا النبوّة، وبذلك يصير واضحاً أنّ الذي يملك جميع المزايا التي يمكلها ذلك ومع ذلك لديه ميزة أُخرى غير موجودة عند الآخر وهي النبوّة، يكون أفضل, ولا يتبادر من العبارة التي ذكرتها بأنّ المقصود منها مساواة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لعليّ عليه السلام مطلقاً، فإنّه لو أراد المساواة المطلقة كان لا بدّ له أن يصرّح بذلك، كما إنّا ليس لدينا خلاف في أفضلية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على جميع خلقه، فلوضوح ذلك لا يحتاج إلى التصريح به في تلك العبارة.

ومن هنا وبما: أنّ من الواضح أنّ المساواة ليست حقيقة من جميع الجهات، وأنّ عليّاً عليه السلام ليس نفس النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حقيقة، وإنّما هو تعبير مجازي عن شدّة القرب في الكمالات والمكانة، فسّرها بعض علمائنا وعبّر عنها بالمماثلة، والمماثلة هي التساوي فيما يمكن فيه المساواة؛ فتأمّل!


الصفحة 432

(قوله الإمام عليّ عليه السلام: (ولقد أعطيت خصالاً ما سبقني إليها أحد...) لا يدلّ على أفضليته على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم)

« مرتضى ــ بلجيكا ــ إمامي »

السؤال:

يحاول بعض المخالفين أن يشنّع على الشّيعة بما ورد عندهم من روايات مفادها أنّ الإمام عليّاً عليه السلام، قال: (ولقد أعطيت خصالاً ما سبقني إليها أحد من قبلي، علّمت المنايا والبلايا، وفصل الخطاب، ومولد الإسلام... الخ)، وهو مروي في كتاب (الكافي) و(بصائر الدرجات)، وربّما غيرها..

فكيف تردّون بارك الله فيكم على هؤلاء المخالفين الذين يزعمون أنّ هذا من الغلوّ في الأئمّة، مدّعين أنّ علم المنايا والبلايا ممّا اختصّ به الله عزّ وجلّ، مستندين إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ(1)؟

وكيف تردّون على من يزعم أنّ في قوله عليه السلام: (أعطيت خصالاً ما سبقني إليها أحد قبلي)، دليل على أنّ عليّاً عليه السلام أفضل من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنّ عليّاً عليه السلام يقول: إنّ ذلك لم يعطه أحد قبله، فقوله هذا يفيد أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يعط ذلك؟

ودمّتم موفّقين ومسدّدين لكلّ خير وصلاح.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

____________

1- لقمان (٣١): ٣٤.


الصفحة 433
إنّ هذه الفقرات المذكورة في الإشكال وردت في روايات مستفيضة مفصّلة عن أمير المؤمنين عليه السلام وأولاده عليهم السلام، والمستشكل اقتطعها ليبني إشكاله على ما توهمه، وغفل عن دلالة ومفاد ما ورد في الروايات بكاملها.

وإليك ما تيسر لنا إيراده من الروايات مع بعض البيان على ما ورد فيها، ليتّضح الجواب على ما يطرحه المستشكل من إيهام:

١ــ روى الكليني في (الكافي) بسنديه عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ما جاء به عليّ عليه السلام آخذ به وما نهى عنه أنتهي عنه، جرى له من الفضل مثل ما جرى لمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم، ولمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم الفضل على جميع من خلق الله عزّوجلّ، المتعقّب عليه في شيء من أحكامه كالمتعقّب على الله وعلى رسوله، والراد عليه في صغيرة أو كبيرة على حدّ الشرك بالله، كان أمير المؤمنين عليه السلام باب الله الذي لا يؤتى إلّا منه، وسبيله الذي من سلك بغيره هلك، وكذلك يجري لأئمّة الهدى واحداً بعد واحد، جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بأهلها، وحجّته البالغة على من فوق الأرض ومن تحت الثرى، وكان أمير المؤمنين(صلوات الله عليه) كثيراً ما يقول: أنا قسيم الله بين الجنّة والنار، وأنا الفاروق الأكبر، وأنا صاحب العصا والميسم، ولقد أقرّت لي جميع الملائكة والروح والرسل بمثل ما أقرّوا به لمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم، ولقد حملت على مثل حمولته وهي حمولة الربّ، وإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعى فيكسى، وادعى فأكسى، ويستنطق واستنطق فأنطق على حدّ منطقه، ولقد أعطيت خصالاً ما سبقني إليها أحد قبلي، علمت المنايا والبلايا، والأنساب وفصل الخطاب، فلم يفتني ما سبقني، ولم يعزب عني ما غاب عني، ابشر بأذن الله وأؤدي عنه، كلّ ذلك من الله مكنني فيه بعلمه))(1).

____________

1- الكافي ١: ١٩٦ الحديث (١)، باب إنّ الأئمّة هم أركان الأرض.


الصفحة 434

وأنت ترى أنّ الرواية نصّ من الإمام الصادق عليه السلام على أفضلية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على كلّ الخلق، فلا يمكن لأحد أن يستشكل بفقرة من هذه الرواية يقتطعها على أفضلية عليّ عليه السلام على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فضلاً على أنّ الإمام عليه السلام يعدّه ثالثاً بعد الله جلّ جلاله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم. ثمّ إنّ أمير المؤمنين عليه السلام يعبّر بظاهر كلامه على تلوه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الأوّل وهو عليه السلام بعده، ألا تراه يقول عليه السلام: (ولقد أقرّت لي جميع الملائكة والروح والرسل بمثل ما أقرّوا به لمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم، ولقد حملت على مثل حمولته وهي حمولة الربّ، وإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعى فيكسى، وادعى فأكسى...)، فهو عليه السلام يقيس نفسه ويمثلها برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والمقيس أدنى مرتبة من المقاس عليه، وفي نهاية كلامه يخبر صلوات الله عليه أنّ ما عنده من العلم هو تعليم من الله سبحانه وتعالى.

هذا، وفي الرواية دلالة على أنّه جرى لكلّ الأئمّة عليهم السلام ما جرى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام.

٢ــ وروى أيضاً في (الكافي) بسنده عن سعيد الأعرج، قال: دخلت أنا وسليمان ابن خالد على أبي عبد الله عليه السلام، فابتدأنا فقال: يا سليمان! ما جاء عن أمير المؤمنين عليه السلام يؤخذ به وما نهى عنه ينتهى عنه، جرى له من الفضل ما جرى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الفضل على جميع من خلق الله...

إلى أن قال: وقال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: أنا قسيم الله بين الجنّة والنار... ولقد أعطيت خصالاً لم يعطهن أحد قبلي، علمت علم المنايا والبلايا...))(1).

ودلالتها كسابقتها.

____________

1- الكافي ١: ١٩٧ الحديث (٢)، باب إنّ الأئمّة هم أركان الأرض.


الصفحة 435

٣ــ وروى أيضاً في (الكافي) بسنده عن ابن الصامت الحلواني، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: فضل أمير المؤمنين عليه السلام: ما جاء به آخذ به وما نهى عنه أنتهي عنه، جرى له من الطاعة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والفضل لمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم...

إلى أن قال: وقال أمير المؤمنين عليه السلام: أنا قسيم الله بين الجنّة والنار، لا يدخلها داخل إلّا على حد قسمي، وأنا الفاروق الأكبر، وأنا الإمام لمن بعدي، والمؤدّي عمّن كان قبلي، لا يتقدمني أحد إلّا أحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإنّي وإياه لعلى سبيل واحد إلّا أنّه هو المدعو باسمه، ولقد أعطيت الستّ: علم المنايا والبلايا...))(1).

وهذه فيها نصّ صريح من أمير المؤمنين عليه السلام على تقدّم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه.

٤ــ وروى الصفّار في (بصائر الدرجات) بسنده عن يزدان بن إبراهيم، عمّن حدّثه من أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول: قال أمير المؤمنين: والله، لقد أعطاني الله تبارك وتعالى تسعة أشياء لم يعطها أحد قبلي خلا محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم: لقد فتحت لي السبل، وعلمت الأنساب، وأجري لي السحاب، وعلمت المنايا والبلايا، وفصل الخطاب...))(2).

وهذه فيها نصّ صريح على حصول هذه، المعاني لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل حصولها لعليّ عليه السلام، بل في رواية عنه عليه السلام يصرّح بأنّه تعلّمها من محمّد صلى الله عليه وآله وسلم عندما أعطاه حرفاً يفتح ألف حرف.

فقد روى الصفّار مرفوعاً إلى أبي عبد الله عليه السلام، أنّه قال: الفضل لمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو المقدّم على الخلق جميعاً، لا يتقدّمه أحد، وعليّ عليه السلام المتقدّم من بعده...

____________

1- الكافي ١: ١٩٧ الحديث (٣)، باب إنّ الأئمّة هم أركان الأرض.

2- بصائر الدرجات: ٢٢١ الحديث (٤)، الجزء الرابع، باب في الأئمّة عليهم السلام أنّه جرى لهم ما جرى لرسول الله.


الصفحة 436

إلى أن قال: وأنّ أمير المؤمنين قال: أنا قسيم بين الجنّة والنار... ولا يتقدّمني أحد إلّا أحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليدعى فيكسا، ثمّ يدعى فيستنطق، ثمّ أدعى فأنطق على حد منطقه... ولقد أعطيت السبع التي لم يسبقني إليها أحد: علّمت الأسماء، والحكومة بين العباد، وتفسير الكتاب، وقسمة الحقّ من المغانم بين بني آدم، فما شذ عنّي من العلم شيء إلّا وقد علمنيه المبارك، ولقد أعطيت حرفاً يفتح ألف حرف، ولقد أعطيت زوجتي مصحفاً فيه من العلم ما لم يسبقها إليه أحد خاصّة من الله ورسوله))(1).

وفي معناها ما رواه الصفّار عن الأصبغ بن نباتة في قصّة المرأة الجرية التي لا تحيض التي أخبر عليّ عليه السلام بما فيها(2).

نقول: وما جرى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام من هذه المعاني جرى على الأئمّة عليهم السلام واحداً فواحد، وأنّ هذا العلم متوارث من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورد ذلك في روايات:

منها: ما رواه الصفّار في (البصائر) عن عبد الرحمن بن أبي نجران، قال: كتب أبو الحسن الرضا عليه السلام رسالة وأقرأنيها، قال: قال عليّ بن الحسين عليه السلام: إنّ محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم كان أمين الله في أرضه، فلمّا قبض محمّد صلى الله عليه وآله وسلم كنّا أهل البيت ورثته، ونحن أمناء الله في أرضه، عندنا علم البلايا والمنايا، وأنساب العرب...))(3). وروى بعدها ثلاث روايات عن الباقر والرضا والسجاد عليهم السلام بمعناها(4).

____________

1- بصائر الدرجات: ٢٢٠ الحديث (٢) الجزء الرابع، باب (٩).

2- بصائر الدرجات: ٣٧٨ الحديث (١٤) الجزء السابع، باب (١٧).

3- بصائر الدرجات: ١٣٨ الحديث (٢ ــ ٤)، الجزء الثالث، باب (٣) في الأئمّة أنّهم ورثوا علم أولى العزم من الرسل وجميع الأنبياء.

4- بصائر الدرجات: ١٣٩ ــ ١٤٠ الحديث (٢ ــ ٤)، الجزء الثالث، باب (٣) في الأئمّة أنّهم ورثوا علم أولى العزم من الرسل وجميع الأنبياء.


الصفحة 437
ومنها: ما رواه الصدوق رحمه الله في (إكمال الدين) بسنده عن سدير الصيرفي، قال: دخلت أنا والمفضّل بن عمر وأبو بصير وأبان بن تغلب على مولانا أبي عبدالله الصادق عليه السلام فرأيناه جالساً على التراب، وعليه مسح خيبري مطوق بلا جيب مقصر الكمين، وهو يبكي بكاء الواله الثكلى...

قال: فزفر الصادق عليه السلام زفرة انتفخ منها جوفه، واشتد منها خوفه، وقال: ويلكم نظرت في كتاب الجفر صبيحة هذا اليوم، وهو الكتاب المشتمل على علم البلايا والمنايا والرزايا وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، الذي خصّ الله به محمّداً والأئمّة من بعده عليهم السلام، وتأمّلت منه مولد غائبنا وغيبته وإبطاءه وطول عمره...))(1).

هذه حقيقة ما جاء في رواياتنا من أنّ هذه العلوم أخذت وراثة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنّه أصلها، علّمها عليّاً عليه السلام، ثمّ وصلت إلى ولده واحداً فواحد، ندع عنك ما يزعمه إحسان إلهي ظهير على الشيعة من أنّهم يخصونها بعليّ عليه السلام دون النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وظهير هذا هو أوّل من كذب هذه الكذبة على الشيعة، وأوّل من اقتطع هذه الروايات ولم يروها كاملة ليروّج زخرفه(2)، وتبعه ناصر القفاري في كتابه (أصول مذهب الشيعة)(3)، وغيره.

____________

1- إكمال الدين وإتمام النعمة: ٣٥٢ الحديث (٥٠)، الباب (٣٣) ما روى عن الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام من النص على القائم.

2- انظر: الشيعة والسُنّة: ٧٢، الباب الأوّل: الغلو في الأئمّة، الشيعة وأهل البيت عليهم السلام: ٢٥٣، الباب الثالث: الأئمّة، و٢٧١، الباب الثالث: تطاول الشيعة على خاتم النبيّين.

3- أصول مذهب الشيعة ٢: ٦٢٤، الباب الثاني، الفصل الرابع، المبحث الثاني معجزات الإمام، و٧٨٨، الباب الثالث، الفصل الثاني: استدلالهم على عصمة الأئمّة.


الصفحة 438

أمّا ما زعمه من غلوّ الشيعة في الأئمّة عليهم السلام، وأنّ ما ورد في الروايات من خصائص الأئمّة هو ممّا اختص به الله جلّ وعلا، وأنّهم نسبوا للأئمّة صفات الألوهية والربوبية، فقد علمت ممّا أوردنا من الروايات أنّ علياً عليه السلام والأئمّة عليهم السلام ينصّون على أنّ علمهم هو تعلّم من الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وتعلّم الغيب بتعليم الله سبحانه وتعالى غير علم الغيب المختص بالله جلّ وعلا، وتعليم الله سبحانه وتعالى الغيب لأوليائه لا إشكال فيه قطعاً، ولا يعد من مشاركة العبد لله جلّ وعلا في صفاته.

وإلّا فالخالقية من أوضح صفات الألوهية، ومع ذلك قال الله تعالى في كتابه المجيد حكاية عن نبيّه عيسى عليه السلام: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(1)، وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ(2)، فهذا كلام الله عزّ وجلّ يصف عيسى عليه السلام بأنّه يخلق الطير من الطين، ويحيي الموتى، ويبرأ المرضى، ويخبرهم بالغيب ما في بيوتهم، بإذن الله، فهل يجرؤ إلهي ظهير والقفاري باتهام القرآن

____________

1- آل عمران (٣): ٤٩.

2- المائدة (٥): ١١٠.


الصفحة 439
بالغلوّ؟! ولكن كما أخبر الله عن اليهود وقولهم لعيسى عليه السلام إنكاراً وكفراً إنّه سحر، كذلك هؤلاء يقولون عمّا ورد في روايات أهل البيت عليهم السلام إنكاراً وجحدا:ً إنّه كذب!

ولقد فصّلنا الجواب عن تعلّم الأئمّة عليهم السلام للغيب في عنوان (علم المعصوم)؛ فليراجع!

(رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفضل من جميع الأئمّة)

« أبو محمّد الخزرجي ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

بارك الله بكم على جهودكم المبذولة لنصرة أهل البيت عليهم السلام..

سؤالي: ما صحّة هذه الرواية من حيث السند, الأنوار النعمانية الجزء الأوّل الصفحة ١٦ يقول: ((روى الصدوق طيب الله ثراه عن النبيّصلى الله عليه وسلم، قال: (أعطيت ثلاثاً وعليّ مشاركي فيها، وأعطي عليّ ثلاثاً ولم أشاركه فيها)، فقيل: يا رسول الله! وما الثلاث التي شاركك فيها عليّ؟ فقال: (لواء الحمد لي وعليّ حامله، والكوثر لي وعليّ ساقيه، والجنّة والنار لي وعليّ قسيمهما. وأمّا الثلاث التي أعطيت لعليّ ولم أشاركه فيها: فإنّه أعطي شجاعة ولم أعط مثله، وأعطي فاطمة الزهراء زوجة ولم أعط مثلها، وأعطي ولديه الحسن والحسين ولم أعط مثلهما) انتهى.

نقلها لي البعض, واستشكل عليها، وقال: فيها غلو بعليّ بن أبي طالب!

وقال أيضاً: هل هذا معناه أنّ عليّ بن أبي طالب أفضل من رسول الله؟!!

فما الجواب بارك الله بكم؟


الصفحة 440
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الظاهر أنّ ما أورده الجزائري من الحديث وقع فيه التصحيف فهذا المتن: (أعطي شجاعة ولم أعط مثله)(1) لم نعثر عليه في غير (الأنوار النعمانية)! ولا يوجد في ما وصلنا من تراث الشيخ الصدوق رحمه الله.

وما وجد من النصوص في الروايات يختلف عمّا أورده رحمه الله، فأقدم مصدر ورد فيه الحديث، هو الصحيفة الواردة عن الإمام الرضا عليه السلام، وفيها بالإسناد، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا عليّ! إنّك أعطيت ثلاثاً ما أعطيت مثلهن، قلت: فداك أبي وأُمّي وما أعطيت؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: أعطيت صهراً مثلي، وأعطيت مثل زوجتك فاطمة، وأعطيت مثل ولديك الحسن والحسين)(2).

ورواه الصدوق (ت٣٨١هـ) في (عيون أخبار الرضا عليه السلام)، بأسانيده عن الصحيفة بمتن: (أعطيت صهراً مثلي) أيضاً(3).

وكذا رواه الشيخ الطوسي (ت٤٦٠هـ) بمتن: (أعطيت صهراً مثلي ولم أعط)، في أماليه بسنده إلى داود بن سليمان الغازي عن الرضا عليه السلام عن آباءه(4).

ورواه بالمتن نفسه مرسلاً عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الفتال النيسابوري (ت٥٠٨هـ) في (روضة الواعظين)(5)، والزرندي الحنفي (ت٧٥٠هـ) في (نظم درر السمطين)(6)، و(معارج

____________

1- الأنوار النعمانية ١: ١٦، الباب الأوّل نور نبوي.

2- صحيفة الإمام الرضا عليه السلام: ٢٤٧ الحديث (١٥٨).

3- عيون أخبار الرضا عليه السلام ٢: ٥٢ الحديث (١٨٨)، باب فيما جاء عن الرضا عليه السلام من الأخبار المجموعة.

4- الأمالي: ٣٤٥ الحديث (٧٠٨)، المجلس الثاني عشر.

5- روضة الواعظين: ١٢٨ مجلس في ذكر فضائل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه.

6- نظم درر السمطين: ١١٣ مناقب أمير المؤمنين.


الصفحة 441
الوصول)(1).

ورواه أيضاً الخوارزمي (ت٥٦٨هـ) في مناقبه(2) بسنده إلى صحيفة الرضا عليه السلام، وفي (مقتل الحسين عليه السلام)(3) بطريق ابن مردويه إلى صحيفة الرضا عليه السلام.

وأمّا أصل الحديث الذي نقله الجزائري، فلم يروه الصدوق رحمه الله، وإنّما رواه ابن شاذان القمّي (ت٦٦٠هـ) في (الروضة) و(الفضائل) عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنّه قال: (أعطيت ثلاثاً وعليّ مشاركني فيها، وأعطي عليّ ثلاثاً ولم أشاركه فيها)، فقيل له: يا رسول الله! وما هي الثلاث الذي شاركك فيها عليّ؟ فقال: (لي لواء الحمد وعليّ حامله، والكوثر وعليّ ساقيه، والجنّة والنار وعليّ قسيمهما أمّا الثلاث الذي أعطي عليّ ولم أشاركه فيها: أعطي حمواً مثلي ولم أعط مثله، وأعطي فاطمة زوجته ولم أعط مثلها، وأعطي الحسن والحسين ولم أعط ولداً مثلهما)(4).

وفي (الفضائل): (فأنّه أعطي رسول الله صهراً ولم أعط مثله)(5).

ومن الواضح أنّ (حمواً) في رواية (الروضة) تصحيف من (صهراً) في بقية الروايات، كما وصحّف في (البحار) إلى (فأنّه أعطي ابن عمّ مثلي)(6).

____________

1- معارج الوصول: ٤٧ في مكانته عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

2- مناقب الخوارزمي: ٢٩٤ الحديث (٢٨٥) الفصل التاسع عشر: في فضائل له شتى.

3- مقتل الحسين عليه السلام ١: ١٦٢ الحديث (٦٨) الفصل السادس في فضائل الحسن والحسين عليه السلام.

4- الروضة في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام: ٥٦ الحديث (٣٦) حديث علي قسيم الجنّة والنار.

5- الفضائل: ١١١ من فضائلة عليه السلام.

6- بحار الأنوار، للمجلسي ٣٩: ٩٠ الحديث (٣) باب (٧٤).


الصفحة 442
وورد من طرق أهل السُنّة أيضاً، فقد رواه أبو سعد الخركوشي (ت٤٠٦هـ) في (شرف المصطفى)(1)، وعنه المحب الطبري (ت٦٩٤هـ) في (الرياض النضرة)(2).

وأضاف ابن شهر آشوب إلى رواته مع الخركوشي، أبا الحسن بن مهروية القزويني، هذا(3).

وبما أوردناه من طرق الحديث ومتونه ــ وبأجمعها مصادر قبل ولادة الجزائري ــ يتّضح عدم ورود هكذا نصّ في مصادرنا الحديثية، وأنّ الجزائري رحمه الله أورده مصحفاً عن مصدره، فلا إشكال على متن الحديث من هذه الجهة.

وأمّا أفضلية السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام على جميع زوجات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك الحسن والحسين عليهما السلام على غيرهما الوارد في المتن، فإنّه وإن انفرد بهم عليّ عليه السلام، إلّا أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمكن أن يفضّل أيضاً بالقول: أنّ له بنتاً ليست مثلها لعليّ، وأنّ له أحفاداً ليس لعليّ مثلهم؛ وبالتالي يكون هذا التفضيل من وجه لا مطلقاً، وبه لا تتم أفضلية عليّ عليه السلام على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، بل الثابت عندنا هو أفضلية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على عليّ عليه السلام مطلقاً.

ومن ثمّ فلا مجال للقول بما تخرّصه إحسان إلهي ظهير إلّا في ذهنه المريض الحقود، فقال: ((وإنّنا لنرى بأنّ القوم لا يجعلون النبيّ أصلاً وجذراً يعظّم ويحترم عليّ لأجله ونسبته إليه، بل هم يعظّمونه ويحترمونه لعليّ؛ لأنّه أخذ ابنته، وجعله

____________

1- شرف المصطفى ٥: ٣٠٦ الحديث (٢٢٥٣)، باب فضل الحسن والحسين وآل البيت رضي الله عنهم.

2- الرياض النضرة ٣: ١٧٣، الباب الرابع في مناقب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، الفصل السادس في خصائصه.

3- مناقب آل أبي طالب ٣: ٥٥، باب في النكت واللطائف، فصل في مساواته للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.


الصفحة 443
قريبه وحبيبه. لذلك كلّ من اقترب من عليّ وناصره وساعده وأيّده ودخل في شيعته هو الأفضل والأعلى لا غير، وعلى ذلك اخترعوا تلك الرواية الغريبة العجيبة المكذوبة والموضوعة الباطلة...)).

ثم نقل ما أورده الجزائري في (الأنوار النعمانية) واتّهم المجلسي بأنّه زاد في (البحار) المطبوع في الهند: ((وخديجة كنّتك (أُمّ الزوجة) ولم أعط كنّة مثلها، ومثلي رحيمك ولا رحيم لي مثل رحيمك (أب الزوج)، وجعفر شقيقك وليس لي شقيق مثله، وفاطمة الهاشمية أُمّك وأنى لي مثلها))، ونحن لم نعثر على هذا الكلام في طبعتي (البحار) الحجرية والحروفية!

ثمّ عقّب باتهامه علماء الشيعة والكذب عليهم كعادته، فقال: ((وهذه الروايات إن دلّت ــ ومثلها كثيرة كثيرة ــ دلّت على حقيقة معتقدات القوم بأنّهم يعدّون عليّاً الأصل ونبيّنا[ صلى الله عليه وآله وسلم] الفرع، كما أنّهم يصرّحون بأفضليته على رسول الله سيّد الخلق [ صلى الله عليه وآله وسلم] وهذا ظاهر بيّن، لا شكّ فيه))(1).

فأنت ترى أنّه نقل رواية واحدة عن الجزائري لم يروها أحد قبله، فأين الروايات الكثيرة الكثيرة التي زعمها التي تدلّ على تفضيل علماء الشيعة لعليّ عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فضلاً عن تصريحهم بأفضليته على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما هو ظاهر لا شكّ فيه؟!!

فهل يشكّ بعد ذلك بكذب الرجل على الشيعة! وإلّا لماذا يبتر كلام الجزائري بعد أن أورد هذه الرواية، حيث أنّ الجزائري تنبّه إلى ما في الفقرة المعنية من ظاهر يعارض ما عليه إجماع الشيعة من اعتقادهم بأشجعية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال:

____________

1- الشيعة وآل البيت: ٢٠٣، الباب الثاني محدّثوا الشيعة وفقهاؤهم.


الصفحة 444
((وينبغي أن يراد في الشجاعة هنا إعمالها وممارسة الحروب والدخول فيها لا مبدأها من قوّة القلب والجرأة على اقتحام الحروب؛ لأنّ للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الحظّ الأوفر. نعم، لمّا كان هو الملك والسلطان لم يباشر الحروب بنفسه المباركة، بل تصدّى لها عليّ عليه السلام))(1).

(للإمامة مراتب متعدّدة)

« عماد علي ــ السعودية ــ إمامي »

السؤال:

إذا كان النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم يمتاز عن الأئمّة عليهم السلام بأنّ له النبوّة والإمامة, فكذلك النبيّ إبراهيم عليه السلام يمتاز عن الأئمّة عليهم السلام بأنّ له النبوّة والإمامة!

فهل هذا يدلّ على أنّ نبيّ الله إبراهيم عليه السلام أفضل من أئمّتنا عليهم السلام؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

المتحصّل من ظاهر الروايات، والواضح القطعي من كلمات العلماء والعرفاء، أنّ الأولياء يتفاوتون في درجاتهم، فهناك وليّ أفضل من ولّي، ومرادنا هنا الولاية التي هي رتبة الإمامة، فهناك إمام أفضل من إمام، فنحن نقول: إنّ أفضل الأولياء هو عليّ عليه السلام، ثمّ الحسن والحسين عليهما السلام، وأفضل منهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو أفضل وأقرب وليّ لله سبحانه وتعالى.

ومن هنا نقول أيضاً: إنّهم عليهم السلام وإن كانوا يشتركون في الولاية التي هي مرتبة الإمامة مع نبيّ الله إبراهيم عليه السلام، إلّا إنّ رتبتهم عليهم السلام في الولاية والإمامة أعلى من رتبة نبيّ الله إبراهيم عليه السلام، إذ الولاية والإمامة رتبة مشككة لا متواطئة.

____________

1- الأنوار النعمانية ١: ١٧، الباب الأوّل نور نبوي.


الصفحة 445

ومنشأ الإشكال ناتج من توهم أنّ المؤثر في الأفضلية هي جهة الكم فقط، فتكون بمجموع الكمالات مع النبوّة، ومن هنا يكون للنبوّة ــ وهي جزء من المجموع ــ تأثير في الأفضلية وجوداً وعدماً.

وهذا وَهم باطل! إذ لا يكون تامّاً إلّا على فرض التساوي في باقي الكمالات، فإذا وجدت النبوّة ارتفعت رتبة الفضيلة وإذا انتفت نقصت.

والحقّ، أنّه كما أنّ للكم تأثير في الفضيلة، فللكيف تأثيره أيضاً، إذ لهما المدخلية معاً في تحديد رتبة الفضيلة، فربّ وليّ وإمام أفضل بجميع كمالاته من دون نبوّة من وليّ وإمام بجميع كمالاته مع النبوّة، من جهة أنّ نوع كمالاته وشدّتها مؤثر في رفع درجة فضيلته على فضيلة ذلك النبيّ الإمام.

ولذا نحن نقول: بما أنّ الولاية والإمامة رتبة مشككة، فربّ مرتبة ولاية وإمامة بجميع كمالاتها أعلى منزلة وأفضل من مرتبة ولاية وإمامة أُخرى بجميع كمالاتها، حتّى وإن كانت أحدها النبوّة؛ فتأمّل جيداً!

تعليق (١):

« محمّد يونس ــ فرنسا ــ إمامي »

السلام عليكم..

ما الذي عنيتموه ــ جازاكم الله ــ بقولكم: إنّ الولاية والإمامة رتبة مشكّكة لا متواطئة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

التشكيك بحسب الاصطلاح الفلسفي، هو: التفاوت في الشدّة والضعف.


الصفحة 446
والذي أردنا قوله هنا: إنّ الولاية التي هي رتبة الإمامة ليست مرتبة واحدة، بل مراتب متعدّدة، فلذا يحصل التفاضل بين الأئمّة عليهم السلام لاختلاف رتبهم في الولاية.

تعليق (٢):

« أبو حيدر ــ الكويت ــ إمامي »

سلام عليكم..

السادة الأفاضل تحية عطرة..

سؤالي: ما معنى رتبة مشكّكة لا متواطئة؟

أرجو أن تشرحوها لنا أكثر مع جزيل الشكر والامتنان، مأجورين ويعطيكم العافية ببركة محمّد وآل محمّد.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الولاية التي هي الإمامة: هي رتبة وجودية كمالية لنفس الإمام، تمثل درجة قربه وفنائه في الله سبحانه تعالى، وهي ليست رتبة واحدة، بل رتب متعدّدة, وهذا الاختلاف في الرتب يسمّى تشكيكاً, فهناك وليّ وإمام مرتفع بدرجة ولايته وقربه من الله عن وليّ وإمام آخر، فكلّهم نالوا مرتبة الإمامة، ثمّ تفاوتوا في درجاتهم الكمالية الوجودية بشدّة قربهم وفنائهم في الله سبحانه تعالى, حتّى وصل نبيّنا إلى درجة قاب قوسين أو أدنى، وطبقاً لهذا التفاوت اختلفت درجاتهم.

والتشكيك يطلق على حقيقة واحدة لها مراتب متعدّدة كالنور والوجود.


الصفحة 447

(التفاضل بين المعصومين عليهم السلام)

« عبد الله ــ السعودية ــ إمامي »

السؤال:

من الثابت قطعاً وجود تفاضل بين المعصومين عليهم السلام، فالنبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم أفضل من الإمام عليّ عليه السلام، وهما أفضل من سائر المعصومين عليهم السلام.

فما معنى الأفضلية؟ وفيم يتفاضلون؟ وهل مقتضى التفاضل أن يكون النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أكثر معرفة واعتقاداً بالله عزّ وجلّ؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هناك شبه اتّفاق بين علمائنا ــ حسب التتبّع ــ على أنّ المراد من الأفضلية هو كثرة الثواب وأقربية المنزلة من الله تعالى، ويظهر من التتبّع القاصر أنّ هذا هو مراد علماء أهل السُنّة أيضاً.

قال الكراجكي في كتاب (التفضيل): ((إنّ الفضل المذكور، هو في الحقيقة عظمة المنزلة عند الله سبحانه المقتضية نعمة الفاضل في المعاد، وزيادة الفضل هو ارتفاع المنزلة المقتضي زيادة نعيم مستحقها، فالواصل إلى الفاضل في الآخرة من النعيم، أكثر من الواصل إلى المفضول.

ومنازل الفضل تتحصّل بشيئين:

أحدهما: خطير الأعمال التي متعاظمة معها مستحقّ الثواب، فإنّه لا شكّ في أنّ الثواب على الطاعات يتفاوت بحسب تفاوت الحسنات، كما أنّ العقاب على المعاصي يختلف بقدر اختلاف السيئات.


الصفحة 448

والآخر: التفضيل من الله تعالى والاختصاص، ولا لبس في أنّه سبحانه يختصّ برحمته من يشاء.

والسبيل إلى معرفة فضل الفاضل شيئان: أحدهما: طارق السمع. والآخر: الاعتبار))(1).

وهذا السيّد حسين الكركي الموسوي عند تعرّضه للتفاضل بين الأئمّة عليهم السلام، وأنّ الحسين والمهدي عليهما السلام أفضل من بين باقي الأئمّة، قال: ((بمعنى أنّهما أكثر ثواباً))(2).

وأيضاً العلاّمة محمّد باقر المازندراني، عند ذكره لتفضيل الأنبياء والأولياء على الملائكة، قال: ((هذا الباب معقود لبيان أنّ الأنبياء والأولياء أفضل من الملائكة بمعنى أكثر ثواباً))(3).

والتفاضل يقع في جميع الفضائل والعبادات، كالعلم والشجاعة والسخاء وغيرها وكالجهاد وكثرة العبادة والصبر، وغيرها.

(تصوير الأفضلية)

« م/ رياض »

السؤال:

الثابت لدينا أنّ أئمّتنا أفضل من الأنبياء والرسل ما خلا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن الإمام لا يري الوحي، بل يسمعه، فأين الأفضيلة؟

____________

1- التفضيل: ٨ ــ ٩ أصل في بيان الفضل.

2- دفع المناواة عن التفضيل والمساواة: ٢٢١ فاتحة في تفضيل الأئمّة فيما بينهم.

3- أنوار الرشاد للأمّة في معرفة الأئمّة: ٢٢٣ في تفضيل الأنبياء والأولياء على الملائكة.


الصفحة 449
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ملاك الأفضيلة وجود الصفات الكمالية من العلم والقدرة والشجاعة وغيرها بنحو أفضل وأكمل وأتم في الأئمّة الأطهار عليهم السلام، وكونهم أكثر قرباً وعبادة‌ وخضوعاً وخشوعاً ومعرفة وإخلاصاً لله تعالى، وصدور الأعمال والطاعات والآثار والبركات والمعاجز والكرامات أكثر من غيرهم، وليس ملاك الأفضيلة رؤية الملك وعدمها، أو نزول الوحي وعدمه.

(وجوه تفضيل عليّ عليه السلام على الأنبياء)

« سيّد مهدي ــ إيران ــ إمامي »

السؤال:

هل عليّ بن أبي طالب أفضل من كلّ الأنبياء؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

استدلّ على أفضلية أمير المؤمنين عليه السلام على الأنبياء عليهم السلام بوجوه كثيرة, منها الوجوه الثلاثة الآتية:

الأوّل: مسألة المساواة بين أمير المؤمنين عليه السلام والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

نستدلّ لذلك بالكتاب أوّلاً, بآية المباهلة, حيث تدلّ على المساواة في قوله تعالى: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ(1)، وليس المراد بقوله: ﴿وَأَنْفُسَنَا نفس النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنّ

____________

1- آل عمران (٣): ٦١.


الصفحة 450
الإنسان لا يدعو نفسه, بل المراد به غيره, وأجمعوا على أنّه لم يكن غيره صلى الله عليه وآله وسلم إلّا عليّ بن أبي طالب عليه السلام, فدلّت الآية على أنّ نفس عليّ عليه السلام هي نفس النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم, ولا يمكن أن يكون المراد منه أنّ هذه النفس هي عين تلك النفس، فالمراد أنّ هذه النفس مثل تلك النفس, وذلك يقتضي الاستواء في جميع الوجوه, إلّا في النبوّة والأفضليّة, لقيام الدلائل على أنّ محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم كان نبيّاً وما كان عليّ عليه السلام كذلك, ولانعقاد الإجماع على أنّ محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم كان أفضل من عليّ عليه السلام, فيبقى فيما وراءه معمولاً به, ثمّ إنّ محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم أفضل من سائر الأنبياء عليهم السلام، فيلزم أن يكون عليّ عليه السلام أفضل من سائر الأنبياء.

وأمّا المساواة بين أمير المؤمنين والنبيّ عليهما السلام من السُنّة, فهناك أدلّة كثيرة وأحاديث صحيحة معتبرة, متّفق عليها بين الطرفين, صريحة في هذا المعنى, أي: في أنّ أمير المؤمنين والنبيّ متساويان, إلّا في النبوّة والأفضلية.

من تلك الأحاديث, حديث النور: (كنت أنا وعليّ نوراً بين يدي الله تعالى قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فلمّا خلق الله آدم قسّم ذلك النور جزأين فجزء أنا وجزء عليّ)(1)، فهما مخلوقان من نور واحد, ولمّا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفضل البشر مطلقاً فعليّ عليه السلام كذلك, فهو أفضل من جميع الأنبياء.

الثاني: تشبيه أمير المؤمنين عليه السلام بالأنبياء السابقين.

ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: (من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه, وإلى نوح في فهمه, وإلى إبراهيم في حلمه, وإلى يحيى بن زكريا في زهده, وإلى موسى بن

____________

1- تذكرة الخواص، لابن الجوزي ١: ٣٢٠، الباب الثاني حديث فيما خلق منه عليّ عليه السلام، فضائل الصحابة، لابن حنبل: ٢٥٣ الحديث (١١٣٢)، مناقب الخوارزمي: ١٤٥ الحديث (١٦٩، ١٧٠)، مناقب عليّ بن أبي طالب، لابن المغازلي: ٩٣ الحديث (١١٤، ١١٥)، زين الفتى، للعاصمي ١: ١٢٩ الحديث (٣٤) الفصل الخامس.


الصفحة 451
الصفحة السابقةالصفحة التالية