المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 8) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج8 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 121 - ص 150) أمّا بعد: ما هو تفسير قوله تعالى في سورة النحل: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ(1)، ومن هم أهل الذّكر في هذه الآية؟

فإن كانوا آل البيت، فكيف يمكننا التواصل معهم وسؤالهم؟

مع الشكر الجزيل لكم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ لمعنى ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ مفهوم عام له مصاديق متعدّدة، ومن أبرز مصاديقه أهل البيت عليهم السلام، ولكن وردت روايات من طرق الفريقين ظاهرها تخصيص مفاد هذه الآية الكريمة بأهل البيت عليهم السلام.

روى الشيخ الكليني في (الكافي) بطريقه: ((عن عبد الله بن عجلان، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عزّ وجلّ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الذكر أنا والأئمّة أهل الذكر، وقوله عزّ وجلّ: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ(2)، قال أبو جعفر عليه السلام: (نحن قومه ونحن المسؤولون))).

وروى بطريقه: ((عن عبد الرحمن بن كثير، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ؟ قال: (الذكر محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، ونحن أهله المسؤولون).

قال: قلت: قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ؟ قال: (إيانا عنى، ونحن أهل الذكر، ونحن المسؤولون))).

____________

1- النحل (١٦): ٤٣.

2- الزخرف (٤٣): ٤٤.


الصفحة 122
وروى بطريقه: ((عن الوشاء، قال: سألت الرضا عليه السلام، فقلت له: جعلت فداك: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ؟ فقال: (نحن أهل الذكر، ونحن المسؤولون).

قلت: فأنتم المسؤولون ونحن السائلون؟

قال: نعم.

قلت: حقّاً علينا أن نسألكم؟

قال: نعم.

قلت: حقّاً عليكم أن تجيبونا؟

قال: لا، ذاك إلينا إن شئنا فعلنا وإن شئنا لم نفعل، أما تسمع قول الله تبارك وتعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ(1)))).

وروى في الصحيح بطريقه: ((عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذكر وأهل بيته عليهم السلام المسؤولون، وهم أهل الذكر)).

وروى في الموثّق بطريقه: ((عن أبي بكر الحضرمي، قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام ودخل عليه الورد أخو الكميت، فقال: جعلني الله فداك، اخترت لك سبعين مسألة ما تحضرني منها مسألة واحدة.

قال: ولا واحدة يا ورد؟!

قال: بلى قد حضرني منها واحدة.

قال: وما هي؟

قال: قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ، من هم؟

____________

1- ص (٣٨): ٣٩.


الصفحة 123
قال: نحن.

قال: قلت: علينا أن نسألكم؟

قال: نعم.

قلت: عليكم أن تجيبونا؟

قال: ذاك إلينا)).

وروى في الصحيح بطريقه: ((عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (إنّ من عندنا يزعمون أنّ قول الله عزّ وجلّ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ أنّهم اليهود والنصارى.

قال: إذاً يدعونكم إلى دينهم!

قال ــ قال بيده إلى صدره ــ : نحن أهل الذكر ونحن المسؤولون)))(1).

وفي مضمونها روايات كثيرة من طرقنا:

منها: ما أورده الصفّار في (بصائر الدرجات) في باب بعنوان (في أئمّة آل محمّد عليهم السلام أنّهم أهل الذكر الذين أمر الله بسؤالهم)، ذكر فيه ثمانٍ وعشرون رواية(2).

وروى الطبري من أهل السُنّة في تفسيره: ((حدّثه ابن أبي وكيع، قال: ثنا ابن يمان، عن إسرائيل، عن جابر، عن أبي جعفر: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ؟ قال: (نحن أهل الذكر)))(3).

____________

1- الكافي ١: ٢١٠ ــ ٢١١ كتاب الحجّة، باب إنّ أهل الذكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم هم الأئمّة عليهم السلام.

2- بصائر الدرجات: ٥٨ الجزء الأوّل، باب (١٩).

3- جامع البيان في تأويل آي القرآن ١٤: ١٤٥، قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إلّا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ).


الصفحة 124
قال العلاّمة الطباطبائي في (تفسير الميزان): ((في الكافي بإسناده عن عبد الرحمن بن كثير، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ؟ قال: (الذكر: محمّد، ونحن أهله المسؤولون...)، الحديث.

أقول: يشير عليه السلام إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولاً(1)، وفي معناه روايات كثيرة.

وفي (تفسير البرهان): عن البرقي، بإسناده عن عبد الكريم بن أبي الديلم، عن أبي عبد الله عليه السلام: قال جلّ ذكره: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ، قال: (الكتاب: الذكر، وأهله: آل محمّد عليهم السلام، أمر الله عزّ وجلّ بسؤالهم، ولم يأمر بسؤال الجهّال، وسمّى الله عزّ وجلّ القرآن ذكراً، فقال تبارك وتعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(2)، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ).

أقول: وهذا احتجاج على كونهم أهل الذكر، بأنّ الذكر هو القرآن وأنّهم أهله، لكونهم قوم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والآيتان في آخر الكلام للاستشهاد على ذلك كما صرّح بذلك في غيره من الروايات، وفي معنى الحديث أحاديث أُخر.

وفي (تفسير العيّاشي): عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قلت له: إنّ من عندنا يزعمون أنّ قول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ أنّهم اليهود والنصارى، فقال: (إذاً يدعونكم إلى دينهم)، قال: ثمّ قال

____________

1- الطلاق (٦٥): ١٠ ــ ١١.

2- النحل (١٦): ٤٤.


الصفحة 125
بيده إلى صدره: (نحن أهل الذكر، ونحن المسؤولون)، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: (الذكر القرآن).

أقول: وروى نظير هذا البيان عن الرضا عليه السلام، في مجلس المأمون...)).

ثمّ قال: ((وأمّا إذا أُخذ قوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ في نفسه مع قطع النظر عن المورد، ومن شأن القرآن ذلك ــ ومن المعلوم أنّ المورد لا يخصّص بنفسه ــ كان القول عامّاً من حيث السائل والمسؤول. والمسؤول عنه ظاهراً، فالسائل كلّ من يمكن أن يجهل شيئاً من المعارف الحقيقية والمسائل من المكلّفين, والمسؤول عنه جميع المعارف والمسائل التي يمكن أن يجهلها جاهل، وأمّا المسؤول فإنّه وإن كان بحسب المفهوم عامّ، فهو بحسب المصداق خاصّ وهم أهل بيت النبيّ عليه وعليهم السلام.

وذلك أنّ المراد بالذكر إن كان هو النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كما في آية الطلاق، فهم أهل الذكر، وإن كان هو (القرآن) كما في آية الزخرف، فهو ذكر للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ولقومه، وهم قومه أو المتّيقن من قومه، فهم أهله وخاصّته وهم المسؤولون، وقد قارنهم صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن، وأمر الناس بالتمسّك بهما في حديث الثقلين المتواتر، قائلاً: (إنّهما لن يفترقا حتّى يردا علَيَّ الحوض)))(1).

أمّا كيفية الأخذ من أهل البيت عليهم السلام، فإنّه في عصر ظهورهم كان بالرجوع إليهم مباشرة، وأمّا في عصر غيبتهم، فيكون بالرجوع إلى أقوالهم وتعاليمهم، وإنّ التبس علينا حال كلامهم فبالرجوع إلى الفقهاء الذين يفقهون كلامهم، يبيّنون لنا مرادهم، ويحلّون لنا عُقَد مسائلنا.

____________

1- تفسير الميزان ١٢: ٢٨٤ ــ ٢٨٥.


الصفحة 126

(ذكر أهل البيت عليهم السلام في الكتب السماوية)

« حامد فرحاني ــ تونس ــ مستبصر »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هل صحيح أنّ أهل البيت عليهم السلام قد ذكروا في الكتب السماوية الأُخرى كالتوراة والإنجيل، وما الدليل على ذلك؟

ودمتم موفقين.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ألّف عدّة باحثين كتب خاصّة في هذه البشارات من الكتابين المقدّسين عند اليهود والنصارى، العهد القديم (التوراة)، والعهد الجديد (الإنجيل).

فقد ذكر الباحث (عودة مهاوش الأردني) في كتابه القيّم (الكتاب المقدّس تحت المجهر) بعض البشارات التي وردت فيهما:

منها ما جاء في سفر التثنية من البشارة بمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم: ((أقيم لهم نبيّاً من وسط إخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكلّ ما أوصيه به))(1).

قال عودة مهاوش: فقوله: ((أقيم لهم نبيّاً من وسط إخوتهم))، يحتم أن يكون هذا النبيّ من أولاد إسماعيل وليس من أولاد إسحاق))(2).

ثمّ أورد نصوصاً أُخر تبشّر بنبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم في العهدين، منها: إنّ اسمه (فارقليط)، لك أن تراجعها في مضانّها(3).

____________

1- العهد القديم، سفر التثنية ١٨/١٨.

2- الكتاب المقدّس تحت المجهر: ٢٣ الفصل الأوّل.

3- الكتاب المقدّس تحت المجهر: ١٣٨، ١٤٠، ١٤٨، ١٥٠.


الصفحة 127
وأمّا بخصوص البشارات بأهل البيت عليهم السلام، فقد أورد ما جاء في سفر التكوين: ((وإبراهيم يكون أُمّة كبيرة وقوّية، ويتبارك به جميع أُمّم الأرض، لأنّي عرفته لكي يوصي بنيه وبيته من بعده أنّ يحفظوا طريق الربّ ليعملوا برّاً وعدلاً، لكي يأتي الربّ لإبراهيم بما تكلّم به))(1).

وكذلك ما جاء في أعمال الرسل من العهد الجديد: ((أنتم أبناء الأنبياء، والعهد الذي عاهد به الله آباءنا قائلاً لإبراهيم: وبنسلك تتبارك جميع قبائل الأرض))(2).

وقد بيّن هذا النسل المبارك والكثير بقوله في (سفر التكوين): ((وأمّا إسماعيل فقد سمعت لك فيه، ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيراً جدّاً، اثني عشر رئيساً يلد وأجعله أُمّة كبيرة))(3).

فربطها المؤلّف(حفظه الله) مع نصّ في الإنجيل ينصّ على البشارة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبقائه مع المؤمنين إلى الأبد، فقال المسيح في (إنجيل يوحنا): ((وأنا أطلب من الأب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد))(4).

فبقاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (المعزي) مع المؤمنين إلى الأبد يقصد منه ما نصّ عليه العهد القديم من ذرّية إسماعيل المباركة وهم أولاده الاثنى عشر رئيساً.

فهؤلاء الأئمّة الاثنا عشر من أهل بيت النبيّ هم امتداد وبقاء ذلك المعزي الخاتم من بعده وإلى يوم القيامة، أو بالأحرى وحتّى نزول عيسى المسيح عليه السلام إلى الأرض والصلاة خلف آخرهم.

____________

1- العهد القديم، سفر التكوين ١٨/١٨، ١٩.

2- العهد الجديد، أعمال الرسل ٣/٢٥.

3- العهد القديم، سفر التكوين ١٧/٢٠.

4- العهد الجديد، إنجيل يوحنا ١٤/١٦.


الصفحة 128
حتّى قال ابن تيمية وتلميذه ابن كثير بأنّ اليهود لجهلهم حينما يسلمون فإنّهم يصبحون شيعة اثني عشرية لأجل هذه الفقرة التي تبشّر بالأئمّة الاثني عشر(1).

وقد ذكر المؤلّف أيضاً بعض الإشارات عن الإمام الحسين عليه السلام، ومن ينتقم له من قتلته وهو الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف من سفر (أرميا)، والنصّ هو: ((أعدّوا المجن والترس وتقدّموا للحرب. أسرجوا الخيل واصعدوا أيّها الفرسان وانتصبوا بالخوذ. اصقلوا الرماح، البسوا الدروع... الخوف حواليهم يقول الربّ. الخفيف لا ينوص والبطل لا ينجو. في الشمال بجانب نهر الفرات عثروا وسقطوا! من هذا الصاعد كالنيل كأنهار تتلاطم أموأجها...)).

إلى أن يقول: ((اصعدي أيتها الخيل وهيجي أيتها المركبات ولتخرج الأبطال، كوش وفوط القابضان المجن واللوديون القابضون والمادّون القوس. فهذا اليوم للسيّد ربّ الجنود يوم نقمة للانتقام من مبغضيه فيأكل السيف ويشبع ويرتوي من دمهم)).

ثمّ تذكر التوراة أنّ السبب في هذا الانتقام من الأعداء هو: ((لأنّ للسيّد ربّ الجنود ذبيحة في أرض الشمال عند نهر الفرات))(2).

وقال: وقد أورد صاحب كتاب (البحث عن الحقيقة ص٤٩) بالانجليزية هذا النصّ أيضاً كأحد أدلّة التوراة على خروج صاحب الزمان وقتل أعداء الله(3)؛ فراجع!

____________

1- منهاج السُنّة ٨: ٢٤٢ الردّ على كلام الرافضي في فضائل عليّ النفسانية والبدنية والخارجية، البداية والنهاية ٦: ٢٨٠ كتاب دلائل النبوة، باب ما أخبر به صلى الله عليه وسلم من الكائنات المستقلة في حياته وبعده، الإخبار عن الأئمّة الاثني عشر.

2- العهد القديم، أرميا ٤٦/٢ ــ ١١.

3- الكتاب المقدّس تحت المجهر: ١٥٠ ــ ١٥٥.


الصفحة 129
أمّا الباحث كاظم النصيري الواسطي، فقد أضاف في كتابه (أهل البيت عليهم السلام في الكتاب المقدّس) إلى النصوص المتقدّمة ما أخبر به (يوحنّا) عن الإمام الحسين عليه السلام.

فقد نقل ما جاء في رؤيا يوحنّا إلى العربية بما معناه: ((إنّك الذي ذبحت وقدّمت دمك الطاهر قرباناً للربّ، ومن أجل إنقاذ الشعوب والأُمم، وسينال هذا الذبيح المجد والعزّة والكرامة وإلى الأبد، لأنّه جسّد البطولة والتضحية بأعلى مراتبها))(1).

ثمّ قال: يشير النص العبري إلى الإمام الحسين عليه السلام من خلال ما جاء على لسان (يوحنّا) بأنّه المذبوح الذي ضحّى بنفسه وأهل بيته من أجل الله، وأنّه سينال المجد والعزّة على مرّ العصور(2).

وأشار إلى ما جاء في (سفر إشعياء) بخصوص الإمام المهدي عليهم السلام:

((ويخرج قضيب من جذع يسّى وينبت غصن من أصوله، ويحلّ عليه روح الربّ روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوّة روح المعرفة ومخافة الربّ، ولذته تكون في مخافة الربّ فلا يقضي بحسب نظر عينيه ولا يحكم بحسب سمع أذنيه، بل يقضي بالعدل للمساكين ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض ويضرب الأرض بقضيب فمه ويميت المنافق بنفخة شفتيه، ويكون البرّ منطقة متنيه والأمانة منطقة حقوية، فيسكن الذئب مع الخروف ويربض النمر مع الجدي والعجل والشبل والمسمن معاً وصبي صغير يسوقها، والبقرة والدبة ترعيان تربض أولادهما معاً والأسد كالبقر يأكل تبناً، ويلعب الرضيع على سرب الصل ويمد

____________

1- انظر: العهد الجديد، رؤيا يوحنا ٥/٩ ــ ١٢.

2- أهل البيت عليهم السلام في الكتاب المقدّس: ١١٤ الفصل الثالث، يوحنّا يخبر عن المذبوح في كربلاء.


الصفحة 130
الفطيم يده على جحر الأفعوان، لا يسوؤون ولا يفسدون في كلّ جبل قدسي لأنّ الأرض تمتلئ من معرفة الربّ كما تغطي المياه البحر، ويكون في ذلك اليوم أنّ أصل يسّى القائم راية للشعوب إيّاه تطلب الأُمم ويكون محلّه مجداً))(1).

نقول: إذا فسّرنا لفظة (يسّى) بـ﴿يس(2) وهو اسم نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم كما ورد في كتاب الله العظيم، يتّضح المعنى بصورة جليّة.

ثمّ إنّ ما ورد في هذا النصّ على لسان إشعياء قد جاءت به روايات متضافرة عندنا، من نزول روح القدس مع المهدي عليه السلام، وأنّه لا يحكم بالظاهر وإنّما بعلمه، وأنّ السلام يسود الأرض، بحيث يرعى الذئب والغنم معاً.. الخ.

وأمّا الباحث (تامر مير مصطفى) فقد أورد ما أنشده داود عليه السلام في مزاميره عن السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام بنت النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وأولادها الأئمّة عليهم السلام: ((كلّها مجد ابنة الملك في خدرها، منسوجة بذهب ملابسها، بملابس مطرزة تحضر إلى الملك، في إثرها عذارى صاحباتها، مقدّمات إليك، يحضرن بفرح وابتهاج، يدخلن إلى قصر الملك، عوضاً عن آبائك يكون بنوك، تقيمهم رؤساء في كلّ الأرض، أذكر اسمك في كلّ دور فدور، من أجل ذلك تحمدك الشعوب إلى الدهر والأبد))(3).

وأورد قول داود عليه السلام الآخر في مدح النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وابنه المهدي عليه السلام: ((اللّهمّ أعط أحكامك للملك وبرك لابن الملك، يدين شعبك بالعدل ومساكينك بالحقّ، تحمل الجبال سلاماً للشعب والآكام بالبرّ، يقضي لمساكين الشعب. يخلص بني

____________

1- العهد القديم، سفر إشعياء ١١/١ ــ ١٠.

2- يس (٣٦): ١.

3- الكتاب المقدّس، العهد القديم، المزامير ٤٥/١٣ ــ ١٧، انظر: بشائر الأسفار بمحمّد وآله الأطهار: ١٠١ البشارة الرابعة.


الصفحة 131
البائسين ويسحق الظالم، يخشونك ما دامت الشمس وقدام القمر إلى دور فدور، ينزل مثل المطر على الجزاز ومثل الغيوث الذارفة على الأرض، يشرق في أيامه الصديق وكثرة السلام إلى أن يضمحل القمر، ويملك من البحر إلى البحر ومن النهر إلى أقاصي الأرض، أمامه تجثو أهل البرية وأعداؤه يلحسون التراب، ملوك ترشيش والجزائر يرسلون تقدمة. ملوك شبا وسبأ يقدمون هدية، ويسجد له كلّ الملوك. كلّ الأُمم تتعبّد له))(1).

وأورد نبوءة يعقوب لابنه يهوذا: ((يهوذا إيّاك يحمد إخوتك، يدك على قفا أعدائك، يسجد لك بنو أبيك، يهوذا جرو أسد من فريسة صعدت يا ابني جثا وربض كأسد وكلبوة من ينهضه، لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتّى يأتي شيلون (شيلوه) وله يكون خضوع شعوب))(2).

نقول: الظاهر أنّ لفظة (شيلون) أو (شيلوه) إشارة إلى الإمام المهدي عليه السلام، فهو الذي يخضع كلّ الشعوب، وإن حملها (تامر مير مصطفى) في كتابه على النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم(3).

وكذا أورد ما تمثّل ليوحنّا في رؤياه من الظلم الذي سيقع على ولد فاطمة عليها السلام وظهور ولدها المهدي عليه السلام وعلامة الصيحة في السماء: ((وظهرت آية عظيمة في السماء امرأته متسربلة بالشمس والقمر تحت رجليها وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكبا، وهي حبلى تصرخ متمخّضة ومتوجعة لتلد، وظهرت آية أُخرى في

____________

1- الكتاب المقدّس، العهد القديم، المزامير ٧٢/١ ــ ١١، انظر: بشائر الأسفار بمحمّد وآله الأطهار: ١٣٠ البشارة الخامسة.

2- الكتاب المقدّس، العهد القديم، سفر التكوين ٤٩/٨ ــ ١٠، انظر: بشائر الأسفار بمحمّد وآله الأطهار: ١٦٧ البشارة السابعة.

3- بشائر الأسفار بمحمّد وآله الأطهار: ١٦٧ ــ ١٦٩ البشارة السابعة.


الصفحة 132
السماء، هو ذا تنين عظيم أحمر له سبعة رؤوس وعشرة قرون وعلى رؤوسه سبعة تيجان، وذنبه يجر ثلث نجوم السماء، فطرحها إلى الأرض، والتنين وقف أمام المرأة العتيدة أن تلد حتّى يبتلع ولدها متى ولدت، فولدت ابنا ذكراً عتيداً أن يرعى جميع الأمم بعصا من حديد، واختطف ولدها إلى الله وإلى عرشه، والمرأة هربت إلى البرية حيث لها موضع معد من الله لكي يعولوها هناك ألفاً ومئتين وستّين يوماً، وحدثت حرب في السماء، ميخائيل وملائكته حاربوا التنين وحارب التنين وملائكته، ولم يقووا فلم يوجد مكانهم بعد ذلك في السماء، فطرح التنين العظيم الحيّة القديمة المدعو إبليس والشيطان الذي يضلّ العالم كلّه طرح إلى الأرض وطرحت معه ملائكته، وسمعت صوتاً عظيماً قائلاً في السماء: الآن صار خلاص إلهنا وقدرته وملكه وسلطان مسيحه، لأنّه قد طرح المشتكي على إخوتنا الذي كان يشتكي عليهم أمام إلهنا نهاراً وليلاً، وهم غلبوه بدم الخروف وبكلمة شهادتهم ولم يحبّوا حياتهم حتّى الموت، من أجل هذا افرحي أيّتها السماوات والساكنون فيها، ويل لساكني الأرض والبحر لأنّ إبليس نزل إليكم وبه غضب عظيم عالماً أنّ له زماناً قليلاً، ولمّا رأى التنين أنّه طرح إلى الأرض اضطهد المرأة التي ولدت الابن الذكر، فأعطيت المرأة جناحي النسر العظيم لكي تطير إلى البرية إلى موضعها حيث تعال زماناً وزمانين ونصف زمان من وجه الحيّة، فألقت الحيّة من فمها وراء المرأة ماء كنهر لتجعلها تحمل بالنهر، فأعانت الأرض المرأة وفتحت الأرض فمها وابتلعت النهر الذي ألقاه التنين من فمه، فغضب التنين على المرأة وذهب ليصنع حرباً مع باقي نسلها الذين يحفظون وصايا الله وعندهم شهادة يسوع المسيح))(1).

____________

1- الكتاب المقدّس، العهد الجديد، رؤيا يوحنّا ١٢/١ ــ ١٧، انظر: بشائر الأسفار بمحمّد وآله الأطهار: ٢١٩ البشارة العاشرة.


الصفحة 133
قال (تامر مير مصطفى): والحقيقة أنّ رؤيا يوحنّا هذه جاءت لتروي لنا بإسلوب كنائي ملحمة آل بيت رسول الله محمّد صلى الله عليه وآله وسلم الجهادية في دفاعهم عن دين الله الحنيف ضدّ أصحاب الهوى والضلال...

ثمّ قال: وقد أثبتت الأحداث التاريخية صحّة ما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا: (...وإنّ أهل بيتي سيلقون بعدي بلاء وتشريداً...)(1). كما إنّ ما جاء في هذا الحديث النبوي الشريف يتطابق تمام المطابقة مع ما جاء في رؤيا يوحنّا الثانية عشرة التي تتحدّث عمّا ستلقاه المرأة العتيدة ونسلها من بعدها من عَنَت وظلم على يد الطغاة والظالمين الذين استحبوا الدنيا على الآخرة وعملوا بما أملته عليهم أهواؤهم تاركين ما قاله الله ورسوله وراء ظهورهم...

إلى أن قال: فهذه المرأة العظيمة عند الله والمجاهدة المضطهدة في الأرض ما هي إلّا الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام بنت محمّد المصطفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهي قد تسربلت بشمس رسالة أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو حقّاً شمس الإنسانية الساطعة، أمّا القمر الذي تستند إليه فهو يرمز إلى زوجها عليّ بن أبي طالب عليه السلام الذي يتلقى النور من شمس النبوّة فيعكسه ليضيء به الأرض ويخرجها (في حالة غياب الشمس عنها) من ظلمات الجهل والضلالة إلى نور الإيمان والمعرفة والاستقامة، أمّا الكواكب الاثنا عشر التي تشكّل الإكليل الذي يزيّن رأسها الشريف فهي ترمز إلى الأئمّة الاثني عشر من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(2).

____________

1- انظر: سنن ابن ماجة ١٢: ١٣٦٦ الحديث ٤٠٨٢، باب خروج المهدي، المصنّف، لابن أبي شيبة ٨: ٦٩٧ الحديث ٧٤ ما ذكر في عثمان.

2- بشائر الأسفار بمحمّد وآله الأطهار: ٢٢٩ ــ ٢٣٢ البشارة العاشرة.


الصفحة 134
وفي النهاية أورد رؤيا يوحنّا التاسعة عشرة بخصوص وقوع الملحمة الكبرى ومجيء المهدي المنتظر عليه السلام وانتصاره على أعدائه: ((ثمّ رأيت السماء مفتوحة، وإذا فرس أبيض والجالس عليه يدعى أميناً وصادقاً، وبالعدل يحكم ويحارب، وعيناه كلهيب النار، وعلى رأسه تيجان كثيرة، وله اسم مكتوب ليس أحد يعرفه إلّا هو، وهو متسربل بثوب مغموس بدم، ويدعى اسمه كلمة الله، الأجناد الذين في السماء كانوا يتبعونه على خيل بيض لابسين بزّاً أبيض ونقيّاً، ومن فمه يخرج سيف ماض لكي يضرب به الأُمم، وهو سيرعاهم بعصا من حديد، وهو يدوس معصرة خمر سخط وغضب الله القادر على كلّ شيء، وله على ثوبه وعلى فخذه اسم مكتوب: ملك الملوك وربّ الأرباب))(1).

(أسماؤهم أوّل الأسماء)

« محرّم البياتي ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

يقال بأنّ اسم (محمّد) كان موجوداً في العرب قبل بعثة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لعدّة أشخاص، فهل كان اسم (عليّ) مستعملاً أيضاً في أشخاص قبل الإمام عليّ عليه السلام؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

____________

1- الكتاب المقدّس، العهد الجديد، رؤيا يوحنّا ١٩/١١ ــ ١٦، انظر: بشائر الأسفار بمحمّد وآله الأطهار: ٢٧٠ البشارة العاشرة.


الصفحة 135
أسماء أهل البيت عليهم السلام ولاسيما أهل الكساء هي أوّل أسماء الناس؛ لأنّهم عليهم السلام قد تسمّوا بها من قبل الله عزّ وجلّ قبل أن يُخلق آدم عليه السلام، وأنّ أسماء هؤلاء الخمسة مكتوبة على ساق العرش قبل خلق السماوات والأرض(1)..

أمّا من الناحية التاريخية، فالظاهر أنّ اسم (محمّد) وكذلك اسم (عليّ) قد تسمّى بهما غيرهما عليهما السلام من العرب قبل ولادتهما المشرّفة، فعليّ بن أُميّة بن خلف(2) سمّي عليّاً وهو أكبر من عليّ عليه السلام بخمسين سنة، وعليّ بن بكر بن وائل(3) كان اسمه علي وقد عاش قبل أمير المؤمنين عليه السلام بعدّة قرون.

وعليه فإنّ ما اشتهر بين الناس من أنّ محمّداً وعليّاً أوّل من تسمّى بهما النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام ناظر إلى أنّ الله عزّ وجلّ قد سمّاهما بذلك قبل خلق بني آدم، فأسماء أهل البيت عليهم السلام مشهورة في العالم الأعلى لدى سكان السماوات من الملائكة والروحانيين قبل أن يعلموا أنّ الله سيخلق آدم عليه السلام وأنّهم سوف يكونون من ذرّيته.

(كتابة أسمائهم عليهم السلام على العرش)

« علي اللامي ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

هناك روايات تذكر وجود كتابات على العرش، ومن جهة أُخرى تذكر الروايات بأنّ العرش هو العلم.

____________

1- انظر: الخصال، للصدوق: ٦٣٤ ما وجد على ساق العرش مكتوباً، الاختصاص، للمفيد: ١٠٩.

2- انظر: الاستيعاب، لابن عبد البرّ ٢: ٤١٨ (٥٩٠) خارجة بن زيد.

3- انظر: الطبقات الكبرى، لابن سعد ١: ٦٥ ذكر أُمّهات آباء رسول الله.


الصفحة 136
فكيف يتم التوفيق بين هذه الروايات؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ظاهر الأخبار التي تتحدّث عن وجود ثمّة كتابات على العرش، لا يدلّ بالضرورة على الكتابة بالقلم والمداد كما هو متعارف بين الناس.

أمّا (العرش) فالمراد به إمّا معناه الظاهر؛ إذ لا يبعد أن يكون لله تعالى عرش جسماني يتعبّد به طائفة من خلقه، كما أنّ له بيتاً ومسجداً.

وإمّا على نحو التمثيل والتخيّل، فالكتابة التي على العرش تنسجم مع المعنى الأوّل، وإن كان لها على الثاني وجه صحيح أيضاً، وهو أنّ (العرش) كناية عن سلطته عزّ شأنه وإحاطته وقيوميّته، والكتابة على العرش ربّما دلّت على ما حتّمه الله وقدّره منذ الأزل ممّا له عظم شأن وجلالة قدر.

فكتابة أسماء أهل البيت عليهم السلام على العرش(1)، أو على قوائم العرش(2)، أو يمين العرش(3)، أو ساق العرش(4)، على اختلاف الروايات، إنّما تدلّ على مزيد عناية الله

____________

1- انظر: الأمالي، للصدوق: ٢٨٤ المجلس (٣٨) الحديث (٣١٢)، كفاية الأثر، للخزّاز: ١٨٥، باب ما جاء عن أُمّ سلمة، روضة الواعظين، للفتّال: ٤٢، وغيرها.

2- انظر: بصائر الدرجات، للصفّار: ١٤١ ج٢ باب ٣ نادر من الباب ح١، الكافي، للكليني ١: ٢٢٤ كتاب الحجّة، باب أنّ الأئمّة ورثوا علن النبيّ وجميع الأنبياء والأوصياء ح٢، مستدرك الوسائل، للنوري ٢: ٢٣٩ أبواب الكفن، باب (٢٨) الحديث (١٨٧٨).

3- انظر: إكمال الدين وإتمام النعمة، للصدوق: ٢٦٥، باب (٢٤) الحديث (١١)، وغيره.

4- انظر: معاني الأخبار، للصدوق: ١٢٤، باب معنى الشجرة التي أكل منها آدم وحواء، عيون أخبار الرضا عليه السلام، للصدوق ١: ٢٣٨ باب (٢٦)، المعجم الكبير، للطبراني ٢٢: ٢٠٠ هلال بن حارث، شواهد التنزيل، للحسكاني ١: ٢٩٣ (٣٠٠)، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٤٢: ٣٣٦ ترجمة الإمام عليّ، وغيرها.


الصفحة 137
تعالى بهؤلاء الصفوة، وعظيم خطرهم، وعلوّ مقامهم، وإنّما جعلت الكتابة على العرش لما يريد الله عزّ وجلّ لهم من مزيد الاختصاص والاصطفاء، فنسب كتابة أسمائهم إلى أعظم شيء خلقه في عالم الجسمانيات، ولذلك ورد في الأخبار أنّ أسماءهم عليهم السلام قد كتبت بسطر من نور(1)، وفي ذلك من تمام التشريف لهم والعناية بهم ما لا يخفى على البصير الفطن؛ فتأمّل!

وهناك معانٍ أُخرى فلسفية وعرفانية يمكنك مطالعتها في مضانّها.

(اشتقاق أسماء أهل البيت عليهم السلام من أسماء الله تعالى، بأي معنى؟)

« حسين ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

الدعاء المشهور: (يا محمود بحقّ محمّد، يا عالي بحقّ عليّ، يا فاطر بحقّ فاطمة، يا محسن بحقّ الحسن، يا قديم الإحسان بحقّ الحسين)..

لديّ سؤالان عن هذا الدعاء:

١ــ ما هي مصادر هذا الدعاء؟

٢ــ ما العلاقة بين الأسماء المقدّسة للمعصومين عليهم السلام والصفات الإلهية المقدّسة المذكورة. هل هي علاقة لغوية؟

____________

1- الثاقب في المناقب، لابن حمزة: ١٣٢ الباب الثاني، الفصل (٢)، النوادر، للراوندي: ٢٤٥، مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب ٢: ١٥٨، مهج الدعوات ونهج العبادات، لابن طاووس: ٨٥.


الصفحة 138
فإذا كانت لغوية، فما وجه الارتباط بين فاطر وفاطمة؟

وإذا كانت من نوع آخر، فما هو؟

أفيدونا أفادكم الله وشكراً.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: جاء في كتاب (منتخب الطريحي) للشيخ فخر الدين الطريحي (ت١٠٨٥هـ):

((وروى صاحب (الدرّ الثمين) في تفسير قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ(1): أنّه رأى ساق العرش والأسماء عليه، فلقّنه جبرائيل، وقال له: قل

يا حميد بحقّ محمّد، يا عالي بحقّ عليّ، يا فاطر بحقّ فاطمة، يا محسن بحقّ الحسن، يا قديم الإحسان بحقّ الحسين.

فلمّا ذكرت الحسين سالت دموعه وانخشع قلبه، وقال: يا أخي جبرائيل! في ذكر الخامس ينكسر قلبي وتسيل عبرتي؟

قال جبرائيل: ولدك هذا يصاب بمصيبة وتقصر عندها المصائب.

فقال: يا أخي وما هي؟

قال: يقتل عطشاناً غريباً وحيداً فريداً، ليس له ناصر ولا معين، ولو تراه يا آدم ينادي: وا عطشاه.. وا قلّة ناصراه.. حتّى يحول العطش بينه وبين السماء كالدخان، فلم يجبه أحد إلّا بالسيوف، وشرب الحتوف، فيذبح ذبح الشاة من قفاه، ويكسب رحله أعداء، وتشهر رؤوسهم هو وأنصاره في البلدان، ومعهم النسوان، سبق في علم الواحد المنان.

____________

1- البقرة (٢): ٣٧.


الصفحة 139
فبكى آدم مع جبرائيل بكاء الثكلى))(1).

وهناك روايات كثيرة بألفاظ مختلفة ورد فيها اشتقاق أسمائهم عليهم السلام من أسمائه:

ففي تفسير الإمام العسكري عليه السلام: بصيغة: (هذا محمّد وأنا المحمود الحميد في أفعالي، شققت له اسماً من اسمي.

وهذا عليّ، وأنا العليّ العظيم، شققت له اسماً من اسمي.

وهذه فاطمة وأنا فاطر السماوات والأرض، فاطم أعدائي عن رحمتي يوم فصل قضائي، وفاطم أوليائي عمّا يعرهم ويسيئهم، فشققت لها اسماً من اسمي.

وهذان الحسن والحسين وأنا المحسن والمجمل، شققت اسميهما من اسمي...)(2).

ورواها القاضي النعمان في (شرح الأخبار) بصيغة: (هؤلاء خمسة اشتققت لهم أسماء من أسمائي، فأنا المحمود وهذا محمّد، وأنا الأعلى وهذا عليّ، وأنا الفاطر وهذه فاطمة، وأنا الإحسان وهذا حسن، وأنا المحسن وهذا الحسين...)(3).

ورواها بصيغة أُخرى: (هؤلاء خمسة من ولدك، لعظيم حقّهم عندي اشتققت لهم خمسة أسماء من أسمائي، فأنا المحمود وهذا محمّد، وأنا العليّ وهذا عليّ، وأنا الفاطر وهذه فاطمة، وأنا المحسن وهذا الحسن، وأنا الإحسان وهذا الحسين...)(4).

____________

1- المنتخب في جمع المراثي والخطب ١: ١٣٢ المجلس السابع في الليلة الرابعة من عشر محرم، الباب الثاني، وعنه بحار الأنوار، للمجلسي ٤٤: ٢٤٥ الحديث (٤٤) أبواب ما يختص بالحسين عليه السلام، باب (٣٠).

2- تفسير الإمام العسكري عليه السلام: ٢٢٠ الحديث (١٠٢) سورة البقرة آية (٣٤).

3- شرح الأخبار ٢: ٥٠٠ الحديث (٨٨٤).

4- شرح الأخبار ٣: ٦ الحديث (٩٢٣).


الصفحة 140
ورواه الحمويني في (فرائد السمطين) بصيغة: (اشتق الله تعالى لنا من أسمائه أسماء، فالله عزّ وجلّ محمود وأنا محمّد، والله الأعلى وأخي عليّ، والله الفاطر وابنتي فاطمة، والله محسن وابناي الحسن والحسين...)(1).

ورواها الحاكم الجشمي في (تنبيه الغافلين) بصيغة: (هؤلاء الصفوة من نوري، اشتققت أسماءهم من اسمي، فأنا الله المحمود وهذا محمّد، وأنا العليّ وهذا عليّ، وأنا الفاطر وهذه فاطمة، وأنا المحسن وهذا الحسن، ولي الأسماء الحسنى وهذا الحسين...)(2).

ورواها السيّد شرف الدين الأسترابادي في (تأويل الآيات الظاهرة) عن كتاب (تأويل ما نزل من القرآن الكريم) لابن الجحام، بصيغة: (يا محمّد! إنّي أنا الله لا إله إلّا أنا العليّ الأعلى، وهبت لأخيك اسماً من أسمائي فسمّيته عليّاً، وأنا العليّ الأعلى.

يا محمّد! إنّي أنا الله لا إله إلّا أنا فاطر السماوات والأرض، وهبت لابنتك اسماً من أسمائي فسمّيتها فاطمة، وأنا فاطر كلّ شيء.

يا محمّد! إنّي أنا الله لا إله إلّا أنا الحسن البلاء، وهبت لسبطيك اسمين من أسمائي فسمّيتهما الحسن والحسين، وأنا الحسن البلاء...)(3).

ورواها الخصيبي في (الهداية الكبرى) بصيغة: (فسمّانا الخمسة الأسماء من أسمائه، فالله محمود وأنا محمّد، والله العليّ وهذا عليّ، والله فاطر وهذه فاطمة، والله ذو الإحسان وهذا الحسن، والله المحسن وهذا الحسين...)(4).

____________

1- فرائد السمطين ١: ٤١ الحديث (٥) الباب الثاني.

2- تنبيه الغافلين عن فضائل الطالبيين: ٢٣ سورة البقرة.

3- تأويل الآيات الظاهرة ٢: ٦٢٤ الحديث (٧) سورة النجم.

4- الهداية الكبرى: ٣٧٥، الباب الرابع عشر.


الصفحة 141
ورواها بنفس الصيغة والسند ابن جرير الطبري الشيعي في (دلائل الإمامة)(1)، وبالصيغة وبعض السند ابن عيّاش في (مقتضب الأثر)(2).

ورواها الصدوق في (علل الشرائع) بصيغة: (فقال: أمّا الأوّل فأنا المحمود وهو محمّد، والثاني فأنا العالي وهذا عليّ، والثالث فأنا الفاطر وهذه فاطمة، والرابع فأنا المحسن وهذا الحسن، والخامس فأنا ذو الإحسان وهذا الحسين كلّ يحمد الله تعالى)(3).

ورواه أيضاً في (معاني الأخبار) بصيغة: (إنّ الله تبارك وتعالى شقّ لي اسماً من أسمائه، فهو محمود وأنا محمّد، وشقّ لك يا عليّ اسماً من أسمائه، فهو العليّ الأعلى وأنت عليّ، وشقّ لك يا حسن اسماً من أسمائه، فهو المحسن وأنت حسن، وشقّ لك يا حسين اسماً من أسمائه، فهو ذو الإحسان وأنت حسين، وشقّ لك يا فاطمة اسماً من أسمائه، فهو الفاطر وأنت فاطمة...)(4).

ثانياً: إنّ الاشتقاق المشار إليه في الحديث المتقدّم والمعبّر عنه بلفظ (شققت له)، استعمل بمعناه اللغوي، وهو مطلق أخذ الشيء من الشيء، لا المعنى الاصطلاحي المعروف عند علماء الصرف، فالاشتقاق في كلام المعصوم يراد منه الأخذ بالمناسبة في المعنى ولنسميه (اشتقاق معنوي)، كما في الرواية: (إنّ الروح مشتقّ من الريح)(5)، مع أنّ الروح ليس مشتقاً في اصطلاح الصرفيين، بل هو مناسب في المعنى واللفظ مع الريح. وهكذا فإنّ أسماء المعصومين عليهم السلام

____________

1- دلائل الإمامة: ٤٤٨ الحديث (٤٢٤).

2- مقتضب الأثر: ٦.

3- علل الشرائع ١: ١٣٥ الحديث (٢)، الباب (١١٦).

4- معاني الأخبار: ٥٥ الحديث (٣)، باب: معاني أسماء محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين.

5- الكافي، للكليني ١: ١٣٣ الحديث (٣)، باب الروح.


الصفحة 142
مشتقّة بهذا (المعنى اللغوي) عن أسماء الله تعالى وصفاته المذكورة للمناسبة المعنوية، ثمّ إنّ هذا النوع من الاشتقاق بالمناسبة في المعنى واتحاد بعض الحروف يسمّى باصطلاحهم بالاشتقاق الأكبر، مع ملاحظة أنّ هذا الاصطلاح (أي الاشتقاق الأكبر) متأخّر عن زمن الرواية.

(منشأ ألقاب الأئمّة عليهم السلام)

« هادي هادي ــ السعودية ــ إمامي »

السؤال:

أرغب بسرد موجز عن سبب تسمية الأئمّة عليهم السلام بألقاب: الزكيّ، والصادق، والرضا.. وليكن لجميعهم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا شكّ ولا ريب أنّ لمنح الألقاب والكنى أسباباً ومناسبات، فمنها ما يكون من وضع الوالد أو الولي، ومنها ما يتعلّق بالخصال النفسانية، ومنها ما يتعلّق بالأعراف القبلية، وغير ذلك..

وبالنسبة لأسماء الأئمّة وألقابهم عليهم السلام فهي توقيفية، حيث وردت النصوص بأنّ الله تعالى هو الذي منحهم إيّاها، وأتحفهم بها، كرامة منه لهم، كما في حديث اللوح عن جابر بن عبد الله(1)، وحديث هبوط جبرئيل على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالتهنئة في اليوم السابع من ولادة الحسن وكذا الحسين عليهما السلام(2)، ووردت أيضاً بإطلاق من

____________

1- انظر: الغيبة، للطوسي: ١٤٣ الحديث (١٠٨).

2- روضة الواعظين، للفتّال النيسابوري: ١٥٤ مجلس في ذكر ولادة السبطين الحسن والحسين عليهما السلام.


الصفحة 143
رسول صلى الله عليه وآله وسلم(1)، أو آبائهم صلوات الله وسلامه عليهم، حيث ورد عنهم عليهم السلام: (إنّا لنكنّي أولادنا في صغرهم مخافة النبز أن يلحق بهم)(2).

كما ويظهر من بعضها أنّ الناس أيضاً قد اهتدوا في كثير من الأحيان إلى توفّر معاني تلك الألقاب في هؤلاء الأئمّة عليهم السلام، فأطلقوها عليهم(3).

أمّا لماذا اختصّ هذا الإمام بهذا اللقب وذاك بذاك اللقب مع أنّهم جميعاً صادقون وباقرون وكاظمون و... فلعلّه ناظر إلى الظروف التي كان يعيشها الإمام عليه السلام.

فمثلاً الإمام الباقر عليه السلام عاش في ظرف فسح له المجال لنشر علم الأئمّة, فكأنّه أتى بجديد على الناس، ولم يسمعوا به بهذا التفصيل من ذي قبل، خاصّة في كثرة الوقائع وتوسّع المسائل، فعرف بـ(الباقر)، لبقره وشقّه للعلم، وفتقه لمسائل العلم وتعمّقه فيها، وكشفه عن خفاياها وكنوزها.

وكذا الإمام الصادق عليه السلام، فإنّه عاش في ظرف كثر فيه العلماء وانتشرت فيه العلوم، ممّا أدّى إلى اختلاط بين الروايات والفتاوى الصادرة من بعض علماء المدارس والمذاهب الأُخرى، فاحتاجت الساحة العلمية إلى من يفرز الفكر الأصيل على مستوى الرواية عن غيرها، فتصدّى الإمام الصادق عليه السلام لهذا الدور بشكل مركّز, وباعتبار عظمة الثقة به، ولقدرة تمييزه الصحيح من غيره عرف بـ(الصادق).

ومن هنا يتبيّن أنّ مثل هذه الظروف كان لها السهم الكبير في ظهور هذه الصفة في هذا الإمام أو ذاك أكثر من غيره، وإلّا من حيث المبدأ كلّهم متساوون في هذه الصفات.

____________

1- علل الشرائع، للصدوق ١: ٢٢٩ باب (١٦٥)، وباب (١٦٨).

2- الكافي، للكليني ٦: ٢٠ باب الأسماء والكنى الحديث (١١).

3- انظر: علل الشرائع للصدوق في أبواب علّل تسمية الأئمّة عليهم السلام.


الصفحة 144

(هل يمكن أن يطلق على أحد المعصومين عليهم السلام بالمطلق؟)

« عبّاس ــ السويد ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ما معنى المطلق؟

وهل يجوز تسميه أحد المعصومين عليهم السلام بالمطلق؟

جزاكم الله خيراً.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ معنى المطلق لغة: هو الإرسال وعدم التقييد، من إرسال الدابة وعدم تقييدها, وقد استعمل هذا اللفظ ظاهراً بنفس معناه اللغوي كاصطلاح في علم الأصول والفقه والكلام والفلسفة ولم يجعل له معنى مصطلح معيّن في كلّ علم من هذه العلوم, إلّا ما قد يكون في موارد قليلة لم نحصها, بأن يقصد به معنى اصطلاحي خاص.

ثمّ إنّ هذا المعنى (لفظ الإطلاق) توصف به المفاهيم, فإذا وصف به مفهوم معيّن أفاد معنى أنّ هذا المفهوم ثابت للشيء دون تقييد، سواء أريد منه التقييد زماناً أو مكاناً أو حالة أو صفة معيّنة أو غير ذلك, ومن هنا نعرف أنّ صفة الإطلاق تكون نسبية, فإنّ المفهوم المعيّن قد يكون مطلقاً من جهة مقيداً من جهة أُخرى, وإنّما وصف بأنّه مطلق وغير مقيّد من هذه الجهة الأولى وإلّا فهو مقيّد من الجهة الأُخرى.


الصفحة 145
فوجوب الصلاة مثلاً مطلق غير مقيّد من جهة الأكل والشرب, أو جنس الإنسان من ذكر أو أنثى، أو العلم والجهل، وغيرها، ولكنّه مقيّد بالوقت مثلاً أو بالقدرة.

ثمّ إنّه قد يقال في الفلسفة في صفة وجود واجب الوجود: إنّه (وجود المطلق) ويراد به المعنى اللغوي أي وجود غير مقيّد بأيّ قيد وغير محدّد بأي حدّ حتّى الحدّ المتخيل, أي لا ماهية له, فإنّ الماهية هي حدّ الوجود وقيده, ولعلّه يتبادر من هذا اللفظ (وجود مطلق) أنّ الإطلاق استخدم هنا كاصطلاح خاصّ بالفلسفة يراد به: أنّه وجود بسيط من جميع الجهات، وإن كان هذا الاصطلاح يرجع إلى المعنى اللغوي؛ فلاحظ..! هذا.

وبالتالي فإنّه إذا صحّ إطلاق لفظة (المطلق) الدالة على معناها الذي أشرنا إليه على شيء من الأشياء فالاستعمال صحيح, كإطلاقه على مفهوم الإمام فنقول مثلاً: ((إنّ عليّاً إمام مطلق))، أي: ليس فوقه إمام, أو نصف به صفة للإمام مثلاً فنقول: شجاع مطلق، أو عدل مطلق، أو جواد مطلق، أو معصوم مطلق (وإن كانت العصمة مشككة ذات مراتب) وهكذا, ولكن المدار في ذلك هو البحث في علم الكلام عن ثبوت هذا المعنى المراد.

فيصحّ عندئذ أن نطلق على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأن نقول: إنّه الإنسان الكامل المطلق مثلاً، ولا نقول: محمّد بن عبد الله المطلق، إلّا إذا وجدنا له معنى صحيحاً, لأنّه لا يطلق على الأعيان الخارجية.

ثمّ إنّه لم يرد أو يتعارف في الاستعمال إطلاق لفظة المطلق على أحد الأئمّة عليهم السلام.


الصفحة 146

(ولاية أهل البيت عليهم السلام شرط في صحّة العبادات)

« حسّان شمص ــ سوريا ــ إمامي »

السؤال:

لقد دار نقاش بين الإخوة حول موضوع صحّة الأعمال بالنسبة إلى الإنسان المسلم، في أنّه هل أنّ ولاية أهل البيت شرط في صحّة الأعمال، وبالتالي يترتّب عليها الثواب الأخروي، وبدونها تعد الأعمال فاقدة لشرطها، ولذلك لا يثاب عليها صاحبها، وبالتالي سيكون مصيره إلى النار.

أم أنّ موضوع الولاية لا دخل له في ذلك، بمعنى أنّ الإنسان يثاب على أعماله لكنّه يحاسب على الولاية بنحو الإنفراد؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

في البدء ينبغي الالتفات إلى أنّ الموت على ولاية أهل البيت عليهم السلام شرط من شروط الشفاعة من قبل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة المعصومين عليهم السلام في الآخرة.

فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام في قوله تعالى: ﴿لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ...(1): (...إلّا من أذن له بولاية أمير المؤمنين والأئمّة من بعده, فهو العهد عند الله)(2).

وقد أفرد الشيخ الحرّ العاملي رحمه الله في كتاب (الوسائل) في أبواب مقدّمة العبادات باباً تحت عنوان (باب بطلان العبادة بدون ولاية الأئمّة عليهم السلام، ذكر فيه

____________

1- مريم (١٩): ٨٧.

2- بحار الأنوار، للمجلسي ٨: ٣٦ كتاب العدل والمعاد، الباب (٢١)، تفسير القمّي ٢: ٥٧ تفسير سورة مريم.


الصفحة 147
جملة من الروايات الصحيحة التي تشير إلى مضمون عنوان الباب، نذكر منها هاتين الروايتين:

((عن محمّد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: (كلّ من دان الله

عزّ وجلّ بعبادة يجهد فيها نفسه, ولا إمام له من الله, فسعيه غير مقبول, وهو ضالّ متحيّر, والله شانئ لأعماله ــ إلى أن قال ــ: وإن مات على هذه الحال مات ميتة كفرٍ ونفاق, واعلم يا محمّد أنّ أئمّة الجور وأتباعهم لمعزولون عن دين الله, قد ضلّوا وأضلّوا, فأعمالهم التي يعملونها كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف, لا يقدرون ممّا كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد))).

((عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (ذروة الأمر وسنامه, ومفتاحه, وباب الأشياء ورضا الرحمن, الطاعة للإمام بعد معرفته, أمّا لو أنّ رجلاً قام ليله وصام نهاره, وتصدّق بجميع ماله وحجّ جميع دهره, ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه, ويكون جميع أعماله بدلالته إليه, ما كان له على الله حقّ في ثوابه, ولا كان من أهل الإيمان)))(1).

وقال العلاّمة المجلسي(أعلى الله مقامه): ((واعلم أنّ الإمامية أجمعوا على اشتراط صحّة الأعمال وقبولها بالإيمان الذي من جملته الإقرار بولاية جميع الأئمّة عليهم السلام وإمامتهم، والأخبار الدالّة عليه متواترة بين الخاصّة والعامّة)). ثمّ أورد رضي الله عنه جملة كثيرة منها بما يكفي للتواتر، بل فوقه(2).

نقول: ويكفي في الاستدلال على ذلك ما ورد متواتراً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعنهم عليهم السلام: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية).

____________

1- وسائل الشيعة ١: ١١٨ كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات باب (١٩).

2- بحار الأنوار ٢٧: ١٦٦ باب أنّه لا تقبل الأعمال إلّا بالولاية.


الصفحة 148

(كيف تكون الولاية لهم عليهم السلام شرط قبول الأعمال؟!)

« محمّد ــ عمان ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لديّ صديق سُنّي سألني سؤال لم أستطع إجابته، وهو: ما هو دليل أنّ الأعمال لا تقبل إلّا بولاية عليّ عليه السلام؟

فهو يريد دليلاً من كتب السُنّة ودليلاً صحيحاً.

أرجو مساعدتي.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ من الأصول المقرّرة التي قامت عليها الأدلّة المتكثرة عندنا نحن الشيعة الإمامية الاثنا عشرية أنّ الأعمال لا تقبل إلّا بالولاية، والولاية ثابتة للأئمّة الاثني عشر عليهم السلام كلّهم، فالشرط شامل لولايتهم جميعاً، ولا يقتصر على قبول ولاية الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام وإن كان أوّلهم وأفضلهم، وكانت ولايته الفارق الأساس بيننا وبين المخالفين..

ولذا سيكون جوابنا عن مطلق ولاية الأئمّة الاثني عشر عليهم السلام.

ثمّ إنّ مطالبة هذا الصديق السُنّي بكون الدليل من كتب أهل السُنّة أو حديث صحيح عندهم كما يوحي كلامه ليس على ما ينبغي!

فأوّلاً: لا يذكر أهل السُنّة مثل هكذا دليل في كتبهم، ولا يصححون مثل هكذا حديث، وإلّا لما كانوا أهل السُنّة.


الصفحة 149
وثانياً: لا يشترط في الدليل إلّا أن يكون صحيحاً من الناحية العلمية والشرعية ومطابقاً للقواعد العقلية.

نعم، لو كان مذكوراً في كتبهم يكون أقوى في الإلزام.

هذا وسنذكر هنا طريقين لإثبات شرطية الولاية في قبول الأعمال:

الأوّل: إنّ الإيمان شرط قبول الأعمال باتّفاق المسلمين، فلا تقبل أعمال الكفّار، ولا اليهود والنصارى وإن آمنوا بالله وبقية الأنبياء عليهم السلام عدا نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم.

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ _ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ(1).

وقد ثبت عندنا أنّ الولاية والإمامة من أصول الدين يجب الاعتقاد والإيمان بها، ومن أنكرها خرج من الدين يعاقب يوم القيامة وإن عدّ في الدنيا مسلماً ظاهراً، وقد فصّلنا الكلام في هذا تحت عنوان (أصول الدين)، و(الإمامة) في هذه الموسوعة؛ فراجع!

وبعبارة أُخرى: إنّ الكبرى ــ وهي: شرطية الإيمان في قبول الأعمال ــ ثابتة باتّفاق المسلمين، والصغرى ــ وهي: الولاية والإمامة من أصول الدين وأركان الإيمان ــ ثابتة أيضاً عندنا بأدلّة متكثرة، فلا مجال إلّا القبول بنتيجة القياس، وهي: قضية أنّ قبول الأعمال مشروط بالولاية، والقياس هنا منتج وصحيح، ولا يمكن النقاش بصورته.

____________

1- النور (٢٤): ٣٩، ٤٠.


الصفحة 150
نعم، نوقش بمادته من جهة مقدمته الصغرى، لأنّ الكبرى متّفق عليها، ونحن قد فرغنا في إثبات الصغرى في مبحث الإمامة، وإذا كان هناك نقاش ما فيرجع إلى ذلك المبحث.

الثاني: وهو يرجع إلى الأوّل بنحو ما، وبيانه:

إنّ الله عزّ وجلّ لا يقبل من الأعمال إلّا ما كان قد شرّعه وأحبّه وأراده وطلبه من عباده، ومن الطريق الذي عيّنه واختاره، فلا يجزي المكلّف القيام بعبادات وأعمال أخذها من غير الطريق الذي اختاره الله أو تبرع بها من نفسه، وفي عدم قبول الله جلّ وعلا عبادة إبليس من دون السجود لآدم عليه السلام دليل كافٍ في المقام.

والعقل قاضٍ بوجوب طاعة الله من حيث ما يأمرنا به، لا من أي طريق كان؛ لأنّه كما ثبت وجوب حقّ الطاعة لله، كذلك ثبت وجوب طاعة الله من حيث يريد، لا من حيث نريد، فتعيين الطريق داخل أيضاً في دائرة حقّ الطاعة لله.

وفي تحديد الطريق الذي اختاره الله تعالى لنا نقول:

إنّه لا يدلّنا على شرع الله عزّ وجلّ إلّا المعصوم وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوّلاً وبالذات، ثمّ أولي الأمر من خلفائه الراشدين المهديين الذين أمرنا باتّباعهم والتمسّك بهم؛ وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم لعليّ عليه السلام كما يرويه الحاكم وصحّحه: (أنت تبيّن لأُمّتي ما اختلفوا فيه بعدي)(1)، وهو أوّلهم عليه السلام.

وإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوصى أُمّته أيضاً بالتمسّك بالثقلين، وهما كتاب الله وعترته أهل بيته، وأخبر أُمّته بأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليه الحوض, أي: أنّهما موجودان إلى يوم القيامة، وحذّر من لم يتمسّك بهما بأنّه سيضل عن سواء السبيل.

____________

1- المستدرك على الصحيحين ٣: ١٢٢ كتاب معرفة الصحابة، فضائل عليّ بن أبي طالب عليه السلام.


الصفحة 151
الصفحة السابقةالصفحة التالية