المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 8) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج8 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 151 - ص 180) ثمّ إنّه بيّن عدد خلفائه، وأنّهم بعدد نقباء بني إسرائيل، كما رواه أحمد عن ابن مسعود(1)، وإنّهم اثنا عشر خليفة أو أميراً(2).

وبيّن صلى الله عليه وآله وسلم مصير من ترك إمامتهم ولم يتمسّك بهم, حيث قال كما يرويه أحمد: (من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية)(3), وكما يرويه مسلم: (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)(4), وفي رواية عند الطبراني: (من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية)(5).

وفسّر أهل السُنّة (الميتة الجاهلية) كما نقله ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري) بقوله: ((والمراد بالميتة الجاهلية، وهي بكسر الميم: حالة الموت كموت أهل الجاهلية على ضلال وليس له إمام مطاع، لأنّهم كانوا لا يعرفون ذلك, وليس المراد أنّه يموت كافراً بل يموت عاصياً. ويحتمل أن يكون التشبيه على ظاهره, ومعناه: أنّه يموت مثل موت الجاهلي وإن لم يكن هو جاهلياً. أو أنّ ذلك ورد مورد الزجر والتنفير وظاهره غير مراد))(6). ثمّ رجّح ابن حجر الاحتمال الثاني وهو تشبيهه بموت الجاهلي كما هو الظاهر.

____________

1- مسند أحمد بن حنبل ١: ٣٩٨ مسند عبد الله بن مسعود، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٤: ٥٠١ كتاب الفتن والملاحم، مجمع الزوائد، للهيثمي ٥: ١٩٠، باب الخلفاء الاثني عشر.

2- صحيح البخاري ٨: ١٢٧ كتاب الأحكام، صحيح مسلم ٦: ٣ كتاب الإمارة، باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش، مسند أحمد بن حنبل ٥: ٨٧ حديث جابر بن سمرة.

3- مسند أحمد بن حنبل ٤: ٩٦ عن معاوية بن أبي سفيان.

4- صحيح مسلم ٦: ٢٢ كتاب الإمارة، باب حكم من فرّق أمر المسلمين.

5- المعجم الأوسط ٦: ٧٠ باب محمّد.

6- فتح الباري ١٣: ٥ كتاب الفتن، باب سترون بعدي أُموراً تنكرونها.


الصفحة 152
فمن كلّ ذلك يتبيّن: إنّ أعمال من لم يأخذ من أئمّة أهل البيت عليهم السلام لا تكون مورداً للقبول؛ لأنّه لم يأخذها من الطريق الذي نصبه الله تعالى له، وإن ما أداه بالحقيقة هو عبادات نسبها للشارع المقدّس من غير حقّ، إذ لم يشرّعها جلّ وعلا، فتكون على حدّ الشرك في العبادة، وبه لا يكون موحداً فيها، فكيف يقبل عمله بعد ذلك؟!!

هذا وهناك طريق ثالث يمكن الأخذ به لإثبات المطلب، وهو عن طريق الاستدلال بآيات وروايات حبط الأعمال تركنا التفصيل فيه، ويمكن لك أن تراجعه في مضانّه إن أحببت.

ومن جهة أُخرى هناك أحاديث عند أهل السُنّة تثبت هذا الحكم، وهو عدم قبول الأعمال لمبغضي عليّ وأهل البيت عليهم السلام, فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (فلو أنّ رجلاً صفن بين الركن والمقام فصلّى وصام، ثمّ لقى الله وهو مبغض لأهل بيت محمّد دخل النار)، رواه الحاكم، وقال: ((هذا حديث حسن صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه))(1)، ووافقه الذهبي(2).

وقد أخرجه الهيثمي في (مجمع الزوائد) ومال إلى تصحيحه(3), وروى بعده أيضاً عن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام قائلاً: (إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إلزموا مودّتنا أهل البيت، فإنّه من لقي الله عزّ وجلّ وهو يودّنا دخل الجنّة بشفاعتنا, والذي نفسي بيده لا ينفع عبداً عمله إلّا بمعرفة حقّنا)(4).

____________

1- المستدرك على الصحيحين ٣: ١٤٩ كتاب معرفة الصحابة.

2- المستدرك على الصحيحين بهامش تلخيص الذهبي ٣: ٣٥٩ الحديث (٤٧٧٠).

3- مجمع الزوائد ٩: ١٧١ كتاب المناقب، باب فضل أهل البيت.

4- مجمع الزوائد ٩: ١٧٢ كتاب المناقب، باب فضل أهل البيت.


الصفحة 153
وكلام الإمام الحسن عليه السلام واضح جدّاً في عدم نفع عمل أيّ عبد مهما عمل ما لم يعرف حقّ آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا عين ما يدّعيه الشيعة وذاته.

تعليق:

« أحمد ــ الأردن ــ سُنّي »

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

١ــ إنّ كلامكم أعلاه غير مقنع البتة، وذلك إنّ أحاديث محبّة أهل البيت عندنا نحن السُنّة أكثر ممّا هي عندكم.

٢ــ السؤال يدور حول أعظم موضوع في حياة المسلم: إنّه لا يقبل عمل إلّا لمن اعترف بولاية أهل البيت رضي الله عنهم، ولم يذكر القرآن كلمة واحدة صريحة تدلّ على ذلك، مع أنّه ذكر كلّ شيء ولم يذكر أهمّ شيء في حياة المسلم! فلو كان كلامكم صحيحاً لقال الله لنا: إنّه لا يقبل من عبد عمل إلّا باتّباع الأئمّة الاثني عشر من آل بيت محمّد صلى الله عليه وآله وسلم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: هناك جملة متضافرة من الأحاديث الصحيحة عند الفريقين تؤكّد على لزوم محبّة أهل البيت عليهم السلام، وقد ذكرنا بعضها في الجواب ــ محلّ التعليق من قبلكم ــ.

وإنّك قلت: إنّ أحاديث محبّة أهل البيت عندنا (نحن السُنّة) أكثر ممّا عندكم.. وهذا شيء حسن، وإقرار يضيّق بيننا مساحة المناقشة..

فهنا نقول: إذا كان حبّ أهل البيت عليهم السلام لازماً وواجباً عليكم ــ يا أهل السُنّة ــ وأنّه يحرم بغضهم ومعاداتهم، وهذا المعنى متضافر ومستفيض في مروياتكم،


الصفحة 154
فلماذا هذه الازدواجية في المعايير؟! فإنّ الحبّ بحسب المفهوم القرآني شرطه الاتّباع وليس مجرّد التعظيم والتوّقير المجرّدين عنه، وهذا المعنى تجده واضحاً في قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ(1)، فالحبّ في المفهوم القرآني شرطه الاتّباع وليس مجرّد العواطف المجرّدة عن ذلك.. فهل أهل السُنّة يتّبعون أهل البيت عليهم السلام؟!

بل نقول في مرحلة سابقة على هذا السؤال: هل أهل السُنّة يحبّون أهل البيت عليهم السلام حقّاً؟

فإن قلت: نعم.

نقول: فلماذا إذاً يودّون في نفس الوقت أعداءهم من بني أُميّة وأمثالهم الذين حاربوهم وقتلوهم وشرّدوهم وأعلنوا سبّهم على المنابر(2)!!

هل تجد معنى للحبّ ــ في العالم كلّه وعلى مرّ الأزمان والأقوام ــ يجيز مثل هذه التصرفات للجمع بين الأضداد، من حبّ الشخص وحبّ عدوّه في آن واحد؟! ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ(3)، بحيث يمكّنه أن يحبّ بهذا شخصاً، ويحبّ بالآخر عدوّ هذا الشخص ومبغضه ومحاربه؟!

إنّ هذا السلوك مخالف للشرع والعرف، بل هو يكشف ــ في واقع الأمر ــ عن ضياع حقيقي في فهم الدين وأهله..

____________

1- آل عمران (٣): ٣١.

2- انظر: سنن الترمذي ٥: ٣٠١ الحديث (٣٨٠٨) أبواب المناقب عن رسول الله، باب مناقب عليّ، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ١٠٨ كتاب معرفة الصحابة.

3- الأحزاب (٣٣): ٤.


الصفحة 155
ولعلّك ستستعين بالجواب الهروبي المعروف، والذي يلجأ إليه البعض إذا ضاقت به المذاهب، وتقول: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(1).

وهذا جواب يسقط المناقشة بالمرّة، فإذا كان البناء على أنّ تلك أُمّة قد خلت، فلماذا نحن الآن نتحدّث عن مفاهيم تتعلّق بها وقد جاءت بها الأحاديث من لزوم الحبّ وحرمة البغض.. والحال أنّنا لا مناص لنا من تقرير هذه المفاهيم كما هو المطلوب منّا شرعاً وعرفاً وعقلاً، لننتهي إلى حقيقة الامتثال بلحاظها.. وإلّا فإذا كان الجواب هو: تلك أُمّة قد خلت... فلا حاجة لكلّ هذه المناقشات في مسألة لزوم حبّ أهل البيت عليهم السلام ووجوب اتّباعهم.. وعلينا أن نضرب هذه الأحاديث النبوية الصحيحة عرض الجدار؛ لأنّ الالتزام بها لازمه بغض أعدائهم والبراءة من مناوئيهم من بني أُميّة وأمثالهم, وإلّا كان هذا الحبّ ناقصاً، بل لا حبّ ــ حقيقة ــ في المقام، هذا كلّه في بيان مفردة (الحبّ) في هذا السؤال، وللكلام تتمة لكنّنا آثرنا الاكتفاء بهذا المقدار.

ثانياً: قولك: إنّ القرآن لم يذكر كلمة واحدة صريحة في حقّ ولاية أهل البيت عليهم السلام.

نقول: هذه دعوى باطلة! فالقرآن قد ذكر ولاية أمير المؤمنين عليه السلام في الآية المعروفة بآية الولاية، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ(2)، وهذه الآية قد نزلت بإجماع المفسّرين في عليّ عليه السلام.

____________

1- البقرة (٢): ١٣٤، ١٤١.

2- المائدة (٥): ٥٥.


الصفحة 156
انظر في ذلك: ما ذكره القاضي عضد الدين الأيجي في (المواقف)، وقوله: ((وأجمع أئمّة التفسير أنّ المراد عليّ))(1)، وأيضاً ما ذكره الشريف الجرجاني في شرحه للمواقف(2)، وما ذكره التفتازاني في (شرح المقاصد)(3)، وأيضاً ما ذكره القوشجي السمرقندي في (شرح تجريد الإعتقاد)(4)، وأيضاً ما ذكره الشهاب الآلوسي في (روح المعاني)(5)، وكلّ هؤلاء من أئمّة الكلام والتفسير عند أهل السُنّة، قد أجمعوا على أنّ الآية المتقدّمة نزلت في عليّ عليه السلام عندما تصدّق بخاتمه على السائل. وقد فصّلنا الأمر في ثبوت نزولها بحقّ عليّ عليه السلام وتصحيح رواياتها تحت عنوان: (آية الولاية) في هذه الموسوعة؛ فراجع.

وهذه الولاية هي ولاية الأمر، إذ لا يليق توجيهها إلّا بذلك؛ لمحلّ (إنّما) التي تفيد الحصر.. وقد جاءت ــ هذه الآية ــ تخبر عن مصاديق ولاة الأمر, وهم: الله عزّ وجلّ، ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وعليّ عليه السلام.. فهؤلاء هم الذين بأيديهم الأمر، وإليهم ولاية الناس وإدارة شؤونهم..

وقد تسأل: فأين النصّ على ولاية باقي الأئمّة عليهم السلام؟

نقول: نجيبك عن ذلك من حيث العدد، حدّيثا ابن مسعود وجابر بن سمرة الآنفان..

ومن حيث الانتساب: حديث الثقلين الذي جاء فيه: (إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما أن تمسّكتم بهما فلن تضلّوا بعدي

____________

1- المواقف ٣: ٦٠١.

2- شرح المواقف ٨: ٣٦٠ الموقف السادس، المرصد الرابع.

3- شرح المقاصد ٢: ٢٨٨.

4- شرح تجريد الاعتقاد: ٣٦٨.

5- روح المعاني ٦: ١٦٧، ١٨٦.


الصفحة 157
أبداً، وقد أنبأني اللطيف الخبير أنّهما لن يفترقا حتّى يردا علَيَّ الحوض). وهذا الحديث صحيح رواه أحمد ومسلم والترمذي والحاكم وغيرهم، وله ألسنة متقاربة(1).

فإذا جمعت ــ أيّها الأخ الكريم ــ بين حديث الخلفاء من بعدي اثنا عشر، وحديث الثقلين، لانقلبت على هدى ونور من أمرك, فحديث الخلفاء اثنا عشر يؤكّد وجود اثني عشر إماماً، أو خليفة ــ المعنى واحد ــ يكونون بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتستمر إمامتهم إلى يوم القيامة.. وحديث الثقلين يخبرنا أنّ الكتاب والعترة لن يفترقا إلى يوم القيامة.. وطريقة الجمع بين الأحاديث النبوية تستلزم أن يكون هؤلاء الخلفاء الاثني عشر هم العترة الطاهرة التي عناها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كلامه.. وإلّا فلن تجد لهذين الحديثين تفسيراً صحيحاً غير ما ذكر لو جبت مشارق الأرض ومغاربها.. فإذا عرفت هذا وعرفت الأحاديث الصحيحة التي ربطت حسن العاقبة بمعرفة الإمام، انقلبت ــ أيّها الأخ في الله ــ على مصباح هدى من أمرك. فدونك هذه النعمة في البيان فأغتنمها وأبحث عمّا ينجيك.

(ولايتهم عليهم السلام شرط لقبول الأعمال)(١)

« م/ منتظر ــ العراق »

السؤال:

أريد منكم توضيح معنى كلمة أمير المؤمنين عليه السلام: (أنا الذي لا تقبل الأعمال

____________

1- مسند أحمد بن حنبل ٣: ١٤، ١٧، ٢٦، ٥٩ عن أبي سعيد الخدري، و٤: ٣٦٧، ٣٧١ عن زيد بن أرقم، و٥: ١٨٢، ١٨٩ عن زيد بن ثابت، صحيح مسلم ٧: ١٢٣ كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عليّ عليه السلام، سنن الدارمي ٢: ٤٣٢ كتاب فضائل القرآن، باب فضل من قرأ القرآن، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ١٠٩، ١١٠، ١٤٨ كتاب معرفة الصحابة، سنن الترمذي ٥: ٣٢٩ الحديث (٣٨٧٦) أبواب المناقب، باب مناقب أهل بيت النبيّ.


الصفحة 158
إلّا بولايتي)؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الولاية تعني اتّباع الإمام وطاعته, ومعلوم ــ حسب ما ثبت في محلّه ــ أنّ التكاليف والأحكام عموماً لا تؤخذ إلّا من الطريق الذي نصبه الله حجّة وهو المعصوم، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوّلاً ومن بعده الأئمّة عليهم السلام، فاتّباع الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعني الأخذ بما أوضحه من أحكام إلهية, وما بيّنه من تكاليف مولوية, فإذا شذّ الإنسان عن اتّباع الإمام وطاعته فسوف يسلك سبيلاً آخر يأخذ من خلاله أحكاماً لا تنسب إلى الله تعالى, إذ الإمام منصوب من قبل الله تعالى بواسطة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فكلّ ما يفرضه الإمام مفروضٌ من قبل الله تعالى؛ حاكياً عن الواقع الذي لا التباس فيه, واتّباع غير الإمام لا يعني إلّا اتّباع وليجةً من دون الله وطريقاً غير الواقع, قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً(1).

قال أبو جعفر عليه السلام لأبي الصباح الكناني: (إيّاكم والولائج فإنّ كلّ وليجة دوننا فهي طاغوت, أو قال: ند)(2)، ومعلوم أنّ معنى الوليجة هي الدخيلة أو الجهة, فاتخاذ أية جهة دونهم لا يعني إلّا الانحراف عن الصراط واتّباع الطاغوت.

وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال في أثناء كلام له في جمع من المهاجرين والأنصار في المسجد أيام خلافة عثمان: (فأنشدكم الله عزّ وجلّ أتعلمون حيث نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ(3)،

____________

1- التوبة (٩): ١٦.

2- تفسير العيّاشي ٢: ٨٣ الحديث (٣٣) سورة براءة آية (١٦).

3- النساء (٤): ٥٩.


الصفحة 159
وحيث نزلت: ﴿إنّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ(1)، وحيث نزلت: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً(2)؟ قال الناس: يا رسول الله: أهذه خاصّة لبعض المؤمنين أم عامّة لجميعهم؟ فأمر الله عزّ وجلّ نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم أن يعلمهم ولاة أمرهم, وأن يفسّر لهم من الولاية ما فسّر لهم من صلاتهم وزكاتهم وصومهم وحجّهم, فنصبني للناس بغدير خمّ...)(3) إلى آخر الحديث.

وعن أبي عبد الله عليه السلام عن آبائه عليهم السلام، قال: (نزل جبرئيل على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال:

يا محمّد! السلام يقرئك السلام, ويقول: خلقت السماوات السبع وما فيهن والأرضين السبع وما عليهن، وما خلقت موضعاً أعظم من الركن والمقام, ولو أنّ عبداً دعاني هناك منذ خلقت السماوات والأرضين ثمّ لقيني جاحداً لولاية عليّ لأكببته في سقر)(4).

وعن أبي عبد الله عليه السلام، أيضاً، قال: (إنّ أوّل ما يسئل عنه العبد إذا وقف بين يدي الله جلّ جلاله الصلوات المفروضات وعن الزكاة المفروضة، وعن الصيام المفروض، وعن الحجّ المفروض، وعن ولايتنا أهل البيت, فإن أقرّ بولايتنا ثمّ مات عليها قبلت منه صلاته وصومه وزكاته وحجّه, وإن لم يقرّ بولايتنا بين يدي الله جلّ جلاله لم يقبل الله عزّ وجلّ منه شيئاً من أعماله)(5).

____________

1- المائدة (٥): ٥٥.

2- التوبة (٩): ١٦.

3- إكمال الدين وإتمام النعمة، للصدوق: ٢٧٦، الباب (٢٤) الحديث (٢٥)، كتاب سليم بن قيس: ١٩٨ (١١) أمير المؤمنين يقيم الحجّة على المسلمين في عصر عثمان.

4- أمالي الصدوق: ٥٧٣ الحديث (٧٨١) المجلس الثالث والسبعون.

5- أمالي الصدوق: ٢٣٨ الحديث (٣٨٨) المجلس الرابع والأربعون، فضائل الأشهر الثلاث، للصدوق: ١١١ الحديث (١٠٣).


الصفحة 160
وبذلك تبيّن أنّ ولاية أمير المؤمنين عليه السلام وأهل بيته من بعده تُؤطّر أعمال الشخص دون أن تزيغ أو تنحرف عن الواقع وعن حكم الله تعالى.

وبهذا يمكن تفسير قول أمير المؤمنين عليه السلام.

جعلنا الله وإيّاكم من المتمسّكين بولايته والسائرين على نهجه.

(ولايتهم عليهم السلام شرط لقبول الأعمال)(٢)

« مصطفى الموسوي ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ما رأيكم بما رواه العلاّمة الحلّي في كتاب (كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام ص٨ عن عبد الله بن مسعود، قال: ((قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لمّا خلق الله تعالى آدم ونفخ فيه من روحه عطس آدم، فقال: الحمد لله.

فأوحى الله ــ تعالى ــ إليه: حمدتني عبدي، وعزّتي وجلالي لولا عبدان أريد أن أخلقهما في دار الدنيا ما خلقتك‎.

قال: إلهي فيكونان منّي؟

قال: نعم يا آدم ارفع رأسك وانظر‎.

فرفع رأسه فإذا هو مكتوب على العرش لا إله إلّا الله محمّد نبيّ الرحمة, عليّ مقيم الحجّة. ومن عرف حقّ عليّ زكا وطاب. ومن أنكر حقّه لعن وخاب‎.

أقسمت بعزّتي أدخل الجنّة من أطاعه وإن عصاني، وأقسمت بعزّتي أدخل النار من عصاه وإن أطاعني)).


الصفحة 161
فإنّ أهل السُنّة والجماعة يقولون: بأنّ الشيعة يقولون: بأنّ طاعة عليّ فوق طاعة الله سبحانه وتعالى..

وأنا وبصراحة أجبته لكن أريد أن أعرف رأيكم في هذه الرواية.

مع جزيل الشكر والتمنيات بالتوفيق بحقّ صاحب العصر والزمان، وشكراً على حسن المتابعة.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ العلاّمة رحمه الله روى هذه الرواية عن أخطب خوارزم؛ وهو رواها في (المناقب) عن ابن شاذان(1)؛ وهو رواها في (مائة منقبة)، قال: حدّثنا أبو محمّد هارون بن موسى التلعكبري رحمه الله، قال: حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدّثني جعفر بن محمّد، قال: حدّثني عبد الكريم، قال: حدّثني قيماز العطّار أبو قمر، قال: حدّثني أحمد بن محمّد بن الوليد، قال: حدّثني ربيع بن الجرّاح، قال: حدّثني الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:...(2).

وروى مثلها الطبري في (بشارة المصطفى) بطريق آخر: عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لمّا خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس آدم، فألهم أن قال: الحمد لله ربّ العالمين. فأوحى الله إليه: أن يا آدم! حمدتني فوعزّتي وجلالي لولا عبدان أريد أن أخلقهما في آخر الدنيا ما خلقتك.

____________

1- المناقب: ٣١٨ الحديث (٣٢٠) الفصل التاسع عشر: في فضائل له شتى.

2- مائة منقبة، لابن شاذان: ٨٢ المنقبة الخمسون. وانظر: الفضائل، لشاذان بن جبريل القمّي: ١٥٢، والروضة: ١٧٣ الحديث (١٥١).


الصفحة 162
قال: أي ربّي، فمتى يكونان وما سميتهما؟ فأوحى الله إليه: أن ارفع رأسك. فرفع رأسه فإذا تحت العرش مكتوب: لا إله إلّا الله، محمّد رسول الله نبيّ الرحمة، عليّ مفتاح الجنّة، أقسم بعزّتي أنّي أرحم من تولّاه وأُعذّب من عاداه)(1).

وروى الراوندي (ت٥٧٣هـ) في (قصص الأنبياء)، بسنده: عن مكحول، عن طاووس، عن ابن عبّاس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لمّا أن خلق الله تعالى آدم وقفه بين يديه فعطس، فألهمه الله أن حمده. فقال: يا آدم! حمدتني، فوعزّتي وجلالي لولا عبدان أريد أن أخلقهما في آخر الزمان ما خلقتك.

قال آدم: يا ربّ! بقدرهما عندك ما اسمهما؟

فقال تعالى: يا آدم! انظر نحو العرش؛ فإذا بسطرين من نور، أوّل السطر: لا إله إلّا الله، محمّد نبيّ الرحمة، وعليّ مفتاح الجنّة. والسطر الثاني: آليت على نفسي أن أرحم من والاهما، وأُعذّب من عاداهما)(2).

وعلى كلٍّ، سواء ثبت النص الأوّل أو أحد النصّين الآخرين، فقد ثبت عندنا من خلال الروايات الكثيرة أنّ ولاية الأئمّة وطاعتهم شرط لقبول الأعمال, وهذا أمر مولوي صادر منه سبحانه وتعالى واقع تحت حكومته.

فلا يقال إنّ طاعة الإمام فوق طاعة الله؛ لأنّ طاعة؛ الإمام هي بالتالي طاعة لله لأنّه أمر بذلك، وحالها في ذلك حال السجود لآدم عليه السلام من قبل الملائكة، فلا يقال أنّ السجود لآدم عليه السلام فوق السجود لله؛ لأنّ الآمر بالسجود هو الله، والطاعة بالسجود لآدم عليه السلام طاعة لله سبحانه وتعالى، وبالتالي لم يقبل الله من إبليس

____________

1- بشارة المصطفى: ١١٦ الحديث (٥٧).

2- قصص الأنبياء: ٥٥ الحديث (٢٧) الباب الأوّل، الفصل (٥).


الصفحة 163
السجود له دون السجود لآدم، فيكون قبول الأعمال ــ كما في كلّ مشروط أنّه لا يتحقّق إلّا بتحقّق شرطه ــ مشروط بالولاية، وتكون الأعمال بالحقيقة متقوّمة بالولاية، وهي في أعلى رتبة قياساً للأوامر المولوية الأُخر، فإذا قبلها الله يمكن أن يغفر للعبد عصيانه للأدنى منها مرتبة، وإذا لم يقبلها العبد تكون عباداته الأُخر عبادات صورية أو كلا عبادات.

وقد شرح العلاّمة محمّد حسن المظفر هذا الحديث، بقوله: ((لا شكّ أنّ الإقرار بالله وبنبوّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم شرط للإيمان، وكذا الإقرار بإمامة عليّ عليه السلام؛ بناءً على أنّ إمامته بنصّ الله ورسوله، وأنّها كالنبوّة، أصل من أصول الدين، لكن الإقرار بها فرع الإقرار بالله ورسوله، ومن أقرّ بها تمّ إيمانه، ومن لم يقرّ بها كان ناقص الإيمان وإن أقرّ باللّه ورسوله.

فإذا عرفت هذا، عرفت أنّ من أطاع عليّاً عارفاً بحقّه ــ كما هو المراد بالحديث ــ كان مؤمناً مطيعاً لله ورسوله بطاعة عليّ عليه السلام؛ لأنّ طاعته له ــ بما هو إمام من الله تعالى ــ مستلزمة للإيمان بهما وطاعتهما، فيكون صالحاً لدخول الجنّة وإن عصى الله في بعض الأحكام، وعصى بها عليّاً أيضاً؛ لأنّ عصيانه ــ حينئذ ــ عصيان مؤمن أهل للغفران.

كما أنّ من عصى عليّاً جاحداً لإمامته، عاصٍ لله ورسوله، ومحلّ لدخول النار وإن أطاعهما في الظاهر؛ لأنّ طاعته لهما ليست طاعة مؤمن حتّى تكون مقبولة، كمن أطاع الله في الظاهر وعصى رسول الله جاحداً لرسالته، كأهل الكتاب.

فصحّ ما في الحديث من قوله سبحانه: (أقسمت أن أدخل الجنّة من أطاعه وإن عصاني، وأن أدخل النار من عصاه وإن أطاعني)، أي في الظاهر.


الصفحة 164
كما يصحّ القول بأنّ من أطاع عليّاً كان من أهل النجاة والجنّة، وإن عصى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنّ من عصى عليّاً كان من أهل النار وإن أطاع رسول الله في الظاهر.

وذلك كلّه لا ينافي أكرميّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم من عليّ عليه السلام، كما هو ظاهر.

وبالجملة: المراد بالحديث: أنّ من أطاع الله في الظاهر، وعصى عليّاً منكراً لحقّه، فهو من أهل النار؛ لعدم إيمانه. وأنّ من أطاع عليّاً عارفاً بحقّه، فهو من أهل الجنّة، وإن عصى الله في بعض الفروع؛ لأنّ عصيانه عصيان مؤمن، فيكون أهلا للمغفرة والرحمة.

فذلك إشارة إلى إمامة أمير المؤمنين عليه السلام، وأنّ الإقرار بها شرط للإيمان، وأنّه لا عبرة بطاعة المسلمين ظاهراً الذين لم يقرّوا بالنصّ على عليّ عليه السلام واتّبعوا غيره وعصوه، وإن كانت طاعة الله ورسوله وخليفته في الواقع واحدة، ومعصيتهم الواقعية معصية واحدة.

ويشهد لإرادة الإمامة من الحديث، وصفه لعليّ في ما كتب على العرش، بأنّه مقيم الحجّة في عرض وصف الله تعالى بالوحدانية، ومحمّد بالنبوّة، فإنّه من أوضح ما يدلّ على الإمامة! مضافاً إلى تصريحه بأنّ محمّداً وعليّاً علّة لخلق آدم؛ فإنّه دليل الفضل على آدم، فضلاً عن الأُمّة.

فلا بدّ أن يكون عليّ سيّدها وإمامها، بل علّة خلقها بالأولوية، كما قال عليه السلام في (نهج البلاغة) بكتابه إلى معاوية: (نحن صنائع الله، والناس بعد صنائع لنا)))(1).

____________

1- دلائل الصدق لنهج الحقّ ٦: ٢٩٢ المسألة الخامسة، الحديث الخامس: في ذكر بعض الفضائل التي تقضي وجوب إمامة أمير المؤمنين عليه السلام.


الصفحة 165

تعليق:

« أحمد العطّار ــ مصر ــ سُنّي »

السؤال:

السادة الأفاضل..

بعد التحيّة، هل حقّاً يوجد حديث قدسي في سيّدنا عليّ: (من أطاعك وعصاني دخل الجنّة، ومن أطاعني وعصاك دخل النار)؟

نرجوا الإفادة.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ورد هذا الحديث القدسي بعدّة طرق، وصيغ أُخر، إضافة لِما مرّ:

فقد روى الصدوق في أماليه، قال: ((حدّثنا علي بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن جدّه أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه محمّد بن خالد، عن خلف بن حمّاد، عن أبي الحسن العبدي، عن الأعمش، عن عبابة بن ربعي، عن عبد الله بن عبّاس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أتاني جبرئيل وهو فرح مستبشر، فقلت له: حبيبي جبرئيل مع ما أنت فيه من الفرح، ما منزلة أخي وابن عمّي عليّ بن أبي طالب عند ربّه؟

فقال جبرئيل: يا محمّد! والذي بعثك بالنبوّة، واصطفاك بالرسالة، ما هبطت في وقتي هذا إلّا لهذا.

يا محمّد! الله العليّ الأعلى يقرأ عليك السلام، ويقول: محمّد نبيّ رحمتي، وعليّ مقيم حجّتي، لا أعذّب من والاه وإن عصاني، ولا أرحم من عاداه وإن أطاعني...)))(1) الحديث.

____________

1- الأمالي: ٧٥٦ الحديث (١٠١٩)، المجلس السادس والسبعون.


الصفحة 166
ورواه مع بعض الاختلاف في (الخصال)، قال: ((حدّثنا أبي رضي الله عنه، قال: حدّثني الحسن بن أحمد الأسكيف القمّي بالرّي يرفع الحديث إلى محمّد بن علي، قال: حدّثنا محمّد بن حسّان القوسي، قال: حدّثنا علي بن محمّد الأنصاري المروزي، قال: حدّثنا عبيد الله بن عبد الكريم الرازي المعروف بأبي زرعة، قال: حدّثني أحمد بن عبد الحميد الحماني، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:...))(1) الحديث.

ورواه الفتّال النيسابوري في (روضة الواعظين) مرسلاً(2)، وابن شهر آشوب في (مناقب آل أبي طالب) مرسلاً أيضاً(3)، ومحمّد بن الحسن القمّي في (العقد الفريد والدرّ النضيد) مرسلاً عن عكرمة، عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم(4).

ورواه ابن شاذان القمّي في (المائة منقبة)، قال: ((حدّثنا أحمد بن محمّد بن أيوب الحافظ رحمه الله، قال: حدّثني أحمد بن زياد، قال: حدّثني علي بن إبراهيم، عن أبيه، قال: حدّثني الريان بن الصلت، قال: سمعت عليّ بن موسى الرضا عليه السلام يقول: سمعت أبي موسى عليه السلام يقول: سمعت أبي جعفراً عليه السلام يقول: سمعت أبي محمّداً عليه السلام يقول: سمعت أبي عليّاً عليه السلام يقول: سمعت [أبي الحسين عليه السلام يقول: سمعت] أبي عليّاً أمير المؤمنين عليه السلام يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: [سمعت جبرئيل عليه السلام يقول:] سمعت الله جلّ جلاله يقول: عليّ بن أبي طالب حجّتي على

____________

1- الخصال، للصدوق: ٥٨٢ الحديث (٧)، أبواب السبعين وما فوقه.

2- روضة الواعظين: ١٠٩، مجلس في ذكر فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه.

3- مناقب آل أبي طالب ٣: ٤، باب ما يتعلّق بالآخرة من مناقبه عليه السلام.

4- العقد الفريد والدرّ النضيد: ٣٥ الحديث السادس والعشرون.


الصفحة 167
خلقي، ونوري في بلادي، وأميني على علمي، لا أُدخل النار من عرفه وإن عصاني، ولا أُدخل الجنّة من أنكره وإن أطاعني))(1).

ورجاله ثقات غير (أحمد بن محمّد بن أيوب الحافظ)، وهو أبو عبد الله أحمد بن محمّد بن عبد الله بن الحسن بن عيّاش الجوهري البغدادي (ت٤٠١هـ) صاحب كتاب (مقتضب الأثر)، روى عنه ابن شاذان عدّة روايات في (مائة منقبة)، اضطرب واختل في آخر عمره، وتركه النجاشي لمّا رأى الشيوخ يضعّفونه(2)، ولكن تابعه عليه علي بن محمّد بن علي العلوي عن أحمد بن زياد بن جعفر في رواية (كتاب المسلسلات) لجعفر بن أحمد بن علي القمّي(3)، فزال احتمال اضطرابه في الحديث.

ومن هنا تعرف أنّ الصيغة الأقرب للحديث هي ما ورد بهذا السند المقبول عن الرضا عليه السلام، ويمكن إرجاع ما ورد من صيغ أخر إلى معنى هذه الصيغة، فيكون معنى ما ورد من عدم العذاب مطلقاً هو عدم دخول النار للموالي، إمّا لغفران ذنوبه، أو لشموله بالشفاعة المذخورة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام في الآخرة.

وقال الحافظ البرسي (ت٨١٣هـ) في (مشارق أنوار اليقين): ((التوحيد لا يقابله شيء قلّ أم جلّ، وكذا حبّ عليّ إذا كان في الميزان لا ينقصه شيء من الذنوب قلّ أم جلّ، فإذا كان حبّه في الميزان فلا سيئة، وإذا لم يكن فلا حسنة، لأنّ الحسنات بالتحقيق حبّه، والسيئات بغضه، لأنّ حبّه حسنة لا يضرّ معها سيئة، وبغضه سيئة لا ينفع معها حسنة...

____________

1- مائة منقبة: ٧٨، المنقبة السادسة والأربعون.

2- رجال النجاشي: ٨٥ (٢٠٧).

3- كتاب المسلسلات، المطبوع مع جامع الأحاديث: ٢٦٢ الحديث الثالث والثلاثون.


الصفحة 168
إلى أن قال: ودليله ما رواه صاحب الكشّاف من الحديث القدسي من الربّ العليّ أنّه قال: (لأُدخلنّ الجنّة من أطاع عليّاً وإن عصاني، ولأُدخلنّ النار من عصاه وإن أطاعني)، وهذا رمز حسن، وذلك لأنّ حبّ عليّ هو الإيمان الكامل، والإيمان الكامل لا تضرّ معه السيئات، فقوله: ((وإن عصاني)) فإنّي أغفر له إكراماً له وأُدخله الجنّة بإيمانه فله الجنّة بالإيمان، وبحبّ عليّ العفو والغفران.

وقوله: (ولأُدخلن النار من عصاه وإن أطاعني)؛ وذلك لأنّه إذا لم يوال عليّاً فلا إيمان له، فطاعته هناك مجاز لا حقيقة؛ لأنّ الطاعة بالحقيقة حبّ عليّ المضاف إليها سائر الأعمال، فمن أحبّ عليّاً فقد أطاع الله، ومن أطاع الله نجا، فمن أحبّ عليّاً فقد نجا. فاعلم أنّ حبّ عليّ الإيمان، وبغضه الكفر))(1).

(ولايتهم عليهم السلام شرط لقبول الأعمال)(٣)

« علي الجابري ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

بالنسبة للحديث الشريف: (من مات دون ماله فهو شهيد، ومن مات دون عرضه فهو شهيد...) الخ.

على من ينطبق هذا الحديث؟ هل ينطبق على جميع المسلمين المؤمن والفاسق؟ هل ينطبق على من لا يؤمن بولاية أمير المؤمنين وأولاده المعصومين، أم لا؟

____________

1- مشارق أنوار اليقين: ٩٧، فصل: أثر حبّ عليّ وطاعته.


الصفحة 169
وإذا كان نعم وأصبح المخالف شهيداً وله أجر الشهيد فما فائدة الولاية حينئذ؟!

والسلام عليكم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ هذا الحديث بهذا المتن لم يرد في مصادر الحديث، وإنّما ورد الشطر الأوّل منه من طرق أهل السُنّة.

فقد روى الطبراني في (المعجم الأوسط)، بسنده: ((عن عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عامر بن كريز: إنّ رسول اللهصلى الله عليه وسلم، قال: (من قتل ــ أو قال: من مات ــ دون ماله فهو شهيد)))(1).

وفي الصحيحين: (من قتل دون ماله فهو شهيد)(2).

وقد ورد بطرقنا في (الكافي) بلفظه: (من قتل دون ماله فهو بمنزلة الشهيد...)(3) الخ، وفي كتاب (من لا يحضره الفقيه) بلفظه: (من قتل دون ماله فهو الشهيد)(4).

وأمّا الشطر الثاني ممّا ذكر، فلم نعثر على مصدر له في كتب الحديث، وإنّما أدخله في الحديث ــ أي: الشطر الأوّل ــ بعض كتّاب أهل السُنّة.

____________

1- المعجم الأوسط ٨: ٩٣ باب من اسمه موسى.

2- صحيح البخاري ٣: ١٠٨ كتاب المظالم، باب من قاتل دون ماله، صحيح مسلم ١: ٨٧، باب الدليل على أنّ من قصد أخذ مال غيره بغير حقّ كان القاصد مهدور الدم.

3- الكافي، للكليني ٥: ٥٢، باب من قتل دون مظلمته، و٧: ٢٩٦، باب قتل اللص).

4- من لا يحضره الفقيه، للصدوق ٤: ٩٥ الحديث (٥١٦١)، من قتل دون ماله فهو شهيد.


الصفحة 170
نعم، ورد هذا الشطر بلفظ: (من قتل دون أهله فهو شهيد)(1).

وأمّا بخصوص ما سألت:

فإنّ هذه الروايات التي يستفاد منها عموم (من مات)، أو (من قتل)، سواء كان إمامياً أو غيره، بل سواء كان مسلماً أو غيره، مخصصة بالروايات الواردة بأنّ شرط قبول الأعمال هو (الولاية).. فالاعتقاد بولاية أهل البيت عليهم السلام شرط في قبول الأعمال، ومن جاء بأيّ عمل يوم القيامة وليس عنده ولاية أهل البيت عليهم السلام، فهو من أهل هذه الآية التي جاء فيها: ﴿وَقَدِمنَا إلى مَا عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلنَاهُ هَبَاءً مَنثُوراً(2)؛ نعم يُؤخذ له حقّه يوم القيامة لأنّه مظلوم.

(موالاتهم عامل مهم لدخول الجنّة)

« ياسر العسبول ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

هل كلّ من يوالي أهل البيت عليهم السلام يدخل الجنّة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا ريب أنّ موالاة أهل البيت عليهم السلام مع التبري من أعداءهم ــ أي: الموالاة الحقيقية الدائرة بين النفي والإثبات كـ(لا إله إلّا الله) ــ عامل مهمّ، بل هو عمدة ما في الباب للدخول إلى الجنّة، بل يظهر من بعض النصوص حتمية ذاك وإن فعل كذا.. وكذا, أو ما فعل..

____________

1- انظر: مسند أحمد بن حنبل ١: ١٩٠ مسند سعيد بن زيد.

2- الفرقان (٢٥): ٢٣.


الصفحة 171
نعم, لا بدّ وأن يمرّ المؤمن بمرحلة تمحيص، وقد يصل إلى دخول النار واللبث فيها لمدّة، قد لا تكون قصيرة.

وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ــ كما في (عوالي اللئالي) وغيرها: أنّه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من قال لا إله إلّا الله دخل الجنّة وإن زنى وإن سرق)(1)، وهذا لا شكّ ليس على إطلاقه.. فكذا فيما يرجع إلى من تولّاهم صلوات الله عليهم أجمعين.

ونظير هذا ما جاء في كتاب (التوحيد): ((عن أبي ذرّ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (ذاك جبرئيل عرض لي في جانب الحرّة.

فقال: بشّر أُمّتك أنّه من مات لا يشرك بالله عزّ وجلّ شيئاً دخل الجنّة.

قال: قلت: يا جبرئيل! وإن زنى وإن سرق؟

قال: نعم وإن شرب الخمر))).

حيث علّق الشيخ الصدوق(رحمة الله عليه) بقوله: ((يعني بذلك: أنّه يوفّق للتوبة حتّى يدخل الجنّة))(2).

وينبغي التنبيه إلى الشرط الوارد في الرواية، وهو: (لا يشرك بالله عزّ وجلّ شيئاً)!

قال العلاّمة المجلسي رحمه الله في (البحار): ((وأمّا أصحاب الكبائر من الشيعة فلا استبعاد في عدم دخولهم النار وإن عذّبوا في البرزخ وفي القيامة))، ثمّ قال رحمه الله: ((وقد ورد في بعض الأخبار أنّ ارتكاب بعض الكبائر وترك بعض الفرائض

____________

1- عوالي اللئالي، لابن أبي الجمهور ١: ٣٤ الفصل الرابع الحديث (١٤)، بحار الأنوار، للمجلسي ٨: ٣٧١ كتاب المعاد باب (٢٧)، مستدرك الوسائل، للنوري ٥: ٣٥٩ الحديث (٦٠٨٣) كتاب الصلاة، باب (٣٦) من أبواب الذكر.

2- التوحيد: ٢٦، باب (١) الحديث (٢٤) و٤١٠، باب (٦٣) الحديث (٩).


الصفحة 172
أيضاً داخلان في الشرك فلا ينبغي الاغترار بتلك الأخبار والاجتراء بها على المعاصي))(1).

ومع هذا فقد وردت روايات كثيرة جدّاً في (رجال الكشي)(2) وغيره، نقل جملة منها شيخنا المجلسي في (بحاره)(3) في الصفح عن الشيعة وشفاعة أئمّتهم صلوات الله عليهم أجمعين؛ فراجع!

(البراءة من أعداء أئمّة أهل البيت عليهم السلام)

« توفيق منير ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

أنا موالٍ لأهل البيت، منتهج نهجهم، إلّا أنّني لا أجد في نفسي بغضاً أو كراهية لمن هو مخالف لنهج أهل البيت، وأجدهم ضالّين أسأل الله أن يهديهم. ما هو رأيكم؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لم نجد في ما بحثنا من مصادرنا الحديثية ما يوجب البراءة من مجمل المخالفين حتّى عوامّهم الجهلة أو المستضعفين، بل ربّما يستفاد من بعض عمومات جواز معاملتهم ومداراتهم جواز الألفة معهم، وربّما أيضاً يستفاد التزاماً

____________

1- بحار الأنوار ٣: ٧ كتاب التوحيد، باب (١) الحديث (١٧).

2- اختيار معرفة الرجال/رجال الكشي ٢: ٦٢٧ الحديث (٦١٧، ٦١٩)، و٧١٦ الحديث (٧٨٩، ٧٩٠).

3- بحار الأنوار ٦٥: ٩٨ كتاب الكفر والإيمان، باب (١٨).


الصفحة 173
من بعض الأدلّة كجواز الزواج ممّن لا تعرف مذهب أهل البيت عليهم السلام جواز مودّتهم في أُمور الدنيا، لا أمر الدين؛ لأنّ الحبّ في الله والبغض في الله من أركان الإيمان.

نعم، وردت روايات مستفيضة بوجوب البراءة من أعداء أهل البيت عليهم السلام وأتباعهم وأشياعهم والمبغض لهم عليهم السلام، وممّن لديه المعرفة كعلمائهم.

منها: ما ورد في كتاب (مستطرفات السرائر) لابن إدريس الحلّي (ت٥٩٨هـ): ((وقيل للصادق عليه السلام: إنّ فلاناً يواليكم، إلّا أنّه يضعف عن البراءة من عدوّكم، قال: (هيهات، كذب من ادّعى محبّتنا ولم يتبرأ من عدوّنا).

وروي عن الرضا عليه السلام، أنّه قال: (كمال الدين ولايتنا والبراءة من عدوّنا).

ثمّ قال الصفواني: واعلم يا بني، أنّه لا تتم الولاية ولا تخلص المحبّة وتثبت المودّة لآل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم إلّا بالبراءة من عدوّهم، قريباً كان منك أو بعيداً، فلا تأخذك به رأفة، فإنّ الله عزّ وجلّ يقول: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ...(1)...))(2).

والروايات في ذلك كثيرة؛ راجع (بحار الأنوار، للمجلسي/ الجزء السابع والعشرون/ أبواب ولايتهم وحبّهم وبغضهم صلوات الله عليهم، وباب وجوب موالاة أوليائهم ومعاداة أعدائهم).

____________

1- المجادلة (٥٨): ٢٢.

2- كتاب السرائر/مستطرفات السرائر: ٦٤٠ مستطرفات كتاب أنس العالم تصنيف الصفواني.


الصفحة 174

(هل يدخل مبغض آل البيت الجنّة؟)

« أمير ــ الإمارات ــ إمامي »

السؤال:

هل الذين يبغضون آل البيت مؤمنون ويدخلون الجنّة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ مودّة أهل البيت عليهم السلام فرض على المسلمين أنزله الله تعالى في كتابه، قال الله عزّ وجلّ:﴿قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى(1)، فيكون من أبغضهم راداً على الله ورسوله ــ نعوذ بالله ــ

وقد ورد في كتب الفريقين عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال لعليّ عليه السلام: (يا عليّ! إنّك قسيم الجنّة والنار)(2). فإذا كان عليّ عليه السلام هو قسيم الجنّة والنار، فكيف يدخل الجنّة من يبغضه؟! وهل يسمّى مؤمناً من يبغض عليّاً وآله عليهم السلام؟!

وقد ورد في كتب الفريقين عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال لعليّ عليه السلام: (يا عليّ! لا

يحبّك إلّا مؤمن ولا يبغضك إلّا منافق)(3).

____________

1- الشورى (٤٢): ٢٣.

2- انظر: الأمالي، للصدوق: ١٠١ الحديث (٧٧)، و١٥٠ الحديث (١٤٦)، عيون أخبار الرضا عليه السلام، للصدوق ٢: ٣٠ فضائل الإمام أمير المؤمنين، مناقب الإمام عليّ عليه السلام، لابن المغازلي: ٨١ الحديث (٩١)، مناقب الخوارزمي: ٢٩٤ الحديث (٢٨١)، فرائد السمطين، للحمويني ١: ٣٢٥ الحديث (٤٥٣)، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٤٢: ٣٠١ ترجمة الإمام عليّ عليه السلام، جواهر العقدين، للسمهودي: القسم الثاني ٢: ٤٢٨ الخامس عشر، ذكر ما يطلب لأهل البيت النبوي، الصواعق المحرقة، لابن حجر ٢: ٣٦٩ الباب التاسع، الفصل الثاني الحديث الأربعون، وغيرهم.

3- انظر: مسند أحمد بن حنبل ١: ٨٤، ٩٥، ١٢٨ مسند عليّ بن أبي طالب عليه السلام، صحيح مسلم ١: ٦١ باب الدليل على أنّ حبّ الأنصار وعليّ من الإيمان وعلاماته، سنن ابن ماجة ١: ٤٢ فضل عليّ بن أبي طالب عليه السلام، سنن الترمذي ٥: ٣٠٦ الحديث (٣٨١٩) أبواب المناقب عن رسول الله، سنن النسائي ٨: ١١٦ الحديث (٥٠١٩) كتاب الإيمان وشرائعه، المصنّف، لابن أبي شيبة ٧: ٤٩٤ كتاب الفضائل، باب (١٨)، السُنّة، لابن عاصم: ٥٨٤ الحديث (١٣٢٥)، صحيح ابن حبّان ١٥: ٣٦٧ كتاب إخبارهصلى الله عليه وسلم، مناقب عليّ، المعجم الكبير، للطبراني ٢٣: ٣٧٥، وغيرها.


الصفحة 175
ثمّ إنّ بغض عليّ عليه السلام هو في الواقع بغض لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما ورد في كتب الفريقين عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنّه قال: (من أحبّني فليحبّ عليّاً, ومن أبغض عليّاً فقد أبغضني, ومن أبغضني فقد أبغض الله عزّ وجلّ, ومن أبغض الله أدخله النار)(1).

وروى الحاكم في مستدركه وصحّحه على شرط مسلم: ((عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت أحد إلّا أدخله الله النار)))(2).

إذاً، مبغض عليّ وآله عليهم السلام ليس مؤمناً, بل منافق, وفي بعض الروايات كافر(3), ومصيره النار.

(حقّ الأئمّة عليهم السلام على الناس)

« جمال الدين ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

____________

1- انظر: تاريخ بغداد، للخطيب ١٣: ٣٤ (٦٩٨٨) ترجمة موسى بن سهل الحواسبي، فرائد السمطين، للحمويني ١: ١٣٢ الحديث (٩٤)، أسد الغابة، لابن الأثير ٤: ٣٨٣ ترجمة معاوية بن ثعلبة، الإصابة، للعسقلاني ٦: ٢٨٦ (٨٦٠٤) ترجمة معاوية بن ثعلبة.

2- المستدرك على الصحيحين ٣: ١٥٠ مناقب أهل البيت.

3- انظر: الكامل، لابن عدي ٤: ٣٤٩ (١١٨٢) ترجمة عبادة بن زياد الأسدي الكوفي، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٤٢: ٢٧٠ ترجمة الإمام عليّ، إرشاد القلوب، للديلمي ٢: ٣٠٧.


الصفحة 176
أيّها المدافعون بالثغور عن مذهب أهل البيت سلام الله عليهم أجمعين.

تعلمون أنّ أهل البيت(سلام الله عليهم) ضحّوا بالغالي والنفيس لأجل إيصال الدين إلينا.

فما هو الواجب علينا اتجاههم؟ مع الدليل على كلّ فعل يكون واجباً علينا؛ ليكون دستوراً يسير عليه شيعتهم ومواليهم.

والسلام.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ حقوق الأئمّة عليهم السلام على شيعتهم كثيرة:

منها: معرفتهم ومعرفة حقّهم عليهم السلام:

ففي (الاختصاص): عن الصادق عليه السلام: (إنّ الله تبارك وتعالى جعلنا حججه على خلقه وأمناء علمه، فمن جحدنا كان بمنزلة إبليس في تعنّته على الله حين أمره بالسجود لآدم، ومن عرفنا واتّبعنا كان بمنزلة الملائكة الذين أمرهم الله بالسجود لآدم فأطاعوه)(1).

وفي (الكافي): عن أبي سلمة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سمعته يقول: (نحن الذين فرض الله طاعتنا، لا يسع الناس إلّا معرفتنا، ولا يعذر الناس بجهالتنا، من عرفنا كان مؤمناً، ومن أنكرنا كان كافراً، ومن لم يعرفنا ولم ينكرنا كان ضالاً حتّى يرجع إلى الهدى الذي افترض الله عليه من طاعتنا الواجبة، فإن يمت على ضلالته يفعل الله به ما يشاء)(2).

____________

1- الاختصاص، للمفيد: ٣٣٤ من جحد حقّ الأئمّة عليهم السلام كان بمنزلة إبليس.

2- الكافي، للكليني ١: ١٨٧ الحديث (١١)، باب فرض طاعة الأئمّة.


الصفحة 177
وفي (الكافي) أيضاً عن أبي عبد الله عليه السلام في خطبة له يذكر فيها حال الأئمّة عليهم السلام وصفاتهم: (إنّ الله عزّ وجلّ أوضح بأئمّة الهدى من أهل بيت نبيّنا عن دينه، وأبلج بهم عن سبيل منهاجه، وفتح بهم عن باطن ينابيع علمه، فمن عرف من أُمّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم واجب حقّ إمامه، وجد طعم حلاوة إيمانه...الخ)(1).

والأخبار في ذلك كثيرة، فعلى المؤمن أن يسعى إلى معرفة حقيقة الأئمّة عليهم السلام ومعرفة حقّهم بقدر الوسع والطاقة.

ومنها: مودّتهم ومحبّتهم عليهم السلام:

فقد صرّح القرآن أنّه لا يطلب أجراً على الرسالة التي أدّاها سيّد أهل البيت شيئاً إلّا المودّة في القربى, والأجر عائد على الناس، فليس المنتفع هم أهل البيت عليهم السلام, بل المنتفع هم الناس أنفسهم.

ففي (عيون الحكم والمواعظ) عن أمير المؤمنين عليه السلام: (عليكم بحبّ آل نبيّكم فإنّه حقّ الله عليكم والموجب على الله حقّكم، ألا ترون إلى قول الله: ﴿قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى(2)))(3).

وروى الكليني عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: ﴿قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى، قال: (هم الأئمّة عليهم السلام)(4). إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة.

ومنها: طاعتهم واتّباعهم عليهم السلام:

____________

1- الكافي ١: ٢٠٣ الحديث(٢)، باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته.

2- الشورى (٤٢): ٢٣.

3- عيون الحكم والمواعظ، للّيثي: ٣٤٢، الباب الثامن عشر: حرف العين، الفصل الخامس.

4- الكافي ١: ٤١٣ الحديث (٧)، باب فيه نكت ونتف من التنزيل والولاية.


الصفحة 178
فالاتّباع لازم المحبّة، قال الله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(1). وقد أورد الكليني في باب (فرض طاعة الأئمّة) من كتاب الحجّة في (الكافي) سبعة عشر رواية؛ فراجع.

ومنها: التبرؤ من أعدائهم:

وهو لازم لحبّهم أيضاً، إذ لا يجتمع حبّهم مع حبّ عدوّهم، قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ(2).

ففي (تفسير القمّي) عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام، في قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ، قال: (قال عليّ بن أبي طالب عليه السلام: لا يجتمع حبّنا وحبّ عدوّنا في جوف إنسان، إنّ الله لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه فيحبّ هذا ويبغض هذا، فأمّا محبّنا فيخلص الحبّ لنا كما يخلص الذهب بالنار لا كدر فيه، فمن أراد أن يعلم حبّنا فليمتحن قلبه فإن شاركه في حبّنا حبّ عدوّنا فليس منّا ولسنا منه، والله عدوّهم وجبرئيل وميكائيل والله عدوّ للكافرين)(3).

إلى غيرها من الروايات.

ومنها: تقديمهم عليهم السلام على من سواهم:

روى الصفّار ستّة طرق عن الصادق عليه السلام في أنّه ما نبئ نبيّ إلّا بمعرفتهم وفضلهم عمّن سواهم:

منها: حدّثنا علي بن إسماعيل، عن محمّد بن عمرو، عن يونس بن يعقوب، عن عبد الأعلى، عن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (ما من نبيّ نبئ ولا من رسول أُرسل إلّا بولايتنا وبفضلنا عمّن سوانا)(4).

____________

1- آل عمران (٣): ٣١.

2- الأحزاب (٣٣): ٤.

3- تفسير القمّي ٢: ١٧١ سورة الأحزاب.

4- بصائر الدرجات: ٩٤ الجزء الثاني، باب ٩.


الصفحة 179
وروى الصدوق عن الرضا عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام، قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما خلق الله خلقاً أفضل منّي ولا أكرم عليه منّي).

قال عليّ عليه السلام: فقلت: (يا رسول الله! فأنت أفضل أم جبرئيل؟).

فقال: (يا عليّ! إنّ الله تبارك وتعالى فضّل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقرّبين، وفضّلني على جميع النبيّين والمرسلين، والفضل بعدي لك يا عليّ وللأئمّة من بعدك، وإنّ الملائكة لخدّامنا وخدّام محبّينا...الخ)(1).

ومنها: إحياء أمرهم وذكرهم عليهم السلام:

ففي (قرب الإسناد): عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال لفضيل: (تجلسون وتحدّثون؟).

قال: نعم، جعلت فداك.

قال: (إنّ تلك المجالس أحبّها، فأحيوا أمرنا يا فضيل، فرحم الله من أحيا أمرنا.

يا فضيل! من ذكرنا، أو ذكرنا عنده، فخرج من عينه مثل جناح الذباب، غفر الله له ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر)(2).

وفي (عيون أخبار الرضا عليه السلام: عن عبد السلام بن صالح الهروي، قال: سمعت أبا الحسن عليّ بن موسى الرضا عليه السلام يقول: (رحم الله عبداً أحيا أمرنا).

فقلت له: وكيف يحيي أمركم؟

قال: (يتعلّم علومنا ويعلمها الناس، فإنّ الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا)(3).

____________

1- علل الشرائع ١: ٥ باب ٧، عيون أخبار الرضا عليه السلام ١: ٢٣٧ الحديث (٢٢) باب ٢٦، إكمال الدين وإتمام النعمة: ٢٥٤ الحديث (٤)، الباب الثالث والعشرون.

2- قرب الإسناد، للحميري: ٣٦ الحديث (١١٧).

3- عيون أخبار الرضا عليه السلام، للصدوق ١: ٢٧٥ الحديث (٦٩)، باب ٢٨.


الصفحة 180
إلى غير ذلك من الروايات.

ومنها: الصلاة عليهم عليهم السلام، وهي من أفضل الأعمال:

ففي (الكافي): عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام، قال: (ما في الميزان شيء أثقل من الصلاة على محمّد وآل محمّد، وإنّ الرجل لتوضع أعماله في الميزان فتميل به فيخرج صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة عليه فيضعها في ميزانه فيرجح به)(1).

وفيه أيضاً: عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (سمع أبي رجلاً متعلّقاً بالبيت وهو يقول: اللّهمّ صلّ على محمّد، فقال له أبي: يا عبد الله! لا تبترها لا تظلمنا حقّنا، قل: اللّهمّ صلّ على محمّد وأهل بيته)(2).

ومنها: الفرح لفرحهم، والحزن لحزنهم، وذكر مصائبهم عليهم السلام:

ففي خصال الصدوق رحمه الله في حديث الأربعمائة خصلة التي علّمها أمير المؤمنين عليه السلام لأصحابه، بسنده عن أبي عبد الله عليه السلام، وهو حديث طويل فيه: (إنّ الله تبارك وتعالى أطّلع إلى الأرض فاختارنا، واختار لنا شيعة، ينصروننا ويفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا، ويبذلون أموالهم وأنفسهم فينا، أولئك منّا وإلينا)(3).

وفي (كامل الزيارات): عن مسمع بن عبد الملك كردين البصري، قال:

قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا مسمع! أنت من أهل العراق أما تأتي قبر الحسين عليه السلام؟

____________

1- الكافي، للكليني ٢: ٤٩٤ الحديث (١٥)، باب الصلاة على النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام.

2- الكافي ٢: ٤٩٥ الحديث (٢١)، باب الصلاة على النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام.

3- الخصال: ٦٣٥ الحديث (١٠) حديث الأربعمائة.


الصفحة 181
الصفحة السابقةالصفحة التالية