المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 8) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج8 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 181 - ص 210) قلت: لا أنا رجل مشهور عند أهل البصرة، وعندنا من يتّبع هوى هذا الخليفة، وعدوّنا كثير من أهل القبائل من النصاب وغيرهم، ولست آمنهم أن يرفعوا حالي عند ولد سليمان فيمثلون بي.

قال لي: أفما تذكر ما صنع به؟

قلت: نعم.

قال: فتجزع؟

قلت: إي والله، وأستعبر لذلك، حتّى يرى أهلي أثر ذلك علَيَّ، فامتنع من الطعام حتّى يستبين ذلك في وجهي.

قال: رحم الله دمعتك، أما إنّك من الذين يعدّون من أهل الجزع لنا، والذين يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا، ويخافون لخوفنا ويأمنون إذا أمنا...(1).

وفي (أمالي الطوسي): عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد عليه السلام، قال: (نفس المهموم لظلمنا تسبيح، وهمه لنا عبادة، وكتمان سرّنا جهاد في سبيل الله). ثمّ قال أبو عبد الله جعفر بن محمّد عليه السلام: (يجب أن يكتب هذا الحديث بالذهب)(2).

ومنها: انتظار فرجهم عليهم السلام ــ وله فضل عظيم ــ :

ففي (إكمال الدين): عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (من مات منكم على هذا الأمر منتظراً له كان كمن كان في فسطاط القائم عليه السلام)(3).

____________

1- كامل الزيارات، لابن قولويه: ٢٠٤ الحديث (٢٩١)، باب (٣٢) ثواب من بكى على الحسين عليه السلام.

2- أمالي الطوسي: ١١٥ الحديث (١٧٨).

3- إكمال الدين وإتمام النعمة، للصدوق: ٦٤٤، الباب الخامس والخمسون الحديث (١).


الصفحة 182
وفيه أيضاً: عن أبي عبد الله، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام، قال: (المنتظر لأمرنا كالمتشحّط بدمه في سبيل الله)(1).

وفي (تأويل الآيات الظاهرة): عن أبي عبد الله: (يا أبا حمزة! من آمن بنا وصدّق حديثنا، وانتظر أمرنا كان كمن قتل تحت راية القائم، بل والله تحت راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)(2).

ومنها: دفع الخمس لهم عليهم السلام وصلتهم بالمال:

فالخمس حكمه واضح ممّا ذكره علماؤنا في مباحثهم الفقهية ورسائلهم العملية، وأمّا صلتهم عليهم السلام فهو يحصل بصرف المال في الأُمور والمواضع التي يعلم برضاهم بها، وبحبّهم لها، ورضا الإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف، خاصّة في ترويج الدين، وكذلك صلة شيعتهم ومواليهم.

روى الصدوق في (من لا يحضره الفقيه): عن الصادق عليه السلام: (من لم يقدر على صلتنا فليصل صالحي شيعتنا يكتب له ثواب صلتنا، ومن لم يقدر على زيارتنا فليزر صالحي موالينا يكتب له ثواب زيارتنا)(3).

وهناك حقوق وواجبات أُخرى كثيرة: كزيارة قبورهم عليهم السلام، وإهداء ثواب الأعمال لهم، والنيابة بالحجّ والزيارات، وقراءة القرآن عنهم، والدفاع عنهم وعن مذهبهم وشيعتهم مقابل الأعداء، والحفاظ على سرّهم، والاتقاء من عدوّهم. وغيرها تركنا ذكرها روماً للاختصار واعتماداً على فهم المؤمن الموالي لهم.

____________

1- إكمال الدين وإتمام النعمة: ٦٤٥، الباب الخامس والخمسون الحديث (٦).

2- تأويل الآيات الظاهرة، للأسترابادي: ٦٦٦ الحديث (٢١) سورة الحديد.

3- من لا يحضره الفقيه ٢: ٧٣ الحديث (١٧٦٥).


الصفحة 183

(رضاهم عليهم السلام رضا الله تعالى)

« أبو حسن ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

ما هو معنى رضا أهل البيت، وهل العمل لأجل رضا أهل البيت يعتبر شركاً في العبادة؟

هناك اشتباه عندي في هذا الموضوع، الرجاء التفصيل في الإجابة.

ولكم الأجر.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا بدّ أن تكون العبادة لله تعالى، وأمّا ما نطلبه من رضا المعصومين عليهم السلام فلأجل أنّ الأعمال تعرض عليهم ويكونوا بمثابة الميزان في تقييم الأعمال، ولا يعد هذا الطلب لرضاهم شركاً؛ لأنّه بإذن من الله تعالى، بل رضاهم من رضا الله تعالى، ففي الخبر: عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزّ وجلّ: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمنَا مِنهُم(1), فقال: إنّ الله عزّ وجلّ لا يأسف كأسفنا، ولكنّه خلق أولياء لنفسه يأسفون ويرضون وهم مخلوقون مربوبون، فجعل رضاهم رضا نفسه وسخطهم سخط نفسه؛ لأنّه جعلهم الدعاة إليه والأدلّاء عليه، فلذلك صاروا كذلك(2).. ولذا جاء في حقّهم عليهم السلام في الزيارة الجامعة: (والأدلّاء على مرضاة الله)(3)، فإنّهم يدلّون الخلق على ما يرضي الله تعالى من عقائد وأحكام بما جعلهم الله أولياءه على خلقه وأبواباً لعلمه وواسطة بينهم وبينه.

____________

1- الزخرف (٤٣): ٥٥.

2- انظر: الكافي، للكليني ١: ١٤٤ كتاب التوحيد، باب النوادر الحديث (٦).

3- من لا يحضره الفقيه، للصدوق ٢: ٦١٠ الحديث (٣٢١٣).


الصفحة 184

(أعمال تقرّب من الله تعالى وترضي الأئمّة عليهم السلام)

« المستبصر الفلسطيني ــ فلسطين »

السؤال:

ما هي أفضل الأعمال التي أتقرّب بها إلى الأئمّة عليهم السلام وأكون بها وجيهاً عندهم؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نذكر لك بعض الروايات التي من خلالها يتّضح لك بعض الأعمال التي فيها القرب من الله تعالى ورضا المعصومين عليهم السلام:

١ــ روي عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام، عن آبائه، عن رسول صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: (وأشدّ من يتم هذا اليتيم يتيم [ينقطع] عن إمامه لا يقدر على الوصول إليه، ولا يدري كيف حكمه فيما يبتلى به من شرائع دينه، ألا فمن كان من شيعتنا عالماً بعلومنا وهذا الجاهل بشريعتنا المنقطع عن مشاهدتنا يتيم في حجره، ألا فمن هداه وأرشده وعلّمه شريعتنا، كان معنا في الرفيق الأعلى)(1).

فبإمكانك من خلال طلب العلم أن تكون سبباً لهداية الآخرين، وبذلك تكون قريباً من المعصومين عليهم السلام.

٢ــ روي عن الإمام زين العابدين عليه السلام أنّه قال: (... لأنّ الأئمّة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثنا عشر عدد الأسباط، ثلاثة من الماضين وأنا الرابع، وثمان من ولدي أئمّة أبرار، من أحبّنا وعمل بأمرنا كان معنا في السنام الأعلى)(2).

____________

1- تفسير العسكري عليه السلام: ٣٣٩ الحديث (٢١٤).

2- كفاية الأثر، للخزّاز: ٢٣٧، باب ما جاء عن عليّ بن الحسين عليه السلام.


الصفحة 185

٣ــ زيارة قبورهم، فعن الإمام الرضا عليه السلام أنّه قال: (إنّ لكلّ إمام عهداً في عنق أوليائه وشيعته، وإنّ من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأداء زيارة قبورهم، فمن زارهم رغبة في زيارتهم وتصديقاً بما رغبوا فيه كان أئمّتهم شفعائهم يوم القيامة)(1).

وعن الصادق عليه السلام أنّه قال: (من زارنا بعد مماتنا فكأنّما زارنا في حياتنا، ومن جاهد عدوّنا فكأنّما جاهد معنا, ومن تولّى محبّنا فقد أحبّنا، ومن سرّ مؤمناً فقد سرّنا، ومن أعان فقيرنا كان مكافأته على جدّنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)(2).

٤ــ الاتّصاف بصفات شيعتهم، فقد روي عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال: (قال أمير المؤمنين عليه السلام: شيعتنا المتباذلون في ولايتنا، المتحابّون في مودّتنا، المتزاورون في إحياء أمرنا، الذين إن غضبوا لم يظلموا، وإن رضوا لم يسرفوا، بركة على من جاوروا، سلم لمن خالطوا)(3).

وروي عن الصادق عليه السلام أنّه قال: (شيعتنا أهل الورع والاجتهاد، وأهل الوفاء والأمانة، وأهل الزهد والعبادة، أصحاب إحدى وخمسين ركعة في اليوم والليلة، القائمون بالليل الصائمون بالنهار، يزكّون أموالهم ويحجّون البيت ويجتنبون كلّ محرم)(4).

وغير ذلك من الروايات كثير، ذكر بعضها الحرّ العاملي في (وسائل الشيعة)(5)؛ فلتراجع.

____________

1- الكافي، للكليني ٤: ٥٦٧ أبواب الزيارات الحديث (٢).

2- المقنعة، للمفيد: ٤٨٥ كتاب الأنساب والزيارات، الباب (٣٧).

3- الكافي، للكليني ٢: ٢٣٦ باب المؤمن وعلاماته وصفاته الحديث (٢٤).

4- صفات الشيعة، للصدوق: ٢.

5- وسائل الشيعة ١: ٦٣، باب تأكّد استحباب الجد والاجتهاد في العبادة.


الصفحة 186

(ما هو حقّهم عليهم السلام على الله تعالى؟)

« علي المتعايش ــ السعودية ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

١ــ ما هو حقّ أهل البيت عليهم السلام على الله؟

٢ــ لم لا يوجد أيّ نبيّ من الأنبياء، أو وصيّ من الأوصياء عليهم السلام له حقّ على الله سوى نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته؟

٣ــ أنا في دعواتي أدعو بحقّهم عليهم السلام ولا أعرف المعنى الحقيقي لحقّهم وحرمتهم, هل دعواتي جميعها مردودة عليَّ؟

٤ــ هل يجوز الدعاء تسبقه هذه العبارة: (اللّهمّ بحقّ محمّد وعليّ، وعليّ ومحمّد صلواتك عليهما وآلهما)؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: ليس لأحد حقّ بالأصالة على الله تعالى، ولكن الله تعالى هو من أوجب الحقّ على نفسه، كما في بعض الأدعية: (وبحقّهم الذي أوجبت لهم على نفسك)(1).

ولا ريب أنّ حقّ محمّد وآله عليها السلام على الله إنّما هو ببذل أبدانهم ونفوسهم وأعراضهم في طاعة الله ونصرة دينه، إذ لولا ذلك لما ثبتت قواعد الشريعة

____________

1- مصباح المتهجّد، للطوسي: ٦١ (٩٦) ممّا يختص بالظهر.


الصفحة 187
وانتشرت تعاليم الإسلام. ولأجل ذلك فقد جعل الله عليه حقّاً, وإنّما يقال: (حقّهم على الله) من جهة المقابلة لحقّه عليهم.

فقد ورد في دعاء كلّ يوم من شهر رمضان: (اللّهمّ! ربّ الفجر، وليال عشر، والشفع والوتر، وربّ شهر رمضان، وما أنزلت فيه من القرآن، وربّ جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وجميع الملائكة المقرّبين، وربّ إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب، وربّ موسى وعيسى وجميع النبيّين والمرسلين، وربّ محمّد خاتم النبيّين صلواتك عليه وعليهم أجمعين، وأسألك بحقّك عليهم وبحقّهم عليك وبحقّك العظيم لما صلّيت عليه وآله وعليهم أجمعين...)(1).

والظاهر أنّ المراد من (حقّهم): هو مقامهم وشأنهم عند الله، فقد ورد في زيارة عاشوراء: (وأسأل الله بحقّكم وبالشأن الذي لكم عنده)(2).

ثانياً: الذي أوجب حقّ محمّد وآله على نفسه إنّما أوجبه بدرجة أعلى وأكمل من أيّ حقّ آخر يمكن يوجبه على نفسه، إذ لا مانع من أن يوجب الله تعالى على نفسه حقوقاً للأنبياء لقاء قيامهم بمهمّة النبوّة أو الرسالة، ودعوة الناس إلى توحيده وعبادته، كما فعل موسى، وعيسى، وإبراهيم، ونوح، وسائر الأنبياء عليهم السلام، وهو ظاهر من فقرة الدعاء التي أوردناها آنفاً، ولكن هذا الحقّ ينزل من حيث الدرجة عن حقّ محمّد وآله عليها السلام.

ثالثاً: يكفي في مقام الدعاء بحقّهم أن يُعلم أنّ الله تعالى قد أوجب لهم حقّاً، وليس شرطاً أن تُعلم تفاصيل ذلك الحقّ.

____________

1- مصباح المتهجّد: ٦١٢ (٦٩٦) شهر رمضان، دعاء في كلّ يوم منه، الصحيفة السجادية: ٢٣٨ (١١٧) دعاءه عليه السلام في كلّ يوم من شهر رمضان.

2- مصباح المتهجّد: ٧٧٥ شرح زيارة أبي عبد الله عليه السلام في يوم عاشوراء من قرب أو بعد.


الصفحة 188
فقد ورد في (دلائل الإمامة)، من قول الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف لكامل بن إبراهيم عندما ورد على الإمام أبي محمّد عليه السلام: (يا كامل بن إبراهيم ــ فاقشعررت من ذلك، وألهمت أن قلت: لبيك يا سيّدي ــ.

فقال: جئت إلى وليّ الله وحجّة زمانه، تسأله: هل يدخل الجنّة إلّا من عرف معرفتك، وقال بمقالتك؟

فقلت: إي والله.

قال: إذن والله يقلّ داخلها، والله إنّه ليدخلها قوم يقال لهم: الحقّية.

قلت: يا سيّدي! ومن هم؟

قال: هم قوم من حبّهم لعليّ، يحلفون بحقّه ولا يدرون ما حقّه وفضله... الخ)(1).

رابعاً: تقديم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم على عليّ عليه السلام، ثمّ تقديم عليّ عليه السلام على محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ورد في مضامين بعض الأدعية، كما في الدعاء بعد صلاة الحجّة القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف، وفيه: (يا محمّد يا عليّ، يا عليّ يا محمّد اكفياني فإنّكما كافياي...)(2)، وغيره.

(معنى حديث (هل الدين إلّا الحبّ))

« محمّد ــ أمريكا ــ إمامي»

السؤال:

السلام عليكم..

هل ورد في مصادرنا الحديثة: (هل الدين إلّا الحبّ)؟ وما المقصود من ذلك؟

____________

1- دلائل الإمامة، للطبري: ٥٠٦ الحديث (٤٩١) معرفة من شاهده في حياة أبيه عليه السلام، الغيبة، للطوسي: ٢٤٧ الحديث (٢١٦)، فصل: الكلام في ولادة صاحب الزمان عليه السلام.

2- المزار، لابن المشهدي: ٥٩١.


الصفحة 189
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

روى الكليني في (الكافي): عنهم ــ أي العدّة من أصحابنا ــ عن سهيل بن زياد، عن الحسن بن علي بن فضّال، عن علي بن عطية، وثعلبة بن ميمون، وغالب بن عثمان، وهارون بن مسلم، عن يزيد بن معاوية، قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام في فسطاط له بمنى، فنظر إلى زياد الأسود منقلع الرجل، فرثا له، فقال له: ما لرجليك هكذا؟ قال: جئت على بكر لي نضو، فكنت أمشي عند عامّة الطريق. فرثا له.

وقال له عند ذلك زياد: إنّي ألمّ بالذنوب حتّى إذا ظننت إنّي قد هلكت ذكرت حبّكم فرجوت النجاة وتجلى عنّي.

فقال أبو جعفر عليه السلام: وهل الدين إلّا الحبّ. قال الله تعالى: ﴿حَبَّبَ إِلَيكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُم(1)، وقال: ﴿إِن كُنتُم تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحبِبكُمُ اللّهُ(2)، وقال: ﴿يُحِبُّونَ مَن هَاجَرَ إِلَيهِم(3)، إنّ رجلاً أتى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله! أحبّ المصلّين ولا أُصلّي، وأحبّ الصوّامين ولا أصوم؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنت مع من أحببت ولك ما اكتسبت)، وقال: (ما تبغون وما تريدون! أما أنّها لو كان فزعة من السماء فزع كلّ قوم إلى مأمنهم، وفزعنا إلى نبيّنا، وفزعتم إلينا)(4).

وروى البرقي في (المحاسن): ((عن أحمد بن أبي نصر، عن صفوان الجمّال، عن أبي عبيدة زياد الحذاء، عن أبي جعفر عليه السلام في حديث له، قال: يا زياد! ويحك

____________

1- الحجرات (٤٩): ٨.

2- آل عمران (٣): ٣١.

3- الحشر (٥٩): ٩.

4- الكافي ٨: ٨٠ الحديث (٣٥) كتاب الروضة.


الصفحة 190
وهل الدين إلّا الحبّ، ألا ترى إلى قول الله: ﴿إِن كُنتُم تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحبِبكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ.

أو لا ترى قول الله لمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿حَبَّبَ إِلَيكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُم، وقال: ﴿يُحِبُّونَ مَن هَاجَرَ إِلَيهِم. فقال: الدين هو الحبّ، والحبّ هو الدين))(1).

وروى القاضي النعمان في (دعائم الإسلام): ((عن أبي جعفر محمّد بن عليّ(صلوات الله عليه): أنّ قوماً أتوه من خراسان، فنظر إلى رجل منهم قد تشققتا رجلاه، فقال له: ما هذا؟

فقال: بُعد المسافة، يا بن رسول الله! ووالله ما جاء بي من حيث جئت إلّا محبّتكم أهل البيت.

قال له أبو جعفر: أبشر، فأنت والله معنا تحشر.

قال: معكم، يا بن رسول الله!

قال: نعم، ما أحبّنا عبد إلّا حشره الله معنا، وهل الدين إلّا الحبّ، قال الله عزّ وجلّ: ﴿إِن كُنتُم تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحبِبكُمُ اللّهُ))(2).

وروى الصدوق في (الخصال): ((حدّثنا أبي رضي الله عنه، قال: حدّثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمّد بن حمران، عن سعيد بن يسار، قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: (هل الدين إلّا الحبّ؟ إنّ الله عزّ وجلّ يقول: ﴿إِن كُنتُم تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحبِبكُمُ اللّهُ)))(3).

____________

1- المحاسن ١: ٢٦٣ الحديث (٣٢٧).

2- دعائم الإسلام ١: ٧١ ذكر مودّة الأئمّة.

3- الخصال: ٢١ الحديث (٧٤).


الصفحة 191

وروى العيّاشي في تفسيره: ((عن بريد بن معاوية العجلي، قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام، إذ دخل عليه قادم من خراسان ماشياً، فأخرج رجليه وقد تغلفتا [تفلقتا]، وقال: أما والله ما جاءني من حيث جئت إلّا حبّكم أهل البيت.

فقال أبو جعفر عليه السلام: (والله، لو أحبّنا حجر حشره الله معنا، وهل الدين إلّا الحبّ، إن الله يقول: ﴿إِن كُنتُم تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحبِبكُمُ اللّهُ، وقال: ﴿يُحِبُّونَ مَن هَاجَرَ إِلَيهِم، وهل الدين إلّا الحبّ).

وعن ربعي بن عبد الله، قال: قيل لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك إنّا نسمّى بأسمائكم وأسماء آبائكم فينفعنا ذلك؟

فقال: (أي والله، وهل الدين إلّا الحبّ؟ قال الله: ﴿إِن كُنتُم تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحبِبكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)))(1).

وهناك روايات غيرها في معناها تبيّن أنّ الدين والإيمان هو الحبّ في الله والبغض في الله.

وفي الحقيقة أنّ لبّ الإيمان هو الإخلاص لله، ومنبع الإخلاص ومبدأه وأُسه الحبّ الحقيقي لله؛ لأنّ المحبّ لا يريد إلّا إرضاء محبوبه، فلا يخالفه ولا يعصي له طلباً، ولا يكون الإخلاص إلّا بالتسليم التامّ لما يريده سبحانه وتعالى، وهو الإسلام الفطري الذي دعا له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو دين كلّ الأنبياء عليهم السلام، فلا بدّ من التسليم والأخذ بجميع ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من شريعة وعقيدة وأخلاق واتّباع سنّته، وطاعته وطاعة من أمر بطاعته من الأئمّة(صلوات الله عليهم أجمعين).

____________

1- تفسير العيّاشي ١: ١٦٧ الحديث (٢٧، ٢٨) سورة آل عمران.


الصفحة 192

وقال المولى المازندراني في شرحه: (وهل الدين إلّا الحبّ)، أي: ليس الدين إلّا حبّنا، ولا يتحقّق إلّا به؛ لأنّه أصل يثبت الدين بثبوته، وينتفي بإنتفائه، ولا يغتفر التقصير فيه، قال الله تعالى: ﴿حَبَّبَ إِلَيكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُم، الدين هو الإيمان، أعني الإقرار بالله وبالرسول والأوصياء، والإيمان لا يتحقّق إلّا بحكم الآية، فالدين لا يتحقّق إلّا بحبّهم.

وبعبارة أُخرى: الإيمان هو الإقرار بعليّ أمير المؤمنين وأوصيائه عليهم السلام؛ لأنّ الإقرار يستلزم الإقرار بالله وبرسوله دون العكس، وهو لا يتحقّق إلّا بحبّهم(1).

(حبّ أحدهم عليهم السلام كحبّ الآخر، وحبّهم يرجع إلى حبّ الله عزّ وجلّ)

« صادق محمّد حسون ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

أوّلاً: هل يجب شرعاً أن تكون محبّتنا لله أكبر من باقي خلقه؟

ثانياً: أن تكون محبّتنا للرسول أكبر من باقي الأئمّة، أو الأنبياء، أو عامّة الناس؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: في ما يتعلّق بمحبّة الله تعالى ومحبّة المعصومين عليهم السلام، فممّا لا شكّ فيه أنّ المؤمن يحبّ الله تعالى أكثر من حبّه لسائر الناس.

____________

1- شرح أصول الكافي ١١: ٤٥١ الحديث (٣٥) كتاب الروضة.


الصفحة 193
ولكن ربّما يقال: المحبّة فرع المعرفة، والإنسان الذي لا يعرف الله تعالى كما ينبغي لا يتسنى له أن يحبّه كما ينبغي، وبالتالي فمن يحبّ النبيّ والأئمّة عليهم السلام أكثر من حبّه لله تعالى، فإنّ ذلك يرجع إلى عدم معرفته بالله سبحانه وتعالى بما هو لائق بمعرفته.

وفي جميع الأحوال، فإنّ محبّة المعصوم من محبّة الله عزّ وجلّ، إذ يرجع حبّ المؤمن للمعصوم عليه السلام في نهاية الأمر إلى حبّ الله تبارك وتعالى، ولذلك ورد في جملة من الزيارات ومنها الزيارة الجامعة الكبيرة: (ومن أحبّكم فقد أحبّ الله، ومن أبغضكم فقد أبغض الله)(1)، في إشارة إلى كون محبّة الله ومحبّة المعصوم في طول بعضهما البعض، ويدلّ عليه قولهم عليهم السلام: (لا يعرف الله إلّا بسبيل معرفتنا)(2)، وفيه حصر المعرفة الموصلة إلى الله بمحبّتهم عليهم السلام.

ثانياً: ما قيل في الفقرة أعلاه ينطبق على تفاوت المحبّة بين المعصومين أنفسهم، حيث يرجع حبّ أحد المعصومين (فيمن يؤمن بهم جميعاً) إلى حبّ سائرهم، وبالتالي فمن يحبّ الإمام عليّ عليه السلام أكثر من حبّه للرسول صلى الله عليه وآله وسلم مثلاً، فمرد ذلك غالباً إلى قلّة معرفته بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالقياس إلى معرفته بأمير المؤمنين عليه السلام. ولكن في النهاية لا تعارض ولا تنافي بين المحبّتين، فمن أحبّ عليّاً عليه السلام فقد أحبّ الرسول(صلوات الله عليه)، والعكس صحيح أيضاً.

____________

1- عيون أخبار الرضا عليه السلام، للصدوق ٢: ٣٠٩ باب في ذكر زيارة الإمام الرضا عليه السلام، المزار، لابن المشهدي: ٥٢٨ القسم الخامس في زيارة سائر الأئمّة الباب (١).

2- انظر: بصائر الدرجات، للصفّار: ٥١٦ الجزء التاسع، باب (١٦) في الأئمّة أنهم الذين ذكرهم الله يعرفون أهل الجنّة والنار، كفاية الأثر، للخزّاز: ١٩٥ باب ما جاء عن فاطمة(صلوات الله عليها) في النصوص على الأئمّة.


الصفحة 194
أمّا من يزعم حبّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبغض عليّ أو سائر الأئمّة عليهم السلام كبعض الخوارج والمخالفين، فإنّه كاذب في دعواه! فالمحبّ لا يبغض حبيب من أحبّه، وقد ثبت بالأدلّة القاطعة أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يحبّهم، وأنّهم منه وهو منهم، وقد ندب الناس إلى حبّهم ومودّتهم في أحاديث متواترة مشهورة.

(ما معنى ما ورد عنهم عليهم السلام: (لا يعرف الله إلّا بسبيل معرفتنا))

« م/ ماجد ــ الإمارات »

السؤال:

أوّل الدين معرفته، ومن أراد الله بدأ بكم.

أريد أن أعرف الله تعالى من خلال معرفة المعصوم، فقد ورد عنهم عليهم السلام: (لا يعرف الله إلّا بسبيل معرفتنا)، ولكن ما هي المعرفة التي تحقّق هذا الهدف؟ كيف أعرف الإمام؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا بدّ من الإشارة إلى أنّ هنالك معرفتان لله تبارك وتعالى:

الأُولى: هي المعرفة المترتّبة على الإيمان به عزّ وجلّ، والتي يعبّر عنها بأنّها أوّل الدين (أوّل الدين معرفته).

وقد أشارت إليها صحيحة زرارة، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: أخبرني عن معرفة الإمام منكم واجبة على جميع الخلق؟

فقال: إنّ الله عزّ وجلّ بعث محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس أجمعين رسولاً وحجّة لله على جميع خلقه في أرضه، فمن آمن بالله وبمحمّد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واتّبعه وصدّقه فإنّ


الصفحة 195
معرفة الإمام منّا واجبة عليه، ومن لم يؤمن برسوله ولم يتّبعه ولم يصدّقه ويعرف حقّهما فكيف يجب عليه معرفة الإمام وهو لا يؤمن بالله ورسوله ويعرف حقّهما... الحديث.

والثانية: هي المعرفة بعد الإيمان، والتي تتكامل معرفة المؤمن فيها بربّه، فينزهه عن المثيل والنظير والجسمية وشبه خلقه، فكثير ممّن حصلت لهم المعرفة الأُولى تصوّروا الله تعالى جسماً من الأجسام، يحلّ في الأمكنة، وتجري عليه الحوادث من الحركة والسكون والمجيء والذهاب والاستواء ولاستقامة، وأن يكون مرئياً بالعيون... وما إلى ذلك.|||

فلأجل توحيد الله وتمجيده وتسبيحه وتحميده وتنزيهه من شبه الخلق، لا بدّ من أن يُعرف طبقاً لمعرفة الكمّل من عباده الذين اصطفاهم لنفسه، وأودع عندهم حكمته، وجعلهم مختلفاً لملائكته، ومهبطاً لوحيه، وخزنة لعلمه... وهؤلاء العباد الذين هم محمّد وأهل بيته عليها السلام قد علّمونا كيف نعرف الله تعالى وننزّهه ونسبّحه ونمجّده، فينبغي أن نقتفي آثارهم ونسير على منوالهم ونقتدي بهم، ونتقرّب إلى الله بطاعتهم ونتبرأ من عدوّهم...

وقولهم عليهم السلام: (لا يعرف الله إلّا بسبيل معرفتنا)، فيه إشارة إلى هذه المعرفة التي يحصل للعبد فيها التنزيه من شوائب الشرك والتجسيم والتشبيه، فيتكامل بالمعرفة.

وهناك وجه آخر أعلى من ذلك: وهو أنّ الله سبحانه وتعالى لا يعرف إلّا بآثاره والدلائل التي تدلّ عليه، ولا أثر له أعظم من محمّد وآل محمّد(صلوات الله عليهم أجمعين)، فهم التجلّي الأعظم، وأسماء الله الحسنى، فلا معرفة أكمل من معرفة الله بأعظم آثاره وبأسمائه الحسنى، وهي ذواتهم عليهم السلام، فصحّ أن يقولوا عليهم السلام: (لا يعرف الله ــ معرفته الحقّة ــ إلّا بسبيل معرفتنا).


الصفحة 196
وهناك روايات يمكن حملها على كلا الوجهين:

ففي (بصائر الدرجات) للصفّار: ((عن الأصبغ بن نباتة، قال: كنت عند أمير المؤمنين عليه السلام جالساً فجاءه رجل، فقال له: يا أمير المؤمنين! الأعراف رجال يعرفون كلاًّ بسيماهم؟ فقال له عليّ عليه السلام: نحن الأعراف، نحن نعرف أنصارنا بسيماهم، ونحن الأعراف الذين لا يعرف الله إلّا بسبيل معرفتنا، ونحن الأعراف نوقف يوم القيمة بين الجنّة والنار فلا يدخل الجنّة إلّا من عرفنا وعرفناه، ولا يدخل النار إلّا من أنكرنا وأنكرناه، وذلك بأنّ الله تبارك وتعالى لو شاء لعرف الناس حتّى يعرفوه ويوحّدوه ويأتوه من بابه، ولكن جعلنا أبوابه وصراطه وسبيله وبابه الذي يؤتى منه))(1).

وفيه أيضاً: ((عن مقرن، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: جاء ابن الكوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين! ﴿وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ(2)؟

فقال: نحن الأعراف نعرف أنصارنا بسيماهم، ونحن الأعراف الذين لا يعرف الله عزّ وجلّ إلّا على الصراط، فلا يدخل الجنّة إلّا من عرفنا ونحن عرفناه، ولا يدخل النار إلّا من أنكرنا وأنكرناه، إنّ الله لو شاء لعرف العباد نفسه، ولكن جعلنا أبوابه وصراطه وسبيله والوجه الذي يؤتى منه، فمن عدل عن ولايتنا أو فضّل علينا غيرنا فإنّهم عن الصراط لناكبون، ولا سواء من اعتصم الناس به، ولا سواء من ذهب حيث ذهب الناس، ذهب الناس إلى عيون كدرة يفرغ بعضها في بعض، وذهب من ذهب إلينا إلى عين صافية تجرى بأُمور لا نفاد لها ولا انقطاع))(3).

____________

1- بصائر الدرجات: ٥١٦ الحديث (٦) الجزء العاشر، الباب (١٦).

2- الأعراف (٧): ٤٦.

3- بصائر الدرجات: ٥١٦ الحديث (٨) الجزء العاشر، الباب (١٦).


الصفحة 197
وهناك وجوه أُخر لا نرى حاجة لذكرها، ففي ما ذكرناه كفاية.

(التوفيق بين حديثي معرفة الله من خلال أهل البيت عليهم السلام وبالعكس)

« محمّدرضا ــ إيران ــ إمامي »

السؤال:

نحن نقول في الدعاء: (اللّهمّ عرّفني نفسك، فإنّك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرف نبيّك...) ويظهر من هذا الدعاء أنّ معرفة المعصوم عليه السلام تابع لمعرفة الله تعالى.

وفي زيارة (الجامعة الصغيرة) الواردة عن الإمام الرضا عليه السلام نقول: (من عرفهم فقد عرف الله، ومن جهلهم فقد جهل الله)، يعني معرفة المعصوم عليه السلام شرط ومقدّمة لمعرفة الله تعالى.

فکيف يکون الجمع بين هاتين الجملتين المتناقضتين في الظاهر؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ورد في كتاب (موسوعة العقائد الإسلامية) للشيخ الريشهري في التعليقة على هذه الأحاديث: ((إنّ هذه الأحاديث تعبّر عن التأثير المتبادل لمعرفة الله ومعرفة أهل البيت، فمن جهة؛ معرفة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته ــ كما جاء في الحديث أعلاه ــ فرع من معرفة الله, ذلك أنَّ النبوة لا تكتسب معناها إلّا بعد إثبات وجود الله, ومن جهة أُخرى؛ ما لم يدعوا الأنبياء الناس إلى معرفة الله, وما لم يهيئوا أرضية التفكّر في


الصفحة 198
براهين التوحيد بين ظهراني الناس، لا يتوجّه أحد صوب معرفة الله عزّ وجلّ، حينئذٍ ــ كما بينا ــ لا يتسنى نيل الدرجات العليا من معرفة الله إلّا عن طريق تعليمات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام وإرشاداتهم.

على هذا الأساس لا تعارض بين الطائفتين من الروايات المشار إليها، أي: في البداية يدعو الأنبياء وأوصياؤهم الناس إلى معرفة الله على أساس البرهان، وبعد أن عرفوا الله سبحانه تدعوهم عقولهم إلى اتّباع رسل الله والقادة الربانيين، ويمهّد أئمّة الدين الأرضية لتعالي الإنسان وبلوغ الدرجات العليا من مراتب معرفة الله))(1).

وقال السيّد حسين الهمداني الدرود آبادي في بيان ذلك: ((إنّ للإنسان بحسب ما له من الجوارح عوالم ودرجات من الإيمان، فلا يصل إلى حقيقة الإيمان إلّا بعد إيمان تمام جوارحه، ومعلوم أنّه لا يمكن لأحد معرفة الإيمان المتعلق بتمام جوارحه إلّا بتعريف غيره، وبيان تعلّق أيّ مرتبة من الإيمان بأيّ جارحة من الجوارح، ومعرفة ذلك لمّا لا يمكن إلّا بمعرفة تمام الأسماء ومعرفة صورها في مراتب نزولها إلى عالم الملكات وعالم الأفعال في صورة انفرادها أو تركّبها مع اسم آخر أو مع شأن من شؤون اسم آخر أو أسماء متعدّدة أو شؤون متعدّدة، فلا يمكن أخذ ذلك إلّا ممّن نصبه الله تعالى لذلك؛ لعدم إمكان معرفة ذلك الشخص إلّا لله تعالى أو من عرّفه الله تعالى ذلك، وليس هو بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلّا أمير المؤمنين عليه السلام وأولاده الطاهرين عليهم السلام، فهم أبواب الإيمان، لا يمكن إيمان الجوارح إلّا بتعلّم ما يتعلّق بكلّ منها من الإيمان منهم عليهم السلام، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا مدينة العلم وعليّ بابها)))(2).

____________

1- موسوعة العقائد الإسلامية ٣: ٢٧٥ الباب (١٣) الفصل (٦).

2- الشموس الطالعة في شرح الزيارة الجامعة: ١٣٩ قوله عليه السلام: وأبواب الإيمان...


الصفحة 199
وأمّا المراد من معرفتهم عليهم السلام؛ فهو معرفتهم بالنورانية، وأنّهم التجلّي الأعظم، ومظاهر أسمائه جلّ وعلا.

ففي حديث سلمان وأبا ذرّ جندب بن جنادة، أنّهما سألا أمير المؤمنين عليه السلام عن معنى معرفته بالنورانية؟

فقال عليه السلام: ((إنّه لا يستكمل أحد الإيمان حتّى يعرفني كنه معرفتي بالنورانية، فإذا عرفني بهذه المعرفة فقد امتحن الله قلبه للإيمان، وشرح صدره للإسلام، وصار عارفاً مستبصراً، ومن قصّر عن معرفة ذلك فهو شاك ومرتاب.

يا سلمان ويا جندب!

قالا: لبيك يا أمير المؤمنين!

قال عليه السلام: معرفتي بالنورانية معرفة الله عزّ وجلّ، ومعرفة الله عزّ وجلّ معرفتي بالنورانية، وهو الدين الخالص الذي قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ(1))))(2).

وربّما قيل: إنّ (قد) في قولهم: ((من عرفهم فقد عرف الله...)) للتحقيق.

والمعنى: أنّ من عرفهم فقد عرف الله على الحقيقة، أي: إنّ معرفتهم تكشف عن معرفة حقّة لله سبحانه وتعالى، وأنّ الجهل بهم يكشف عن عدم معرفة حقّة بالله، فهو جاهل بالله في الواقع.

وبعد هذا نقول: سواء كان المراد هو المعنى الأوّل، أي: من طريقهم نصل إلى معرفة الله الحقّة؛ لأنّهم حجج الله وأولياؤه، وخزّان علمه، أو المعنى الثاني: من أنّ

____________

1- البيّنة (٩٨): ٥.

2- بحار الأنوار، للمجلسي ٢٦: ١ الحديث (١) باب نادر في معرفتهم صلوات الله عليهم بالنورانية.


الصفحة 200
معرفتهم بالنورانية طريق لمعرفة الله، أو المعنى الثالث: من أنّ المعرفة بهم كاشفة عن المعرفة الحقّة بالله.

نقول: سواء كان هذا أو هذا أو ذاك، فإنّها بالتالي رتبة أو نوع أو سنخ من المعرفة غير تلك المعرفة التي في قوله: (اللّهم عرّفني نفسك، فإنّك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف نبيّك...)، يعني: أنّ الحدّ الوسط بين القولين مختلف، فلا تناقض، لاختلال شرط من شروطه، فالمراد من هذه المعرفة غير المراد من تلك، إمّا لاختلاف الرتبة أو النوع أو السنخ.

(المعرفة الشهودية للأئمّة عليهم السلام)

« هدى النايب ــ البحرين ــ إمامية »

السؤال:

هل يمكن الوصول إلى معرفة الأئمّة من ناحية المعرفة الشهودية؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إن كنت تقصدين بالمعرفة الشهودية للأئمّة عليهم السلام: المعرفة الحضورية ــ أي: مشاهدة الأئمّة على نحو الانكشاف العرفاني ــ فإنّ ذلك ممكن في حدّ ذاته، ولكنّه يفتقر إلى أن يبلغ المؤمن رتبة عين اليقين، وتلك رتبة لا ينالها إلّا خاصّة الخاصّة، وهي معرفة حضورية تحصل بالكشف والشهود القلبي، وذلك بعد رفع الحجب عن القلب.

وإن كنت تقصدين بها: إمكان رؤية بعض الناس للأئمّة عليهم السلام بحاسة البصر دون بعضهم الآخر وإن لم يكونوا بتلك الدرجة من الإيمان، فهو ممنوع.


الصفحة 201
أمّا ما يقوله بعض الأشخاص من مشاهدتهم لأئمّة أهل البيت عليهم السلام كلّهم أو بعضهم، فقد يكون لحالات خاصّة بتفضّل منهم عليهم السلام، يكشف عن بصرهم أو بصيرتهم في حالة أشبه باليقظة، ولكن هذا لا يمكن التحقّق منه وإثباته بسهولة من قبل الآخرين، بل الأجدر عدم التصديق به من دون شواهد موضوعية تثبّتية، إذ ربّما يكون من باب الدجل والافتراء بالباطل.

(معنى ما قاله المفيد في خلق الأئمّة عليهم السلام)

« فارس ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

ما هو رأيكم بالأحاديث التي تقول: إنّ الأئمّة خُلقوا قبل آدم من أنوار، مع ملاحظة قول الشيخ المفيد في كتابه (المسائل العكبرية) حيث نعت القائلين بهذا القول بالغلوّ؟(1)

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يمكن أن يحمل كلام الشيخ المفيد على أنّ الذي أنكره، هو كون محمّد وآل محمّد كانوا موجودين بهيئاتهم وأجسادهم التي وجدوا فيها في الدنيا، فقال: ((فأمّا أن يكون ذواتهم عليهم السلام كانت قبل آدم موجودة، فذلك باطل بعيد من الحقّ))(2).

____________

1- انظر: المسائل العكبرية: ٣١ المسألة الثانية.

2- المسائل العكبرية: ٢٨ المسألة الأولى.


الصفحة 202
فالشيخ المفيد يريد أن ينكر القول بتماثل وجودهم السابق واللاحق، ومن البعيد أن يكون إنكار الشيخ المفيد وجودهم النوري قبل خلق الخلق، فالروايات عندنا كثيرة في ذلك:

ففي (الكافي) عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إنّ الله خلقنا من نور عظمته، ثمّ صوّر خلقنا من طينة مخزونة مكنونة من تحت العرش، فأسكن ذلك النور فيه، فكنّا نحن خلقاً وبشراً نورانيين...)(1).

وفي رواية أُخرى عنه عليه السلام، أنّه قال: (قال الله تبارك وتعالى: يا محمّد أنّي خلقتك وعليّاً نوراً ــ يعني أرواحاً بلا بدن ــ قبل أن أخلق سماواتي وأرضي وعرشي وبحري، فلم تزل تهلّلني وتمجّدني)(2).

وفي رواية أُخرى عن أبي جعفر عليه السلام، أنّه قال: (...ثمّ خلق محمّداً وعليّاً وفاطمة، فمكثوا ألف دهر، ثمّ خلق جميع الأشياء)(3).

وفي رواية عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (كيف كنتم حيث كنتم في الأظلّة، فقال: يا مفضّل! كنّا عند ربّنا ليس عنده أحد غيرنا، في ظلّة خضراء، نسبّحه ونقدّسه ونهلّله ونمجّده، وما من ملك مقرّب ولا ذي روح غيرنا، حتّى بدا له في خلق الأشياء)(4).

____________

1- الكافي، للكليني ١: ٣٨٩ الحديث (٢) كتاب الحجّة، باب خلق أبدان الأئمّة وأرواحهم وقلوبهم.

2- الكافي ١: ٤٤٠ الحديث (٣) كتاب الحجّة، أبواب التاريخ، باب مولد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ووفاته.

3- الكافي ١: ٤٤١ الحديث (٥) كتاب الحجّة، أبواب التاريخ، باب مولد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ووفاته.

4- الكافي ١: ٤٤١ الحديث (٧) كتاب الحجّة، أبواب التاريخ، باب مولد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ووفاته.


الصفحة 203
وفي رواية أُخرى عن أبي جعفر عليه السلام، أنّه قال: (يا جابر! إنّ الله أوّل ما خلق، خلق محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم وعترته الهداة المهتدين، فكانوا أشباح نور بين يدي الله.

قلت: وما الأشباح؟

قال: ظلّ النور أبدان نورانية بلا أرواح، وكان مؤيّداً بروح واحدة وهي روح القدس)(1).

(بمحمّد وآله عليهم السلام تاب الله على آدم عليه السلام)

« عبد الله ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

أفيدونا رحمكم الله من مصادر السُنّة في أنّ الله تاب على آدم بحقّ محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام جميعاً, وحبذا لو يكون الردّ قوّياً, ووافياً في ذلك.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

روى ابن المغازلي الشافعي (ت٤٨٣هـ) في مناقبه، قال: ((أخبرنا أحمد بن محمّد بن عبد الوهاب إجازة، أخبرنا أبو أحمد عمر بن عبيد الله بن شوذب، حدّثنا محمّد بن عثمان، قال: حدّثني محمّد بن سليمان بن الحارث، حدّثنا محمّد ابن علي بن خلف العطّار، حدّثنا حسين الأشقر، حدّثنا عمرو بن أبي المقدام، عن

____________

1- الكافي ١: ٤٤٢ الحديث (١٠) كتاب الحجّة، أبواب التاريخ، باب مولد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ووفاته.


الصفحة 204
أبيه، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عبّاس، قال: سئل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن الكلمات التي تلقّى آدمُ من ربّه فتاب عليه؟ قال: (سأله بحقّ محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين إلّا تُبتَ عليَّ، فتاب عليه)))(1).

ولم يضعّف رواته إلّا بالتشيع! فمحمّد بن علي بن خلف العطّار، وثّقه الخطيب في تاريخه(2)، ولكن ابن عدي قال فيه: ((وعنده من هذا الضرب عجائب، وهو منكر الحدث))(3)؛ لأنّه لم يرض ما رواه من قول عمّار بن ياسر في أبي موسى الأشعري، والحسين الأشقر قال فيه ابن حجر: ((صدوق، يهم ويغلو في التشيع))(4)، وبيّن في (تهذيب التهذيب) اتّهامه بالتشيع وإنكارهم لبعض رواياته(5)، وأمّا عمر بن ثابت، فانظر اتهامه بالتشيع والرفض عند المزّي(6).

وجاء الحديث في مصادرنا بسند آخر عن ابن عبّاس، فقد روى فرات الكوفي في تفسيره، قال: ((حدّثنا محمّد بن القاسم بن عبيد، قال: حدّثنا الحسن بن جعفر قال: حدّثنا الحسين بن سواد [سوار]، قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله، قال: حدّثنا شجاع بن الوليد أبو بدر السكوني، قال: حدّثنا سليمان بن مهران الأعمش، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لمّا نزلت الخطيئة بآدم وأُخرج من الجنّة أتاه جبرئيل عليه السلام، فقال: يا آدم ادع ربّك.

قال: حبيبي جبرئيل ما أدعو؟

____________

1- مناقب علي بن أبي طالب: ٣٤٣ الحديث (٤٤٢).

2- تاريخ بغداد ٣: ٢٦٩ (١٣١٨).

3- الكامل في ضعفاء الرجال ٢: ٣٦٢ (٤٩٠) ترجمة حسين بن الحسن الأشقر.

4- تقريب التهذيب ٢: ٢١٤ (١٣٢٣).

5- تهذيب التهذيب ٢: ٢٩١ (٥٩٦).

6- تهذيب الكمال ٢١: ٥٥٣ (٤٣٣٣)، وانظر: تهذيب التهذيب ٨: ٩ (١١).


الصفحة 205
قال: قل: ربّ أسألك بحقّ الخمسة الذين تخرجهم من صلبي آخر الزمان إلّا تبت علَيَّ ورحمتني.

فقال له آدم عليه السلام: يا جبرئيل! سمّهم لي؟

قال: قل: ربّ أسألك بحقّ محمّد نبيّك، وبحقّ عليّ وصيّ نبيّك، وبحقّ فاطمة بنت نبيّك، وبحقّ الحسن والحسين سبطي نبيّك، إلّا تبت علَيَّ ورحمتني.

فدعا بهنّ آدم، فتاب الله عليه، وذلك قول الله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيهِ...(1)، وما من عبد مكروب يخلص النية يدعو بهنّ إلّا استجاب الله له)))(2).

ورواه باختلاف محمّد بن سليمان الكوفي في مناقبه بطريقه عن الأعمش أيضاً، قال: ((حدّثنا محمّد بن علي، قال: حدّثنا أحمد بن سليمان، قال: أبو سهل الواسطي، قال: حدّثنا وكيع، عن الأعمش...)) الحديث(3).

ورواه النطنزي بسند آخر أيضاً عن ابن عبّاس في كتابه (الخصائص العلوية)، نقله عنه السيّد ابن طاووس في (اليقين)، ما هذا لفظه: ((أخبرني علي بن إبراهيم القاضي بفرات، قال: أخبرني والدي، قال: حدّثنا جدّي، قال: حدّثنا أبو أحمد الجرجاني القاضي، قال: حدّثنا عبد الله بن محمّد الدهقان، قال: حدّثنا إسحاق بن إسرائيل، قال: حدّثنا حجّاج، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: لمّا خلق الله تعالى آدم ونفخ فيه من روحه عطس، فألهمه الله: (الحمد لله ربّ العالمين). فقال له ربّه: يرحمك ربّك.

____________

1- البقرة (٢): ٣٧.

2- تفسير فرات الكوفي: ٥٧ الحديث (٣٨) سورة البقرة.

3- مناقب أمير المؤمنين ١: ٥٤٧ الحديث (٤٨٧).


الصفحة 206
فلمّا أسجد له الملائكة تداخله العجب، فقال: يا ربّ! خلقت خلقاً أحبّ إليك منّي؟

فلم يجب. ثمّ قال الثانية فلم يجب. ثمّ قال الثالثة فلم يجب.

ثمّ قال الله عزّ وجلّ له: نعم، ولولاهم ما خلقتك!

فقال: يا ربّ فأرنيهم؟

فأوحى الله عزّ وجلّ إلى ملائكة الحجب أن ارفعوا الحجب.

فلمّا رفعت، إذا آدم بخمسة أشباح قدّام العرش.

فقال: يا ربّ! من هؤلاء؟

قال: يا آدم! هذا محمّد نبيّي، وهذا عليّ أمير المؤمنين ابن عمّ نبيّي ووصيه، وهذه فاطمة ابنة نبيّي، وهذان الحسن والحسين ابنا عليّ وولدا نبيّي، ثمّ قال: يا آدم! هم ولدك. ففرح بذلك.

فلمّا اقترف الخطيئة، قال: يا ربّ! أسألك بمحمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين لمّا غفرت لي.

فغفر الله له بهذا. فهذا الذي قال الله عزّ وجلّ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيهِ...، فلمّا هبط إلى الأرض صاغ خاتماً فنقش عليه: (محمّد رسول الله وعليّ أمير المؤمنين). ويكني آدم بأبي محمّد))(1).

وفي (الدرّ المنثور) للسيوطي، قال: ((وأخرج ابن النجّار، عن ابن عبّاس، قال: سألت رسول اللهصلى الله عليه وسلم عن الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه؟

قال: (سأل بحقّ محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين إلّا تبت عليَّ، فتاب عليه)))(2).

____________

1- اليقين: ١٧٤ الباب (٣١).

2- الدرّ المنثور ١: ٦٠ سورة البقرة.


الصفحة 207
وأخرج الديلمي في (الفردوس)، وأسنده ابنه في (مسند الفردوس) عن عليّ عليه السلام: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيهِ...؟: (إنّ الله أهبط آدم بالهند وحواء بجدة.

ــ إلى أن قال ــ : حتّى بعث الله إليه جبريل، وقال: يا آدم ألم أخلقك بيدي؟ ألم أنفخ فيك من روحي؟ ألم أسجد لك ملائكتي؟ ألم أزوّجك حواء أَمتي؟

قال: بلى.

قال: فما هذا البكاء؟

قال: وما يمنعني من البكاء وقد أخرجت من جوار الرحمن؟

قال: فعليك بهؤلاء الكلمات، فإنّ الله قابل توبتك وغافر ذنبك، قل: اللّهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّد وآل محمّد، سبحانك لا إله إلّا أنت، عملت سوءً وظلمت نفسي فاغفر لي، إنّك أنت الغفور الرحيم، اللّهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّد وآل محمّد، سبحانك لا إله إلّا أنت، عملت سوءً وظلمت نفسي فتب عليَّ، إنّك أنت التواب الرحيم.

فهؤلاء الكلمات التي تلقى آدم)))(1).

وسنده عند الأبهري (ت٣٧٥هـ) في (الفوائد الغرائب الحسان)، قال: حدّثنا محمّد بن الحسين الأشناني، حدّثنا أحمد بن رشد الهلالي، قال: حدّثنا حمّاد بن عمرو النصيبي، حدّثنا السري بن خالد، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: (يا عليّ! إنّي أوصيك بأمر فاحفظه...

ــ إلى أن قال ــ : قال آدم: يا جبريل! ما يمنعني من البكاء...) الحديث))(2).

____________

1- فردوس الأخبار ٣: ١١١ الحديث (٤٢٨٨)، باب الفاء، وانظر: الدرّ المنثور، للسيوطي ١: ٦٠ سورة البقرة.

2- الفوائد الغرائب الحسان: ٣٥ الحديث (١٧).


الصفحة 208
وحكم عليه البيهقي (ت٤٥٨هـ) في (دلائل النبوّة) بالوضع، قال: ((وأمّا الحديث الذي أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، قال: حدّثنا أبو جعفر محمّد بن صالح ابن هاني، قال: حدّثنا جعفر بن محمّد بن سوار، قال: حدّثنا أبو عبد الرحمن يحيى ابن زهير، قال: حدّثنا حمّاد بن عمرو النصيبي، عن السري بن خالد، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، عن النبيّصلى الله عليه وسلم، أنّه قال: (يا عليّ! أوصيك بوصية فاحفظها، فإنّك لا تزال بخير ما حفظت وصيّتي، يا عليّ! إنّ للمؤمن ثلاث علامات: الصلاة، والصيام، والزكاةً)، فذكر حديثا طويلاً في الرغائب والآداب، وهو حديث موضوع، وقد شرطت في أوّل الكتاب إلّا أُخرج في هذا الكتاب حديثاً أعلمه موضوعاً))(1).

وأخرج السيوطي الحديث عن الديلمي، وقال: ((سنده واه، فيه حمّاد بن عمرو النصيبي، عن السري بن خالد واهيان))(2).

وإلى هنا قد تبيّن ممّا سردناه من أسانيد، أنّ طريق ابن عبّاس لم ينفرد به عمرو بن ثابت عن أبيه أبي المقدام كما زعم الدارقطني(3)، مع أنّه لم يضعّف الطريق، وإنّما اقتصر على ذكر التفرّد، وادّعاء الوضع جاء من ابن الجوزي بعد أن نقل عدم وثاقة عمرو بن ثابت عن يحيى بن معين، واتّهامه برواية الموضوعات عن الأثبات عن ابن حبّان(4)، وقد عرفت أنّ منشأ ذلك تشيّع الرجل!

____________

1- دلائل النبوّة ٧: ٢٢٩ جماع أبواب مرض رسول اللهصلى الله عليه وسلم ووفاته، باب ما يستدلّ به على أنّ النبيّصلى الله عليه وسلم لم يستخلف أحداً بعينه.

2- جمع الجوامع ١٣: ٢١٦ الحديث (٦٥٧٢)، وانظر: كنز العمّال، للمتّقي الهندي ٢: ٣٥٨ الحديث (٤٢٣٧).

3- أطراف الغرائب والأفراد، للمقدسي ٣: ١٥٨ الحديث (٢٣٠٦).

4- الموضوعات ٢: ٣ باب في فضل أهل البيت ومحبّتهم.


الصفحة 209
ومع ذلك فإنّ ضعف بعض طرق الحديث أو إدراج الوضّاع متنه في بعض موضوعاتهم لا يعني وضعه، ومن هنا تعرف ما في كلام ابن تيمية عندما نسب الوضع لاتّفاق العلماء اعتماداً على حكم ابن الجوزي(1) من مجازفة، وبعد عن الصواب إذا لم يكن كذباً!

هذا والحديث عندنا مستفيض متناً إذا لم يكن متواتراً معناً(2).

(معنى قول الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف: (نحن صنايع ربّنا...))

« أمجد حسين ــ النروج ــ إمامي »

السؤال:

ما معنى قول الإمام عليه السلام: (نحن صنايع ربّنا والخلق بعد صنايعنا)؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

بالنسبة لهذا القول: المراد به أنّهم عليهم السلام خصّوا برحمة من الله سبحانه وتعالى، نالوا بها الاصطفاء والاجتباء والعلم والكرامة السابغة التي أهلّتهم لمناصبهم ومقاماتهم التي أرادها الله لهم.. فكانوا بعد هذا سادة الخلق وقادتهم، والهداة الذين

____________

1- انظر: منهاج السُنّة النبوية ٧: ١٣١ المنهج الثاني عند الرافضي، الآيات القرآنية، البرهان العاشر.

2- وسائل الشيعة، للحرّ العاملي ٧: ٩٧ أبواب الدعاء، باب (٣٧) استحباب التوسل بمحمّد وآل محمّد، مستدرك الوسائل، للنوري ٥: ٢٣١ الحديث (٥٧٦٣، ٥٦٧٤، ٥٧٧٠، ٥٧٧١)، بحار الأنوار، للمجلسي ١١: ١٥٥ باب (٣)، و٢٦: ٣٢٣ باب (٧)، غاية المرام، للبحراني ٤: ١٧٤ باب (١٠٧).


الصفحة 210
يستضاء بنورهم، ويشهد لهذا المعنى أحاديث كثيرة متضافرة تدلّ على أنّ أوّل شيء خلقه الله هو نورهم(1)، وأنّ الملائكة تعلّمت بعد ذلك منهم كيفية العبادة والتقرّب إلى الله عزّ وجلّ(2), فالخلق من ملائكة وأنس وجنّ كلّهم صنايع آل محمّد عليهم السلام بالتعلّم والاقتداء والأسوة.

(في أنّ الأئمّة عليهم السلام صدّيقون، ومعنى: صنايع ربّنا)

« خديجة جواد ــ البحرين ــ إمامية »

السؤال:

(سبّاقُ الأُمم ثلاثة، لم يشركوا باللهِ طَرفةَ عين: عليُّ بنُ أبي طالب، وصاحبُ ياسين، ومؤمنُ آلِ فرعون، فَهُمُ الصدّيقون: حبيبُ النجّار مؤمنُ آل ياسين، وحزقيل مؤمنُ آلِ فرعون، وعليُّ بنُ أبي طالبٍ وهو أفضلُهم). ما هي الرتبة والمقام الذي وصل إليه هؤلاء الصدّيقون.. وما هي الصدّيقية كمقام..

وما معنى نحن صنايع ربّنا؟

دمتم مشكورين.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

____________

1- انظر: الكافي، للكليني ١: ٤٤٠ كتاب الحجّة، أبواب التاريخ، باب مولد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ووفاته، الحديث (٢ ــ ١٠).

2- انظر: بحار الأنوار، للمجلسي ٢٥: ٢١ الحديث (٣٤) كتاب الإمامة، أبواب خلقهم.


الصفحة 211
الصفحة السابقةالصفحة التالية