المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 8) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج8 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 211 - ص 240) من الواضح أنّ مرتبة الصدّيق بحدّ ذاتها رتبة، وهي ظاهرة الشموخ، مؤكّدة المقام، ولكن لا يمكن أن يدّعي أحد معرفة كنهها، فالله وحده والراسخون بالعلم أعلم بتلك المراتب والدرجات. ومع ذلك فلنذكر ما يتيسّر لنا بيانه:

قال الراغب الأصفهاني: ((والصدّيق: من كثر منه الصدق، وقيل: بل يقال لمن لا يكذب قطّ، وقيل: بل لمن لا يتأتى منه الكذب لتعوّده الصدق، وقيل: بل لمن صدق بقوله واعتقاده وحقّق صدقه بفعله، قال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إبراهيم إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً(1)، وقال: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ(2)، وقال: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ(3)، فالصدّيقون: هم قوم دوين الأنبياء في الفضيلة))(4).

وقال ابن بطريق: ((اعلم أنّ الصدق خلاف الكذب، والصدّيق: الملازم للصدق الدائم في صدقه، والصدّيق: من صدق عمله قوله، ذكر ذلك أحمد بن فارس اللغوي في كتاب (المجمل في اللغة)، وذكره أبو نصر إسماعيل بن حمّاد الجوهري في كتاب (الصحاح).

وإذا كان هذا هو معنى الصدّيق، فالصدّيق أيضاً ينقسم ثلاثة أقسام: صدّيق يكون نبيّاً، وصدّيق يكون إماماً، وصدّيق يكون عبداً صالحاً لا نبيّاً ولا إماماً.

فأمّا ما يدلّ على أوّل الأقسام، فقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً(5)، وكلّ نبيّ صدّيق، وليس كلّ صدّيق نبيّاً، وقوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ(6).

____________

1- مريم (١٩): ٤١.

2- المائدة (٥): ٧٥.

3- النساء (٤): ٧٦.

4- المفردات في غريب القرآن: ٢٧٧ كتاب الصاد وما يتّصل بها.

5- مريم (١٩): ٥٦.

6- يوسف (١٢): ٤٦.


الصفحة 212

وأمّا ما يدلّ على كون الصدّيق إماماً، فقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً(1)، فذكر النبيّين، ثمّ ثنّى بذكر الصدّيقين؛ لأنّه ليس بعد النبيّين في الذكر أخصّ من الأئمّة.

ويدلّ عليه أيضاً هذه الأخبار الواردة بأنّ الصدّيقين ثلاثة: حبيب، وحزبيل، وعليّ وهو أفضلهم، فلمّا ذكر عليّاً عليه السلام مع هذين المذكورين، دخل معهما في لفظة الصدّيقين، وهما ليسا بنبيين ولا إمامين، فأراد إفراده عليه السلام عنهما بما لا يكون لهما وهي الإمامة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (وهو أفضلهم)، فليس في لفظة الصدّيق بينهم تفاضل؛ لأنّه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (الصدّيقون ثلاثة)، فقد استووا في اللفظ، فأراد الإخبار عن اختلافهم في المعنى وهو استحقاق الإمامة، فقال: (وهو أفضلهم)، تنبيها على كونه عليه السلام صدّيقاً إماماً، وهذا معنى الوجه الثالث.

وإذا كان الصدّيق هو الملازم للصدق الدائم عليه ومن صدق عمله قوله، فينبغي أن تختصّ هذه اللفظة بأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، لأنّه لم يعص الله تعالى منذ خلق، ولم يشرك بالله تعالى، فقد لازم الصدق ودام عليه، وصدق عمله قوله، فصحّ اختصاص هذه اللفظة به دون غيره))(2).

وقال المجلسي رحمه الله: ((الصادق هو من لا يكذب في قوله ولا فعله، والصدق في قراءة سورة الحمد فقط يوجب العصمة؛ لأنّه يقول في كلّ يوم عشر مرّات وأكثر: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ، وقد سمّى الله طاعة الشيطان عبادة في مواضع، وكلّ معصية طاعة للشيطان، وقس على ذلك قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(3)، وسائر ما يقول الإنسان ويدّعيه من الإيمان بالله واليوم الآخر، وحبّ الله تعالى والإخلاص له، والتوكّل عليه،

____________

1- النساء (٤): ٧٦.

2- عمدة عيون صحاح الأخبار: ٢٢٢ الفصل السابع والعشرون.

3- الحمد (١): ٥.


الصفحة 213
وغير ذلك، وأخبار الخاصّة والعامّة مشحونة بذلك. فظهر أنّ الصادق حقيقة هو المعصوم))(1).

فظهر ممّا ذكرنا أنّ أولى مصداق للقب الصدّيق وأسمى من نال تلك المرتبة، هم الأئمّة من أهل البيت عليهم السلام، فهم تالي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الفضل، فلا يوجد من يقع بينهم وبينه صلى الله عليه وآله وسلم فيه أحد.

أمّا معنى: (صنايع ربّنا): فقد قال العلاّمة المجلسي في (بحار الأنوار): ((قوله عليه السلام: (فإنّا صنايع ربّنا): هذا كلام مشتمل على أسرار عجيبة من غرائب شأنهم التي تعجز عنها العقول، ولنتكلّم على ما يمكننا إظهاره والخوض فيه.

فنقول: صنيعة الملك: من يصطنعه ويرفع قدره، ومنه قوله تعالى: ﴿اصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي(2) أي اخترتك وأخذتك صنيعتي، لتنصرف عن إرادتي ومحبّتي.

فالمعنى: أنّه ليس لأحد من البشر علينا نعمة، بل الله تعالى أنعم علينا، فليس بيننا وبينه واسطة، والناس بأسرهم صنايعنا، فنحن الوسائط بينهم وبين الله سبحانه.

ويحتمل أن يريد بالناس بعض الناس، أي المختار من الناس، نصطنعه ونرفع قدره))(3).

وفي (شرح النهج) لابن أبي الحديد، قال: ((هذا كلام عظيم عال على الكلام، ومعناه عال على المعاني، وصنيعة الملك من يصطنعه الملك ويرفع قدره، يقول: ليس لأحد من البشر علينا نعمة، بل الله تعالى هو الذي أنعم علينا، فليس بيننا وبينه واسطة، والناس بأسرهم صنائعنا، ونحن الواسطة بينهم وبين الله تعالى، وهذا مقام جليل ظاهره ما سمعت وباطنه أنّهم عبيد الله وأنّ الناس عبيدهم))(4).

____________

1- بحار الأنوار ٣٥: ٤١٨ كتاب فضائل أمير المؤمنين، الباب الحادي والعشرون.

2- طه (٢٠): ٤١.

3- بحار الأنوار ٣٣: ٦٨ أبواب ما جرى بعد قتل عثمان، الباب (١٦).

4- شرح نهج البلاغة ١٥: ١٩٤ (٢٨).


الصفحة 214
وقال محمّد عبده في (شرح نهج البلاغة): ((آل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أسراء إحسان الله عليهم، والناس أسراء فضلهم بعد ذلك، وأصل الصنيع من تصنعه لنفسك حتّى خصّصته بك كأنّه عمل يدك))(1).

ثمّ إنّ هذا الكلام يؤدّي إلى معنى أعمق، وهو: إنّهم عليهم السلام خيرة الله، اختارهم من بين الخلق لنفسه جلّ وعلا، حيث وردت بذلك روايات كثيرة.

والاختيار يساوق الاصطفاء والاجتباء، فكانوا عليهم السلام صفوة خلقه، اختصوا من دون خلقه بكراماته ونعمه، فلا يساويهم أحد فضلاً، ولا يدانيهم قرباً من الله سبحانه وتعالى، فليس بينهم وبين الله واسطة، إذ كانوا صنيعة الله لنفسه، وهو معنى: (نحن صنائع الله)، ومن ثمّ هم الواسطة بينه تعالى وبين خلقه، فهم واسطة الفيض، وهم العلّة الغائية للخلق، خلق الخلق لأجلهم، كما في الحديث القدسي: (لولاك لما خلقت الأفلاك)، و(خلقتك لأجلي، وخلقت الأشياء لأجلك)، وهو معنى: (والناس بعد صنائع لنا).

(معنى ما نسب إليهم عليهم السلام من قول: (لنا مع الله حالات هو فيها نحن...))

« حيدر نظير ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

يُذكر كلام ينسب إلى الأئمّة عليهم السلام: (لنا مع الله حالات هو هو ونحن نحن، وهو نحن ونحن هو).

____________

1- شرح نهج البلاغة ٣: ٣٢ ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية جواباً (٢٨).


الصفحة 215
وقد أُشكلت علَيَّ فهم هذه العبارة.. ألا تدلّ على معتقد وحدة الوجود، واتّحاد الخالق مع المخلوق، وهي شبيهة بعقائد النصارى من حلول الإله في البشر؟

أرجو المساعدة بالإجابة، ولكم كلّ الشكر والامتنان.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

بادئ ذي بدء نقول: إنّ هذا الكلام المنسوب إلى الأئمّة عليهم السلام، لا يوجد له سند في الكتب الحديثية عند مدرسة أهل البيت، بل خلوّها من هكذا متن.

نعم، أورده العرفاء في بعض كتبهم كالفيض الكاشاني (ت١٠٩١هـ) في (الكلمات المكنونة) مرسلاً عن الإمام الصادق عليه السلام بلفظ: (لنا حالات مع الله هو فيها نحن، ونحن فيها هو، ومع ذلك هو هو ونحن نحن)(1)، ومنه استقى الباقون؛ هذا أوّلاً.

ثانياً: إنّ قولهم عليهم السلام هذا ــ بعد التسليم بصحّة النسبة ــ ليس فيه دلالة على ما أشرت إليه!

فقولهم: (لنا حالات مع الله هو فيها نحن...) الخ، ناظر إلى المقام الذي يطلق عليه العرفاء (مقام الفناء) ــ وهو غير (مقام الحلول والاتحاد) الذي تزعمه الصوفية ــ أي: إنّ لنا مع الله تعالى حالات نكون في هذه الحالات لشدّة الاتّصال به عزّ وجلّ والقرب منه كأنّنا هو، إذ تغيب إنياتنا في هذه الحالات لاندكاكها في عظمته،

____________

1- الكلمات المكنونة: ١١٣ كلمة فيها إشارة إلى معنى الفناء في الله والبقاء بالله، ط حجرية بمبئي ١٢٩٦هـ).


الصفحة 216
فنكون مظهراً لأمر الله وفعله، فإذا قلنا فالله تعالى هو القائل بنا، وإذا فعلنا فالله تعالى هو الفاعل بنا، فبلحاظ هذه الحالات يكون فعلنا وقولنا فعل الله وقوله، مع أنّه أجل وأعلى من أن يتّحد بنا، لأنّنا نحن نحن وهو الله، وكذلك نكون كأنّنا الله عزّ وجلّ مع إنّنا عبيد له.

ويشير إلى هذا المعنى ما ورد في دعاء كلّ يوم من شهر رجب للإمام الحجّة عليه السلام ومنه: (وآياتك ومقاماتك التي لا تعطيل لها، في كلّ مكان يعرفك بها من عرفك، لا فرق بينك وبينها إلّا أنّهم عبادك وخلقك)(1).

فقوله عليه السلام: (لا فرق بينك وبينها) يشير إلى تلك الحالات التي لهم عليهم السلام مع الله تعالى بحيث تغيب إنياتهم وذواتهم في جلال جبروته وعظمته، ففي مثل هذه الحالات لا يكون ثمّة فرق بينه عزّ وجلّ وبينهم من جهة صيرورتهم مظاهراً لأفعاله، لأنّهم واسطة فيضه، ومحلّ مشيته، ومظهر كبريائه؛ فتأمّل!

ولتقريب الصورة بشكل أوضح، يمكن إدراك هذه المقولة وفهم المراد منها بالمثال التالي:

إنّ المرآة الفضّية حين تشرق عليها الشمس، لها أن تقول بلسان حالها: لي مع الشمس حالات، فإنّها حين لم تشرق عليها تكون كسائر الفلزات، إلّا أنّها حين الإشراق لها أن تقول: أنا الشمس، والشمس أنا، كلّ ذلك بلحاظ الإشراق. وكذلك لها أن تقول: أنا أنا، أي: أنا الفلز المظلم، وهي هي، أي: الشمس هي الشمس، أي: حين الإشراق الشمس شمس لا أنّ الشمس حينئذ مرآة، بل هي هي، أي مع قطع النظر عن المرآة هي هي(2)..

____________

1- انظر: مصباح المتهجد، للطوسي: ٨٠٣ (٨٦٦) أعمال شهر رجب.

2- انظر: الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة، لجواد الكربلائي ٣: ٢٦٩.


الصفحة 217
فقوله: (هو فيها نحن، ونحن فيها هو)، حين الإشراق والتجلّي، وقوله: (هو هو ونحن نحن)، أي: بلحاظ ذاوتهم مع قطع النظر عن الإشراق والتجلّي.

فليس هناك حلول ولا اتّحاد، بل ظهور في مظاهر المرآتية المستمد من أنوار جماله وجلاله، وعلمه وقدرته.

ومثال آخر: الحديدة المحماة في النار، فإنها حينئذ كالنار في فعلها، ولا فرق بينها وبينها في الإحراق، إلّا أنّ النار تحرق بفعلها، والحديدة تحرق بفعل النار الظاهرة على الحديدة، وذلك لمجاورتها وقربها من النار بحيث إذا نظرت إلى الحديدة لم تر إلّا حمرة النار، فهم بقربهم إليه تعالى كقرب الحديدة إلى النار، وإنّ لذواتهم قابلية كقابلية الحديدة في قبولها لحرارة النار، فلا محالة تؤثر فيه الآثار الربوبية من العلم والقدرة والنورانية والفعل، فيكون فعلهم فعله تعالى، وبالعكس مع حفظ مقام ربوبية الربّ ومقام عبودية العبد(1).

وخلاصة القول: إنّهم عليهم السلام لشدّة قربهم إليه تعالى ظهرت لديهم صفاته تعالى، بحيث تلاشت عندها الحدود الخلقية، مع استثناء رتبة العبودية المشار إليها في كلامهم عليهم السلام: (لا فرق بينك وبينها إلّا أنّهم عبادك)(2).

وهذه المرتبة أعلى المراتب للممكن، وهي مرتبة خاصة لمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة الأطهار عليهم السلام.

____________

1- انظر: الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة ٣: ٢٦٩، تفسير الصراط المستقيم، للبروجردي ٥: ٣٩٤.

2- انظر: الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة ٤: ٣٤ قوله عليه السلام: (والحقّ معكم وفيكم ومنكم...).


الصفحة 218

(حديث منسوب للأئمّة عليهم السلام في مرتبة الفناء)

« محمّد ــ قطر ــ إمامي »

السؤال:

ما المقصود من هذه الرواية: (إنّ لنا مع الله حالات هو نحن ونحن هو، وهو هو ونحن نحن)؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

وردت هذه الرواية في كلمات العرفاء بلا سند عن لسان أحد الأئمّة عليهم السلام.

وعلى كلّ فإنّ بعضاً منهم كالسيّد الخميني رحمه الله يأتي بها كشاهد على حضور جهة الوحدة مع جهة الكثرة عند الكمّل من الأولياء الشامخين، فبعد أن ذكر أنّ الحكماء (الفلاسفة) لما كان نظرهم إلى الكثرة فذكروا أنّ الصادر الأوّل هو العقل المجرّد، ثمّ النفس إلى آخر مراتب الكثرة، وأنّ العرفاء الشامخين لما كان نظرهم إلى الوحدة وعدم شهود الكثرة لم ينظروا إلى تعينات العوالم، قال: ((وأمّا الذي يشاهد الكثرة بلا احتجاب عن الوحدة، ويرى الوحدة بلا غفلة عن الكثرة، يعطي كلّ ذي حقّ حقّه، فهو مظهر (الحكم العدل) الذي لا يتجاوز عن الحدّ، وليس بظلاّم للعبد، فحكم تارة بأنّ الكثرة متحقّقة، وتارة بأنّ الكثرة هي ظهور الوحدة، كما نقل عن المتحقّق بالبرزخية الكبرى، والفقير الكلّ على المولى والمرتقى بـ(قاب قوسين أو أدنى) المصطفى المرتضى المجتبى بلسان أحد الأئمّة عليهم السلام: لنا مع الله حالات هو هو ونحن نحن، وهو نحن ونحن هو))(1).

____________

1- مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية: ٦٦ ــ ٦٧ المشكاة الثانية: المطلع السادس.


الصفحة 219
نقول: من المناسب حسب قواعدهم الالتزام بأنّ الواقع في هذه المرتبة لا يغفل عن الوحدة بالانشغال بالكثرة، ولا يغفل عن الكثرة بالفناء في الوحدة، ومنه يظهر النظر في كلامه قدس سره: ((فحكم تارة بأنّ الكثرة متحقّقة، وتارة بأنّ الكثرة هي ظهور الوحدة))، ولعلّ هذا هو مراده رحمه الله بالنظر إلى أوّل كلامه، وما كانت العبارة إلّا من ضيق التعبير والبيان، ثمّ إنّه ليس في هذه المرتبة عند النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام حالات دون حالات، فربّما ــ والله العالم ــ كان للحديث: (لنا مع الله حالات هو هو...الخ). معنى آخر، غير ما ذكره.

ولكن يبقى الكلام كلّ الكلام في إثبات صدور الحديث من معين تلك النفوس الكاملة والأرواح الشامخة، وهو صعب حسب ما بأيدينا من مصادر.

(هم الأسماء الحسنى)(١)

« صادق الباوي ــ ألمانيا ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

شاكرين لكم ما تقدّموه لدين الله عزّ وجلّ..

أبارك لكم عيد الولاية والنجاة, سائلاً الباري جلّ شأنه أن يحفظكم لنا ولجميع الأُمّة بصحّة وعافية؛ إن شاء الله تعالى.

يقول الوهابيون: بأنّ أئمّتكم كانوا يقولون بأنّهم أسماء الله الحسنى، وكثير ما يهاجموننا ويتهموننا ببعض التهم، وكيف يقول أئمّتكم ذلك؟!

لو تكرّمتم إيضاح الأمر وكيفية الردّ عليهم، وهل يوجد هكذا حديث أصلاً؟


الصفحة 220
جزاكم الله خير الجزاء, ووفّقكم الله لِما يحبّ ويرضى.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نعم، ورد عندنا مثل هكذا حديث.||

فعنهم عليها السلام: (نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملاً إلّا بمعرفتنا...)(1).

قال المولى محمّد صالح المازندراني في شرحه على (الكافي): ((يحتمل أن يراد بالأسماء الحسنى أسماؤهم عليهم السلام، وإنّما نسبها الله إليه لأنّه سمّاهم بها قبل خلقهم، كما دلّ عليه بعض الروايات.

ويحتمل أن يراد بها ذواتهم; لأنّ الاسم في اللّغة العلامة، وذواتهم القدسية علامات ظاهرة لوجود ذاته وصفاته, وصفاتهم النورية بيّنات واضحة لتمام أفعاله وكمالاته، وإنّما وصفهم بالحسنى مع أنّ غيرهم من الموجودات أيضاً علامات وبيّنات؛ لما وجد فيهم من الفضل والكمال، ولمع منهم من الشرف والجلال ما لا يقدر على وصفه لسان العقول، ولا يبلغ إلى كنهه أنظار الفحول, فهم مظاهر الحقّ، وأسماؤه الحسنى، وآياته الكبرى، فلذلك أمر سبحانه عباده أن يدعوه ويعبدوه بالتوسّل بهم، والتمسّك بذيلهم، ليخرجوا بإرشادهم عن تيه الضلالة والفساد، ويسلكوا بهدايتهم سبيل الحقّ والرشاد))(2).

____________

1- الكافي، للكليني ١: ١٤٣ كتاب التوحيد، باب النوادر، عن الإمام الصادق عليه السلام، المحتضر لابن سليمان الحلّي: ٢٢٨ عن الإمام الباقر عليه السلام.

2- شرح أصول الكافي ٤: ٢٢١.


الصفحة 221

(هم الأسماء الحسنى)(٢)

« د جواد كاظم ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

هناك روايات تدلّ على أنّ الأسماء الحسنى لها دلالة على أنّها تشير إلى أئمّة أهل البيت عليهم السلام.

فما رأيكم بهذه الروايات؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا إشكال في دلالة هذه الروايات على كون الأئمّة هم الأسماء الحسنى، وسنبيّن الوجه في ذلك بعد إيراد بعض تلك الروايات:

فقد ورد في خبر عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: (نحن الأسماء الحسنى التي إذا سئل الله عزّ وجلّ بها أجاب...)(1)، الحديث.

وعن أبي جعفر عليه السلام، قال: (نحن الأسماء الحسنى الذين لا يقبل الله من العباد عملاً إلّا بمعرفتنا...)(2)، الحديث.

وعن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملاً إلّا بمعرفتنا)(3)، الحديث.

____________

1- المحتضر، لابن سليمان الحلّي: ١٣٦ ممّا يدلّ على تفضيل عليّ عليه السلام، بحار الأنوار، للمجلسي ٢٧: ٣٨ باب أنّهّم عليهم السلام سخر لهم السحاب.

2- المحتضر: ٢٢٨ إن الإمام وكر لإرادة الله، بحار الأنوار ٢٥: ٥، أبواب خلقهم وطينتهم وأرواحهم صلوات الله عليهم.

3- الكافي، للكليني ١: ١٤٣ كتاب التوحيد، باب النوادر الحديث (٤).


الصفحة 222

ويؤيّده ما ورد في القرآن الكريم بخصوص الأسماء التي علّمها الله تعالى لآدم عليه السلام، فقوله عزّ وجلّ: ﴿فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسمَاءِ هَؤُلاَءِ إِن كُنتُم صَادِقِينَ(1)، يشير كما ورد في بعض التفاسير الروائية إلى معاني الأسماء لا مجرّد الألفاظ، ومنها ذوات أهل البيت عليهم السلام، فعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: (إنّ الله تبارك وتعالى علّم آدم عليه السلام أسماء حجج الله تعالى كلّها، ثمّ عرضهم ــ وهم أرواح ــ على الملائكة، فقال: ﴿فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسمَاءِ هَؤُلاَءِ إِن كُنتُم صَادِقِينَ، بأنّكم أحقّاء بالخلافة في الأرض لتسبيحكم وتقديسكم من آدم عليه السلام، فقالوا: ﴿سُبحَانَكَ لاَ عِلمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمتَنَا إِنَّكَ أَنتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ(2)، قال: ﴿يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ(3)، وقفوا على عظيم منزلتهم عند الله تعالى ذكره فعلموا أنّهم أحقّ بأن يكونوا خلفاء الله في أرضه وحججه على بريته...)(4)، الخبر.

فنقول: إذا كانت الأسماء هي أرواح الحجج الإلهية كلّها كما في الخبر المتقدّم، فإنّ أحسن الأسماء، أو الأسماء الحسنى هي: أرواح محمّد والأئمّة عليها السلام، وهذا يؤيّد بل يطابق ما صرّحت به الروايات المتقدّمة في (المحتضر)، و(الكافي).

(ما معنى كونهم الأسماء الحسنى)

« م/ سعيد ــ العراق »

السؤال:

ما هو تفسير قول الإمام الصادق عليه السلام أنّهم هم الأسماء الحسنى؟

____________

1- البقرة (٢): ٣١.

2- البقرة (٢): ٣٢.

3- البقرة (٢): ٣٣.

4- إكمال الدين وإتمام النعمة، للصدوق: ١٤ مقدّمة المصنّف.


الصفحة 223
عن محمّد بن أبي زيد الرازي، عمّن ذكره، عن الرضا عليه السلام، قال: (إذا نزلت بكم شدّة فاستعينوا بنا على الله، وهو قول الله: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا(1)، قال: قال أبو عبد الله: نحن والله الأسماء الحسنى الذي لا يقبل من أحد إلّا بمعرفتنا، قال: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا). المصدر: (بحار الأنوار ــ الجزء ٩١ ــ صفحة ٥).

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الأئمّة عليهم السلام هم الأدلّاء على الله، ولا يعرف الله تعالى إلّا بسبيل معرفتهم، ومن يكون دليلاً ومُعرّفاً لله عزّ وجلّ أحرى أن يصدق عليه أنّه اسم من أسمائه، إذ أنّ فائدة الأسماء هي الدلالة والتعريف بالله عزّ وجلّ، وهذا الأمر متحقّق عندهم، هذا من جهة.

ومن جهة ثانية: فإنّ الأسماء الحسنى يدعا الله تعالى بها فيجيب، كما ورد في القرآن الكريم: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا، والأئمّة الأطهار عليهم السلام قد جعل الله تعالى لهم هذه المزيّة، فهم أبواب إجابة الدعاء، فمن يدعو الله ويتوسّل بهم إليه عزّ وجلّ تقضى حاجته، فشابهوا الأسماء الحسنى في هذه الصفة.

ومن جهة ثالثة: هم مظاهر رحمة الله تعالى وقدرته، وقد تجلّى الله عزّ وجلّ لعباده بهم، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو مظهر الرحمة الإلهية، وقد تجلّت فيه صفة الرحمة وصار مظهراً لاسم الرحمن، قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَمَا أَرسَلنَاكَ إِلَّا رَحمَةً لِّلعَالَمِينَ(2)، وتلك هي صفة واحدة من جملة صفات أُخرى تجلّت فيه، وهكذا سائر الأئمّة.

____________

1- الأعراف (٧): ١٨٠.

2- الأنبياء (٢١): ١٠٧.


الصفحة 224

تعليق:

« علي هادي ــ ايرلندا ــ إمامي »

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

انطلاقاً من هذا الحديث الشريف: (نحن والله الأسماء الحسنى)، فهل يجوز أن نقول مثلاً: حسين يا عزيز، حسين يا رحمان؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ليس المقصود من الحديث (نحن والله الأسماء الحسنى) أنّ أسماء الأئمّة عليهم السلام هي أسماء الله, وإنّما المراد هو: إنّ ظهور معاني أسماء الله الحسنى إنّما يكون بهم وفيهم، ولذلك صاروا مظاهر صفات الله العظمى وأمثاله العليا، فالأسماء ليست مجرّد ألفاظ وحروف تنطق على اللسان، إنّما هي حقائق وذوات ومعاني وصفات، فلم يعلِّم الله عزّ وجلّ آدم أسماء الأشياء من جهة الألفاظ، وإنّما علـّمه معانيها وحقائقها؛ فافهم!

(هل أنّهم عليهم السلام أسماء الله الحسنى، أم مظهر أسمائه؟)

« مرتضى ــ بلجيكا ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

في كثير من الأدعية الواردة عن أهل بيت العصمة والطهارة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين نقرأ مثلاً العبارات التالية: (اَللّهُمَّ إِنّي أَسأَلُكَ بِاسمِكَ العَظيمِ الأًعظَمِ الأًعَزِّ الأجَلِّ... الَّتي خَلَقتَ بِهَا السَّماواتِ وَالأَرضَ).


الصفحة 225
ما معنى: خلق السماوات والأرض (بالاسم)؟ هل لكم أن تشرحوا وتُقرّبوا المعنى؟

هل لهذه العبارات ومثيلاتها الواردة في أدعيتنا وزياراتنا الشريفة, ارتباط بما ورد عنهم عليها السلام, بأنّهم أسماء الله الحسنى؟

هذه العبارات في أيّ أفق تتحدّث, أي: كيف يكون أهل البيت عليهم السلام هم أسماء الله الحسنى؟

لا أدري إن كان يصحّ القول بأنّهم مظاهر الأسماء الإلهية! لأنّ الرواية تقول: إنّهم والله الأسماء الحسنى, ولم تقل: إنّهم والله (مظاهر) أسماء الله الحسنى؟

ثمّ لا أظنّ أنّ الرواية تتكلّم في أفق عالم الدنيا كي يكون الوصف بالمظهر له وجه, بل الكلام هو ما فوق عالم المُلك والملكوت.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الإنسان هو المظهر الجامع للأسماء الحسنى، فكلّ اسم من أسماء الله الحسنى يمكن أن يتجلّى ويظهر في الإنسان وفي أفعاله ودرجات وجوده بخلاف بقيّة الكائنات، ولذا يوصف الإنسان بأنّه مظهر الاسم الجامع (الله)، ولا شكّ بأنّ الأُنموذج الأكمل للإنسان الكامل الذي هو مظهر اسم الله (الجامع) هو النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الطاهرين.

والروايات وإن لم تقل فيهم عليهم السلام أنّهم مظاهر، بل ذكرت أنّهم هم الأسماء الحسنى، فإنّه لا منافاة بينهما، فكونهم عليهم السلام أسماء الله الحسنى يلزمه أن يكونوا


الصفحة 226
مظاهر تلك الأسماء، كما تقول في شخص جميل: ((أنت مظهر الجمال))، أو تقول: ((أنت والله الجمال))، لأنّه أجلى مصاديق الجمال.

واعلم، أنّ المظهر والوجه سيّان، لأنّ كلّ وجه مظهر، وقد ورد أنّهم عليهم السلام وجه الله تعالى(1)؛ لأنّه بهم يكون التوجه إليه عزّ وجلّ، ولا يوجد في الحديث ما يشير إلى أنّ ذلك مختص بعالم الملك أو الملكوت وغيرهما، فإنّهم عليهم السلام المظهر والوجه في جميع العوالم.

(معنى: (الكلمة التامّة))

« أُمّ عبّاس ــ الكويت ــ إمامية »

السؤال:

ما المقصود وما هي (الكلمة التامّة) التي ذكرت في دعاء السمات: (وَبِسُلطانِ القُوَّةِ وَبِعِزَّةِ القُدرَةِ وَبِشَأنِ الكَلِمَةِ التّامَّةِ)؟

وهل لهذه الكلمة علاقة بالكلمات التي أنزلها تعالى على أبينا آدم عليه السلام فأتمّهن؟

وشكراً جزيلاً لكم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً(2)، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي

____________

1- انظر: التوحيد، للصدوق: ١٥٠، باب تفسير قوله تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلّا وَجْهَهُ)، مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب ٣: ٦٤، باب في النكت واللطائف.

2- الكهف (١٨): ١٠٩.


الصفحة 227
الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(1).

قال العلاّمة الطباطبائي قدس سره في (تفسير الميزان): ((ومن المعلوم أنّه تعالى لا يتكلّم بشق الفم، وإنّما قوله فعله وما يفيضه من وجود، كما قال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(2)، وإنّما تسمّى كلمة؛ لكونها آية دالّة عليه تعالى، ومن هنا سمّى المسيح كلمة في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ(3).

ومن هنا يظهر أنّه ما من عين يوجد أو واقعة تقع إلّا وهي من حيث كونها آية دالّة عليه كلمة منه، إلّا أنّها خصّت في عرف القرآن بما دلالته ظاهرة لا خفاء فيها ولا بطلان ولا تغير، كما قال: ﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ(4)، وقال: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ(5)، وذلك كالمسيح عليه السلام، وموارد القضاء المحتوم))(6).

وقال السيّد حسين البروجوردي رحمه الله في (تفسير الصراط المستقيم): ((وأمّا الكلمة التكوينيّة، فالمراد بها الوجودات الجامعة المشتملة على الحروف الكونيّة، ولذا يطلق على الأنبياء والحجج عليهم السلام، وكذا أطلقت على عيسى على نبيّنا وآله وعليه السلام في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ(7)، وأطلقت الكلمات أو الموصوفة بالتّامات على النبيّ والأئمّة عليهم السلام، كما في

____________

1- لقمان (٣١): ٢٧.

2- النحل (١٦): ٤٠.

3- النساء (٤): ١٧١.

4- ص (٣٨): ٨٤.

5- ق (٥٠): ٢٩.

6- تفسير الميزان ١٣: ٤٠٤ سورة الكهف آية (١٠٩).

7- النساء (٤): ١٧١.


الصفحة 228
هذه الآية، وفي قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إبراهيم رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ(1)، وقوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي(2)، وقوله: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ(3)، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ(4)، ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً(5)، ﴿حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ(6)، ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى(7)، وغيرها من الآيات الكثيرة))(8).

ومن هنا يتبيّن أنّ المراد من الكلمات في الآيتين كلّ موجودات عالم الوجود التي لا يمكن أن تحصى، إذ أنّ كلّ موجود هو في الحقيقة معبّر عن عظمة الله وصفاته، كما أنّ الكلمة اللفظية بالأصل تعبّر عن المعنى.

ومن هنا تطلق الكلمة في بعض الأحيان بنوع من الاختصاص على الموجودات العظيمة ذات المرتبة الكمالية العالية التي هي أتم من غيرها في التعبير عن صفاته تعالى كالأنبياء والأولياء، كما أطلقت على عيسى عليه السلام في القرآن، وأتم الكلمات وأشرفها على الإطلاق هو نور نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام.

وقد أطلقت الكلمة في الأدعية والروايات تارة على ذوات الأئمّة عليهم السلام، وأُخرى على نفس الولاية والإمامة:

فمن الأوّل: ما رواه الحسن بن سليمان الحلّي (ق٩هـ) في (مختصر البصائر) عن الإمام الباقر عليه السلام، قال: (قال أمير المؤمنين عليه السلام: إنّ الله تبارك وتعالى أحد

____________

1- البقرة (٢): ١٢٤.

2- الكهف (١٨): ١٠٩.

3- لقمان (٣١): ٢٧.

4- الأنعام (٦): ١١٥.

5- الزخرف (٤٣): ٢٨.

6- يونس (١٠): ٩٦.

7- الفتح (٤٨): ٢٦.

8- تفسير الصراط المستقيم ٥: ٣٣١ سورة البقرة تفسير آية (٣٧).


الصفحة 229
واحد تفرّد في وحدانيته، ثمّ تكلّم بكلمة فصارت نوراً، ثمّ خلق من ذلك النور محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم، وخلقني وذرّيتي، ثمّ تكلّم بكلمة فصارت روحاً فأسكنه الله في ذلك النور، وأسكنه في أبداننا، فنحن روح الله وكلماته، فبنا احتجّ على خلقه...)(1).

ومنه ما في (الاختصاص) المنسوب للشيخ المفيد (ت٤١٣هـ) عن الإمام الهادي عليه السلام في جوابه لسؤالات يحيى بن أكثم، قال: (وأمّا قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ(2)، فهو كذلك لو أنّ أشجار الدنيا أقلام والبحر مداد له بعد سبعة مدد البحر حتّى فجرّت الأرض عيوناً فغرق أصحاب الطوفان، لنفدت قبل أن تنفد كلمات الله عزّ وجلّ، وهي عين الكبريت، وعين اليمن، وعين برهوت، وعين الطبرية، وحمة ماسبذان وتدعى المنيات، وحمة إفريقية وتدعى بسلان، وعين باحروان، وبحر بحر، ونحن الكلمات التي لا تدرك فضائلنا ولا تستقصى...)(3).

ومنه ما رواه علي بن إبراهيم القمّي رحمه الله (ت٣٢٩هـ) في تفسيره عن الإمام الباقر عليه السلام، في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ، قال: لو افتريت ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ، يعني: يبطله، ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ(4)، يعنى: بالنبيّ وبالأئمّة والقائم من آل محمّد...(5).

ومنه ما رواه الصفّار (ت٢٩٠هـ) في (بصائر الدرجات) عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، قال: (إنّ الله إذا أراد أن يخلق الإمام بعث ملكاً فأخذ شربة من

____________

1- مختصر بصائر الدرجات: ٣٢.

2- لقمان (٣١): ٢٧.

3- الاختصاص: ٩٤ حديث أبي الحسن الهادي عليه السلام مع أخيه موسى بن محمّد بن علي.

4- الشورى (٤٢): ٢٤

5- تفسير القمّي ٢: ٢٧٥ سورة الشورى آية ٢٤.


الصفحة 230
تحت العرش، ثمّ أوصلها أو دفعها إلى الإمام، فيمكث في الرحم أربعين يوماً لا يسمع الكلام، ثمّ يسمع بعد ذلك، فإذا وضعته أُمّه بعث ذلك الملك الذي كان أخذ الشربة، ويكتب على عضده الأيمن: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(1)))(2).

وفي الباب من البصائر أربعة أحاديث في المعنى غير هذا؛ فراجع.

ومنه ما في تفسير العيّاشي (ت٣٢٠هـ) عن الإمام الباقر عليه السلام، في تفسير قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ(3)، قال: (تفسيرها في الباطن يريد الله، فإنّه شيء يريده ولم يفعله بعد، وأمّا قوله: ﴿يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ، فإنّه يعنى: يحقّ حقّ آل محمّد، وأمّا قوله: ﴿بِكَلِمَاتِهِ، قال: كلماته في الباطن، عليّ هو كلمة الله في الباطن...)(4).

ومنه ما رواه المشهدي (ق٦هـ) في (المزار) من الزيارة للإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف قبل نزول السرداب، وهي طويلة، وفيها قوله: (اللّهمّ صلّ على محمّد وآله، وأنجز لوليّك ما وعدته، اللّهمّ أظهر كلمته، واعل دعوته، وانصره على عدوّه وعدوّك يا ربّ العالمين. اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد وأظهر كلمتك التامّة، ومغيّبك في أرضك، الخائف المترقّب)(5).||

ومنه ما رواه الطبرسي (ت٥٤٨هـ) في (الاحتجاج) من توقيع خرج من الناحية المقدّسة ذكر فيه دعاء بعد التسليم على الإمام الغائب والشهادة بالحجّية

____________

1- الأنعام (٦): ١١٥.

2- بصائر الدرجات: ٤٥٩ الجزء التاسع، باب (١١) الحديث (٥).

3- الأنفال (٨): ١٧٧.

4- تفسير العيّاشي ٢: ٥٠ الحديث (٢٤) سورة الأنفال.

5- المزار: ٥٨٩ زيارة أُخرى له عليه السلام.


الصفحة 231
للأئمّة واحداً فواحداً، منه قوله: (اللّهمّ صلّ على حجّتك في أرضك، وخليفتك في بلادك، والداعي إلى سبيلك، والقائم بقسطك، والثائر بأمرك، وليّ المؤمنين، وبوار الكافرين، ومجلي الظلمة، ومنير الحقّ، والساطع بالحكمة والصدق، وكلمتك التامّة في أرضك، المرتقب الخائف...)(1).

ومن الثاني: ما رواه الكليني (ت٣٢٩هـ) في (الكافي) عن جابر بن عبد الله الأنصاري في حديث اللوح، حيث جاء في النصّ المكتوب فيه: (وجعلت حسيناً خازن وحيي، وأكرمته بالشهادة، وختمت له بالسعادة، فهو أفضل من استشهد، وأرفع الشهداء درجة، جعلت كلمتي التامّة معه، وحجّتي البالغة عنده...)(2).

وما جاء في الزيارة الجامعة المروية في (من لا يحضره الفقيه): (وبموالاتكم تمت الكلمة)(3).

وما في رواية المفضل بن عمر عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام التي رواها الصدوق في (إكمال الدين): ((قال المفضل: فقلت: يا بن رسول الله! فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ(4)؟

قال: يعني بذلك الإمامة، جعلها الله تعالى في عقب الحسين إلى يوم القيامة...))(5).

____________

1- الاحتجاج ٢: ٣١٨ ما رواه محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري من خروج توقيع من الناحية المقدّسة.

2- الكافي ١: ٥٢٨ الحديث ٣، أبواب التاريخ، باب ما جاء في الاثني عشر والنصّ عليهم عليهم السلام.

3- من لا يحضره الفقيه، للصدوق ٢: ٦١٦ الحديث (٣٢١٣) الزيارة الجامعة.

4- الزخرف (٤٣): ٢٨.

5- إكمال الدين وإتمام النعمة: ٣٥٩ الحديث (٥٧)، الباب الثالث والثلاثون: ما أخبر به الصادق عليه السلام من وقوع الغيبة.


الصفحة 232
وأمّا بالنسبة للكلمات التي تلقّاها آدم عليه السلام من ربّه، وتوافقها مع معنى (الكلمة التامّة)، فقد ورد في رواية المفضل عن الإمام الصادق عليه السلام الآنفة: ((قال: سألته عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إبراهيم رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ(1)، ما هذه الكلمات؟

قال: هي الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب الله عليه، وهو أنّه قال: أسألك بحقّ محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين إلّا تبت علَيَّ، فتاب الله عليه إنّه هو التواب الرحيم.

فقلت له: يا بن رسول الله! فما يعني عزّ وجلّ بقوله: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ؟

قال: يعني فأتمّهن إلى القائم اثني عشر إماماً تسعة من ولد الحسين عليهم السلام...))(2).

وروى ابن المغازلي في مناقبه، قال: ((أخبرنا أحمد بن محمّد بن عبد الوهّاب إجازة، أخبرنا أبو أحمد عمر بن عبيد الله بن شَوذَب، حدّثنا محمّد بن عثمان، قال: حدّثني محمّد بن سليمان بن الحارث، حدّثنا محمّد بن علي بن خَلَف العطّار، حدّثنا حسين الأشقر، حدّثنا عمرو بن أبي المِقدام، عن أبيه، عن سعيد بن جُبير، عن عبد الله بن عبّاس، قال: سئل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن الكلمات التي تلقّى آدمُ من ربّه فتاب عليه؟

قال: سأله بحقّ محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين إلّا تُبتَ علَيَّ، فتاب عليه))(3).

____________

1- البقرة (٢): ١٢٤.

2- إكمال الدين وإتمام النعمة: ٣٥٩ الحديث (٥٧)، الباب الثالث والثلاثون: ما أخبر به الصادق عليه السلام من وقوع الغيبة.

3- مناقب عليّ بن أبي طالب، لابن المغازلي: ٣٤٣ الحديث (٤٤٦).


الصفحة 233

(شرح دعاء كلّ يوم من شهر رجب للحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف (اللّهمّ إنّي أسألك بمعاني...))

« محرّم حسن ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

(اللّهمّ! إنّي أسألك بمعاني جميع ما يدعوك به ولاة أمرك، المأمونون على سرّك، المستبشرون بأمرك، الواصفون لقدرتك، المعلنون لعظمتك، أسألك بما نطق فيهم من مشيتك، فجعلتهم معادن لكلماتك، وأركاناً لتوحيدك، وآياتك ومقاماتك التي لا تعطيل لها في كلّ مكان، يعرفك بها من عرفك، لا فرق بينك وبينها إلّا أنّهم عبادك وخلقك، فتقها ورتقها بيدك، بدؤها منك وعودها إليك، أعضاد وأشهاد، ومناة وأذواد، وحفظة وروّاد، فبهم ملأت سماءك وأرضك حتّى ظهر أن لا إله إلّا أنت).

س١: من هم ولاة الأمر في هذا الدعاء؟

س٢: الرجاء شرح مقطع الدعاء لغة ومضموناً وواقعية مع مقارنتها بقوانين وسنن الكون المادّية المعروفة حالياً؟

ولكم خاص دعائنا بالتوفيق.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

(ولاة الأمر) في هذا الدعاء الشريف هم الأئمّة المعصومون عليها السلام يدلّ عليهم تتبّع الروايات، خاصّة في باب الأدعية والزيارات، فإنّ الأمر لهم بعد أن ثبتت لهم الولاية التشريعية والتكوينية، فهم الحاملون للأسرار الإلهية، والمستبشرون الراضون،


الصفحة 234
المسلّمون لما ينزل إليهم من أوامره جلّ وعلا، وهم الواصفون لقدرته، والمعلنون لعظمته، دون سواهم من الخلق، وذلك بسبب ما عندهم من العلم بالله تعالى وصفاته وآياته، فلا يُعرف الله تعالى إلّا بسبيل معرفتهم.

والدّاعي يسأل الله تعالى (بما نطق فيهم)، أيّ: تجلّى في حقيقتهم من مشيته، فإنّهم وعاء مشيئة الله، ومحلّ إرادته؛ لأنّهم إذا شاءوا فقد شاء الله، وإذا قالوا فعن الله يقولون، فكانوا تراجمة وحيه، وولاة أمره، اصطفاهم على الخلق بعلمه بالسرّ المستودع فيهم.

(فجعلتهم معادن لكلماتك): المعادن هي أماكن أصول الأشياء، أي: إنّهم محلّ أصول كلمات الله تتفرّع عنهم وتشتق عنهم، والكلمات هنا أعمّ من أن تكون كلمات لفظية أو كونية.

فعلى الأوّل: عندهم أصول كلمات الله المنزلة، وكلّ ما أوحاه إلى أنبيائه عليهم السلام، بل بما موجود في اللوح المحفوظ وأُمّ الكتاب.

وعلى الثاني: فإنّ نورهم وحقيقتهم هو أوّل صادر عن الله تعالى، ومن نورهم وحقيقتهم المحمّدية صدرت الكائنات، فهم العلّة لكلّ شيء، فالكلمات على هذا عبارة أُخرى عن فعل الله، حيث أنّ الكلام هو الكاشف عمّا في ضمير المتكلّم من المعاني والحقائق، ولا كاشف أفضل من فعل الله عن صفاته من العلم والقدرة والعظمة والكمال، فصحّ أن نصف كلّ ما يصدر عن قوله جلّ وعلا: (كن) بكلماته، وأفضلها كلماته التامّات التي هي الأئمّة عليهم السلام، وهي الأصل لكلماته الأُخر، بما أنّهم الصادر الأوّل وواسطة الفيض، فكانوا معادن كلماته.

(وأركاناً لتوحيدك): ركن الشيء هو ما يستند إليه ويقوم به، فهم عليها السلام يستند إليهم علم التوحيد، بل حقيقة التوحيد، سواء كان توحيداً ذاتياً، أم صفاتياً، أم


الصفحة 235
أفعالياً، أم توحيد العبادة، فكلّ من رام التوحيد من دونهم فقد أشرك من حيث لا يشعر، فالتوحيد لا ينال إلّا عن طريقهم ومن خلالهم. ولا بدّ فيه من الاعتقاد بولايتهم، إذ لم يصل إلى أعلى مراتب التوحيد سواهم، فبالوصول إلى ولايتهم نصل إلى توحيده سبحانه.

(وآياتك ومقاماتك التي لا تعطيل لها في كلّ مكان): فيه نوع بيان وبسط لقوله: (وأركاناً لتوحيدك)، فهم عليها السلام آيات الله تعالى في خلقه يهتدي بهم المهتدون، وهم المقامات الإلهية التي لو سلكها السالكون لوصلوا إلى معنى الإلوهية، فالله تعالى أجلّ من أن يبلغه سالك أو يصل إليه واصل، ولا بدّ لمن يروم السلوك إلى الله تعالى أن يصل إليهم لأنّهم واسطة الفيض، وقد ضلّ من زعم الوصول إلى الله من دونهم. أليس هم أسماء الله الحسنى وأجلى تجلٍّ لأسمائه وصفاته في عالم الإمكان، وهل توجد آية لله تعالى أتم من نورهم وقد خلق نورهم قبل خلق الخلق فكانوا محدقين بالعرش مسبّحين مهلّلين، وهل لتجلّيهم في مراتب مقاماتهم تعطيل بعد أن كانوا واسطة الفيض الإلهي المنبسط على الكائنات. وبهذا المعنى الأخير يمكن أن تكون (الواو) في (وآياتك) استئنافية.

(يعرفك بها من عرفك، لا فرق بينك وبينها إلّا أنّهم عبادك وخلقك): استمرار لبسط معنى ما سبق، فلا يعرف الله تعالى إلّا بهم عليهم السلام، ولا يعرفه إلّا من سار على نهجهم وخطاهم، ثمّ رتب على ما سبق ــ أي: (بما نطق فيهم من مشيته فجعلهم معادن لكلماته وأركاناً لتوحيده، وجعلهم آياته ومقاماته التي لا تعطيل لها) ــ أنّهم أصبحوا بلحاظ هذه الجهات التي هي عطايا منه جلّ وعلا لهم، (لا فرق بينك وبينهم)، فإنّهم تجلّ أتم لصفات الله تعالى وأسمائه، وهم حججه وبيّناته.

نعم، ليس إلّا ثمّة فرق واحد هو بالحقيقة كلّ شيء، وليس شيء غيره، أنّهم عباد مخلوقون ممكنون لا يملكون لذاتهم شيئاً إلّا ما أعطاهم وجوداً وكمالاً، ولذا


الصفحة 236
قال: (فتقها ورتقها ــ أي: الآيات والمقامات التي عرفنا من هم ــ بيدك)، إشارة إلى أنّ لا شيء لهم في الحقيقة بذواتهم، وكناية عن غاية القرب والاختصاص به

عزّ وجلّ، فإنّهم صنائع ربّهم والخلق بعدُ صنائع لهم، بدؤها منه، فهم أوّل من خلق الله، وعودها إليه، وهم آخر من يبقى بعد فناء الخلق.

وأيضاً: (أعضاد وأشهاد): العضد: القوّة، ويأتي بمعنى المعين والسند، فلعلّ المراد أنّ لهم من القوّة بما يسندون الخلق؛ لأنّ بهم قيام الكائنات، فهم أعضاد الكائنات لا قيام لها في الوجود إلّا بهم. ولذلك ورد في الحديث: لو بقيت الأرض بغير إمام لسافت(1). وهم أيضاً أشهاد على الخلق تعرض أعمال الخلائق عليهم ويكونوا شهداء على الناس يوم القيامة، فهم أعضاد الخلق والأشهاد عليه.

(ومناة): منى فلان جازاه، و(منَّ عليه): أحسن إليه وأنعم، فهم الذين يجازون الناس؛ لأنّهم رجال الأعراف يعرفون كلّ بسيماهم، والجزاء والإحسان إمّا يكون في الدنيا من خلال الفيوضات التكوينية التي تصل إليهم، أو في الآخرة.

و(الذود): الطرد والدفع، وهو إمّا يراد به الذود عن دين الله وحريمه، أو ذودهم يوم القيامة عن حوض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

(حفظة ورواد): الحافظ هو الموكّل بالشيء يحفظه ويرعاه ويحرسه، والرائد الذي يسبق قومه إلى الخير، فلعلّ المراد به: أنّهم الحفظة لما دونهم من الممكنات التي سبقوها بالخير والوجود، بقرينة ما جاء بعدها من قوله: (فبهم ملأت سماءك وأرضك حتّى ظهر أن لا إله إلّا أنت): فهم كما تقدّم آيات الله التي في كلّ مكان ومقاماته، فمجاري الفيض إلى الممكنات على أيديهم.

____________

1- الكافي، للكليني ١: ١٧٩ الحديث (١٠)، باب أنّ الأرض لا تخلو من حجّة.


الصفحة 237
هذا ما وسعنا بيانه حسب فهمنا القاصر، ونسأل الله العفو عن الخطأ والنسيان، ونرجوا منهم عليها السلامالصفح والإغضاء عمّا قصرنا عنه من معرفة مقاماتهم.

وأمّا ما سألت من المقارنة بين معنى الدعاء والقوانين المادّية المعروفة حالياً، فإنّه لا ربط بين الأمرين، فإنّ ما جاء فيه نحو من المعارف الإلهية، وما يطرح الآن من نظريات في العلوم الطبيعية مختص بعالم المادّة، وعقلنا قاصر الآن عن الربط بينهما، فإنّ علوم البشر المادّية لم تصل بعد إلى ما وراء عالم المادّة، بل لم تعرف حقيقة عالم المادّة فكيف بما وراءه؟!

تعليق:

« أبو مرتضى البحراني ــ العراق ــ إمامي »

الإشكال يبقى في قوله (صلوات الله عليه): (لا فرق بينك وبينها إلّا أنّهم عبادك وخلقك...)، كيف يعود الضمير (بينها) وهو للتأنيث إليهم عليها السلام، وجاء قبلها بنفس التعبير بخطاب المؤنث، وكأنّ عائدية الضمير في القول الشريف عائد إلى المشيئة، وحرف الاستثناء (إلّا) هنا استثناء منقطع؟

وما ورد في الإجابة أعلاه غير مقنع! مع التسليم لقول المعصوم (صلوات الله عليه) والإيمان بما قال، وإن أشكل عليه عقلياً، ولكن التسليم أولى وأسلم..

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

التعبير عنهم بـ(الآيات)، و(المقامات)، هو الموجب لتأنيث الضمير، ومعنى (لا فرق بينك وبينها): هو بلحاظ ما ذكر قبلها في الكلام من الجهات التي إذا عرفوا بها عُرف الله في مقام (يعرفك بها من عرفك) لا من جهة الحقيقة، فالله تعالى لا يقاس


الصفحة 238
بالأشياء حتّى لا يكون بينه وبينها فرق، حتّى المشيئة على ما هو الصحيح من أنّها من صفات الفعل، والمشيئة أبعد في سياق الكلام من (الآيات والمقامات) التي لا تعطيل لها، والضمير العائد بحسب قانون النحو العربي يكون عوده على القريب وليس على البعيد، فلا رجحان فيما ذكرتم من عوده على المشيئة هذا.

والمشيئة كما أشرنا أعلاه ليست هي الذات، وليست مجعولة للتعريف، بل مجعولة للخلق (خلق الله المشيئة بنفسها وخلق الأشياء بالمشيئة)(1)، إنّما يعرف الله تعالى بهذه العلامات والمقامات، ولذلك صحّ أن لا يكون بينها وبينه من جهة التعريف والتعرف فرق، وهذا ما يدلّ عليه معنى الآيوية، أي: العلامة والدلالة؛ فافهم رحمك الله!

(معنى ما ورد في دعاء شهر رجب: (لا فرق بينك وبينها إلّا أنّهم عبادك وخلقك)

« مرتضى ــ بلجيكا ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يرجى بيان معنى العبارة الآتية التي وردت في دعاء رجب: (أسألك بما نطق فيهم من مشيّتك، فجعلتهم معادن لكلماتك، وأركاناً لتوحيدك، وآياتك ومقاماتك التي لا تعطيل لها في كلّ مكان، يعرفك بها من عرفك، لا فرق بينك وبينها، إلّا أنّهم عبادك وخلقك)، خصوصاً هذا المقطع الشريف: (لا

____________

1- الكافي، للكليني ١: ١١٠ الحديث (٤)، باب الإرادة إنّها من صفات الفعل.


الصفحة 239
فرق بينك وبينها إلّا أنّهم عبادك وخلقك)، بذوق عرفاني مستنداً إلى رواياتنا الشريفة؟

وما معنى: (لا تعطيل لها في كلّ مكان)، بشرح واسع ووافي؟

وجزاكم الله خيراً بحقّ البتول الطاهرة سلام الله عليها.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لقد شرحنا معنى الدعاء بما وسعنا في السؤال السابق، ولكن نودّ هنا أن نورد بعض كلمات علمائنا في بيانه:

سئل السيّد الخوئي قدس سره عن معنى العبارة الواردة في دعاء رجب اليومي: (لا فرق بينك وبينها إلّا أنّهم عبادك)؟

فأجاب: ((لعلّها تشير إلى أنّهم مع بلوغهم في مرتبة الكمال إلى حدّ نفوذ التصرّف منهم في الكون بإذنك، فهم مقهورون لك؛ لأنّهم مربوبون لك، لا حيلة لهم دون إرادتك ومشيتك فيهم بما تشاء، والله العالم))(1).

وسئل الميرزا جواد التبريزي قدس سره:

يرجى بيان معنى العبارة الآتية التي وردت في دعاء رجب: (...أسألك بما نطق فيهم من مشيتك، فجعلتهم معادن لكلماتك وأركاناً لتوحيدك، وآياتك ومقاماتك التي لا تعطيل لها في كلّ مكان، يعرفك بها من عرفك، لا فرق بينك وبينها، إلّا أنّهم عبادك وخلقك)؟

فأجاب: الضمير في بينها في قوله: (لا فرق بينك وبينها) يعود إلى آياتك المراد منها الأئمّة عليهم السلام.

____________

1- صراط النجاة (تعليق الميرزا التبريزي) ٣: ٣١٧ مسألة (٩٩٣).


الصفحة 240
وأمّا قوله: (أسألك بما نطق فيهم من مشيتك)، فهو إشارة إلى كلمته سبحانه وتعالى، التي عبّر عنها في كتابه العزيز بقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(1).

ويدخل في ذلك ما ذكره سبحانه وتعالى في آية التطهير، وفيها دلالة واضحة على أنّ ما امتازوا به الأئمّة عليهم السلام عن سائر الناس ليس أمراً كسبياً، بل هو أمر ممّا تعلّقت به مشيئة الله تعالى، كما هو ظاهر آية التطهير أيضاً.

نعم، تعلّق المشيئة مسبوق بعلمه سبحانه، على أنّهم كانوا يمتازون عن سائر الناس أيضاً في إطاعتهم لله سبحانه وتعالى، لولا إعطاء ما تعلّقت به مشيئته، كما ورد في دعاء الندبة، والله العالم))(2).

وقال الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء في (الفردوس الأعلى): ((ثمّ إنّ أوّل صادر منه وأقرب موجود إليه هو العقل الكلّي والصادر الأوّل (أوّل ما خلق الله العقل...) الحديث، وهو العقل الكلّي الخارجي العيني لا الكلّي الذهني المفهومي، وهو ظلّ الله وفيضه الأقدس.

نعم، هو ظلّ الله الممدود من سماء الجبروت عالم السكون المطلق ومركز الثبات، إلى عالم الملك والملكوت والناسوت موطن التغيّر والحركات، ﴿لَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا(3)، وهذا هو وجه الله الكريم الذي لا يفنى ولن يفنى أبداً، وهو اسم الله العظيم الأعظم ونوره المشرق على هياكل الممكنات، الذي يطلق عليه عند الحكماء بالنفس الرحماني، وعند العرفاء بالحقّ

____________

1- يس (٣٦): ٨٢.

2- صراط النجاة ٣: ٤٢٠ ــ ٤٢١ سؤال (١٢٢٧)، الملحق، و٥: ٣٠٥ سؤال (٩٩١).

3- الفرقان (٢٥): ٤٥.


الصفحة 241
الصفحة السابقةالصفحة التالية