المكتبة العقائدية » موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 8) (لـ مركز الأبحاث العقائدية)


موسوعة الأسئلة العقائدية ج8 » مركز الأبحاث العقائدية » (ص 241 - ص 270) المخلوق به، وفي الشرع رحمته التي وسعت كلّ شيء والحقيقة المحمّدية، والصادر الأوّل (أوّل ما خلق الله نوري) وهو الجامع لكلّ العوالم عالم الجبروت والملكوت والملك والناسوت، وجميع العقول المفارقة والمجرّدة والمادّية الكلّية والجزئية عرضية وطولية، والنفوس كذلك كلّية وجزئية والأرواح والأجسام والمثل العليا، وأرباب الأنواع التي يعبّر عنها في الشرع بالملائكة، والروح الأعظم الذي هو سيّد الملائكة وربّ نوعها. كلّ هذه العوالم صدرت من ذلك الوجود المطلق والمبدأ الأعلى الذي هو فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهى قوّة وشدّة وعدّة ومدّة، أوجد عزّ شأنه ذلك الصادر الأوّل الجامع لجميع الكائنات والوجودات الممكنات، أوجده بمحض المشيئة، وصرف الإرادة في أزل الآزال إلى أبد الآباد، ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ(1)، والتشبيه من ضيق نطاق الألفاظ، وإلّا فالحقيقة أدق وأرق من ذلك، وهو المثل الأعلى الحاكي بنوع من الحكاية عن تلك الذات المقدّسة المحتجبة بسرادق العظمة والجبروت وغيب الغيوب (يا من لا يعلم ما هو إلّا هو)، وذلك العقل الكلّي، أو الصادر الأوّل (ما شئت فعبّر)، أو الحقيقة المحمّدية متّصلة بمبتدئها غير منفصلة عنه، لا فرق بينك وبينها إلّا أنّهم عبادك وخلقك؛ بدؤها منك وعودها إليك))(2).

وقال الشيخ جواد الكربلائي في (الأنوار الساطعة) عند بيانه لقرب الأئمّة عليهم السلام المعنوي من الله:

((قالوا: مثال القرب ﴿وللَّه المثل الأعلى(3) المرآة في استضاءتها من الشمس، فإنّها أقرب إلى الشمس من الأرض معنى وقابلية، فإنّ الشمس

____________

1- القمر (٥٤): ٥٠.

2- الفردوس الأعلى: ٢٠٥ وحدة الوجود أو وحدة الموجود.

3- النحل (١٦): ٦٠.


الصفحة 242
تشرق عليها وعلى الأرض بنسق واحد ونسبة واحدة، إلّا أنّ المرآة لشدّة قابليتها لأجل صفائها الذاتي المفارق بها عن الأرض يكون استشراقها من الشمس واتّصافها من نور الشمس أشدّ من غيره من الأرض، أو من ساير ما طلعت عليه الشمس كالأجسام الرقيقة.

فلهذه القابلية الشديدة إذا نظرت إليها حينئذ تراها كالشمس لا فرق بين المرآة وبين الشمس في الإضاءة، إلّا أنّ إضاءة المرآة من الشمس، والمرآة كالأرض في أن الشمس لم تشرق عليها أكثر من إشراقها على الأرض، ولكن لشدّة قربها المعنوي للشمس، وإن كانت على الأرض وإلى هذا القرب يشير ما في دعاء الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريفالوارد في شهر رجب من قوله عليه السلام: (ومقاماتك التي لا تعطيل لها في كلّ مكان يعرفك لا فرق بينك وبينها إلّا أنّهم عبادك وخلقك).

فقوله عليه السلام: (لا فرق بينك وبينها)، نظير قولك: إنّ المرآة لا فرق بينها وبين نور الشمس إلّا أنّها مستضاءة من الشمس، أي لا وجود لها بنفسها مستقلاً من حيث الاستشراق، بل هي فقر مثل ما ذكر في الدعاء من قوله: (إلّا أنّهم عبادك)))(1).

وأمّا ما قيل من غير علمائنا، فإنّا نورد بعض ما قاله القيصري في (شرح فصوص الحكم) لتقريب المطلب إلى الفهم، قال: ((ومرتبة الإنسان الكامل عبارة عن جمع جميع المراتب الإلهية والكونية من العقول والنفوس الكلّية والجزئية ومراتب الطبيعة، إلى آخر تنزّلات الوجود، ويسمّى بالمرتبة العمائية أيضاً، فهي مضاهية للمرتبة الإلهية ولا فرق بينهما إلّا بالربوبية والمربوبية، لذلك صار خليفة الله))(2).

____________

1- الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة ٢٦٨: ٣، قوله عليه السلام: المقربون.

2- شرح فصوص الحكم: ٢٤، الفصل الأول، إشارة إلى بعض المراتب الكليّة واصطلاحات الطائفة فيها.


الصفحة 243

(إرادتهم عليهم السلام في طول إرادة الله عزّ وجلّ)

« محمّد المقداد ــ أمريكا ــ إمامي »

السؤال:

أودّ أن أستفسر حول معنى وأصل وصحّة قول: ((إنّ لله رجالاً إذا أرادوا أراد))، هل قال به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، أو أحد الأئمّة عليهم السلام؟

وهل يجوز ويصحّ عقائدياً هذا القول؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لم ترد هذه العبارة في الأخبار بهذا اللفظ، بل وردت هكذا: ((إنّ لله عباداً متى أرادوا أراد))، وهي من مقولات صوفية العامّة.

نعم، ورد قريب من معناها بخصوص أهل البيت عليهم السلام:

روى الصفّار في (البصائر): عن أبي الحسن الثالث عليه السلام أنّه قال: (إنّ الله جعل قلوب الأئمّة مورداً لإرادته، فإذا شاء الله شيئاً شاؤه، وهو قول الله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ(1)))(2).

وروى الحسن بن سليمان الحلّي في (المحتضر): عن الإمام الصادق عليه السلام: |(إنّ الإمام وكر لإرادة الله عزّ وجلّ، لا يشاء إلّا ما يشاء الله)(3).

____________

1- الإنسان (٧٦): ٣٠.

2- بصائر الدرجات: ٥٣٧ الحديث (٤٧) الجزء التاسع، الباب (١٨).

3- المحتضر لابن سليمان الحلّي: ٢٢٧ الحديث (٢٩٦) إن الإمام وكر لإرادة الله، بحار الأنوار، للمجلسي ٢٥: ٣٨٥، أبواب غرائب أفعالهم وأحوالهم عليهم السلام.


الصفحة 244
وروى المجلسي عن أبيه من كتاب عتيق كتبه بعض محدّثي الشيعة بالسند عن الإمام زين العابدين عليه السلام، قال: (...وأمّا المعاني: فنحن معانيه، ومظاهره فيكم، اخترعنا من نور ذاته، وفوّض إلينا أُمور عباده، فنحن نفعل بإذنه ما نشاء، ونحن لا نشاء إلّا ما شاء الله، وإذا أردنا أراد الله...)(1)، الخبر.

وفي (دلائل الإمامة)، عن الحجّة بن الحسن عليه السلام في كلامه لكامل بن إبراهيم: (وجئت تسأله عن مقالة المفوضة، كذبوا عليهم لعنة الله، بل قلوبنا أوعية لمشيئة الله، فإذا شاء الله شئنا، والله عزّ وجلّ يقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ... الخ)(2).

وسبب عدم تنافي الإرادتين: إنّ إرادتهم في طول إرادة الله تعالى، فلا يشاؤون إلّا ما شاء الله.

(تنزّل الملائكة والروح عليهم في ليلة القدر)

« أمجد حسين ــ النرويج ــ إمامي »

السؤال:

ورد هذا الإشكال حول تنزّل الروح في ليلة القدر على مَن.

هل ما ذكره العلماء في تفسير من تنزل عليه الروح صحيح:

الطباطبائي: ((المعنى تتنزل الملائكة والروح في الليلة بإذن ربّهم لأجل تدبير كلّ أمر من الأُمور الكونية)).(تفسير الميزان ٢٠/٣٣٢ سورة القدر).

____________

1- بحار الأنوار ٢٦: ١٤ الحديث (٢)، باب نادر في معرفتهم صلوات الله عليهم بالنورانية، وانظر: الهداية الكبرى، للخصيبي: ٢٣٠ الباب السادس الإمام علي السجاد عليه السلام.

2- دلائل الإمامة، للطبري: ٥٠٦ الحديث (٤٩١).


الصفحة 245
الطوسي: ((وقوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا(1)، معناه: تنزل الملائكة والروح الذي هو جبرائيل بكلّ أمر في ليلة القدر إلى سمّاء الدنيا، حتّى يعلمه أهل سماء الدنيا، فيكون لطفاً لهم، وحتّى يتصوّره العباد ينزل بأمر الله إليها، فتنصرف آمالهم إلى ما يكون منها فيقوى رجاؤهم بما يتجدّد من تفضّل الله فيها)).(التبيان ١٠/٣٨٦ سورة القدر).

الطبرسي: ((ثمّ أخبر سبحانه بما يكون في تلك الليلة، فقال: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ، أي: تتنزل الملائكة، ﴿وَالرُّوحُ، يعني: جبرائيل، ﴿فِيهَا، أي: في ليلة القدر إلى الأرض ليسمعوا الثناء على الله وقراءة القرآن وغيرها من الأذكار)).(مجمع البيان ١٠/٤٠٩ سورة القدر).

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا يوجد في ما نقلته من عبارات المفسّرين (الطباطبائي، الطوسي، الطبرسي) ذكر لمن تتنزّل عليه الملائكة في ليلة القدر، وإنّما ذكروا معنى ما تتنزّل به الملائكة في هذه العبارات، أو سبب تنزّلهم.

فمن هنا لا إشكال في عباراتهم من الجهة التي سألت عنها! ولا إشكال أيضاً من جهة اختلافهم في معنى ما تتنزّل به الملائكة وسبب تنزّلهم في هذه الليلة؛ لأنّهم أوّلاً: ينقلون أقوالاً متعدّدة؛ فراجع. وثانياً: إنّ من الطبيعي وقوع الاختلاف بين المفسّرين في معاني القرآن الكريم كلّ حسب فهمه وترجيحه للظاهر واستفادته ممّا ورد في الروايات، ولا يلزم من ذلك صحّة أقوال الجميع.

____________

1- القدر (٩٧): ٤.


الصفحة 246
وأمّا على من تتنزّل الملائكة، فنقول:

إنّ الملائكة والروح تتنزّل بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على خليفته المنصوب من قبل الله عزّ وجلّ, ففي عصر الأئمّة عليهم السلام كانت تتنزّ ل على إمام بعد إمام حتّى وفاة الإمام العسكري عليه السلام, وهي تتنزل منذ ما ينيف على الألف ومائة وثمانين سنة على صاحب العصر والزمان الإمام الحجّة بن الحسن عجل الله تعالى فرجه الشريف.

وما تتنزل به الملائكة هي التقديرات الإلهية لكلّ سنة, فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: (إذا كانت ليلة القدر نزلت الملائكة والروح والكتبة إلى سماء الدنيا فيكتبون وما يكون من قضاء الله تبارك وتعالى في تلك السنة...)(1)، الحديث.

أمّا الروح فقد ورد عنه عليه السلام: (الروح هو أعظم من جبرئيل، إنّ جبرئيل من الملائكة، وإنّ الروح هو خلق أعظم من الملائكة...)(2) الحديث.

تعليق:

« علي العراقي ــ العراق ــ إمامي »

شكراً لكم، ولكن تعودّنا دائماً أن نذكر المصدر لأحاديث أهل البيت الطاهرين.

هل تزودنا بالمصدر لِما أوردتموه من روايات ــ بمعنى: عن فلان عن فلان ــ؟

شكراً لكم.

____________

1- تفسير القمّي ١: ٣٦٦ سورة الرعد، آية (يمحو الله ما يشاء...).

2- المحاسن، للبرقي ٢: ٣١٥، كتاب العلل، للصدوق الحديث (٣٢)، الكافي، للكليني ١: ٣٨٥ كتاب الحجّة، باب مواليد الأئمّة.


الصفحة 247
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نذكر لك سند ومتن الروايتين التي ذكرناها في الجواب السابق، وأُخرى تؤدّي معناهما:

فقد ورد في تفسير القمّي: ((وقال علي بن إبراهيم في قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ _ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ(1)، فإنّه حدّثني أبي، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إذا كانت ليلة القدر نزلت الملائكة والروح والكتبة إلى سماء الدنيا فيكتبون وما يكون من قضاء الله تبارك وتعالى في تلك السنة، فإذا أراد الله أن يقدّم أو يؤخّر أو ينقص شيئاً أو يزيده أمر الله أن يمحو ما يشاء ثمّ أثبت الذي أراد).

قلت: وكلّ شيء عنده بمقدار مثبت في كتابه؟

قال: نعم.

قلت: فأي شيء يكون بعده؟

قال: (سبحان الله، ثمّ يحدث الله أيضاً ما يشاء تبارك الله وتعالى)))(2).

وفي (الكافي) للشيخ الكليني، قال: ((أحمد بن محمّد, عن الحسين بن سعيد, عن فضالة بن أيوب, عن العلاء بن رزين, عن محمّد بن مسلم, عن أحدهما عليهما السلام، قال: سألته عن علامة ليلة القدر؟ فقال: (علامتها أن تطيب ريحها، وإن كانت في برد دفئت، وإن كانت في حرّ بردت، فطابت).

____________

1- الرعد (١٣): ٣٨، ٣٩.

2- تفسير القمّي ١: ٣٦٦ سورة الرعد.


الصفحة 248
قال: وسئل عن ليلة القدر؟ فقال: (تنزل فيها الملائكة والكتبة إلى السماء الدنيا فيكتبون ما يكون في أمر السنة وما يصيب العباد، وأمره عنده موقوف له وفيه المشيئة، فيقدّم منه ما يشاء ويؤخّر منه ما يشاء، ويمحو ويثبت وعنده أُمّ الكتاب)))(1).

وفيه أيضاً، قال: ((علي بن محمّد, عن عبد الله بن إسحاق العلوي, عن محمّد ابن زيد الرزامي، عن محمّد بن سليمان الديلمي, عن علي بن أبي حمزة, عن أبي بصير، قال: حججنا مع أبي عبد الله عليه السلام في السنة التي ولد فيها ابنه موسى عليه السلام, فلمّا نزلنا الأبواء وضع لنا الغداء، وكان إذا وضع الطعام لأصحابه أكثر وأطاب, قال: فبينا نحن نأكل إذا أتاه رسول حميدة، فقال له: إنّ حميدة تقول: قد أنكرت نفسي وقد وجدت ما كنت أجد إذا حضرت ولادتي وقد أمرتني أن لا أستبقك بابنك هذا, فقام أبو عبد الله عليه السلام فانطلق مع الرسول, فلمّا انصرف، قال له أصحابه: سرّك الله وجعلنا فداك، فما أنت صنعت من حميدة؟

قال: (سلّمها الله، وقد وهب لي غلاماً، وهو خير من برأ الله في خلقه، ولقد أخبرتني حميدة عنه بأمر ظنت أنّي لا أعرف، ولقد كنت أعلم به منها).

فقلت: جعلت فداك وما الذي أخبرتك به حميدة عنه؟

قال: (ذكرت أنّه سقط من بطنها حين سقط واضعاً يديه على الأرض, رافعاً رأسه إلى السماء, فأخبرتها أنّ ذلك أمارة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمارة الوصي من بعده).

فقلت: جعلت فداك وما هذا من أمارة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمارة الوصي من بعده؟

____________

1- الكافي ٤: ١٥٧ كتاب الصيام، باب ليلة القدر الحديث (٣).


الصفحة 249
فقال لي: (إنّه لمّا كانت الليلة التي علق فيها بجدّي، أتى آت جدّ أبي بكأس فيه شربة أرق من الماء وألين من الزبد وأحلى من الشهد وأبرد من الثلج وأبيض من اللبن, فسقاه إيّاه وأمره بالجماع, فقام فجامع فعلق بجدّي، ولمّا أن كانت الليلة التي علق فيها بأبي، أتى آت جدّي فسقاه كما سقى جدّ أبي، وأمره بمثل الذي أمره، فقام فجامع فعلق بأبي, ولمّا أن كانت الليلة التي علق فيها بي، أتى آت أبي فسقاه بما سقاهم وأمره بالذي أمرهم به، فقام فجامع فعلق بي, ولمّا أن كانت الليلة التي علق فيها بابني، أتاني آت كما أتاهم ففعل بي كما فعل بهم، فقمت بعلم الله وإنّي مسرور بما يهب الله لي, فجامعت فعلق بابني هذا المولود، فدونكم فهو والله صاحبكم من بعدي, إنّ نطفة الإمام ممّا أخبرتك، وإذا سكنت النطفة في الرحم أربعة أشهر وأنشئ فيها الروح بعث الله تبارك وتعالى ملكاً يقال له: حيوان، فكتب على عضده الأيمن: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(1)، وإذا وقع من بطن أُمّه، وقع واضعاً يديه على الأرض رافعاً رأسه إلى السماء، فأمّا وضعه يديه على الأرض فإنّه يقبض كلّ علم لله أنزله من السماء إلى الأرض، وأمّا رفعه رأسه إلى السماء فإنّ منادياً ينادي به من بطنان العرش من قبل ربّ العزّة من الأفق الأعلى باسمه واسم أبيه، يقول: يا فلان بن فلان! أثبُت تُثبَت, فلعظيم ما خلقتك أنت صفوتي من خلقي، وموضع سرّي، وعيبة علمي، وأميني على وحيي، وخليفتي في أرضي, لك ولمن تولّاك أوجبت رحمتي، ومنحت جناني، وأحللت جواري, ثمّ وعزّتي وجلالي لأصلين من عاداك أشدّ عذابي وإن وسعت عليه في دنياي من سعة رزقي، فإذا انقضى الصوت ــ صوت المنادي ــ أجابه هو واضعاً يديه رافعاً رأسه إلى السماء

____________

1- الأنعام (٦): ١١٥.


الصفحة 250
يقول: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(1)، قال: فإذا قال ذلك أعطاه الله العلم الأوّل والعلم الآخر، واستحقّ زيارة الروح في ليلة القدر).

قلت: جعلت فداك الروح ليس هو جبرئيل؟

قال: (الروح هو أعظم من جبرئيل, إنّ جبرئيل من الملائكة، وإنّ الروح هو خلق أعظم من الملائكة, أليس يقول الله تبارك وتعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ(2)))))(3). محمّد بن يحيى وأحمد بن محمّد, عن محمّد بن الحسين, عن أحمد بن الحسن, عن المختار بن زياد, عن محمّد بن سليمان, عن أبيه, عن أبي بصير مثله.

(شرح عبارة: (إرادة الربّ في مقادير أُموره تهبط إليكم) الواردة في زيارة الحسين عليه السلام)

« أحمد ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

هل لنا بشرح وافٍ لهذه العبارة: (إرادة الربّ في مقادير أُموره تهبط إليكم وتصدر من بيوتكم)؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

____________

1- آل عمران (٣): ١٨.

2- القدر (٩٧): ٤.

3- الكافي ١: ٣٨٥ كتاب الحجّة، باب مواليد الأئمّة.


الصفحة 251
من أجل تقريب الجواب إلى ذهن السائل نذكر بعض ما ورد عن أئمّتنا عليهم السلام بهذا الشأن:

روى الكليني في (الكافي) عن: ((الحسين بن محمّد، عن معلى بن محمّد قال: سئل العالم عليه السلام: كيف علم الله؟

قال: علم وشاء وأراد وقدر وقضى وأمضى، فأمضى ما قضى، وقضى ما قدّر، وقدّر ما أراد، فبعلمه كانت المشيئة، وبمشيئته كانت الإرادة، وبإرادته كان التقدير، وبتقديره كان القضاء، وبقضائه كان الإمضاء، والعلم متقدّم على المشيئة، والمشيئة ثانية، والإرادة ثالثة، والتقدير واقع على القضاء بالإمضاء.

فلله تبارك وتعالى البداء فيما علم متى شاء، وفيما أراد لتقدير الأشياء، فإذا وقع القضاء بالإمضاء فلا بداء، فالعلم في المعلوم قبل كونه، والمشيئة في المنشأ قبل عينه، والإرادة في المراد قبل قيامه، والتقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها وتوصيلها عياناً ووقتاً، والقضاء بالإمضاء هو المبرم من المفعولات، ذوات الأجسام المدركات بالحواس من ذوي لون وريح ووزن وكيل، وما دب ودرج من إنس وجنّ وطير وسباع، وغير ذلك ممّا يدرك بالحواس.

فلله تبارك وتعالى فيه البداء ممّا لا عين له، فإذا وقع العين المفهوم المدرك فلا بداء، والله يفعل ما يشاء، فبالعلم علم الأشياء قبل كونها، وبالمشيئة عرف صفاتها وحدودها وأنشأها قبل إظهارها، وبالإرادة ميّز أنفسها في ألوانها وصفاتها، وبالتقدير قدّر أقواتها وعرف أوّلها وآخرها، وبالقضاء أبان للناس أماكنها ودلّهم عليها، وبالإمضاء شرح عللها وأبان أمرها وذلك تقدير العزيز العليم))(1).

____________

1- الكافي ١: ١٤٩ الحديث (١٦) كتاب التوحيد، باب البداء.


الصفحة 252
وقد بيّن أئمّتنا عليهم السلام أنّ المشيئة صفة فعلية، وبالتالي الإرادة التي تأتي بعدها فعلية أيضاً:

فقد روى الصدوق رحمه الله في (التوحيد) بسنده عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (المشيئة محدثة)(1).

وروى أيضاً أنّه عليه السلام قال: (خلق الله المشيئة بنفسها، ثمّ خلق الأشياء بالمشيئة)(2).

وروى أيضاً بسنده عن صفوان بن يحيى أنّه قال: قلت لأبي الحسن عليه السلام: أخبرني عن الإرادة من الله ومن المخلوق؟ قال: فقال: (الإرادة من المخلوق الضمير وما يبدو له بعد ذلك من الفعل، وأمّا من الله عزّ وجلّ فإرادته إحداثه لا غير ذلك لأنه لا يروي، ولا يهمّ، ولا يتفكّر، وهذه الصفات منفية عنه، وهي من صفات الخلق، فإرادة الله هي الفعل لا غير ذلك، يقول له: كن فيكون، بلا لفظ ولا نطق بلسان ولا همّة ولا تفكّر، ولا كيف لذلك، كما أنّه بلا كيف)(3).

فتبيّن ممّا مضى: أنّ العلم غير المشيئة، وهي غير الإرادة، وأنّ الإرادة تسبق التقدير، وهو قبل القضاء والإمضاء، فالعلم صفة ذاتية، وما بعده من صفات الفعل؛ وتبيّن أنّ إرادته إحداثه الفعل، إذ يقول للشيء كن فيكون.

هذا وقد ورد في الروايات معنى التقدير:

فقد روى الكليني رحمه الله في (الكافي): ((عن علي بن إبراهيم الهاشمي، قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام يقول: (لا يكون شيء إلّا ما شاء الله وأراد

____________

1- التوحيد: ١٤٧الحديث (١٨)، باب صفات الذات وصفات الأفعال.

2- التوحيد: ١٤٨الحديث (١٩)، باب صفات الذات وصفات الأفعال.

3- التوحيد: ١٤٧الحديث (١٧)، باب صفات الذات وصفات الأفعال.


الصفحة 253
وقدّر وقضى)، قلت: ما معنى شاء؟ قال: (ابتداء الفعل)، قلت: ما معنى قدر؟ قال: (تقدير الشيء من طوله وعرضه)، قلت: ما معنى قضى؟ قال: (إذا قضى أمضاه، فذلك الذي لا مرد له)))(1).

وروى أيضاً: ((عن يونس بن عبد الرحمن، قال: قال لي أبو الحسن الرضا عليه السلام: يا يونس! لا تقل بقول القدرية، فإنّ القدرية لم يقولوا بقول أهل الجنّة، ولا بقول أهل النار، ولا بقول إبليس، فإنّ أهل الجنّة قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ(2)، وقال أهل النار: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ(3)، وقال إبليس: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي(4). فقلت: والله، ما أقول بقولهم، ولكنّي أقول: لا يكون إلّا بما شاء الله وأراد وقدّر وقضى، فقال: (يا يونس! ليس هكذا، لا يكون إلّا ما شاء الله وأراد وقدّر وقضى). يا يونس! تعلم ما المشيئة؟ قلت: لا، قال: (هي الذكر الأوّل، فتعلم ما الإرادة)؟ قلت: لا، قال: (هي العزيمة على ما يشاء، فتعلم ما القدر)؟ قلت: لا، قال: (هي الهندسة ووضع الحدود من البقاء والفناء)، قال: ثمّ قال: (والقضاء هو الإبرام وإقامة العين)، قال: فاستأذنته أن أُقبّل رأسه، وقلت: فتحت لي شيئاً كنت عنه في غفلة))(5).

وعليه فما علمه الله في الأزل، ثمّ شاءه بالمشيئة المحدثة وأراده من تقادير أُموره في الأشياء من خير وشرّ وطاعة ومعصية ومولود وأجل ورزق وسعادة

____________

1- الكافي ١: ١٥٠ الحديث (١) كتاب التوحيد، باب المشيئة والإرادة.

2- الأعراف (٧): ٤٣.

3- المؤمنون (٢٣): ١٠٦.

4- الحجر (١٥): ٣٩.

5- الكافي ١: ١٥٧ الحديث (٤) كتاب التوحيد، باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين.


الصفحة 254
وشقاء، وغيرها من تقادير الحوادث الكائنة، ينزله على قلوبهم عليها السلامفي ليلة القدر لكلّ سنة بتوسط الملائكة والكتبة، حسب ما وردت به الروايات:

فقد روى الكليني رحمه الله في (الكافي): ((عن عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام، قال: سألته عن علامة ليلة القدر؟ فقال: علامتها أن تطيب ريحها، وإن كانت في برد دفئت، وإن كانت في حرّ بردت، فطابت. قال: وسئل عن ليلة القدر؟ فقال: تنزل فيها الملائكة والكتبة إلى السماء الدنيا فيكتبون ما يكون في أمر السنة، وما يصيب العباد، وأمره عنده موقوف له وفيه المشيئة، فيقدّم منه ما يشاء ويؤخّر منه ما يشاء، ويمحو ويثبت وعنده أم الكتاب))(1).

وروى عن حمران أنّه سأل أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ(2)؟ قال: نعم، ليلة القدر، وهي في كلّ سنة في شهر رمضان في العشر الأواخر، فلم ينزل القرآن إلّا في ليلة القدر، قال الله عزّ وجلّ: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كلّ أَمْرٍ حَكِيمٍ(3). قال: يقدر في ليلة القدر كلّ شيء يكون في تلك السنة إلى مثلها من قابل خير وشرّ وطاعة ومعصية ومولود وأجل أو رزق، فما قدّر في تلك السنة وقضى فهو المحتوم ولله عزّ وجلّ فيه المشيئة))(4).

ومنهم عليهم السلام تصدر أعيان تلك الأشياء، فهم الواسطة بين مشيئة الله وإرادته وبين الممكنات، ولذا ورد عن الإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف أنّه قال: (قلوبنا أوعية لمشيئة الله، فإذا شاء شئنا، والله يقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ(5)))(6).

____________

1- الكافي ٤: ١٥٧ الحديث (٣) كتاب التوحيد، باب في ليلة القدر.

2- الدخان (٤٤): ٣.

3- الدخان (٤٤): ٤.

4- الكافي ٤: ١٥٧ الحديث (٦) كتاب التوحيد، باب في ليلة القدر.

5- الإنسان (٧٦): ٣٠، التكوير (٨١): ٢٩.

6- الغيبة، للطوسي: ٢٤٦ الحديث (٢١٦)، دلائل الإمامة، للطبري: ٥٠٥ الحديث (٤٩١).


الصفحة 255
قال العلاّمة الطباطبائي: ((فالمشيئة والإرادة هما [الـ]معنى الذي لا بدّ في الفعل الاختياري من تحقّقه في نفس الفاعل منّا بعد العلم وقبل الفعل، وهذا المعنى من حيث ارتباطه بالفاعل يسمّى مشيئة به، ومن حيث ارتباطه بالفعل يسمّى إرادة))(1).

ولذا ورد أيضاً عن الإمام الحسن الثالث عليه السلام أنّه قال: (إنّ الله جعل قلوب الأئمّة مورداً لإرادته، فإذا شاء الله شيئاً شاؤوه، وهو قول الله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)(2).

وعن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال للمفضّل: (إنّ الإمام وكر لإرادة الله عزّ وجلّ لا يشاء إلّا ما شاء الله)(3)، فهم أبواب الله وواسطة فيضه كما ثبت في محلّه.

ومنه يتبيّن لطف وصف الإمام عليه السلام لقلوبهم بأنّها (مورداً لإرادته)، بل جاء في زيارة لأمير المؤمنين عليه السلام رواها محمّد المشهدي التعبير في وصف أمير المؤمنين عليه السلام بـ(ومجلي إرادة الله، وموضع مشية الله)(4). والمجلي بمعنى المظهر، وهو واضح.

وقريب من معناه ما جاء على لسان أمير المؤمنين عليه السلام في إحدى خطبه يوم الغدير من وصف من اختصّهم الله لنفسه من عباده، قال: (وأشهدهم خلقه، وولاهم ما شاء من أمره، وجعلهم تراجمة مشيئته وألسن إرادته، عبيداً لا يسبقونه

____________

1- انظر: الكافي، للكليني ١: ١٥٠ الهامش رقم (١)، باب المشيئة والإرادة.

2- بصائر الدرجات، للصفّار: ٥٣٧ الحديث (٤٧) الجزء العاشر، الباب (١٨).

3- المحتضر، لابن سليمان الحلّي: ٢٢٧ الحديث (٢٩٦).

4- المزار: ٣٠٤ زيارة أُخرى لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام.


الصفحة 256
بالقول وهم بأمره يعملون)(1). فعبّر بـ(ألسن إرادته)، ودور اللسان واضح في إظهار المعاني.

وهذا المقام الذي رتبهم الله فيه ثابت لهم من جهة الولاية التكوينية والولاية التشريعية؛ فانظر إلى قول الإمام الحسين عليه السلام في قنوته الذي رواه السيّد ابن طاووس في مهجه، قال عليه السلام: (اللّهمّ منك البدء، ولك المشية، ولك الحول، ولك القوّة، وأنت الله الذي لا إله إلّا أنت، جعلت قلوب أوليائك مسكناً لمشيتك، ومكمناً لإرادتك، وجعلت عقولهم مناصب أوامرك ونواهيك، فأنت إذا شئت ما تشاء حرّكت من أسرارهم كوامن ما أبطنت فيهم، وأبدأت من إرادتك على ألسنتهم ما أفهمتهم به عنك في عقودهم بعقول تدعوك، وتدعو إليك بحقائق ما منحتهم به، وإنّي لأعلم ممّا علّمتني ممّا أنت المشكور على ما منه أريتني وإليه آويتني...)(2).

فإذا كانت قلوبهم أوعية لمشيئة الله، ومورداً لإرادته، وكانوا مجليّ إرادته ولسانها، وتتنزل عليهم الملائكة بمقادير الأُمور، وكان لله البداء قبل وقوع القضاء بالإمضاء، كان فيما ينزل إليهم من التقادير شامل لما هو ثابت وممحو، إذ يمكن أن يقع البداء بما نزل على قلوبهم من التقدير قبل قضاءه، فيمحوه الله ويثبت غيره، وضح عند ذلك ما ورد في زيارة الإمام الحسين عليه السلام التي علّمها الإمام الصادق عليه السلام ليونس بن ظبيان: (وبكم يمحو الله ما يشاء وبكم يثبت)(3)، وما قاله أمير المؤمنين عليه السلام في تعليمه لأصحابه: (وبنا يمحو الله ما يشاء وبنا يثبت)(4)؛ والله أعلم.

____________

1- مصباح الزائر: ١٥٥ الفصل السابع.

2- مهج الدعوات: ٤٨ ذكر قنوتات الأئمّة الطاهرين عليهم السلام.

3- كامل الزيارات، لابن قولويه: ٣٦٥ (٦١٨)، من لا يحضره الفقيه، للصدوق ٢: ٥٩٦ الحديث (٣١٩٩).

4- الخصال، للصدوق: ٦٢٦ الحديث (١٠) حديث الأربعمائة.


الصفحة 257

(مقاماتهم عليهم السلام)

« أحمد جعفر ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

أيّها الأساتذة الكرام عندي بعض التساؤلات عن بعض الأحاديث راجياً الإجابة عليها:

١ــ قال الإمام الصادق عليه السلام: (إنّ الدنيا والآخرة للإمام يضعها حيث يشاء ويدفعها إلى من يشاء جائز له من الله).

٢ــ قال عليّ عليه السلام: (أنا الأوّل، وأنا الآخر، وأنا الظاهر، وأنا الباطن، وأنا وارث الأرض).

٣ــ قال الإمام الصادق عليه السلام: (إنّ ربّ الأرض هو الإمام، فحين يخرج الإمام يكفي نوره ولا يفتقر الناس إلى الشمس والقمر).

٤ــ قال الإمام الباقر عليه السلام: (نحن وجه الله، ونحن عين الله في خلقه، ويده المبسوطة بالرحمة على عباده).

٥ــ ما معنى: (عليّ خير البشر فمن أبى فقد كفر)، هل صحيح من أبى ذلك فقد كفر؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

بالنسبة للحديث الأوّل(1):

____________

1- الكافي، للكليني ١: ٤٠٩ كتاب الحجّة، باب إنّ الأرض كلّها للإمام عليه السلام، الحديث (٤).


الصفحة 258
اعلم، أنّ النبيّ والإمام المعصوم عليهما السلام هما حجّة الله في الأرض, بل الحجّة الإلهيّة على كلّ الكائنات والموجودات السماوية والأرضية لأنّهما الإنسان الكامل, والإنسان الكامل هو القرآن الناطق، وهو محور وقطب عالم الإمكان، فلولا الحجّة لساخت الأرض بأهلها, بل كلّ الأفلاك من الكواكب والمجرّات.

فالحجّة المعصوم ــ الإمام الأعمّ من النبيّ والوصي ــ هو المحور والأساس، ورضاه من رضا الله، فإنّه من العباد المكرّمين الذين لا يسبقون الله في قول ولا في إرادته، فما يفعله إنّما هو بإذن من الله سبحانه، وبهذا فله الولاية التشريعية كما له الولاية التكوينيّة، وله الآخرة كما له الدنيا باعتبار حقّ الشفاعة وغيرها، فيضعهما حيث يشاء ويدفعهما إلى من يشاء، إلّا أنّه لا يفعل ذلك إلّا بإرادة الله وإذنه، فهو (جائز له من الله)، أي: أجاز الله وأذن له ذلك؛ لأنّه معصوم، ولا يسبق إرادة الله ومشيّته، فلا يريد إلّا ما أراد الله، ولا يشاء إلّا ما شاء الله، ولا يعطي ولا يمنع إلّا بإجازة الله، وهذا لا مانع فيه، فيتمّ الأمر حينئذ لوجود المقتضي وهو كونه حجّة الله، وعدم المانع وهو كونه بإذن الله جلّ جلاله.

وأمّا الحديث الثاني(1):

قوله عليه السلام: (أنا الأوّل، أنا الآخر...)، له معانٍ عدّة ــ كما يذكرها علماء الحديث ــ منها: إنّه عليه السلام أوّل من آمن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عالم الأنوار والأرواح والذرّ، وكذلك في الدنيا فهو أوّل من أسلم به، كما إنّه هو الآخر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإنّه آخر من كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد فاضت روحه الشريفة في حِجر أمير المؤمنين عليه السلام، فهو الأوّل وهو الآخر مع النبيّ الأعظم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم.

____________

1- مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب ٢: ٢٠٥.


الصفحة 259
وأمّا قوله عليه السلام: (أنا الظاهر، أنا الباطن)، فيحمل معاني دقيقة وعرفانية، لا يلقّاها إلّا ذو حظّ عظيم، إلّا أنّه من المعاني المألوفة كما ورد في الروايات عنه عليه السلام: أنّه الظاهر مع النبيّ الخاتم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم في نصرته وتأييده، والباطن مع الأنبياء من آدم إلى الخاتم في نصرتهم بولايته العظمى التي أعطاها الله سبحانه إيّاه؛ فهو مع الأنبياء في الباطن فهو الباطن، ومع النبيّ في الظاهر فهو الظاهر.

وأمّا الوراثة فهي على نحوين:

وراثة مُلكيّة: كأن يورّث الأب ولده قطعة من الأرض أو أي شيء آخر يتملّكه الإنسان.

ووراثة ملكوتية معنوية: كوراثة الإمام المعصوم للأرض، فإنّ زمام أُمورها في الواقع والباطن وفي ملكوتها وحكومتها إنّما هي بيد الإمام المعصوم عليه السلام ــ أعمّ من النبيّ أو الوصي عليهما السلام ــ، وأمير المؤمنين عليّ عليه السلام هو سيّد الأوصياء، فهو وارث الأرض والحاكم عليها في ملكوتها بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك الأئمّة عليهم السلام من بعده يرثون الأرض, كلّ هذا بإذن الله، فإنّ الله جعل لهم الأرض وأورثهم مقاليدها وحكومة ملكوتها وباطنها.

ولك أن تراجع ما بينّاه حول هذه الكلمات ضمن عنوان (الغلو/ خطبتا البيان والتطنجية هل فيهما غلوّ، وشرح بعض العبارات)، وكذا ضمن عنوان (الإمام عليّ عليه السلام/ مراده عليه السلام من خطبتي البيان والتطنجية وصحّتهما، والوجوه الممكنة لفهم خطبة البيان بالرغم من ضعف سندها).

وأمّا الحديث الثالث(1):

____________

1- انظر: تفسير القمّي ٢: ٢٥٣ سورة الزمر ذيل الآية (٦٩).


الصفحة 260
فلقد ورد في اللّغة والتفسير أنّ الربّ له معانٍ خمسة، منها: الشيخ، ومنها: المالك، ومنها: المدبّر، ومنها: المربّي، وغيرها(1).

والمالكيّة والمدبّرية، تارة تكون بالأصالة وبالذات، وأُخرى بالعرض وبالإمكان، فالمالك والمدبّر الذاتي الأصيل هو الله سبحانه فهو ربّ العالمين، ومن ثمّ تتجلّى هذه الربوبية ــ أي المالكيّة والمدبّرية ــ في غيره بإذنه وجعله سبحانه، فالزوج يكون ربّ البيت، والزوجة ربّة البيت، و(أنا ربّ الإبل وللبيت ربّ يحميه)(2)، كما قالها عبد المطّلب في جواب لأبرهة في قصّة الفيل.

فسبحانه ربّ الأرض والسماء، إلّا أنّه جعل الربوبية بمعنى المدبّرية والمالكية والمربيّة لنبيّه ووصيه وخليفته في الأرض، فآدم والأنبياء والأوصياء خلفاء الله في السّماء والأرض، أفاض عليهم من أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فكانوا مظاهراً لأسمائه وصفاته، ويتجلّى نور الله فيهم، فإنّ الله سبحانه نور السماوات والأرض كما في آية النور وسورتها، إلّا أنّ النور الإلهي يتجلّى في رسوله وأهل بيته ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ(3).

فالإمام نور كما أنّ النبيّ سراج منير، وكذلك القرآن أنزله الله نوراً، والعلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء، والنور بمعنى الظاهر بنفسه والمظهر لغيره, يفيد الكاشفية ورفع الجهل, وكلّ من كان من مصاديق النور فإنّه يعطينا هذا المفهوم, فهو ظاهر بنفسه ومظهر لغيره, فالإمام عليه السلام بهذا المعنى يكون نوراً يكشف الحقائق ويزيح الظلام والجهل, كما تفعل الشمس والقمر ذلك في المادّيات

____________

1- كتاب العين، للفراهيدي ٨: ٢٥٦، الصحاح، للجوهري ١: ١٣٠.

2- كشف الخفاء، للعجلوي ٢: ١٣٨ (٢٠٣٧)، تفسير أبي السعود ٩: ٢٠١.

3- النور (٢٤): ٣٥.


الصفحة 261
والأجسام, فربوبية الأرض وتربيتها وحكومتها باعتبار أهلها, إنّما هي بيد الإمام عليه السلام فهو ربّ الأرض, كما أنّ الله ربّ الأرض, إلّا أنّ ربوبية الله أصلية وذاتيّة, وربوبية الإمام فرعية وبالتبع والإمكان, والإمكان في حقيقته بالنسبة للوجود الذاتي ــ أي: واجب الوجود لذاته وهو الله سبحانه ــ يكون عدماً ولا شيء, فربوبيّة الإمام في طول ربوبية الله بإذن من الله وبجعل منه, فالإمام ربّ الأرض وإذا خرج فإنّ نوره وعلمه الذي هو من نور الله، يكفي الناس في كشف الحقائق ورفع ستار الظلام والجهل, وكأنّ الناس لا تحتاج إلى الشمس والقمر في ليلها ونهارها, فلعلّ هذا من المجاز والكناية لبيان شدّة وضوح علم الإمام ونوره وربوبيّته على الأرض.

وأمّا الحديث الرابع(1):

فنذكر لبيانه مقدّمات ثلاث:

الأُولى: من عقائدنا الحقّة: إنّ الله سبحانه وتعالى ليس بجسم ــ خلافاً للمجسّمة الكرامية في القديم، والوهابية من الحنابلة في الجديد ــ وإنّما لم يكن جسماً لأنّه لو كان للزم التركيب, ولازم التركيب الاحتياج، والاحتياج علامة الإمكان, والله سبحانه واجب الوجود لذاته بذاته في ذاته, وليس بممكن, فالقول بالجسميّة يلزمه نواهي فاسدة، منها احتياج الله وافتقاره وهو الغنيّ في الذات, كما يلزمه الإمكان وهو واجب الوجود لذاته, وهذا ما يقول به العقل السليم كما عليه الأدلّة النقلية من الآيات والروايات الشريفة.

____________

1- انظر: بصائر الدرجات، للصفّار: ٨١ الجزء الثاني، باب (٣)، الحديث (١)، الكافي، للكليني ١: ١٤٣ كتاب التوحيد، باب النوادر الحديث (٣).


الصفحة 262
الثانية: لا تعارض في الواقع بين الحجّة الباطنية وهو العقل والحجّة الظاهرية وهو النبيّ، فكلاهما من الواحد الأحد فلا يكون بينهما اختلاف, بل أحدهما يعاضد الآخر, فكلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع, ولمّا كان الشرع وهو الوحي أوسع دائرة فإنّه كلّما حكم به الشرع حكم به العقل إن أدركه, وإلّا فإنّه يسكت ولا يخالفه, فإنّ العقل لا يدرك فلسفة صلاة الصبح لماذا تكون ركعتين؟ فحينئذ لا يخالفه بل يسلّم أمره إلى الوحي ويذعن به باعتبار أنّه الصادق الأمين.

الثالثة: إذا شاهدنا تعارضاً بين العقل والسّمع (الذي هو النقل من آية قرآنية أو حديث شريف) في الظاهر ــ أي الاختلاف كان ظاهرياً وليس في الواقع ــ فحينئذ إمّا أن نقول بطرحهما، وهذا لا يصحّ كما هو واضح, أو نلتزم بحكم أحدهما، فيلزم ترجيح بلا مرجّح, كما لا يمكن الأخذ بهما بظاهرهما معاً لاختلافهما وتعارضهما, ولا يمكن الجمع بين المتناقضين, فلا يبقى لنا إلّا أن نأخذ بحكم العقل وهو الحجّة الباطنية, ونؤوّل النّقل ــ أي نقول بتأويل الظاهر ــ وبهذا أخذنا بالعقل والنقل, وبالحجّتين سويةً.

وحينئذ لمّا ثبت أنّ الله ليس بجسم مطلقاً، وأنّه الوجود المجرّد المحض، لا يحيطه الإنسان بعقله وتصوّره، فما ينسب إليه من الجوارح في القرآن الكريم أو الأحاديث الشريفة, كما في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ(1)، و﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ(2)، وغير ذلك, لا بدّ من تأويله, ولا يحمل على ظاهره بأنّ لله يداً كما كان للإنسان, فهذا من التجسيم الباطل والمستلزم للكفر, بل تفسّر يد الله

____________

1- الفتح (٤٨): ١٠.

2- البقرة (٢): ١١٥.


الصفحة 263
بقدرته, فقدرة الله فوق قدرتهم, ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى(1)، أي: استولى، لا أنّه يجلس على العرش، ويكون له أطيط كأطيط الرّحل.

وكذلك باقي الأوصاف التي تدلّ بظاهرها على التجسيم, فلا بدّ من تأويلها وأنّها من الاستعمال المجازي والكنائي.

وبعد هذا نقول: إنّ لأسماء الله وصفاته مظاهر قابلة لإظهار أحكامها تظهرها وتكشف عنها, فإنّ القدرة الإلهية واليد الإلهية لا بدّ لها من مظاهر في خلقه, وأتمّ مظهر للقدرة هو خليفة الله في الأرض ــ أي: النبيّ والوصي عليهما السلام ــ فيكون كلّ واحد منهما يد الله في الأرض المبسوطة بالرحمة على عباده, ولمّا كان الله يرى ويسمع، أي: يعلم بالمرئيّات والمسموعات ويشهد ذلك, فلا بدّ أن يظهر هذا العلم في مخلوقاته بمظهر يكشف عنه، وأتمّ المخلوقات الحامل لعلم الله هو الإنسان الكامل، أي: خليفته في الأرض، يعني النبيّ والوصي عليهما السلام، فيكون كلّ واحد منهما عين الله في خلقه وشاهداً عليهم، ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ(2)، ورؤية الله علمه, وأذن لنبيّه بل أمره أن يكون شاهداً على خلقه, لأنّه هو الحجّة, فإنّ الله يحتجّ به على خلقه, ولازم الحجيّة الشهود والحضورـ كما في البينة الظاهرية لا بدّ أن تكون الشهادة فيها محسوسة ــ أي من مشاهدة ــ، فالإمام حمّله الله الشهادة، وإنّه يشهد على الخلق، فلا بدّ أن يعلم بما يفعله الخلق وإن كان فعلهم في الباطن حتّى تتمّ الشهادة الحقّة, وهذا لا يكون إلّا أن يكون هو عين الله عليهم, وهو وجه الله الذي يتوجّه إليه الخلق، لأنّ معنى الوجه، هو: ما يتوجّه به إليه، وليس ذلك إلّا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام،

____________

1- طه (٢٠): ٥.

2- التوبة (٩): ١٠٥.


الصفحة 264
من حيث أنّه بالإقبال عليهم وطاعتهم يتوجّه إلى الله، فهم قبلة الخلق إلى الله، لأنّ الدين الحقّ لا يؤخذ إلّا منهم، ولذا ورد في الحديث الشريف عن أبي جعفر الباقر عليه السلام في تفسير قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ(1): (إنّ الله أعظم من أن يوصف بـ(الوجه)، ولكن معناه: كلّ شيء هالك إلّا دينه، والوجه: الدين يؤتى منه).

وفي أُخرى عن أبي عبد الله عليه السلام: (نحن وجه الله الذي لا يهلك)(2).

وفي تفصيل ذلك: انظر (شرح توحيد الصدوق، للقاضي القمّي ٢: ٥١٥ الباب الثالث عشر/ باب تفسير قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ).

أمّا الحديث الخامس(3):

فالكفر (لغةً) بمعنى السّتر، ﴿يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ(4)، أي: يسترها ويغفرها(5), ويأتي الكفر بمعنى الجحود أيضاً وبمعاني أُخرى.

والكفر (اصطلاحاً): بمعنى الإلحاد بالله، أو عدم الإيمان بخاتم الأنبياء(6)، وهذا يعني أنّه يستر على الحقّ فإنّ الله هو الحقّ الحقيق.

____________

1- القصص (٢٨): ٨٨.

2- التوحيد، للصدوق: ١٤٩ الحديث (١، ٤) تفسير قوله تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلّا وَجْهَهُ).

3- انظر: الأمالي، للصدوق: ١٣٦ المجلس (١٨) الحديث (١٣٤)، كنز العمّال، للمتّقي الهندي ١١: ٦٢٥ الحديث (٣٣٠٤٥)، الكامل، للجرجاني ٤: ١٠، تاريخ بغداد، للخطيب ٧: ٤٣٣ (٣٩٨٤) ترجمة ابن أخي طاهر العلوم، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٤٢: ٣٧٢، ٣٧٣، طبقات الشافعية الكبرى، للسبكي: ١٧٠.

4- التحريم (٦٦): ٨.

5- كتاب العين، للفراهيدي ٥: ٣٥٦، معجم مقاييس اللغة، لابن فارس ٥: ١٩١.

6- المصطلحات، إعداد مركز المعجم الفقهي: ٢١٣٠.


الصفحة 265
ثمّ من الحقّ الثابت نبوّة خاتم الأنبياء محمّد صلى الله عليه وآله وسلم فمن لم يؤمن به فقد كفر, وقد ثبت بقول الله ورسوله بالنصوص القرآنية والروائية أنّ أمير المؤمنين عليّاً عليه السلام هو خير البشر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإنّ الرّسول هو أشرف خلق الله, وعليّ عليه السلام بنصّ آية المباهلة هو نفس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فيكون أشرف خلق الله بعد رسوله، فهو خير البشر, ومن أبى عن هذا الحقّ فقد كفر, وستر ما هو الحقّ، فهو كافر بحقّ الإمام والإمامة والخلافة الحقّة, كما أنّ من لم يؤمن برسول الله فهو كافر بحقّ النبيّ والنبوّة, كما أنّ من لم يؤمن بالله فهو كافر بحقّ الله والتوحيد, فيكون بهذا المعنى من الكفر في العقيدة الصحيحة والتامّة، فإنّ الإمامة والإيمان بالولاية من العقيدة السليمة والتامّة بصريح القرآن الكريم وآية الإكمال ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ(1)، وشأن نزولها كما عند المفسّرين هو قضية الغدير الثابت متواتراً، فمن أبى فقد كفر بأصل من أصول الدين النازل على محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الإمامة الحقّة.

ويحتمل أن يكون (الكفر) في الحديث الشريف من الكفر العملي, فإنّ قول عليّ خير البشر من الولاية, وأعظم النعم هي نعمة الولاية التي لا تعد ولا تحصى، ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي(2)، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا(3)، والولاية لها شعب, منها: الحبّ المقارن مع الطاعة, فيلزمهما العمل الصالح, فمن أبى الولاية ومظاهرها وشعائرها ومقولاتها ومعانيها، ومنها: (عليّ خير البشر) فقد كفر وجحد بنعمة الله، فهو كافر في مقام العمل كما كان كافر في مقام العقيدة.

____________

1- المائدة (٥): ٣.

2- المائدة (٥): ٣.

3- النحل (١٦): ١٨.


الصفحة 266

(تفويضهم عليهم السلام من قبل الله تعالى)

« م/ فيصل ــ السعودية »

السؤال:

يذكر إمامكم محمّد بن يعقوب الكليني في كتابه (أصول الكافي): باب (أنّ الأرض كلّها للإمام): عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إنّ الدنيا والآخرة للإمام يضعها حيث يشاء ويدفعها إلى من يشاء جائز له من الله) ص٢٥٩ طبعة الهند ــ للتوثيق ــ.

فماذا يستنبط المسلم المنصف من هذه العبارة؟ مع أنّ الله تعالى يقول في محكم آياته: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ(1)، ويقول: ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى(2).

ويذكر نفس الإمام الشيعي الكليني تحت باب (أنّ الأئمّة يعلمون علم ما كان وما يكون، وأنّه لا يخفى عليهم شيء): عن أبي عبد الله عليه السلام، أنّه قال: (إنّي لأعلم ما في السموات وما في الأرض، وأعلم ما في الجنّة وما في النار، وأعلم ما كان وما يكون) ص١٦٠! مع أنّ الله عزّ وجلّ يقول: ﴿قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ(3)، ويقول: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ(4) سبحانه وتعالى.

أرجو أن لا يكون الردّ بحذف الموضوع وشكراً.

____________

1- المائدة (٥): ١٢٠، الشورى (٤٢): ٤٩.

2- النجم (٥٣): ٢٥.

3- النمل (٢٧): ٦٥.

4- الأنعام (٦): ٥٩.


الصفحة 267
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أمّا قولك: ((إنّ إمامكم محمّد بن يعقوب الكليني))، فغير واضح! إذ لم نعهد عندنا غير أئمّة أهل البيت عليهم السلام المعروفون لديك, وهم اثنا عشر إماماً، ولعلّك لم تطّلع على أصول الإمامية التي تعتقد باثني عشر إمام وخليفة. فاطّلاعك أكثر سوف يغنيك عن أي إشكال آخر، إن شاء الله.

واعلم أنّ ما ذكرت من رواية في (الكافي)(1) فهي ضعيفة السند بعلي بن أبي حمزة البطائني, فالشيعة متّفقة على عدم الأخذ برواياته، وتضعيفه عندهم مشهور، ولك أن تراجع كتبهم الرجالية في ذلك(2).

ولو أخذنا بالرواية فلا تعدو أن تكون الرواية مبيّنة لرتبة الإمام ومنزلته, فحيث أنّ الإمام خليفة الله في أرضه فله الولاية من قبل الله تعالى على أرضه, ولا ضير في ذلك فإنّ الخليفة لو ولّى شخصاً عنه في مدينة ما وفوّض له الولاية في ذلك فلا يعني أنّ الخليفة قد انقبضت يده عن سلطانه، فولاية الوالي غير مطلقة، بل في طول ولاية من ولّاه، وهو غير خارج عن طاعة الخليفة وسلطانه.

وهكذا الإمام فإنّ له الولاية بما هو إمام, وخليفة الله في أرضه، ولا يتنافى مع سلطان الله وملكه ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى، وولاية الإمام والخليفة

____________

1- الكافي، للكليني ١: ٤٠٩ كتاب الحجّة، باب إن الأرض كلّها للإمام عليه السلام، الحديث (٤).

2- انظر: اختيار معرفة الرجال، للطوسي ٢: ٧٤٢ الحديث (٨٣١، ٨٣٢)، و٨٢٨ الحديث (١٠٤٢)، خلاصة الأقوال، للعلاّمة الحلّي: ٣٦٢ الفصل (١٦)، باب (١) ترجمة رقم (١)، رجال ابن داود: ٢٥٩ (٣٢٥)، التحرير، للطوسي: ٣٥٣ (٢٤٥)، نقد الرجال، للتفرشي ٣: ٢٢٠ (٣٤٨)، جامع الرواة، للأردبيلي ١: ٥٤٧، معجم رجال الحديث، للخوئي ١٢: ٢٣٤ (٧٨٤٦).


الصفحة 268
متفرّعة من ولاية الله تعالى وفي طولها، فولاية الله هي الأصل وولاية النبيّ أو الخليفة بالتبع.

وإن ثقل عليك: (أنّ الأرض كلّها للإمام)، فما تقول في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا...(1)، فعن ابن عبّاس: ((المراد من الأنفال ما شذّ عن المشركين إلى المسلمين من غير قتال من دابّة، أو عبد، أو متاع، فهو إلى النبيّصلى الله عليه وسلم، يضعه حيث يشاء))(2)؛ أي: إنّ الله تعالى قد فوّض له أمر الأنفال يضعها حيث شاء وبما تقتضيه حكمته صلى الله عليه وآله وسلم، فهل ترى في ذلك سلباً لملك الله تعالى، أو تعطيلاً لسلطانه؟!

وهكذا قول الإمام عليه السلام: (إنّ الدنيا والآخرة للإمام)، لا تعني: سلب إرادة الله تعالى أو خروج شيء عن ملكه, بل هو تفويض منه سبحانه للإمام بما تقتضي حكمته وولايته.

ثمّ إنّك تتساءل عن قول الإمام: (إنّي لأعلم ما في السماوات وما في الأرض...)(3)؟ فما الضير في ذلك إذا قلنا: إنّ الله تعالى يحبو من يشاء بلطفه! فهل خفي عليك قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً _ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ(4)؟ وهل لك أن تدّعي بأنّ هذه الآية تنافي علم الله تعالى بالغيب؟! بل إنّ العبد إذا أخلص طاعته لله تعالى وتمحّض في عبوديته له حباه الله ببديع لطائفه وكراماته، وأعظم ما يحبوه علمه, فهل ترى أعظم طاعة لله من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام؟

____________

1- الأنفال (٨): ١.

2- تفسير الرازي ١٥: ١١٥ ذيل الآية الأُولى من سورة الأنفال، البحث الخامس.

3- الكافي، للكليني ١: ٢٦١ كتاب الحجّة، باب أن الأئمّة يعلمون علم ما كان وما يكون، الحديث (٢).

4- الجنّ (٧٢): ٢٦، ٢٧.


الصفحة 269
ثمّ بلحاظ كونه خليفة فإنّ مقتضى الخلافة أن يُطْلِع الله خليفته على كافّة شؤون الخلافة، أما ترى قوله تعالى في خليفته آدم عليه السلام إذ قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا(1)، إشارة إلى خصوصية آدم عليه السلام بلحاظ خلافته وولايته.

وهكذا الإمام هو خليفة الله تعالى، ومقتضى خلافته أن يعلّمه ما يحتاجه العباد وما تقتضيه شؤون خلافته وولايته.

(عرض الأعمال على الأئمّة عليهم السلام)

« السيّد الغريفي ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

كيف تعرض أعمال العباد على عليّ بن أبي طالب عليه السلام؟

ولماذا اختص بهذه المنزلة دون غيره؟ حتّى النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم لم يختص بهذه المنزلة؟!

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أمّا ما يخص عرض الأعمال على عليّ عليه السلام في بعض الروايات فهو صحيح.

ولكن لو تفحصت جميع الروايات لوجدتها غير مختصّة بأمير المؤمنين عليه السلام، وإنّما ذكر عليّ عليه السلام في بعض الروايات كمصداق، فالإمام الرضا عليه السلام يقول كما في (أصول الكافي) عن الزيات، قال: ((قلت للرضا عليه السلام: أدع الله لي ولأهل بيتي، فقال: (أو لست أفعل؟ والله إنّ أعمالكم لتعرض علَيَّ في كلّ يوم وليلة)، قال:

____________

1- البقرة (٢): ٣١.


الصفحة 270
فاستعظمت ذلك، فقال لي: (أما تقرأ كتاب الله عزّ وجلّ: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ(1)؟ قال: هو والله عليّ بن أبي طالب عليه السلام)))(2).

فالإمام الرضا عليه السلام هنا يثبت العلم لنفسه ويفسّر الآية الكريمة بعليّ عليه السلام، ولعلّه ذكر ذلك إمّا من باب أوضح المصاديق، أو من باب امتداد ذلك العلم إليهم منه عليه السلام، كما في الإمامة والعصمة وغير ذلك، أو إنّه من باب بيان سبب نزول الآية الكريمة واختصاصها بأمير المؤمنين عليه السلام في ذلك الوقت والأئمّة عليهم السلام داخلون في (المؤمنون) لأنّهم المؤمنون حقّاً كما أنّ عليّاً عليه السلام دخل فيها كذلك، فالآية الكريمة تبيّن وتثبت هذا العلم لإمام كلّ زمان.

وهناك روايات كثيرة جدّاً تثبت دخول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وجميع الأئمّة عليهم السلام في هذه الآية الكريمة وهذه المنزلة والعلم بأعمال العباد ولا تختص به عليه السلام.

راجع في ذلك باب (عرض الأعمال عليهم عليهم السلام وأنّهم شهداء على الخلق) من كتاب (بحار الأنوار ج٢٣).

(تولّيهم عليهم السلام حساب شيعتهم يوم القيامة)

« فارس ــ الدنمارك ــ إمامي »

السؤال:

سلام عليكم..

هل يوجد دور لرسول الله وأهل البيت عليهم السلام في القيامة؟

____________

1- التوبة (٩): ١٠٥.

2- الكافي، للكليني ١: ٢١٩ الحديث (٤) كتاب الحجّة، باب عرض الأعمال على النبيّ والأئمّة عليهم السلام.


الصفحة 271
الصفحة السابقةالصفحة التالية