السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...
بعد التحية والاجلال لمقامكم الرفيع, نرجو منكم التفضل بالرد على الشبهات التي اوردها علينا أحد الاخوان السنة, يدعي المنطقية والعقلانية والعلمية في ما يطرح, حيث عنون اطروحته كما يقول، مقدماً لشبهاته حول الامامة بما يلي :
*************************
(عدم منطقية اعتقاد عكس الواقع الحادث مالم يتأيد بدليل عقلي فطري سليم)
وقصدي من عنواني:إننا كلنا خلقنا ونعرف بأن العصر الذهبي للأمة الإسلامية هو عصر الرسول والعصور الأولى من بعده ودليل العصر الذهب انتشار الإسلام للصين والهند ولأفريقيا ولاسبانيا ولتركيا أما نحن الآن في عصر الانحطاط بدأنا نضيع ما بنوه أجدادنا المسلمون.
بعبارة أخرى: الواقع الحادث من قبل وقد مضى وانتهى تسلسل أربع خلفاء هم الصديق ثم الفاروق ثم ذي النورين ثم أسد الله المرتضى رضي الله عنهم.
أما الدليل الشرعي من الكتاب والسنة لسنا بصدد مناقشة الأدلة هنا لأنها تحتاج لمجلدات، بل الفاهم عن الله تبارك وتعالى والمحب لتصفية تأويل الأدلة من الشوائب وجب عليه مقارنة الأدلة الشرعية بالأدلة العلمية الفطرية السليمة المنطقية العقلية المؤيدة بالمسلمات والبديهيات المتفق عليها والموافقة لسنن الفطرة. ومن توجه هذا التوجه بدأ أول خطوة لنبذ التقليد الأعمى والتعصب لفهم النص الضيق والبدء بالتوسع للانفتاح الذهني الديناميكي.
وهنا أطرح امتحانين (لمن أراد أن لايكون مقلداً أعمىً في عقيدته من الأخوة الشيعة) فإن نجح بإقناع نفسه بعكس ما سأطرح فيكون إن شاء الله ليس مقلداً أعمى وإن لم يستطع أن يقنع ذاته بغير ما أطرح فوجب عليه مراجعة نفسه (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا) :
الأطروحة الأولى:
هل صحيح أن هناك نصاً من الله تبارك وتعالى ووصية من رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- على خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه؟ أخي الكريم وفقاً للنص الإلهي والوصية النبوية أسأل نفسك هذه الأسئلة:
السؤال الأول:
ما حكم من يخالف أمر الله الصريح ووصية نبيه الواضحة؟
الجواب: مرتد والعياذ بالله؟
1- لايعقل ترك الإمام علي لتنفيذ النص والوصية.
2- لايعقل ارتداد علي بن أبي طالب والعياذ بالله لعدم تنفيذ النص والوصية.
3- لايعقل ارتداد أكثر من 70 ألف تلميذ - على أقل تقدير- تتلمذوا على آخر أعظم معلم للبشر محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟ (مثال: يقال عن معلم أنه فاشل إذا فشل أغلب تلاميذه في أغلب صفوفه وهذا معلوم بديهي فما بال معلم البشر وخاتم رسل الله والمؤيد بتلاميذ لينشروا آخر وخاتم رسالة - وقد نشروا -).
السؤال الثاني:
ماحكم العارف بوجوب تنفيذ أمر الله ووصية نبيه ويسكت عنها؟
الجواب: الحكم منافق والعياذ بالله؟
1- لايعقل نسبة النفاق لأمير المؤمنين أبدا.
2- لايعقل لعلي عليه السلام كتمان النص والوصية خوفاً لأنه الشجاع الصنديد المحارب بل إنه لمن أعلى الأمثلة على الشجاعة في التاريخ الإسلامي على مر العصور ويعرف قوله تعالى (( إن الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين )) .
3- لايعقل ممارسة التقية في أخطر أمر ألا وهو مخالفة النص والوصية، بل يضحي علي بدمه وبنفسه بدلاً من ممارسة أشنع كذب ونفاق يتبرر بما يسمونه "التقية"؟ (ويعرف قوله تعالى مالكم إذا قيل لكم انفروا أثاقلتم إلى الأرض..)؟
4- لايعقل لعلي عليه السلام أن يقول ويجهر بالقول بتبليغ النص والوصية للصحابة ثم يقعد مكتوف الأيدي ليسجل له التاريخ أجبن موقف مقارنة بالمضحين بأنفسهم في سبيل الله (ضحى الحسين عليه السلام بدمه الطاهر الزكي لمجابهة الطغاة فكيف بأباه أيبخل بدمه لمجابهة مخالفي أمر الله ووصية رسوله؟).
السؤال الثالث:
ماواجب المأمور بنص من الله وبوصية من رسوله؟
الجواب: الواجب الحتمي التنفيذ الفوري.
1- لايعقل أن يكون تنفيذ أمر الله قولاً بدون عمل.
2- لايعقل للمعصوم القدوة الأولى للبشرية ترك العمل بالنص أو الوصية بل وجب عليه الإسراع بالتنفيذ وخاصة عندما يسمع أمر الله ووصية رسوله (كما قال الله تعالى وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) فإن اقتصر القدوة على القول بدون العمل فمابالنا نحن سنقتدي به ولن نفعل شيئاً؟
3- لايعقل أن يكون علي بن ابي طالب أقل شجاعة لتنفيذ أمر الله ووصية رسوله من أبي بكر الصديق الذي همّ لوحده ليقاتل المرتدين من منعوا الزكاة قبل أن يبايعه أحد ويناصره أخبره عمر الفاروق بالتروي وبصعوبة الموقف وقال قولته الشهير (والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه) ثم أقسم بالله ليقاتلنهم وحيداً إن لم يسر معه أحد وهذا موقف من منع فرض واحد من فروض الإسلام فكيف بالذي خالف أمر الله ووصية رسوله ألا يستحق المسؤول العالم بهذا النص والوصية حتى إن كان أهزل الناس أن يقم ويقف موقفاً مشابهاً لموقف الصديق رضي الله عنه؟؟
السؤال الرابع:
هل التضحية والشجاعة تتطلب مؤازرة بالحراس وآلاف من الجنود؟
الجواب: لا من الطبيعي. بعبارة أخرى متى تظهر الشجاعة: تظهر في حالة الضيق والوحدة؟ فأسمى درجات البطولة التضحية بالنفس في سبيل الله.
1- التضحية بالنفس تتطلب القتال.
2- لم يقاتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب من ارتد. (حد المرتد: يقاتل باتفاق)
3- الوحدة وقلة الأنصار لاتبرر ترك العمل للأبطال والقدوة (وإلا إن لم يقم مثله بالعمل والبطولة والتضحية ليكون قدوة فمن سيقوم إذاً؟؟)
4- استحالة عدم قتال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام للمرتدين ولو كان وحيداً لأن الشجاعة والبطولة كما قلنا لاتبرز إلا في المحن وهذا مسلم به بديهي.
السؤال الخامس:
هل كان هدف علي بن أبي طالب الحفاظ على وحدة المسلمين حقاً وعدم شق صفوف الأمة آنذاك؟ الجواب لايمكن لأسباب تخالف المنطق ألا وهي:
1- تقول الشيعة الإمامية أن الإمامة ركن وأصل وجحودها يؤدي للكفر فأي تمزق وشق صفوف وتدمير للإسلام أنكى من ضياع الدين؟ بل مصلحة إحقاق الحق وتثبيت أركان الدين فوق كل شيء. ولاوحدة للمسلمين بدون وحدة دينهم وصحة وثبات عقيدتهم.
2- قاتل علي رضي الله عنه معاوية بن أبي سفيان والسبب كما هو مشهور ومعلوم لأن معاوية أراد كرسي الخلافة فلا يعقل أن يقاتل علي رضي الله عنه معاوية لأجل كرسي الخلافة ويترك قتال من خالف أمر الله ووصية نبيه؟
3- لايمكن أن يكون حالة وجوب قتال أبي بكر تختلف عن حالة قتال معاوية إن كان القصد كما يقال (الحفاظ على وحدة المسلمين وعدم شق الصفوف) لأن النتيجة في كلا الحالتين شق صف المسلمين ووحدة الصف، بل يستحيل ذلك لأن ذلك ينسب لعلي الجبن والعياذ بالله لأن المترصد من الخارج يرى أنه لم يقاتل لعدم وجود الأعوان (كما تدعي الشيعة) وهناك قاتل بوجود الأعوان والنتيجة هناك جبن وهنا شجاعة وهذا مستحيل؟
4- السبب الآخر في أن الحالتين متماثلتين في وجوب القتال وبأنه لو قاتل أبو بكر الصديق آنذاك لكان ليس فيه شق وحدة المسلمين بل ردهم إلى عقيدتهم لأن أبو بكر الصديق قاتل في أول خلافته المرتدين ولم تنشق صفوف المسلمين بل ثبت قواعد الدين وهذا ما كان واجب فعله على علي رضي الله عنه وهذا ما يرد على من قال بأنه لم يرد شق صفوف المسلمين لقرب العد من موت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك العهد؟؟؟إذاً: هل يترك قتال من خالف النص والوصية ويقاتل من نازعه الملك والخلافة؟؟ أين الأخلاق والشيم أين الحكمة التي يتكلم عنها أين الإمام علي زوج بضعة رسول حبيب رب العالمين من هذه الظنون بشخصيته الفذة…؟؟؟
السؤال السادس:
هل يصح قياس أحوال الرسول على علي بن أبي طالب؟
الجواب لا للمعطيات التالية:
1- الرسول أمر بتبليغ رسالة وأما علي فلا.
2- الرسول لم يؤمر بإكراه الناس على الدخول في الدين، أما المرتد فوجب قتاله أي يجب علي علي رضي الله عنه قتال من ارتد لمخالفتهم النص والوصية وسبب وجوب القتال
أ- لأن الداخل في دين الإسلام لم يكره على الدخول في الأصل لذا وجب عليه الإلتزام بما اختاره طائعاً
ب- عدم تشوية سمعة الدين ولكي لا يظن الظان بأنهم لو لم يكرهوا على الدخول في الدين لما ارتدوا
ج- لكي لايغري الذي في قلبه نفاق بالارتداد. ((إذا وجب على علي عليه السلام قتال من ارتد.. ولم يفعل طبعاً)).
3- الرسول أو النبي هم المجتبين من سائر البشر ليبلغوا رسالة أو دعوة منزلة عليهم بواسطة الوحي جبريل عليه السلام وعلي رضي الله عنه لم يجتبيه الله كما تعلم الإمامة كرسول أو نبي؟ وسبب طرح هذا الفارق لنعلم أن ما أمر به وكلف به الرسول أو النبي لم يكلف به أي بشر مهما علت درجته. مثال: اجتباء آدم عليه السلام قال تعالى: (( ثمَّ اجتَبَاه رَبّه فَتَابَ عَلَيه وَهَدَى )) واجتباء إبراهيم عليه السلام فقال له تعالى (( شَاكرًا لّأَنعمه اجتَبَاه وَهَدَاه إلَى صرَاط مّستَقيم )) واجتباء ذي النون لقوله تعالى (( اجتَبَاه رَبّه فَجَعَلَه منَ الصَّالحينَ )) واجتباء يوسف عليه السلام لقول تعالى (( وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل.. )) إلخ.
فهل هناك دليل جلي جاءت به كلمة (اجتباء) مقرنة بأمير المؤمنين علي عليه السلام؟ لا طبعاً ولانحب أن ندخل في التأويلات والتفسيرات بل نقول جلي كما جاء في الآيات السابقات؟؟
4- النبي محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم سمي (المصطفى) لأن الله تعالى اصطفاه من المجتبين الأخيار عنده فكان أحب الخلق إلى الله تعالى وأفضل الأنبياء عليهم السلام.
هل يقع ما يقع على المصطفى مثل ما يقع على أمير المؤمنين عليه السلام؟ الرجاء لو كان هناك دليل بكلمة اصطفاء أو مصطفى على علي رضي الله عنه فلتذكر كدليل جلي وإلا فلانريد الدخول في معمعة التأويلات أيضاً.
السؤال السابع:
هل المعصوم (علي بن أبي طالب على ادعاء الشيعة لعصمته) كباقي الناس؟
الجواب لا.وعليه:
1- بطل مقارنته بأي إنسان آخر غير معصوم والمعصوم القدوة المثلى في التطبيق ولو على روحه ولكن علي لم يقاتل ولم يطبق ذلك على نفسه (فلا ندري مالحقيقة هل نفي العصمة أم نفي أحقية الإمامة؟)
2- لو كان إنسان عادي لربما عذرناه في عدم المجابهة العملية بالسيف أما أسد الله علي فلا عذر له على الإطلاق وبغض النظر عن العصمة هو أعظم رابع شخص عند أهل السنة والجماعة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهل يعقل لهذا العظيم الخنوع!!؟ لا ورب الكعبة.
السؤال الثامن:
هل الفعل دال على الفاعل؟:
الجواب نعم. وعليه:
1- فعل أبو بكر الصديق في خلافته والاستقرار والأمان ونشر الدين يدل على الفعل الصائب والخير العميم والاستفادة العظيمة للأمة الإسلامية من فترة خلافته.
2- فعل الفاروق عمر في خلافته وامتداد رقعة الإسلام وكثرة الفتوحات يدل على الفعل الصائب والخير العميم والاستفادة العظيمة للأمة الإسلامية من فترة خلافته.
3- فعل ذي النورين عثمان في خلافته وامتداد رقعة الإسلام وكثرة الفتوحات يدل على الفعل الصائب والخير العميم والاستفادة العظيمة للأمة الإسلامية من فترة خلافته.
4- فعل علي رضي الله في خلافته وامتداد رقعة الإسلام وكثرة الفتوحات يدل على الفعل الصائب والخير العميم والاستفادة العظيمة للأمة الإسلامية من فترة خلافته.
5- فعل آخر خلفاء بني العباس وانحطاط الدولة وهجوم الأعداء عليها يدل على الفعل المشين لهم.
6- فعل الحكام الذين تولوا أمر المسلمين بعد ذلك وحتى يومنا يدل على انفصالهم عن الدين وعدم تطبيقه وبالتالي عدم كفاءتهم. وبالتالي الفعل دال على فاعله والأثر دال على المؤثر والفطر السليمة تقبل الواقع وترفض خلافه؟!
السؤال التاسع:
هل هناك نص جلي واضح كل الوضوح من القرآن ذكر فيه اسم علي بن أبي طالب؟
الجواب:لا.وعليه:
1- لايوجد نص قال الله فيه تعالى على سبيل المثال (علي خليفة رسول الله) أو (علي الوصي).
2- تعد الشيعة أمر تفضيل علي على أبي بكر وأحقية إمامتة من أعظم أمور العقيدة بعد التوحيد فهل هذا الأمر الجليل العظيم من أخطر أمور العقيدة ترك ذكره في القرآن؟ لايعقل هذا.. فذكر وجوب الجهاد ووجوب الصلاة .. إلخ وذكر وجوب اختيار الإمام نعم ولكن هل ذكر أن ذلك الإمام (علي) صراحة لا لم يذكر ولسنا كما قدمنا لتقديم الأدلة القرآنية وتأويلها فنحن مختلفون في التأويل كما هو معلوم.
3- حتى الآن لم تصلنا نص الوصية المزعومة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي بن أبي طالب، أليس الأحرى أن تشتهر تلك الصحيفة إن كتبت وإن لم تكتب أيعقل أن تكون على تلك الدرجة من الخطورة ولا تكتب؟ بل أيعقل أن لايقولها رسول الله صراحة أمام الملأ ولايدونها على أقل تقدير آل البيت؟ فإن دونوها فأين هي؟!!
الأطروحة الثانية:
على افتراض وجود نص ووصية من رسول الله فالسؤال المطروح هل الأئمة من آل البيت عندهم في الوصية أسماء اثني عشر إماماً كما هو الآن في عقيدة الإثني عشرية؟
الجواب: قالت الشيعة ولاتزال تقول بنعم وقدموا بعض النصوص التي يستدلون بها على أسماءهم بالتسلسل.
1- إن معرفة كل إمام بنص أن الإمام الذي سيليه سيكون اسمه كذا… فلم اختلفت الشيعة فيمن سيكون الأئمة هل من نسل الحسن أم من نسل الحسين ثم اختلفوا في زيد بن علي واختلفوا في أولاد الإمام الصادق.. والأدلة أكثر من أن تحصى على اختلاف الشيعة فيمن سيكون الإمام؟ فالدليل العقلي إن وجد نص قاله رسول الله كما تقول الشيعة بتسلسل الأئمة لما حدث الاختلاف أبداً لوجود النص عليهم؟!!!!
2- لو كانوا كما تقول الشيعة هم بدرجة الأنبياء إلا أنهم ليسوا بأنبياء وأنهم معصومون وبأن من جحد إمامتهم كفر لم لم يوجد أي اسم من أسماءهم في القرآن الكريم وقد ذكر تعالى ممن هم أدنى مرتبة منهم من الصديقية (مرتبة الصديقين كما قال تعالى من الأنبياء والصديقين والشهداء) تأتي بعد مرتبة النبوة فذكر اسم مريم بنت عمران مثلاً وهي صديقة وليست نبية وذكر أسماء بعض الملائكة وهم ليسوا بأنبياء؟ فلو فرضنا درجة الأئمة أعلى من درجة الصديقين فلم لم نجد لأحدهم اسماً في القرآن؟
*************************
هذه الشبهات التي طرحها فنرجو التكرم بالرد المففحفم الشافي عليها ... وانتم أهل لذلك بعون الله .... دمتم مسددين وموفقين لكل خير في خدمة الاسلام والمسلمين .
الاخ احمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يظهر من عنوان اطروحة صاحبنا أنه يحصر الدليل الصحيح بكونه عقلياً فطرياً سليماً، وهو أما غافل او يتغافل، فالدليل عقلي ونقلي، والعقلي بديهي ونظري، والفطري هو البديهي اذا كان يقصده واما اذا قصد غيره فلا علم لي به، وعليه فكل ما أورده في اطروحته لا يدخل تحت الفطري البديهي بل تحت عنوان المغالطة وهو عنوان كبير في المنطق لأسلوب من أساليب الخطابة، وان راعيناه وتنزلنا حتى لا (يزعل) نقول يدخل تحت النظري على فرض صحته.
ثم:
اولاً: اننا لم نخلق ونحن نعرف بأن العصر الذهبي ... الخ، فان مثل هذه المعلومات تدخل في التاريخ وهو من العلوم الكسبية لا يأتي مع الطفل الى الدنيا.
وثانياً: نعم أن عصر الرسول (صلى الله عليه وآله) كان من العصور الذهبية للإسلام لا لأن رقعة الدولة الاسلامية كانت كبيرة فهي في عهد الرسول لم تتجاوز الجزيرة ولكن: لأن الرسول (صلى الله عليه وآله) كان على رأسها يقطع دابر المفسدين والمنافقين ويصحح كل إنحراف ويطبق العدالة والمثل العليا للإسلام. وأما ما بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) فهو اول الكلام، وهل خلافنا الا في تقييم ذلك العصر ومن كان مع الحق فيه، واذا كان الميزان هو اتساع رقعة الدولة، فان المسيحية كانت في نفس الوقت أسرع انتشاراً في أوربا، ولكانت الدولة الرومية المسيحية تمثل اوج العصر الذهبي لديانة عيسى المسيح الحقة، وهذا ما لا يقول به مسلم، فنحن نعتقد أن دين المسيح قد حرف عن مساره الصحيح.
بل لكان المسلمون اليوم في ازهى عصورهم الذهبية لاتساع رقعة بلادهم وكثرتهم، وهذا ما لا يقول به عاقل. فنقول لهذا الأخ: أن معيارك غير صحيح، لا يقبل به العقل ولا الموازين الاسلامية.
فما هو الا تسويلات الشيطان ومغالطات الهوى، اذ أي معيار للكثرة والاتساع في تعين الحق، وهذا القرآن يذم الكثرة (( وأكثرهم للحق كارهون )).
ثم لماذا هذا الحصر بعصر الخلفاء الاربعة؟ فان الاتساع كان مستمراً في زمن الدولة الاموية والعباسية، وهل تقول بأنه كان عصر الاسلام الذهبي أيضاً!!! وايضاً فأن في زمن أمير المؤمنين (عليه السلام) توقفت الفتوحات الاسلامية فقد شغله عنها خروج أم المؤمنين وطلحة والزبير عليه وعصيان معاوية وانفراده بالشام، أو أنه يعتبر صلح معاوية مع ملك الروم واعطاؤه الجزية للدولة الرومية من الفتوحات!!! وما نحن فيه من الانحطاط لو درسه المنصف يراه مما ورثه لنا الأوائل الذين تركوا عترة الرسول (صلى الله عليه وآله) بعد أن أوصاهم بهم بقوله: (اني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، لن تضلوا ما ان تمسكتم بهما...)
(الحديث) أنظر: لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما!!! فلم يضل من يدعي الاسلام الآن، إلا بعد أن تركهم.
وايضاً: ان العجب كل العجب أن يأتينا سلفي جديد يتشدق بالعقل والمنطق بعد ان رموهما وراء ظهورهم، فمتى كان القبول والتسليم لحكم العقل؟ امن قبل ابن تيمية أو من محمد بن عبدالوهاب؟ فقد ملأتم الصحائف بالصراخ والزعيق بالتمسك بما قاله السلف ما عدا مما بدا.
ثم هل تُعَدُّ المجلدات لاستخراج الأدلة من الكتاب والسنة ثمناً غالياً للوصول الى العقيدة الصحيحة المنجية من الهلكة يوم القيامة؟ أم هو لف ودوران وزوغ عن الحق.
ومتى كانت الشيعة تخاف من العقل؟ وهو شعارهم مع القرآن والسنة، وأحد أدلتهم خلافاً لمن خالفهم من اقتصروا على القرآن والسنة والاجماع كأدلة.
والآن بعد أن تسد الأبواب أمامهم من خلال القرآن والسنة يدعون العقل والمنطق للأتيان بمغالطات يموهون بها على السذج.
ثم من قال لك إنا غير موافقين على دعم النقل بالعقل أو بالعكس، واننا رافضون لتقييم ادلة النقل بعرضها على العقل، ألا تعرف ان الشيعة الامامية هم من العقلية المعتقدين بالتحسين والتقبيح العقليين وان الدليل النقلي لا يكون حجة عندهم حتى يقره العقل، بل أنهم يؤمنون بأنه لم تثبت حجية لولا العقل، خلافاً للأشاعرة والسلفية الذين لا يؤمنون بالتحسين والتقبيح العقليين.
فمن توجه توجهك بدأ أول خطوة لخلط الأوراق وتشويش الأفكار وبث المغالطات واضلال الناس وتمسك بالتقليد ورفع شعار التعصب وتبع هواه وطرح افكاره المسبقة تحت برقع ما يدعيه من الأدلة الفطرية السليمة المنطقية العقلية الى آخره من الألفاظ الفخمة التي غايتها إيهام الناس بالعقلائية والتجرد، والبعد عن مئات النصوص من القرآن والسنة.
فابتدعت لنا طريقة متحركة يمكن بها ضرب أكبر النصوص القرآنية فضلاً عن نصوص السنة والشريعة.
وحيث أنت تفتح باب الامتحان وتريد أن لا يكون الشيعي هنا مقلداً أعمى، فنحن اذ نوجه الكلام اليك نريدك ايضاً ان لا تكون مقلداً اعمى وترفض الأدلة الدامغة والنصوص الصريحة فان استطعت أن تأتي بما يقنع خلاف ما نقول فانت لست مقلداً اعمى وان لم تستطع فحاسب نفسك قبل أن تحاسب غيرك.
المغالطة الاولى:
نحن هنا سنثبت الوصية التي تريد رفضها بمغالطاتك المتعددة على أنها برهان الخلف، نثبتها لك بنصوص عدة:
1- اخرج الطبري وغيره بسنده عن علي بن أبي طالب انه لما نزلت هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه وآله) (( وانذر عشيرتك الاقربين )) دعاني رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال لي: يا علي... ، الى أن قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد أمرني الله تعالى ان ادعوكم اليه فأيكم يؤازرني على هذا الامر، على أن يكون اخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ قال: فاحجم القوم عنها جميعاً، وقلت (أي علي بن أبي طالب): أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه فأخذ برقبتي، ثم قال: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فأسمعوا له واطيعوه. وفي رواية أخرى قال ذلك القول ثلاث مرات، كل ذلك اقوم اليه فيقول اجلس، تاريخ الطبري ج2 ص63- 64، اخرجه أبو جعفر الاسكافي المتكلم المعتزلي البغدادي في كتابه نقض العثمانية، واخرجه ابن الاثير في الكامل ج2 ص24، واخرجه الامام أحمد في مسنده في غير مورد ورواه غيرهم كثير.
2- روى أهل السير والتاريخ أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خلف علي بن أبي طالب على اهله في المدينة عند توجهه الى تبوك فارجف به المنافقون، وقالوا:
ما خلّفه الا استثقالاً له، وتخففاً منه، فلما قال ذلك المنافقون، اخذ علي بن أبي طالب سلام الله عليه، سلاحه ثم خرج حتى أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو نازل بالجرف فقال: يا نبي الله زعم المنافقون انك انما خلفتني أنّك استثقلتني، وتخفّفت مني، فقال: كذبوا، ولكني خلفتك بما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي؟ فرجع علي الى المدينة ومضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) على سفره.
(البخاري في غزوة تبوك ج6 ص3 ط1314- مسلم في فضائل علي ج7 ص120.
ابن ماجة في فضائل أصحاب النبي ج1 ص55، الامام أحمد في مسنده في غير مورد لاحظ ج1 ص173 و175 و177 و179 و182 و185 و230.
وأما دلالة الحديث فيكفيك فيها أن كلمة (المنزلة) اسم جنس اضيف الى هارون وهو يقتضي العموم.
فيدل على أن كل مقام ومنصب كان ثابتاً لهارون فهو أيضاً ثابت لعلي الا ما استثناه وهو النبوة.
وقد كان هارون وزيراً لموسى على نبينا وعليهما الصلاة والسلام.
3- خطبة النبي (صلى الله عليه وآله) في واقعة الغدير، ومن ضمن ما جاء فيها:
أيها الناس اني اوشك ان ادعى فاجبت واني مسؤول وانتم مسؤولون، فماذا انتم قائلون؟ قالوا: نشهد انك قد بلغت ونصحت وجهدت فجزاك الله خيراً، قال: ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وان محمداً عبده ورسوله وان جنته حق وناره حق وان الموت حق، وان الساعة آتية لا ريب فيها، وان الله يبعث من في القبور؟ قالوا:
بلى نشهد بذلك، قال: اللهم أشهد، ثم قال: أيها الناس: الا تسمعون؟ قالوا نعم قال فاني فرط على الحوض فانظروني كيف تخلفوني في الثقلين فنادى مناد وما الثقلان يا رسول الله قال (الثقل الاكبر كتاب الله والآخر الاصغر عترتي وان اللطيف الخبير نبأني انهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض فلا تقدّموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا. ثم اخذ بيد علي فرفعها حتى رؤي بياض آباطهما وعرفه القوم اجمعون فقال أيها الناس من اولى الناس بالمؤمنين من انفسهم؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال ان الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من انفسهم.
فمن كنت مولاه فعلي مولاه يقولها ثلاث مرات ثم قال: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه واحب من احبه وابغض من ابغضه وانصر من نصره واخذل من خذله وادر الحق معه حيث دار الا فليبلغ الشاهد الغائب. ثم لم يتفرقوا حتى نزل أمين وحي الله بقوله (( اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي )) فقال رسول الله (الله أكبر على اكمال الدين واتمام النعمة ورضى الرب برسالتي والولاية لعلي بعدي) وهذا الحديث من الاحاديث المتواترة من عصر الرسول الاكرم الى يومنا هذا وقد رواه من الصحابة 110 صحابي ورواه من التابعين 84 تابعياً.
ونقتصر على هذا المقدار من كثير يستدل به الشيعة على ثبوت الوصية. وبعد أن اثبتنا الوصية لا يبقى مجال لأي تمحلات يدعي صاحبها أنها أدلة عقلية سليمة على عدم وجودها بل أن المنطق والعقل يقرر بأن ترد وترفض كل الشبهات والشكوك على عدم الوصية بعد القطع بوجودها.
ولكن مع ذلك نجيب على ما أورده من شبهات:
أ- الظاهر أنك لم تفهم المراد من الوصية وظننت أنها أمر بالتنفيذ متوجه الى علي (عليه السلام) دون بقية المسلمين!! يا لضحالة الادراك والفهم.
يا أخي: أن الوصية هي أن يوصي النبي الناس أن يطيعوا من بعده وصيه بأمر من الله، فمن عصى فلا يضر الله وعليه ذنبه. فهل يقال لولي عهد لملكٍ متوفي اذا لم يطعه الناس ويولوه بأنك عاصٍ لولاية عهد أبيك الملك السابق أم يقولون للناس أنكم عصيتم ولم تولوا ولي عهد الملك، يا سبحان الله!!! كيف ينقلب الفهم يا اتباع الهوى!!
ب- ونقول أن من خالف وصية النبي (صلى الله عليه وآله) فعليه لعنة الله ومأواه جهنم وبئس المصير، وهو كالمرتد منزلة عند الله مدخول في ايمانه، اما حكمه فيما لو لم يجهر بترك الاسلام أو الرد على الرسول (صلى الله عليه وآله) صراحة فهو كالمنافق يعامل معاملة المسلم.
ج- وأما الواجب على أمير المؤمنين، فهو القيام بالأمر فيما لو سلم له المسلمون مقاليدهم، واما إذا غصبوا حقه فانه كان موصى بأن يطالب بحقه اذا وجد عليهم اعواناً والا فليصبر.
وبعبارة اخرى أن الواجب هو تولي أمر المسلمين وعدم ترك منصب الخلافة اذا كان مختاراً قادراً، واما اذا كان مضطراً مجبوراً مغصوباً حقه فهو أول الكلام.
د- وبالتالي ليس أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الذي ترك أمر الرسول (صلى الله عليه وآله) حتى نحكم عليه بأنه مرتد، بل من غصب حقه وخالف أمر الله على لسان رسوله (صلى الله عليه وآله) يوم الغدير هو المرتد كائن من كان حتى ولو كانوا ملايين. فليس هارون (عليه السلام) هو العاصي لأمر موسى (عليه السلام) حينما تركه قومه، بل السبعون ألفاً من اليهود هم العاصون، والعجب منك أن تعقل ارتداد سبعين ألفاً من بني اسرائيل وعبادتهم العجل بعد أن تأخر موسى (عليه السلام) عشرة أيام- واياك ان تكذبه فتخرج عن الدين وقد جاء به القرآن - ولا تعقل ارتداد سبعين ألف من المسلمين بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) وتركهم وصيته دون تنفيذ، فأين الوفاة من الغياب عشرة أيام، واين عبادة العجل ومن عدم طاعته في تنصيب خليفته. فلك أن تجري مغالطتك على هارون (عليه السلام) وتحكم بأنه عصى موسى، فهو مرتد!!!
هـ- بل كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يكون عاصياً لو قاتلهم لأنه كان موصى بالصبر ولم يُوصَ الا بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين.
و- وأخيراً حكمت بمثالك بخصوص المعلم بأن كل الأنبياء من آدم (عليه السلام) الى محمد (صلى الله عليه وآله) فاشلون، فها هي البشرية من لدن جدهم آدم لحد الآن، اين تجد منزلة الدين فيها، واعوذ بالله أعوذ بالله إنك حكمت حسب مثالك على الله جل جلاله بالفشل والفوز للشيطان، فانظر هل يقال لمثلك عاقل!! ثم أريد أن أرد عليك وألزمك بكلامك، فقد حكمت على كل من خالف أمر الله وأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالارتداد.
فهلا حكمت على مَن تركوا جيش اسامة وعادوا الى المدينة حتى لعنهم الرسول (صلى الله عليه وآله) بذلك، وهلا حكمت على من ترك قتل ذي الخويصرة بذلك، وهلا حكمت على من آوى مروان بن الحكم بذلك، وهلا حكمت على من خرجت لقتال أمير المؤمنين (عليه السلام) ولم تقعد في بيتها بذلك، وهلا حكمت على من جعل الخلافة ملكاً وجعل ابنه السكير ولياً للعهد وقتل أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذلك؟ ... الخ.
المغالطة الثانية:
قدعرفت الجواب عنها مما سبق فأن الوصية كانت متوجهة الى عامة المسلمين بتنصيب علي (عليه السلام) خليفة. ولكن ننبه على أمور:
1- المنافق هو من يظهر الايمان ويبطن الكفر، لا من سكت عن الحق مختاراً فهو فاسق.
2- السكوت عن أمر الله ورسوله بارادة واختيار ودون خوف يحكم عليه فاسق دون من اجبر وأكره، هذا لو سلّمنا أن أمير المؤمنين (عليه السلام) سكت ولم يطالب بحقه.
3- مما قدمنا سابقاً نعرف أن من سكت عن أمر الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) هم عامة المسلمين وليس أمير المؤمنين (عليه السلام) وبعض اتباعه.
4- أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يسكت عن حقه وانما ذكرهم بالوصية مرات ومرات وهي ثابتة بالنصوص العديدة، ولكن مع الأسف لا تريد الادلة النقلية.
حتى لا ترتد عليك شبهتك وتبقى في ضلالك.
5- وعليه فليس أمير المؤمنين هو المنافق بل المنافق والفاسق غيره.
6- أن ما ذكرته من سكوت أمير المؤمنين (عليه السلام) خزعبلات، نعم انه لم يحارب بالسيف لفقدان الشروط، إذ لو دار الأمر بين الشجاعة والتهور، لا يكون اختيار التهور شجاعة، ثم لماذا لم يقاتل الرسول (صلى الله عليه وآله) في مكة، فما تقول هناك نقول هنا.
وأمير المؤمنين لم يتق في اظهار الوصية والمطالبة بحقه الا حينما وصل الأمر الى سفك دمه، وغير ذلك فقد قام بكل الوسائل المتاحة للمطالب بحقه واظهار أمر الله وعدم كتمانه، وانما من كتمه بل بدله وكذبه هم أبو بكر وعمر وعثمان واصحابهم الذي كتموا أمر الله بتنصيب علي (عليه السلام) خليفة للمسلمين، فهذه الآية التي ذكرت عليك وعلى اسفلاك.
7- ومثل علي (عليه السلام) مثل رسول الله (صلى الله عليه وآله) دعا الى الله سراً لسنين في مكة الى أن أمره الله بالعلانية ولم يضح بدمه ونفسه في أول يوم من أجل استخدام افضل السبل لنجاح الدعوة ولا يسمى ذلك جبناً وكان كله بأمر الله سبحانه وتعالى وكذا أوصى لعلي (عليه السلام) بما يفعل بعده.
8- ثم متى كذب أمير المؤمنين في هذا الأمر، الا ما تدعونه أنتم فأنتم المدعي والحكم، وهذه خطبته الشقشقية ماثلة.
9- ثم أن الحسين (عليه السلام) لم يحارب معاوية لسنين فلا يقال له لم لم تحارب، وقاتل وثار على يزيد عندما رأى أن الخطر على الاسلام لا يدفعه الا دمه الزكي.
ولا يقال ان علي (عليه السلام) بخل بدمه في وقت من الأوقات وهو الذي قتل عمرو بن ود ومرحب وأصحاب الألوية في احد ورؤوس المشركين في بدر وخاض الجمل وصفين والنهروان، ثم قتل في المحراب، فما أنت الا جاهل.
وإليك بعض النصوص تدعم ما قلنا، قال (عليه السلام): (لو وجدت اربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم) وفي تاريخ اليعقوبي: ان اصحابه الذين كانوا يجتمعون اليه طالبوه بمناهضة القوم وتعهدوا بالنصرة وكانوا قد ظنوا ان قد بلغوا العدد المطلوب فقال لهم اغدوا على هذا محلقي الرؤوس وهو انما يريد ان يريهم انهم لم يبلغوا المنزلة التي تقام بها الحجة فلم يعد عليه الا ثلاثة نفر) (تاريخ اليعقوبي ج2 ص162)، وقال (عليه السلام): ((وطفقت أرتي بين أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء يهرم فيها الكبير وتشيب فيها الصغير ويكدح فيها المؤمن حتى يلقى ربه)).
وقال لما دعي لمبايعة أبي بكر: (أنا احق بهذا الأمر منكم لا ابايعكم وانتم اولى بالبيعة لي، اخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي (صلى الله عليه وآله) وتأخذونه من أهل البيت غصباً؟ ألستم زعمتم للانصار انكم اولى بهذا الامر منهم لما كان محمد منكم، فأعطوكم المقادة، وسلموا اليكم الامارة، وانا احتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الانصار، نحن اولى برسول الله حياً وميتاً فانصفونا ان كنتم تؤمنون والا فبوءوا بالظلم وانتم تعلمون) الامامة والسياسة لابن قتيبة الدينوري ج1 ص28 - 29 وقال في خطبة اُخرى: (نظرت فاذا ليس لي معين الا أهل بيتي فضننت بهم على الموت).
المغالطة الثالثة:
1- المأمور بأمر ينفذ حسب ما صدر إليه من الأمر سواء كان فورياً أو تراضياً فوقت التنفيذ يتحدد في الأمر أيضاً وليس دائماً فورياً.
2- قد عرفنا أن الأمر كان متوجهاً للأمة بتنصيب علي (عليه السلام) خليفة فهي التي لم تنفذ.
3- أنك لا تفهم معنى المثل (قول بلا فعل)، فأن العمل ينقسم الى عمل بدني وعمل لفظي وعمل قلبي وعمل ذهني، فمن يُسبح لا يقال له (قول بلا عمل) فان عمله لفظي، والعزم على الشيء يسمى عملاً قلبياً، وهذا المثل يضرب لمن يترك العمل في أحد انحائه المتقدمة ويكتفي بالادعاء فقط، لا من طالب وأعلن وجاهر ورفض البيعة حتى أكره وأصحابه وهددوا بالقتل فترك القتال مجبراً معذوراً لأمر أجل وأهم وهو حفظ الاسلام على مجمله وعمومه وان وقع فيه انحراف لئلا يذهب كله وترجع جاهلية.
ولذا فهو نفذ الأمر حسب ما قدر عليه، ثم أنت قد علمت سابقاً أن الرسول (صلى الله عليه وآله) اوصى علياً بما يفعل في كل أمر بعده فهو أتبع أمر الرسول (صلى الله عليه وآله) بحذافيره ولم يتخلف عنه وانما تخلف عن الأمر غيره.
4- أن تولي الأمر والخلافة يكون بوجود أشخاص ينفذون الأوامر ويطعيون، أما إذا لم يكن، فقد قيل (ل أامر لمن لا يطاع)، وهذا لا ينتقص من منزلة الامامة في شيء، كما أن بعض الأنبياء لم يؤمن بهم أحد فيحشرون يوم القيامة وحدهم فهل يضرهم شيء من ذلك في نبوتهم!!! ففي علل الشرايع (ج1 ص148): (حدثنا محمد بن ابراهيم بن اسحاق الطالقاني رضي الله عنه قال: حدثنا أبو سعيد الحسن بن علي العدوي قال: حدثنا الهيثم بن عبدالله الرماني قال: سألت علي بن موسى الرضا (عليه السلام) فقلت له يا بن رسول الله اخبرني عن علي بن أبي طالب لم لم يجاهد اعداءه خمساً وعشرين سنة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم جاهد في أيام ولايته؟ فقال: لانه اقتدى برسول الله (صلى الله عليه وآله) في تركه جهاد المشركين بمكة ثلاثَ عشرة سنة بعد النبوة وبالمدينة تسعة عشر شهراً، وذلك لقلة اعوانه عليهم، وكذلك علي (عليه السلام) ترك مجاهدة اعدائه لقلة اعوانه عليهم، فلما لم تبطل نبوة رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع تركه الجهاد ثلاث عشرة سنة وتسعة عشر شهراً وكذلك لم تبطل امامة علي (عليه السلام) مع تركه الجهاد خمساً وعشرين سنة اذ كانت العلة المانعة لهما من الجهاد واحدة.
5- أن ما ادعي لأبي بكر دعوى تحتاج الى دليل، ولا يكفي وجودها عند أصحاب وكتب المدعي وبل هناك روايات عند الطرف المقابل تظهر جبنه وخوفه وجزعه، وأما قتاله لمن منع الزكاة كمالك بن النويرة على ما يدعون، فهو لم يكن لمنع الزكاة لأن مالك لم يمنعها وانما قال أسلمها لمستحقها وهو علي (عليه السلام) فقتلوه من أجل ذلك والقصة مشهورة.
ثم من قال أن حكم من منع الزكاة القتل. نعم القتل حكم من ارتد عن الاسلام واظهر الكفر لا حكم من اظهر الاسلام وابطن الكفر ونافق، حتى أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يقتل المنافقين، والمعنيين لو كانوا يستطيعون لاظهروا الكفر قبل غيرهم ولكنهم أضمروه طمعاً وخوفاً.
6- يا سبحان الله كأنك تدعي أن أمر الامامة اعظم من الإيمان بالله وتوحيده، وإلا لاعترضت على موسى (عليه السلام) لانه لم يقاتل فرعون وهو يدعي الربوبية، والكلام جار في أكثر الأنبياء؟ وان قلت أن موسى كان مستضعفاً فالقول قولنا في علي (عليه السلام) أيضاً، وهل تقول في موسى انه جبان؟! وانما القول في ذلك، هو أن الأنبياء والأوصياء يتبعون أوامر الله سبحانه وتعالى وهم اعرف بموارد حكمه. ومع ذلك فالسؤال وارد على الذين تركوا العمل بالوصية، لا الى علي (عليه السلام) الموصى اليه.
المغالطة الرابعة:
1- المصلحة مقدمة على الشجاعة، وهناك فرق بين التهور والشجاعة، والمهم هو الغاية المتوخاة من الاقدام، فاذا كانت الغاية في عدم الاقدام هي الأهم فترك الاقدام ولو على ترك حق مغتصب لينهبه الآخرون هو الشجاعة والتضحية.
2- لماذا خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) من مكة واختفى بالغار من قريش، ولماذا هرب موسى من مصر خائفاً يترقب، اظنك ستقول أنهما كانا جبانين (اعوذ بالله).
3- ومع ذلك فأمير المؤمنين (عليه السلام) لم يطلب الا أربعين شخصاً يقاتل بهم لا غير.
4- ومن قال أن التضحية بالنفس على خلاف امر الله ومصلحة الاسلام جائزة؟
5- والتفرد وعدم الأنصار مجوز لعدم القتال، والا لوجب قتال كل الأنبياء وحدهم ومنهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مكة ولم يفعلوا!! ولا يقول مسلم أنهم جبناء أو عصوا أمر الله، وانما ذلك لمصلحة عليا وأمر من أمور الله سبحانه وتعالى.
6- نعم ان احد موارد ظهور الشجاعة هو حصول المحن والصعوبات ومنها موقف أمير المؤمنين (عليه السلام) في بدر واحد والخندق وخيبر وحنين وغيرها، الا أن تقول أنها لم تكن من مواقف المحن ودليلك على ذلك هروب أبي بكر وعمر وعثمان في احد وحنين وخيبر، لانهم اشجع الشجعان.
المغالطة الخامسة:
1- الكفر بالله اعظم من الامامة ولم يقتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) المنافقين، فهل يقتل أمير المؤمنين المنافقين في أمر الامامة!!
2- انك لا تفرق بين الكفر بالمعنى العام والكفر بالمعنى الخاص الذي يقابله الاسلام بالمعنى العام والاسلام بالمعنى الخاص الذي هو الايمان، وانما يجب القتل على من يكفر بالمعنى العام.
3- بقاء الدين ممثلاً في ثلة قليلة ثابتة على الصراط المستقيم وهم الشيعة الإمامية افضل من ذهابه كله لو قاتل امير المؤمنين حين ذاك، فلولا مداراة أمير المؤمنين (عليه السلام) لما بقي من أهل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله) احد يحفظ الدين ويرد عنه كيد المبطلين ليصل بعد 1400 سنة الى هذه الثلة الصالحة.
4- نعم كان هدف علي بن أبي طالب الحفاظ على وحدة المسلمين، ولم يبدأ بقتال، والفرق واضح في قتاله معاوية، فأن معاوية كان قد شق وحدة المسلمين وانتهى الأمر، بعد ان حاول أمير المؤمنين الحفاظ عليها ما استطاع، وإلا هل برأيك أن الواجب على أمير المؤمنين (عليه السلام) في ذلك الحين أن يترك معاوية ينفرد في جزء من دولة الاسلام بحجة الحفاظ على وحدة المسلمين؟ وهل شق الصف الا هذا؟ وهل سيبقى رادع امام معاوية من ضم الاجزاء الأخرى كما فعل؟ او يردعه شيء عن ادعاء الخلافة أو انه مع الحق كما فعل؟ ثم هل تعتقد ان خروج عائشة وطلحة والزبير في البصرة كان وحدة للمسلمين ام ماذا؟ وما واجب خليفة المسلمين حيال ذلك؟ وهناك روايات حول هذا الموضوع سئل فيها الامام (عليه السلام) نفسه واجاب عليها، فقد روي عنه (عليه السلام) انه كان جالساً في بعض مجالسه بعد رجوعه من النهروان فجرى الكلام حتى قيل له: لِمَ لا حاربت أبا بكر وعمر كما حاربت طلحة والزبير ومعاوية؟ فقال علي (عليه السلام): إنّي كنت لم ازل مظلوماً مستأثراً على حقي، فقام اليه الاشعث بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين لِمَ لـَم تضرب بسيفك ولم تطلب حقك؟ فقال: يا أشعث، قد قلت قولاً فاسمع الجواب وعِهِ، واستشعر الحجة، ان لي اسوة بستة من الانبياء صلوات الله عليهم اجمعين:
اولهم: نوح (عليه السلام) حيث قال: ربِّ (فدعا ربه اني مغلوب فانتصر)، فان قال قائل: انه قال هذا لغير خوف فقد كفر، والا فالوصي (يقصد نفسه عليه السلام) اعذر وثانيهم لوط (عليه السلام) حيث قال: (لو ان لي بكم قوة أو آوى الى ركنٍ شديد) فان قال قائل: انه قال هذا لغير خوف فقد كفر. والا فالوصي اعذر، وثالثهم ابراهيم خليل الله حيث قال: (( واعتزلكم وما تدعون من دون الله )) فان قال قائل:
انه قال هذا لغير خوف فقد كفر والا فالوصي اعذر. ورابعهم: موسى عليه السلام حيث قال (ففررت منكم لما خفتكم) فان قال قائل: انه قال هذا لغير خوف فقد كفر والا فالوصي اعذر، وخامسهم اخوه هارون (عليه السلام) حيث قال: [يا] (ابن أم ان القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني، فان قال قائل: انه قال هذا لغير خوف فقد كفر والا فالوصي اعذر. وسادسهم: اخي محمد (صلى الله عليه وآله) حيث ذهب الى الغار ونوّمني على فراشه، فان قال قائل: انه ذهب الى الغار لغير خوف فقد كفر، والا فالوصي اعذر، فقام اليه الناس باجمعهم فقالوا: يا أمير المؤمنين قد علمنا ان القول قولك ونحن المذنبون وقد عذرك الله ورسوله والمؤمنون.
5- ان الانكى من ترك أمر الخلافة هو ضياع التوحيد والنبوة والرجوع جاهلية كما كان هو عزم القوم لو استطاعوا!!
6- من قال ان معاوية أراد كرسي الخلافة فقط، بل أراد محو الدين ومحقه حسداً وبغياً للنبي (صلى الله عليه وآله) وبني هاشم، وافعال معاوية التي نقلها التاريخ شاهدة بذلك.
7- على قياسك، فان رسول الله كان جباناً والعياذ بالله لأنه لم يقاتل المشركين وحده في مكة وقاتلهم في بدر عندما وجد الاعوان على ذلك!!
8- أن المرتدين خارجون عن المسلمين فلا يقال لقتالهم شق لوحدة المسلمين، والا لو أدخلتهم في المسلمين لكان هناك شق لوحدة المسلمين رغم انفك، والمنافق غير المرتد، والكفر بالمعنى العالم غير الكفر بالمعنى الخاص، فحكمهما مختلف. وأما علي (عليه السلام) فانه فلم يقاتل معاوية عن أجل الملك فانه كان ينظر للامر من جهته على انه خلافة للمسلمين، والا فنحن ندعي أن أبا بكر قاتل من أجل ملكه!! نعم ان معاوية قاتل من اجل الملك فهذا واضح، ولكن أي ربط بين الطرفين حتى تعدّى حكم احدهما الى الآخر. وهل هذا إلا شأن الأنبياء والأولياء مع الجبابرة.
9- أن احد أسباب ارتداد المرتدين هو استبداد أبي بكر بالخلافة والتاريخ حكم بيننا، فأبو بكر هو الذي شق وحدة المسلمين فقابله المرتدون بالمثل، ولم يَسمُ فوقهم الا علياً (عليه السلام).
المغالطة السادسة:
1- لا يصح قياس الرسول والنبي على الإمام في أحكام الرسول والنبي الخاصة ويصح في الشامل لهما معاً، بل يكون في بعضها النبي أولى، كما مر عليك في الرواية السابقة عند جواب أمير المؤمنين (عليه السلام) لمن سأله عن علة عدم قتاله غاصبي حقه. وعليك أن تحدد أولاً ما يجوز القياس فيه عما لا يجوز، وحديث (انت مني بمنزلة هارون من موسى) يكفينا. فقولك بالقطع (لا يجوز) جهلٌ.
2- الرسول اُمر بالتنزيل وعلي اُمر بالتأويل، كما في الحديث فراجع، مع أن هذا لا مدخلية له في الفرق بين الجواز وعدم الجواز.
3- وعلي أيضاً لم يؤمر باجبار الناس على الدخول في الدين ولا على الدخول في أمر الامامة والطاعة له، وقد عرفت الفرق بين المرتد والمنافق سابقاً فلا نعيد، وما ذكرته من أسباب لقتال المرتد لا دخل له في المقام، فلا نطيل برده ونقاشه، والرسول (صلى الله عليه وآله) لم يقتل المنافقين وعلي (عليه السلام) كذلك.
4- الأنبياء والرسُل مجتبون، نعم، وكذا الأوصياء، والا فهل لك ان تقول أن الأنبياء عينوا الأوصياء من دون أمر الله!!! ثم ما معنى الاجتباء؟ نترك الاجابة إليك، ونسأل: اذا كان مجيء لفظة الاجتباء في القرآن مساوية للنبوة، فهل من لم تأتي بحقه في القرآن لم يكن نبياً، وما حكم أكثر الأنبياء الذين لم يذكروا في القرآن؟ وهل يجب ذكر كل من اجتبي في القرآن؟ ثم أنه تعالى اصطفى مريم وغيرها في القرآن فهل تحكم بأنها نبية؟!! نرجو الإجابة بنعم او لا، ولا نريد الدخول في معمعة المغالطات ايضاً!!! نرجو أن تأتي بنص من القرآن جلي على أن مريم نبية!!!
5- أن لكل لفظة اجتباء في كل آية جئت بها معناها الخاص يعرف مما تعلق بها في الآية.
6- أن أحد معاني الاجتباء هو التفضيل والاختيار وهو ليس مساوي للنبوة، نعم النبوة اختيار وتفضيل وكذا الإمامة والوصاية، والاجتباء والأصطفاء أعم.
7- لا أعرف ما العلاقة بين الاجتباء وتحديد ما كلف به النبي (صلى الله عليه وآله)، وعلى كل حال فهذا السؤال كله تخليط في تخليط لم يظهر وجه الربط بين فقراته!!!
المغالطة السابعة:
1- الظاهر أنك لم تفهم معنى العصمة، فبعد أن سلمت العصمة للإمام (عليه السلام) لا تستطيع أن تقول لم لم يقاتل وان عدم قتاله مخالف للعصمة، إذ أن التسليم بالعصمة لا يترك مجالاً للسؤال عن افعال المعصوم، فهي تعني ان كل أفعاله مطابقة للصحة وللأمر الشرعي، وان قتاله في وقته صحيح وعدم قتاله في وقته صحيح!!! ثم إنك قد قلت أنه بعد التسليم بالعصمة لا يكون مثل باقي الناس (من جهة العصمة طبعاً) فكيف تقيس أفعاله بعد ذلك على افعال الناس أو تزنها بميزان نفسك وأنت من باقي الناس. أنا اعجب كيف ترتب الأفكار في ذهنك، أو لعل هواك يغالط مع عقلك، الله أعلم!!
2- ان مقياس افعال المعصوم هو الحكم الشرعي والأمر الإلهي والمصلحة الإلهية لا المصلحة التي تفهمها انت وإلا لكان اختيار الشريعة والأنبياء والأوصياء بيد امثالك او لنقل بيد الناس لا الله سبحانه وتعالى العالم بالغيب وحقائق الاشياء.
3- قد عرفت فيما سبق أن قتال أمير المؤمنين لم يكن حكماً ضرورياً بديهياً ثابتاً في الاسلام كوجوب الصلاة مثلاً حتى تستطيع أن تخدش بالعصمة عندما يثبت عدم فعله، بل بالعكس نحن نستمد الحكم الشرعي بخصوص القتال من نفس فعل الإمام (عليه السلام) لانه امام ووصي ومشرع ومعصوم، وان ابيت الا جعل حكم القتال الوجوب فأتنا بالدليل رجاءً، ولا نرضى بالاستحسان والقياس والرأي وما شابه ذلك فدين الله لا يقاس بالعقول وليس الحكم متروكاً لك ولا للناس!!! وقد بينا سابقاً ان عدم القتال لا ينفي ولا يسقط حق الإمامة, فسؤالك ليس في محله.
4- أنك تبني مغالطاتك على فرضيات من أول مغالطة الى النهاية، ألم تسمع المثل القائل (العرش ثم النقش)، يا أخي أثبت أولاً وجوب القتال وصوابه ثم اعذر أمير المؤمنين (عليه السلام) أو لا تعذره، ولا تبني الأوهام الجديدة التي تدعيها منطقية على أوهام قديمة مغروسة في قلبك يرعاها الهوى والتعصب. وأنت تقول لو كان إنساناً عادياً لعذرناه أي هو ليس بإنسان عادي ثم ترجع وتقيس افعاله على أفعال الناس العاديين بأن يجب أن يفعل كذا او لا يفعل كذا، لأنه بنظرك أن الإنسان العادي يجب أن يفعل أو لا يفعل. فقل لي: هل تستطيع أن تصف عدم قتال النبي (صلى الله عليه وآله) والدعوة بالسر في مكة على انه خنوع والعياذ بالله؟ فما تجيب هنا نجيب هناك!! وخذ مثلاً فعل موسى (عليه السلام) أو أي نبي من الأنبياء أيهم شئت فما تقول؟
المغالطة الثامنة:
1- يا أخي اضرب لك مثال عساك تعي ما أقول، فلو أن مالكاً لشركة ناجحة فرضاً بأعمالها التجارية ومشاريعها، فهل يصحح هذا النجاح ملكية صاحب الشركة لها حتى ولو كان غاصباً لها، يا أخي، متى تفهمون أن حق الامامة لا تثبته الافعال التي وقعت بعده، وانما هو حق إلهي اثباته ونقضه بيد الله سبحانه وتعالى، ثم هل يصح نسبة النجاح التوسعي والهندسي والتقني الى مدير الشركة ولو كان جاهلاً وننسى المهندسين والعمال المخلصين!! فاين ذهب ايمان المسلمين واندفاعهم واخلاصهم، وقوة مباديء الإسلام ومثله وعدله التي كانت باقية حية بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل مدة قصيرة!!! وقبل أن تعترض: نقول لك ثبت بعشرات الأدلة وسنثبته مكرراً في موضعه جهل أبو بكر وعمر وعثمان بأبسط المسائل فضلاً عن كبيرها، نعم لا ننكر فضيلة وقوة ملكة المكر والخداع والقسوة وادارة الدولة على خلاف المقياس الشرعي عندهم، فهذه الفضيلة يملكها كل الجبابرة من اول التاريخ لحد الآن.
2- ثم انك أخذت جانباً وتركت جوانب، فاين نسب النجاح على مستوى مُثل الإسلام ومبادئه التي ناضل من اجلها النبي (صلى الله عليه وآله) واصحابه، أو على مستوى القرآن وتشريعاته والحديث وتفريعاته الا إذا حسبت منع تدوين الحديث من المنجزات، واين ذهبت حرمة المسلم ودمه وماله؟ الا أن تحسب قتل مالك ابن النويرة ووطيء زوجته من الحفاظ على حرمة المسلم واين ذهب تأمير وتولية الثقة الامين الكفوء الا ان تحسب تولية معاوية وبني امية وأمثالهم من هذا الباب، وغيرها وغيرها. وان أصررت على الإنكار، فنقول لك أولاً لنبحث هذه الوقائع، ثم نرجع الى تسليم ما أدعيت، ام تريدنا أن نغمض اعيننا ثم نقفز كما تريد أن تقفز أنت. وايضاً من قال أن مقياس الاحقية هو التوسع وكثرة الفتوحات وقوة الدولة بغض النظر عن مباديء الاسلام، والا كانت اميركا الآن هي الأحق لانها أقوى دولة وأكبر دولة، وكان رئيسها أحسن رئيس، وهذا ما لا يرضاه كل الناس فضلاً عن الأمريكيين أنفسهم.
3- يا أخي كأنك نسيت وأنت تقرر هذه المغالطة أن من احدى إشكالات أهل السنة على أمير المؤمنين (عليه السلام) هو القتال الذي نشب بين المسلمين أنفسهم، وتوقف حركة الفتوحات في زمنه حتى سجله المؤرخون الأوربيون على أنه لولاه لما نجت اوربا، وقد صرحت أنت آنفاً بأن وحدة المسلمين قد أنشقت في زمانه، وتأتي الآن لتقول: فعل علي (رضي الله عنه) في خلافته وامتداد رقعة الاسلام وكثرة الفتوحات يدل على الفعل الصائب والخير العميم والإستفادة العظيمة للأمة الإسلامية من فترة خلافته!!! ألم تقرأ التاريخ أم ماذا؟ ونحن الشيعة الإمامية لا نقيس الخلافة بهذا المقياس، فلا يرد الإشكال علينا أصلاً.
ثم لا يوجد أي مؤرخ ولا خبير سياسي أو اجتماعي أو أي باحث يصب كل اللوم في انحطاط الامة على آخر خلفاء بني العباس، وانما يتدرجون في ذلك السابق فالسابق، وهذا ما نفعله نحن الى أن نوصله الى أول من غصب الخلافة وبنى هذا البنيان على الباطل، حتى وصل أمر المسلمين بمرور الزمن الى الوضع الراهن والى هؤلاء الحكام المتسلطين علينا الآن.
ومع ذلك فواقع المسلمين الآن لا يعطي ضابطة عقلية على أن كل من يتولى فهو غير كفوء أو لا دين له أو ... أو ... ، وانما يقومون حسب افعالهم وسلوكهم الشخصي ومدى قربهم أو بعدهم عن الإسلام ثم يحكم عليهم. فربما وجد هناك الحاكم الذي تنطبق عليه الموازين الشرعية، ولكنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً مقابل الإنحطاط الشامل للمسلمين وقوة اعدائهم الكثيرين. فالذي نريد أن نقوله أن انحطاط المسلمين وان كان يعطي مؤشراً عاماً لواقع حكام المسلمين على مر التاريخ ولكنه ليس ضابطة عقلية لا تتخلف تطبق على كل شخص شخص منهم، فاذا أردنا الحكم على كل واحد منهم بمفرده يجب أن نقيس افعاله على مباديء الإسلام وأحكامه، ولا يستثنى من ذلك أبو بكر أو غيره، وهل هذا ما نفعله نحن وأنتم ونتكلم فيه منذ مئات السنين ولحد الآن، فيهدي الله من يهدي ويضل من يضل. وقاعدة الأثر يدل على المؤثر فعلاً تطبق في كل النواحي لا في ناحية دون اخرى، فاذا رأينا في موضع أو في وقت فعلاً من شخص مخالف لحكم الله جعلناه كأثر يدل على ماهية ودين ذلك الشخص أي فاعله!!! واذا جئت بالتأويل هنا جئنا بالتأويلات هناك، واذا ادعيت العقل والمنطق والفطرة السليمة، ادعينا العقل والمنطق والفطرة السليمة والبديهية وحكم العقلاء وعرف الناس والقرآن والسنة والاجماع وسنن الله وافعال الأنبياء وما شئت فعدد!!!
المغالطة التاسعة:
1- بدوري اسئل هل هناك نص جلي من القرآن على عدد ركعات الصلاة أو فروض الزكاة أو افعال الحج مثلاً؟
الجواب: لا.
وعليه: يعد المسلمون الصلاة من أركان الدين، فهل هذا الأمر العظيم الجليل تُرك ذكره في القرآن؟ لا يعقل هذا!! فماذا تجيب. نعم أنك اجبت بأنه ذكر وجوب الصلاة ووجوب الجهاد... الخ، وايضاً ذكر وجوب وجود إمام على الأمة، ووجوب وجود وصي لكل نبي وانه سنة من سنن الله، ولم يذكر كما أدعيت أنت وجوب اختيار الإمام، ولا تأتي بآية (وأمرهم شورى بينهم) حتى لا تقع في التأويلات التي ترفضها وانت لا تدري، مع أنها ايضاً غير دالة على مطلوبك حتى بالتأويل، وتفسيرها في محله.
والجواب على السؤال: هو أن النبي (صلى الله عليه وآله) يفصل لنا الأحكام من عدد ركعات الصلاة وافعال الحج وغيرها ومثله أيضاً يبين الإمام المختار من قبل الله سبحانه وتعالى.
فالسؤال الأساسي بيننا منذ مئات السنين: هو هل عين الرسول (صلى الله عليه وآله) خليفة او لا؟، ولا داعي لما ذكرته اولاً من اسئلة وقد سبقك اسلافك اليها واجاب عنها ائمتنا بجوابهم المفحم: وإليك الجواب:
ورد في الكافي (ج1 ص286): قال سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن قول الله عزوجل (اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الأمر منكم) فقال: نزلت في علي بن أبي طالب والحسن والحسين (عليهم السلام) فقلت له: ان الناس يقولون: فما له لم يسم علياً وأهل بيته (عليهم السلام) في كتاب الله عزوجل؟ قال: فقال: قولوا لهم: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) نزلت عليه الصلاة ولم يسم الله لهم ثلاثاً ولا اربعاً، حتى كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو الذي فسر ذلك لهم، ونزلت عليه الزكاة ولم يسم لهم من كل اربعين درهماً درهم حتى كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو الذي فسّر ذلك لهم، ونزلت (اطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) ونزلت في علي والحسن والحسين - فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): في علي من كنت مولاه فعلي مولاه... (الحديث).
2- واما سؤالك عن الوصية، فسؤال سخيف، ألم تقل نحن لا نريد الدخول في التأويل والنقل والبقاء على حكم العقل الفطري فقط، وهل سؤالك الا رجوع الى النقل والتأويلات؟ ثم ألم تقرأ كتب الشيعة الإمامية وأهل السنة حتى تعرف أدلة الشيعة على إثبات الوصية وأدلة أهل السنة على نفيها؟ ثم تقول اين الوصية؟ ولم لم تكتب؟ كأنك تريد أن نعيد لك تراث المسلمين كله منذ مئات السنين ولحد الآن.
يا أخي العاقل يطلع أولاً على ما كتب ثم يأتي بسؤال جديد، ولا يجعل نفسه كمغفل ويسأل سؤالاً أجيب عليه آلاف المرات، ثم يدعي التعقل. نعم، نحن نقول: أن هناك وصية من الرسول (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) بالخلافة، وانها مشهورة وانه قالها أمام الناس، في عدة مرات وبأساليب مختلفة وبنصوص حديثية وصلت الينا وتسمى بأسماء معروفة كحديث الغدير والدار، والمنزلة وغيرها. ثم لا أعرف الربط بين الصحيفة والوصية، فان أحد أدلة الوصية عندنا صحيفة اراد النبي (صلى الله عليه وآله) أن يكتبها قبل وفاته لعموم المسلمين فمنعها منه عمر (الذي من المفروض انه في جيش أسامة)، لما فطن لما ستحويه، ثم اوصى بها النبي (صلى الله عليه وآله) أهل بيته خاصة، ونقلتها الشيعة في كتبهم، فقولك أين هي، ما هو الا تغابي ليس إلا!! وقولك لم لم تكتب وهي على تلك الدرجة من الخطورة؟ فأقول لك: ما قيمتها؟ بعد أن يجتمع المنافقون وزعماء قريش الذين قرروا غصب الخلافة على أنها هذيان من النبي (صلى الله عليه وآله) - والعياذ بالله - ، وهل سوف يبقى دليل حي مجسد على هذيان النبي (صلى الله عليه وآله) غيرها؟ وبالتالي جواز هذيانه بالقرآن، فبطلان النبوة فذهاب الاسلام. وهل غير هذا ما يريده عمر؟ فتركها الإنسان الكامل المسدد من الله افضل الأنبياء والرسل، حفاظاً على الاسلام ولم يكتبها أمامهم ووصى بها أهل بيته خاصة.
3- وفي الأخير اسأل: هل بين آدم احكام الله لولده، فلماذا اختلفوا بعده؟ وكذا نوح وابراهيم وبقية الأنبياء، وهل بشر موسى (عليه السلام) بعيسى (عليه السلام) ومحمد (صلى الله عليه وآله)؟ وبشر عيسى (عليه السلام) بمحمد (صلى الله عليه وآله)؟ فلماذا اختلف بنو اسرائيل بعده ولم يؤمنوا لا بعيسى ولا بمحمد؟ ولم يؤمن النصارى بمحمد (صلى الله عليه وآله).
وهل بين الرسول للمسلمين احكام الإسلام وعقائده؟ فلماذا اختلفوا بعده؟ وهل بين لهم احكام الوضوء؟ بل أكثر كان يمارسه أمامهم كل يوم، فلماذا اختلفوا فيه بعده؟ وهل كان السبب في كل ذلك سوى الهوى والدنيا والأنا والكفر والطغيان.
إنا لو قلنا إن المقياس للحق هو عدم الاختلاف، لما ثبت عندنا احقية نبوة من النبوات، ولا كان هناك داع لان ينصب الله للبشر حجة وعلم على الحق من رسل وانبياء واوصياء، فلا معنى لذلك، حيث يتفق الناس على شخص فيكون هو الحق، ونبي أو وصي ويختلفوا على آخر فيكون هو الباطل وليس نبياً ولا وصياً.
ومن ذلك نقول أن أمر الإمامة كالنبوة ليس للناس فيه نصيب الا الطاعة. بل يكفينا أنه توجد ثلة من الناس تبقى مؤمنة بالحق وان قلوا، وان الحجة على دين الله قائمة فيها، آمن بها من آمن وكفر بها من كفر. والى هنا اعتذر عن قصر الجواب، وعدم دعمه بالنصوص من القرآن والسنة، فانها مباحث طويلة الذيل.
واعتذر عن عدم التفصيل بالنقض والإبرام وايراد الاستلزامات، فان كل كلمة من كلامه يرد عليها إشكال، ولكن الطريقة واحدة وعليك أنت أن تفرع وتحشد ما شئت من الفروع والإلزامات.
ودمتم في رعاية الله