الأخ فايز المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
من المعلوم لديكم أن أحكام الشريعة المقدسة قد نزلت بالتدرج ولم تنزل دفعة واحدة. فانك تجد مثلاً أن النطق بالشهادتين في أول الدعوة مدعاة لعصمة المال والدم كما ورد في الأحاديث الشريفة المتضافرة : (لا أزال أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقّها وحسابهم على الله) (كتاب الأم للشافعي 6 / 157 ، والبحار للمجلسي 68 / 242). ثم بعد نزول الفرائض وتوسع الأحكام قال النبي (صلى الله عليه وآله) : (من شهد أن لا إله الا الله ، واستقبل قبلتنا وصلى صلاتنا ، وأكل ذبيحتنا ، فذلك المسلم ، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم) (جامع الأصول لابن الأثير 1 / 158 ـ 159).
لذا فالرسائل التي بعثها النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) الى رؤساء البلدان في أول الدعوة كانت وفق هذا السياق، وهو اعلان التوحيد الذي أراده الله سبحانه بأن لا يشرك به عباده شيئاً والاقرار بنبوة نبيّه محمد (صلى الله عليه وآله) الذي يعني التسليم بكل ما سيبلّغه النبي (صلى الله عليه وآله) للأمة، ومنها ولاية علي (عليه السلام) التي نزل أمر الله سبحانه للنبي (صلى الله عليه وآله) بالتبليغ بها في آخر الدعوة، كما هو المعلوم في قوله تعالى: (( يا أيها النبي بلّغ ما أنزل إليك من ربّك... والله يعصمك من الناس...)) ، وقد جمع النبي (صلى الله عليه وآله) أصحابه في ذلك الموقع الذي يقال له غدير خم في حادثة مشهورة معروفة ليخبرهم بأمر الله في التبليغ بولاية علي (عليه السلام)، وبعد التبليغ بولايته (عليه السلام) نزل قوله تعالى: (( اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً )).
نعم، ورد التبليغ بولاية علي (عليه السلام) وخلافته بعد النبي (صلى الله عليه وآله) في موارد خاصة ـ لا على نحو التبليغ العام كما جرى في غدير خم ـ كما في يوم الدار عند نزول قوله تعالى: (( وانذر عشيرتك الأقربين )) حيث قال النبي (صلى الله عليه وآله) آخذاً بيد علي (عليه السلام) : ان هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له واطيعوا) (يمكن مراجعة تاريخ الطبري ج2 ص 217 حيث ذكره بطرق متعددة، والكامل في التاريخ لابن الاثير ج2 ص 22 ، وكذلك تاريخ ابي الفداء ج1 ص116 ، وقد أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده في ج1 ص 11 ، ص 159 وغيرها من المصادر ) .. ولعلّ للتأخر في الابلاغ العام بولاية علي (عليه السلام) أسباب كثيرة: منها موقع سيف علي (عليه السلام) في الذود عن حمى الرسالة ووتره لكل القبائل العربية بقتل أبنائها في الحروب التي واجهوا بها النبي (صلى الله عليه وآله) ، ولخصائصه النفسية وقربه الشديد من رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث جعله موضع حسد البعض وتحاملهم عليه ، لذا نجد النبي (صلى الله عليه وآله) يخشى التبليغ بأمر الولاية بشكل عام, والله سبحانه قد علم من نبيه (صلى الله عليه وآله) هذه الخشية فأخبره سبحانه بأنه سيعصمه من الناس من حيث القتل والتكذيب عند التبليغ، وقد وفى سبحانه لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بما وعده عليه حيث سلّم جميع الحاضرين في يوم غدير خم على الإمام علي (عليه السلام) بالولاية، وقد اشتهر قول أبي بكر وعمر في تلك الواقعة : ((أصبحت وأمسيت يا علي بن أبي طالب مولاي ومولى كل مؤمن و مؤمنة)).
ودمتم في رعاية الله