طرح بعض المعاندين نقلا عن الكاشاني بعض الأسئلة حول اختلاف علمائنا في المسائل الفرعية فما هو حقيقة هذا الأمر؟
وقد كان هذا طرحه:
قال الفيض الكاشاني يقول عن شيعته: (تراهم يختلفون في المسألة الواحدة على عشرين قولاً أو ثلاثين أو أزيد، بل لو شئت أقول: لم تبق مسألة فرعية لم يختلفوا فيها أو في بعض متعلقاتها).
فماذا نفعكم أئمتكم المعصومون؟؟
لم لم يعصموكم عن هذا التخبط؟؟
جاءكم أئمتكم بثلاثين نصاً مختلفاً في مسألة واحدة؟؟؟
فأين الحق الذي هو واحد عند الله تعالى ؟؟
الأخ محمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نجيب على هذا المغالط بجوابي النقض والحل:
أولاً: فأما الجواب عن طريق النقض:
نقول له: ان الله بعث آلاف الأنبياء وأرسل عدة رسل وأنزل عدة كتب وكل هذا لم يهدي البشر ولم يصلح حالها، فما هو نفع البشرية من بعث الأنبياء وإرسال الرسول وإنزال الكتب؟
إذ نحن نقول بحق أئمتنا (عليهم السلام) أن الله نصبهم ولا نقول نحن الذين اخترناهم لرفع خلافنا, فلا بد أن يصاغ الاعتراض هكذا : ماذا نفع الشيعة تنصيب الله الأئمة (عليهم السلام) لهم إذا لم يرفعوا خلافهم؟
فيكون جوابنا بما يجاب على النقض المتقدم بالأنبياء (عليهم السلام)، بل ننقض بنفس بعثة نبينا (صلى الله عليه وآله) وإنزال القرآن، وهما معصومان لا يدخلهما الاختلاف ومع ذلك لم يرفعا الاختلاف بين المسلمين، فعلى القياس يجب أن تقول ما الفائدة من بعثة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) وإنزال القرآن عليه؟!
ولا يخفى عليكم ما في هذا القول من اعتراض على حكمة الله وعدم فهم الغاية من بعث الأنبياء وإنزال الكتب ومعنى حجتهم وولايتهم على البشرية وعدم فهم وإدراك لقاعدة اللطف ولزوم وجود الحجة ومنار الحق على طول عصور البشرية.
ولمعترض أن يقول مادامت نبوة محمد (صلى الله عليه وآله) وقرآنه لم يرفعا الاختلاف بين البشرية فلنقتصر على نبوة عيسى (عليه السلام) وكتابه، وما دام عيسى (عليه السلام) وإنجيله لم يرفعا الخلاف أيضاً فلنقتصر على موسى (عليه السلام) وتوراته، ومادام موسى (عليه السلام) كذلك فلنرجع الى إبراهيم (عليه السلام) بل إلى نوح (عليه السلام) بل إلى آدم (عليه السلام)، بل لا فائدة في بعث الكل (معاذ الله) وما كان هناك من داع لبعثتهم من البداية... الخ وإذا أراد المعترض من هذا ابطال إمامة أئمتنا (عليهم السلام) كما هو غرضه، فأنه ينجر بالنقض إلى ابطال نبوة الأنبياء والاعتراض على حكمة الله وما إلى هذا من سبيل إلا من ملحد ، والجواب معه غير الجواب، بل يكون عن طريق إثبات التوحيد والنبوة وتوضيح قاعدة اللطف واثبات حكمة الله وما إلى ذلك.
ثانياً: وأما الجواب عن طريق الحل:
فنقول: ان بعث الأنبياء (عليهم السلام) وتنصيب الأئمة (عليهم السلام) وجعلهم حجة الله في أرضه ومناراً للهدى وموئلاً لرجوع البشر إليهم عند الاختلاف وتحكيمهم عند التنازع شيء وتحقق رفع الاختلاف أو لزومه في الخارج من تنصيبهم شيء آخر.
فإن على الله الحكيم حسب قاعدة اللطف أن ينصب مناراً وحجة دائمة ما دامت الأرض والسماء إلى يوم القيامة حتى لا تكون لأحد على الله حجة له الحجة البالغة ، ومن ثم تصحيح فرض التكاليف عليهم مع أن صحة التكليف يوجب من جانب آخر بقائهم على الاختيار وعدم كونهم مجبورين على الهداية أو الضلالة حسب ما أودعه الله فيهم من القدرات والاستعدادات للعلم والمعرفة واختلاف غرائزهم وملكاتهم، وبالتالي لا بدية وقوع الاختلاف بينهم لسعة العلم وضيقه حسب استعداداتهم.
وإن إختار الناس بسوء سريرتهم أو باختلاف أذواقهم واستعداداتهم الإنحراف عن الطريق المستقيم وحبل الله المستقيم أو الاختلاف في الحق والباطل والصحيح والخطأ فلا يرجع الذم من العقلاء إلى من نصب لهم منار الهدى وهداهم إلى الطريق، بل ان العقلاء يذمونهم أنفسهم لأنهم سبب الاختلاف ولا يمكن لأحد أن ينفي فائدة هؤلاء الهداة بعد أن وضح وجود المتمسك بهم والأخذ منهم والمطيع لهم في كل عصر وبعد وضوح وجود فرقة من زمن آدم إلى الآن تحاول الإحاطة والتطبيق لكل ما فرضه الله من تكاليف عن طريق مبعوثيه ورسله وأصفيائه.
ثم هل يمكن رفع الاختلاف بتمامه من كل الجوانب أصلاً بين البشر أو أن الاختلاف طبيعة لازمة للنوع البشري بما أنه اجتماعي بالطبع، وأن هذا الاختلاف في مستوى استعدادات البشر المؤدي إلى توالد الاختلاف وتنوعه بينهم هو المميز لهذا المخلوق القادر باستخدامه لمختلف قدراته والمدافعة بينها ـ للوصول إلى أعلى درجات الكمال والرقي على شرط أن يسدد ويقوم من قبل أشخاص اختارهم صاحب الملك معصومين مفتى لا يشذون فكانوا مقياساً وميزانا للهداية والصواب والكمال والتقدم.
قال الله تعالى في محكم كتابه: (( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِيَحكُمَ بَينَ النَّاسِ فِيمَا اختَلَفُوا فِيهِ وَمَا اختَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعدِ مَا جَاءتهُمُ البَيِّنَاتُ بَغيًا بَينَهُم فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اختَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذنِهِ وَاللّهُ يَهدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّستَقِيمٍ )) (البقرة:213).
فتكون مهمة الأنبياء والأوصياء رفع الاختلاف الناشئ في أمور الدنيا أولاً ثم رفع الخلاف الناشئ في أمور الدين لاحقاً وهو الاختلاف الحاصل من نفس حملة الدين ممن أوتوا الكتاب، ورفع هذا الخلاف يكون بالتدرج نحو التكامل فكل رسالة لاحقة أكمل من سابقتها والأنبياء اللاحقين يكملون مهمة السابقين لا أنهم يلغون ما أنجزوه في صالح تقدم البشرية قبلهم، فمن تتبع عمل الأنبياء على طول مسار التاريخ يجد أنهم يعملون بتلاحق على تضييق شقة الاختلاف بين البشر وإزالة أصول النزاع والصراع الرئيسة ونقل البشر في أرائهم من التباين إلى التقابل ومن التقابل إلى العموم والخصوص من وجه ثم إلى العموم والخصوص المطلق، وهكذا تبقى البشرية بعد كل نبي أو وصي في مستوى من الخلاف أوطأ من السابق وفي مسألة خلافية أخص من قبلها فالاختلاف يتحول شيئاً فشيئاً من الأصول المتنافرة إلى اختلاف في الفروع من مميزات وصفات ولواحق للرأي الصحيح، فهم مثلاً سوف يتفقون على أصل التوحيد ولكن يختلفون في الصفات ثم يتفقون في الصفات بعد أرشاد النبي ويختلفون في عددها وهكذا.
فهل يحق للمعترض بعد هذا أن يقول ماذا فعل الأنبياء والأوصياء؟
وهكذا كانت مهمة أئمتنا (عليهم السلام) في الحقيقة هي تضييق مسائل الخلاف بين المسلمين والتقليل من كثرة تشعب الطرق بينهم، بل نجحوا في إلغاء الطرق المناقضة للرسالة تماماً، وشذبوا الطريق الحق بأن قللوا من تفرعاته بالتدريج إلى أن وصل المسلمون إلى ما وصلوا إليه الآن من اتفاق كبير على جملة من الأصول بحيث يبقون مسلمين وتكوين طائفة متميزة عن السجل الأعظم من المسلمين بأنها أقرب إلى الحق وأصل الرسالة والجل المتين والصراط المستقيم.
نعم، لولا حكومة علي (عليه السلام) ومباديه لكان من سمات الإسلام الحكم بأسلوب عثمان ومعاوية ولولا ثورة الحسين لرجعنا قهقرى جاهلية.
ولا يخفى عليك أننا لا ننكر أنه بقي كثير من الاختلاف في المسائل الفرعية الجزئية بعد غيبة إمامنا (عليه السلام) نشأت من خلال تطور الفقه واستحداث مسائل جديدة وحصول ابتلاءات فقهية لم تكن، ولكن السبب في عدم أخذنا من علومه لرفع اختلافنا هو تسلط الظالمين علينا بل أن هذا التسلط أدى إلى ذهاب الهدف الأهم وهو إنشاء الحكومة الإسلامية والعادلة وبسطها على الكرة الأرضية.
فالاختلاف في جزئيات الفروع ليس بشيء في مقابل ما فاتنا من فيوضات حكمه وعدله ومقابل مقدار تأخرنا الزمني وتأخر البشرية ككل في طي مراحل الكمال.
والكلام في هذا الباب واسع لا تكفي فيه هذه السطور ولكن نحاول فتحه لمن يريد السلوك.
فهل يصح بعد هذا أن يدعي مدع بالقول ماذا استفدنا من وجودهم (عليهم السلام)؟
ثم إن القول بوجود الاختلاف في المسألة الواحدة على ثلاثين قولاً ليس كما فهمه المستشكل ظاهراً فإن جمع الاختلاف وأقوال العلماء أجمعين في مسألة فقهية كلية. نعم، قد يصل إلى هذا العدد , مثلاً جميع أقوالهم في عنوان صلاة الجماعة مثلاً لأن عنوان صلاة الجماعة يشتمل على العديد من المسائل تحته وتحت هذه المسائل فروع ومسائل فإذا خالف أحد الفقهاء في فرع الفرع أو في ميزة هذا الفرع يكون قد أحدث قولاًَ جديداً في أصل عنوان صلاة الجماعة, وأما نفس الأقوال في فرع الفرع فإنها قد لا تتعدى الاثنين أو الثلاث وذلك لأن الأحكام الشرعية لا تتعدى الخمسة أصلاً فهي الحرمة والكراهة والإباحة وإلاستحباب والوجوب فكيف ستكون الأقوال ثلاثين ثم لا تنسى اختلافهم في وجه الاستدلال فإنه يعد نوعاً من الاختلاف أيضاً وهذا بالضبط ما موجود لدى علماء العامة فهل أفادتهم عصمة النبي (صلى الله عليه وآله) وعصمة القرآن في رفع الاختلاف مثلاً؟
وأما ادعائه بأن ما وصل إلينا من الأقوال الثلاثين فهو عن الأئمة بأن كان هنالك ثلاثين رواية مختلفة، فهو من جيبه لم يقله الكاشاني، بل الذي صدر من الأئمة (ع) حق واحد كالصادر من قبل الرسول (صلى الله عليه وآله) والنازل في القرآن, وأما الاختلاف فهو منا كما شرحنا آنفاً، فلاحظ.
ودمتم في رعاية الله