الاسئلة و الأجوبة » الإمامة » لا بدية وجود الحجة في كل زمان لا يلازم حضوره جسداً في كل مكان


هيثم / مصر
السؤال: لا بدية وجود الحجة في كل زمان لا يلازم حضوره جسداً في كل مكان
ما دام لا يتوفر وجود حجة في كل مكان فهذا يعني ان الحجة قد لا توجد ايضا في كل زمان فلماذا توجبون وجود حجة في كل زمان وعدم وجودها في كل مكان اذ توجد بعض المناطق التي لم تصل اليها وجود الرسول او الائمة او الكتب والروايات؟؟
الجواب:

الأخ هيثم المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سوف نجيب على سؤالك في مستويات عدة نتدرج فيها من الأسهل إلى الأصعب:
اعلم أن قولنا بوجوب وجود حجة في كل زمان يستند على خصوصية معنى (الحجة) وفرادته , فالزمان أوفق بالمراد من تلك الخصوصية والفرادة لا المكان، لأن القول بوجوب وجود حجة في كل مكان إن فهم على ظاهره أخل بالخصوصية والفرادة التي لوحظت في الحجة ، فإن لازم ذلك أن يكون في كل مكان مكان من الأرض حجة , أي في كل شبر منها حجة، فنصبح أنا وأنت بل بكل الناس حجج ، فعلاوة على عدم جواز ذلك من الناحية الفعلية الواقعية باعتبار أن ليس كل أرض الله مسكونة بالناس، فالصحارى والبحار خالية عن البشر فإنه غير جائز أيضاً من الناحية المنطقية، إذ أن الناس المنتشرين في أرض الله لو كانوا كلهم حججاً لانتقض مفهوم الحجية من أصله ، لأن الحجة من الناس هو المجعول في مقام هدايتهم حال ضلالهم ومن تكون له فيهم منزلة يصح معها مراجعتهم له حال تنازعهم، لكي يرفع ذلك التنازع فيما بينهم والحجة في اللغة بمعنى الدليل والبرهان، وقيل هو الوجه الذي يكون به الظفر عند الخصومة، واطلاقه على الإنسان من جهة حيازته للدليل ومقدرته على الظفر ظاهر، ومن هنا تتضح فرادة وخصوصية معنى الحجة وينكشف سر عدم خلو الزمان منه ومن جهة ثانية فإن الزمان في سياق هذه العبارة لا يراد منه الزمان القياسي أي الوقت، فالظاهر أن المراد هو العصر أو الزمان بلحاظ حياة الناس في أمد محدود بمتوسط عمر الإنسان حيث أن وجود الحجة في كل زمان معناه وجوده في كل عصر ملحوظ فيه جميع المتعاصرين من بني البشر لا يشذ عنهم أحد ولازم ذلك أن يكون المكان مضمناً في المعنى، وإن لم يكن هذا اللازم بيناً.

كل ذلك على مستوى الدليل الظاهري المستفاد من اللغة والاصطلاح، ونتيجته قاضية أن خلو المكان من الإمام ممكن بلحاظ تعدد الأمكنة لا خلوه من المكان مطلقاً، إذ أن وجوده مثلاً في العراق يصدق معه أنه موجود على الأرض، فلم تخلو الأرض منه، وأي صرف للمعنى إلى الاستغراق لجزئيات المكان يترتب عليه التناقض كما أثبتنا.

ولكن للجواب شق فلسفي إن وفقت لإدراكه وفقت لخير كثير وهو: إن الإمام ـ كما ثبت في محله ـ هو العلة الغائية لخلق الكون ، لأنه أشرف الكائنات ، وأنت تعلم أن القاعدة الفلسفية القائلة: بأن الأخس إذا وجد فلابد أن يسبقه في الوجود ما هو أشرف منه، ويطلق على هذه القاعدة (قاعدة إمكان الأشرف)، ويتبين منها أن الحجة وهو أشرف الكائنات لايمكن أن يرتفع مع وجود الأخس، فثبت أنه لابد أن يكون موجوداً في كل حين لئلا يترتب عليه الأخلال بتلك القاعدة العقلية وأنت تعلم أن القاعدة العقلية لا تقبل التخصيص ففي تخصيصها نقضها.

ولو سلمنا جدلاً بأن القول بعدم خلو الزمان من الحجة دون المكان هو ترجيح بدون مرجح كما تريد أن تثبت أنت في سؤالك، فإن المعتبر في مقام وجود الإمام هو وجود نفسه الطاهرة المهيمنة على كافة الآفاق والأكوان لا خصوص وجود بدنه الطاهر، والنفس الملكوتية كنفس الحجة (عجل الله فرجه) لا تتقيد بشروط الزمان والمكان، فوجودها في زمان ما كناية عن جميع الأكوان ، أي أن لفظة الزمان في العبارة إنما هي إشارة إلى السعة الملكوتية للانفس المقدسة الطاهرة التي تطوي جميع الأمكنة والأزمنة.

ولكي يتضح لك المقصود أكثر، سنضرب لك مثلاً بالملائكة (عليهم السلام) وذلك من جهة اختصاصهم بالهيمنة على ما أنيط بهم من أدوار تستدعي أن لا يخلو منهم زمان ولا مكان، فمثلاً عزرائيل (عليه السلام) فإنه الملك الموكل بقبض الأرواح، فلو أن كارثة وقعت كزلزال أو أظهر من ذلك: انفجار قنبلة ذرية ، حيث يهلك في ثواني قليلة أكثر من مائة الف إنسان، فكيف يتمكن عزرائيل (عليه السلام) الحضور عند جميع من هلك لقبض روحه في نفس الآن لولا سعة وجوده الملكوتي الذي لا تقيده الامكنة والأزمنة .

وإن أبيت إلا أن لعزرائيل (عليه السلام) أعوان أرسلهم لأجل انجاز هذه المهمة في جميع الامكنة المتقاربة التي حدث فيه هذا الهلاك الذريع فإننا ننقض عليك بأن الإمام (عليه السلام) يمكن أن يرسل اعوانه في الآفاق سواء كان هؤلاء الاعوان بشراً أم أعواناً روحانيين (جن أو ملائكة) بحيث يمكن أن لا تخلو الأرض من حجة في جميع الأزمنة والأمكنة.

وهذا يقودنا إلى الجانب التشريعي من هذه القضية، فإن من مصاديق انطباق مفهوم العبارة هو أن وجود الإمام ببدنه الشريف وان كان في احد بلدان الأرض بحيث يخلو منه سائر البلدان الأخرى فإن وجود وكلائه وأتباعه ومندوبيه في تلك البلدان هو بمثابة وجوده لأن الوكيل كالأصيل في تبليغ الشرائع والأحكام فوكلاء الحجة من العلماء لهم مقام الحجية بالتبع فإذا انتشروا في بلاد الله لم تخل الأرض من حجة، وعلى هذا الأساس تؤخذ أحكام الشريعة اليوم عن العلماء الذين هم حجة على الخلق بنص الإمام (فإنهم حجتي عليكم) . وكذا في زمان ظهورة المقدس، يكون أصحابه الـ (313) هم قادة العالم والحجة على جميع البلدان كما ثبت في الروايات .
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال