بعد لثم أناملكم الشريفة, أبعث لسماحتكم تساؤلاتي التالية آملاً أن أحظى بالإجابة الوافية :
1- يزعم البعض أن هناك روايات عن الائمة عليهم الصلاة والسلام تذكر أن أي دولة تقوم قبل خروج الإمام الحجة عليه الصلاة والسلام فهي دولة غير شرعية!!فما مدى صحة هذه الروايات وثباتها وحجيتها ؟؟ وما المقصود منها إن صحت ؟؟
2- هل كان الأئمة الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم يشجعون الحركات الثورية الشيعية المتعددة التي حدثت في زمانهم ؟؟ وما موقفهم صلوات الله وسلامه عليهم من حركة إبراهيم ومحمد ذي النفس الزكية ؟؟
3- ما الأسباب التي دعت الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم عدم انتهاج المقاومة المسلحة ؟؟
4- لقد نفقل عن مالك بن أنس في بعض كتبنا نقلاً عن مصادر سنية قوله : (( ما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على بال بشر بأفضل من جعفر بن محمد الصادق )) غير أننا إذا رجعنا إلى المصادر السنية الحالية لا نجد هذه المقولة!فما هي المصادر السنية التي تنقل هذه العبارة نصاً ؟؟
ونسألكم الدعاء .
الأخ أبا أحمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نجيب على أسئلتكم بالترتيب كما يلي :
أولاً: نعم, هناك أحاديث وردت في مجاميعنا الحديثية تنهى وتستنكر الحركات والأنظمة السياسية قبل ظهور الحجة (عجل الله فرجه), ولكن يجب أن نلاحظ في المقام عدة أمور :
أ- إن هذه الروايات على طوائف من حيث السند, ففيها المعتبر وفيها غيره, وعليه فلابد من التأكد في جانب السند حتى يكون الحديث حجة في المقام .
ب- إن النهي الوارد في بعض هذه النصوص هو نهي إرشادي لا مولوي, أي أن الامام (عليه السلام) كان يريد أن يذكر بأن الحركة والنهضة سوف لا تثمر ولن تصيب الهدف, وإن كانت الغاية منها قد يستوجب التقدير والتأييد, ولكن بما أنها لن تستثمر ومن ثم تقع سلبياتها على الشيعة والامة, فان الائمة (عليهم السلام) كانوا ينهون عن التورط في هذه الحركات, وهذا ما حدث مع زيد بن علي (عليه السلام), فقد كان هو وهدفه ممدوحاً ومؤيداً من جانب الأئمة (عليهم السلام), ولكن بما أن الامام (عليه السلام) كان لا يرى نتيجة مثمرة من نهضته, كان تارةً يصرّح وأخرى يلوّح بما سيأول إليه أمره .
وفي عبارة مختصرة, إن النهي الوارد في بعض هذه الروايات كان لمصلحة الاحتفاظ على كيان التشيع عن الدخول في معركة غير متوازنة مع الحكم السائد .
وهذا يختلف جذرياً مع النهضة الحسينية, إذ كان القائد لها وهو الامام الحسين (عليه السلام) قد انتهج خطاً واستعمل اسلوباً خاصّاً في حركته أدت الى بقاء وإزدهار الفكر الشيعي الى يومنا هذا .
ج- إنّ النهي الوارد في بعض هذه الاحاديث نهي مضاف لا مطلق, أي أنّ الامام (عليه السلام) وبملاحظة المصالح كان قد ينهى عن التحرك والخروج لبعض الاشخاص والجهات, وهذا نظير نهي الامام (عليه السلام) عن التوغّل في المباحث الكلامية لبعض أصحابه, في حين كان يشجع البعض الآخر لتصدي هذا الأمر .
د- إنّ النهي الوارد في بعض هذه النصوص وإن كان مطلقاً, ولكنه قد قيد وخصص في فترات زمنية محددة فترى مثلاً انّ بعض الروايات تؤيّد حركة اليماني - وهي من الحركات التي تسبق الظهور - وتحث الناس بالمشي اليه, أو أنّ خروج الحسني او الخراساني وذي النفس الزكية وحركاتهم مؤيدة في الجملة, أو أن دولة الادارسة في المغرب - في أيامها الاول - كانت على صلة قريبة من بعض الأئمة (عليهم السلام), أو أن امارة علي بن الباقر (ع) في مشهد أردهال - منطقة قريبة من قم وكاشان - كانت بتنصيص صريح من الامام (عليه السلام), ونظائر أخرى .
ثانياً: نعم, ان الأئمة (عليهم السلام) لو كانوا يرون مصلحة في تأييد بعض الجهات والحركات, كانوا يدعمونهم باليد واللسان في حدود التقية, ولكن بما أن أكثر التحركات لم تكن صالحة ومثمرة, والبعض القليل منها وإن كانت على حق ولكن لم تعط النتائج المتوقعة منها, لم يبدوا إهتماماً جاداً في هذا المجال .
ثم إن خروج ابراهيم ومحمد ذي النفس الزكية يجب أن ينظر اليه من هذه الزاوية, فالامام (عليه السلام) وإن كان يعلم صدق نيتهما, ولكن بما أنه كان يرى عدم الفائدة في ذلك المقطع من الزمن في التحرك على الطاغية لعدم تهيّؤ الأرضية المناسبة لهذه الحركة, لم يشجعهما ولم يحث الشيعة بالالتحاق بهما .
ثالثاً: السبب الوحيد في هذا المجال هو عدم إستجابة الخط العام في المجتمع لفكرة الإمامة, ويؤيد هذا الموضوع عدم رضوخهم لحكومة أمير المؤمنين (عليه السلام), وانحيازهم الى جانب معاوية في مجابهته للامام الحسن (عليه السلام), وأخيراً استشهاد أبي عبدالله الحسين (عليه السلام) وعدم وقوفهم معه في وجه يزيد بن معاوية .كل هذا كان دليلاً واضحاً على أن عامة الناس يفضلون البقاء تحت إمرة الطواغيت ولا يستجيبون للحق الا القليل منهم .
وفي هذه الظروف لا يمكن اتخاذ اسلوب الكفاح المسلح, لانه لا يثمر النتيجة المتوخّاه, وتبقى الخسائر في الارواح والاموال على ارض الصراع دون ثمرة .
رابعاً: نعم, جاءت هذه العبارة بصورة مرفوعة عن مالك بن انس في كتاب (مناقب آل ابي طالب) لابن شهر آشوب (مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب 3/372). ولا يخفى علينا أن ابن شهر آشوب ثقة في نقله حتى عند أهل السنة - فضلاً عن الشيعة فإنه من أجلة علمائها - .
ودمتم في رعاية الله