ودمتم لنا بألف خير
الأخ علي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لا يخفى عليكم أن أوّل من أقام العزاء على سيّد الشهداء ابي عبد الله الحسين (عليه السلام) هو رسول الله (صلى الله عليه وآله) فعن أم الفضل بنت الحارث، أنها دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالت : يا رسول الله إني رأيت حلما منكراً الليلة ، قال : وماهو ؟ قالت : رأيت كأن قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري . فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : رأيت خيرا ، تلد فاطمة غلاما فيكون في حجرك ، فولدت فاطمة الحسين فكان في حجري كما قال رسول الله فدخلت يوما الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فوضعته في حجره ، ثم حانت منّي التفاتة فاذا عينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) تهريقان من الدموع فقلت : يا نبي الله بأبي أنت وأمي مالك ؟ قال : أتاني جبرئيل فأخبرني أن امتي ستقتل ابني هذا، فقلت : هذا ؟ فقال : نعم ، وأتاني بتربة من تربته حمراء .
الحاكم النيسابوري / المستدرك على الصحيحين : 3 / 176 .
وعن أم سلمة قالت : كان الحسن والحسين يلعبان بين يدي النبي (صلى الله عليه وآله) في بيتي فنزل جبريل فقال : يا محمد إنّ امّتك تقتل ابنك هذا من بعدك فأومأ بيده الى الحسين ، فبكى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وضمّه الى صدره ثم قال : يا رسول الله وديعة عندك هذه التربة ، فشمّها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال : ريح كرب وبلاء . قالت: وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا أم سلمةاذا تحولت هذه التربةدماً فاعلمي أن ابني قدقتل
الطبراني / المعجم الكبير / ترجمة الحسين السبط (عليه السلام) .
وهناك روايات اخرى كثيرة في هذا المجال فيمكنكم مراجعة :
مسند احمد 3 : 242 .
القسطلاني / المواهب 2 : 195 .
السيوطي / الخصائص الكبرى 2 : 125 .
كنز العمّال 6 : 223 .
ذخاير العقبى : 147 .
الفصول المهمّة : 154 .
مجمع الزوائد 9 : 188 .
وهكذا تجد ائمة اهل البيت (عليهم السلام) اقاموا العزاء على الحسين (عليه السلام) وأمرونا بذلك وبإظهار الحزن .
ومن هذا المنطلق اخذت الشيعة الاماميّة تعمل بهذه الوصية فتظهر مختلف علامات الحزن والعزاء على الامام الحسين (عليه السلام) كلّ بحسب منطقته وعاداته وتقاليده .
فبعضهم اتخذ مثلا اللطم على الصدور طريقة من طرق اظهار الحزن ليظهر من خلاله حبّه وولاءه الشديد لابي عبد الله الحسين (عليه السلام) واعتبروه عملاً راجحاً يتوقّعون فيه الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى ودليلهم على جوازه اجماع علماء الطائفة الشيعية عليه وبعض الروايات منها ما رواه الشيخ الطوسي في كتابه التهذيب 2 / 283 في آخر الكفّارات عن الامام الصادق (عليه السلام) أنّه قال : ( ولقد شققن الفاطميات الجيوب ولطمن الخدود على الحسين بن علي ، وعلى مثله تلطم الخدود وتشق الجيوب ) وذكر هذه الرواية أيضا الشهيد في الذكرى في البحث الرابع من المطلب الثالث من احكام الاموات فراجعوا .
ودمتم في رعاية الله
فكيف نثبت جواز اللطم على المعصومين (عليهم السلام) ؟
الأخ موالي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ الروايات المانعة التي أشرت إليها عند العامة إن صحّت سنداً فإنّها تدلّ على المنع من البكاء على الميّت على نحو الإطلاق ، فيمكن الذبّ والدفاع عن الروايات المجوّزة - كالتي وردت في جواب بعض الأخوة - بأنّ هذه الأحاديث خاصة في مورد الإمام الحسين (عليه السلام) فتخصّص تلك الاطلاقات بهذه المخصّصات وهذا أسلوب مألوف في علم الأصول - كما هو ثابت في محلّة - لجمع الأدلّة ونفي التعارض بينها .
على أنّ الروايات المانعة المشار إليها هي بنفسها - مع غضّ النظر عن الأخبار الواردة في شأن الحسين (عليه السلام) - متعارضة مع روايات أخرى في مصادر أهل السنة ، فورد في بعضها أنّ عائشة ردّت هذه الروايات ونقلت صور أخرى لا تدلّ على المنع (مسند أحمد 1/41 ، 42 - صحيح البخاري / كتاب الجنائز - صحيح مسلم 1/344 وباب الميت يعذّب ببكاء أهله عليه - جامع الأصول 11/93 ، 94 ، 99 - اللؤلؤ المرجان فيما اتّفق عليه الشيخان لمحمّد فؤاد عبد الباقي 1/186 - إرشاد الساري 2/404 - سنن النسائي 4/17 باب النياحة على الميت) ويؤيد رواية عائشة ما ورد في صحيح البخاري من أنّ منع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) كان في مجال بكاء اليهود على أمواتهم . وورد أيضاً أنّ عمر هو بنفسه كان لا يمنع من إقامة الغراء والبكاء على الميت (كنز العمال 15/727 ، 730 ، 731 - فتح الباري 3/125 - أسد الغابة في معرفة الصحابة 1/588 - الاستيعاب / ترجمة نعمان) ؛ وجاء أيضاً في سيرة الصحابة ما يدلّ على المقام (الاستيعاب / ترجمة حجر بن عدي - الإصابة في تمييز الصحابة / ترجمة عثمان بن مظعون وترجمة قيس بن سفيان وترجمة قيس بن عاصم وترجمة شماس بن عثمان) .
وأمّا تعميم الحكم لباقي المعصومين (عليه السلام) فأوّلاً بالإطلاقات الواردة لتسرّي الأحكام من بعض المعصومين (عليهم السلام) على جميعهم - إلاّ إذا ورد خطاب يخصّص بعضهم دون بعض - ، وثانياً بنفس الرواية التي أوردناها في جواب بعض الأخوة إذ جاء فيها ( ... وعلى مثله (الحسين (عليه السلام)) تلطم الخدود وتشّق الجيوب ) ولا ريب أنّ المثيل الأوّل والأخير للمعصوم هو المعصوم (عليه السلام) ، وبالجملة نستنتج جواز وبل استحباب إقامة كافة أنواع العزاء - ومنها اللطم - على الحسين (عليه السلام) وباقي المعصومين (عليهم السلام) .
ودمتم في رعاية الله