الاخ محمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وردت فيه أخبار كثيرة, بل متواترة, وهي على طوائف، منها:
الطائفة الأوّلى:
ما ورد أن البكاء عليه يوجب غفران كل ذنب، كصحيح الريان بن شبيب عن الإمام الرضا عليه السلام في حديث : ((يا بن شبيب, إن كنت باكياً لشيئ فابك الحسين بن علي عليه السلام، فإنه ذبح كما يذبح الكبش، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً، ما لهم في الأرض شبيهون، ولقد بكت السموات السبع والارضون لقتله) ـ إلى أن قال ـ : (يا بن شبيب, إن بكيت على الحسين عليه السلام حتـّى تصير دموعك على خديك غفر الله لك كل ذنب أذنبته، صغيراً كان أو كبيراً، قليلاً كان أو كثيراً) (وسائل الشيعة ج10 ص393، حديث 55 باب66 من أبواب المزار).
وخبر الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله عليه السلام: ((من ذُكرنا عنده ففاضت عيناه ولو مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر) نفس المصدر الحديث1.
الطائفة الثانية:
ما ورد أن البكاء عليه يوجب غفران الذنوب العظام, كخبر إبراهيم بن أبي محمود, عن الرضا عليه السلام في حديث: ((فعلى مثل الحسين فليبكِ الباكون، فإن البكاء عليه يحظ الذنوب العظام) نفس المصدر, الحديث8 .
الطائفة الثالثة:
ما ورد أن البكاء عليه يمنع دخول النار على الباكي، كخبر الفضيل وفضالة عن أبي عبد الله عليه السلام: ((من ذُكرنا عنده ففاضت عيناه حرّم الله وجهه على النار)) نفس المصدر حديث19.
الطائفة الرابعة:
ما ورد أن البكاء عليه يوجب دخول الجنة، كخبر محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: (كان علي بن الحسين عليه السلام يقول: ((أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين عليه السلام، حتـّى تسيل على خديه, بوّأه الله بها غرفاً يسكنها أحقاباً، وأيما مؤمنٍ دمعت عيناه حتـّى تسيل على خده فيما مسنا من أذى من عدونا في الدنيا بوّأه الله مبوّأ صدق)) نفس المصدر حديث 3.
وخبر محمّد بن عمارة عن جعفر بن محمّد عليه السلام, قال: ((من دمعت عيناه فينا لدمٍ سفك لنا، أو حقٍ لنا نقصناه، أوعرضٍ أنتهك لنا، أو لأحد من شيعتنا بوّأه الله تعالى بها في الجنّة حقباً)) نفس المصدر حديث11.
وخبر أبي هارون المكفوف, قال أبو عبد الله عليه السلام في حديث: ((ومن ذُكر الحسين عنده فخرج من عينه من الدموع مقدار جناح ذباب كان ثوابه على الله, ولم يرضَ له بدون الجنّة)) نفس المصدر حديث14.
الطائفة الخامسة:
ما ورد ان البكاء عليه يوجب حضور الأئمّة عليهم السلام عند موت الباكي، كخبر مسمع بن عبد الملك، قال لي أبو عبد الله عليه السلام في حديث: ((أما تذكر ما صُنع به؟ ـ يعني بالحسين ـ, قلت : بلى, قال: أتجزع؟ قلت : أي واللهِ، واستعبر بذلك حتـّى يرى أهلي أثر ذلك عليّ، فامتنع من الطعام حتـّى يستبين ذلك في وجهي.
فقال: رحم الله دمعتك, أما إنك من الذين يُعدّون من أهل الجزع لنا، والذين يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا، أما إنك ترى عند موتك حضور آبائي لك, ووصيتهم ملك الموت بك, وما يلقونك به من البشارة أفضل، ولَملك الموت أرقّ عليك وأشدّ رحمة لك من الام الشفيقة على ولدها ـ إلى أن قال ـ : ((ما بكى أحدٌ رحمةً لنا ولما لقينا إلاّ رحمه الله قبل أن تخرج الدمعة من عينيه, فإذا سال دموعه على خدّه, فلو أن قطرة من دموعه سقطت في جهنم لأطفئت حرّها، حتـّى لا يُوجد لها حرّ )) ـ إلى أن قال ـ : ((وما من عين بكت إلاّ نعمت بالنظر إلى الكوثر، وسُقيت منه مع من أحبنّا) نفس المصدر حديث16.
الطائفة السادسة:
ما ورد أن البكاء عليه يُسعد فاطمة سيدة نساء العالمين عليها السلام, كما في خبر أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث: ((يا أبا بصير، إذا نظرت إلى وَلَدِ الحسين عليه السلام أتاني ما لا أملكه بما أُوتى إلى أبيهم وإليهم.
يا أبا بصير، إن فاطمة عليها السلام لتبكيه وتشهق ـ إلى أن قال ـ يا أبا بصير, أما تحب أن تكون فيمن يُسعد فاطمة عليها السلام, فبكيت حين قالها، فما قدرت على المنطق، وما قدرت على كلامي من البكاء)) كامل الزيارات ص169 ـ 171, باب 26، حديث9.
إلى غير ذلك من الطوائف والأخبار, ويكفينا في عظمة أجر البكاء، ما ورد في خبر معاوية بن وهب قال: استأذنت علي بن أبي عبد الله عليه السلام، فقيل لي : ادخل، فدخلتُ فوجدته في مصلاه، فجلست حتـّى قضى صلاته، فسمعته وهو يناجي ربه، وهو يقول:
((يا من خصنا بالكرامة، وخصّنا بالوصية، ووعدنا بالشفاعة، وأعطانا علم ما مضى وما بقي، وجعل أفئدة من الناس تهوى إلينا، اغفر لي ولإخواني, ولزوار قبر أبي, الحسين صلوات الله عليه, الذين أنفقوا أموالهم، وأشخصوا أبدانهم رغبة في برّنا، ورجاءً لما عندك في صلتنا، وسروراً ادخلوه على نبيك صلواتك عليه وآله وإجابة منهم لأمرنا وغيظاً أدخلوه على عدوّنا, أرادوا بذلك رضاك، فكافهم عنّا بالرضوان واكلأهم بالليل والنهار)) ـ إلى أن قال ـ : ((فارحم تلك الوجوه التي قد غيّرتها الشمس وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا، وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا، اللهم إني استودعك تلك الأنفس، وتلك الأبدان, حتـّى توافيهم على الحوض يوم العطش, فما زال وهو ساجد يدعو الله بهذا الدعاء)) الخبر، الوسائل ج10 ص320 ـ 321 حديث7، باب37، من ابواب المزار.
وبالدمع يمتزج العقل بالمحبة, والبرهان بالعاطفة, فتدخل الولاية في الوجدان كما دخلت في القلب، ليكون الانسانُ مدفوعاً للتمسك بهم شعوراً وقلبهاً بعدما كان متمسكاً بهم عقلاً.
واعلم أيضاً أن البكاء ممدود ومقصود، يأتي مع الهمزة وبدونها, فالبكاء ـ مقصود ـ خروج الدمع من العين, والبكاء ـ ممدود ـ خروج الدمع مع الصوت, وإذا خرج مع الصراخ فهو العويل.
واعلم أيضاً أن البكاء من سبعة امور: الحزن، الفرح، الخوف، الفزع، الشكر، خشية الله, ومن الرياء.
والبكاء من الرياء كبكاء اخوة يوسف, قال تعالى (( وَجَاؤُوا أَبَاهُم عِشَاء يَبكُونَ )) (يوسف:16)، وباقي اقسام البكاء معروفٌ عند الجميع.
واعلم أن أعظم أقسام البكاء ثواباً هو الخشية من الله، ففي الخبر ((كل عين باكية يوم القيامة إلاّ ثلاثة أعين : عينٌ بكت من خشية الله, وعينٌ غضّت عن محارم الله, وعينٌ باتت ساهرة في سبيل الله)) الوسائل ج11 ص117، حديث8، باب 15، من أبواب جهاد النفس.
وبهذا البكاء مع السجود يصل الإنسان إلى أعظم درجات القربى, قال تعالى: (( وَيَخِرُّونَ لِلأَذقَانِ يَبكُونَ وَيَزِيدُهُم خُشُوعاً )) (الإسراء:109).
والبكاء خشيةً ترجع منفعته إلى العبد, لأنه بكاء بسبب الذنب، بخلاف البكاء بسبب حبّ الله, فهو متمحض في التقرب لكون دافعه وفعله لله جل وعلا.
ومنه البكاء بسبب حبّ أوليائه، ومن أعظم مصاديقه البكاء على سيّد الشهداء الحسين بن علي عليه السلام, فلا محالة يكون ثوابه عظيماً، بل لا تقدير لثوابه، ففي الخبر عن أبي عبد الله عليه السلام : ((لكل شيء ثواب إلاّ الدمعة فينا)) كامل الزيارات ص211، باب33، حديث6.
واعلم أيضاً أن البكاء بكاءان, بكاء القلب وبكاء العين, وبكلاء العين معروف المصداق وتقدم الكلام في ثوابه.
وبكاء القلب بالهمّ والغمّ والحزن, ففي الخبر عن أبي عبد الله عليه السلام: ((نَفَسُ المهموم لظلمنا تسبيح, وهمّه لنا عبادة، وكتمان سرنا جهاد في سبيل الله، ثمّ قال أبو عبد الله: ((يجب أن يُكتب هذا الحديث بالذهب)) أمالي الطوسي ص115، حديث32، المجلس الرابع.
واعلم أيضاً أن عدم بكاء المعتقد بالولاية على الحسين عليه السلام عند ذكر مصابه إنما هو لأحد سببين, الذنب والكِبر.
أما الذنب ففي الخبر العلوي : ((ما جفت الدموع إلاّ لقسوة القلوب، وما قست القلوب إلاّ لكثرة الذنوب)) بحار الأنوار ج70 ص354، حديث60، باب137، من مساوئ الأخلاق, كتاب الإيمان والكفر.
وفي الخبر الصادقي عن آبائه عليهم السلام, عن رسول الله صلى الله عليه وآله : ((من علامات الشقاء جمود العين, وقسوة القلب، وشدة الحرص في طلب الرزق، والاصرار على الذنب)) نفس المصدر، حديث44.
وأما الكِبر, قال تعالى: (سَأَصرِفُ عَن آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرضِ بِغَيرِ الحَقِّ) الأعراف آية 146، وأيُّ آيةٍ أعظم من مصيبة أبي عبد الله عليه السلام.
وإذا خلى المؤمن من هذين مع التفاته إلى ما جرى على سيّد الشهداء عليه السلام, فلا بدّ أن يبكي, لذا ورد في الخبر عن الإمام الصادق عليه السلام : ((كنا عنده فذكرنا الحسين بن علي عليه السلام، وعلى قاتله لعنةُ الله عليه، فبكى أبو عبد الله عليه السلام وبكينا، ثمّ رفع رأسه فقال: قال الحسين بن علي عليه السلام : أنا قتيل العبرة، لا يذكرني مؤمن إلاّ بكى)) كامل الزيارات، باب36، حديث6، ص215.
إذا ذُكر الحُسين فأيّ عينٍ ***** تصونُ دموعها صونَ احتشام
بكته الأنبياء وغيرُ بَدعٍ ***** بأن تبكي الكرام على الكرام
وقال آخر:
نزف البكاء دموعَ عينك فاستعر ***** عيناً لغيرك دمعُها مدّار
من ذا يُعيرك عينه تبكي بها ***** ياليت عيناً بالبكاء تُعار
ومن جهة أخرى فالعجب من البعض كالشيخ البهبودي في حاشيته على فضل ثواب البكاء على سيّد الشهداء عليه السلام في بحار الأنوار ج44 ص293، وما بعدها، حيث ذهب إلى أن هذا الثواب محمول على زمن خاص, وهو زمن صدق عنوان الجهاد على البكاء, وهو مخصوص بزمن بني أمية، لأنهم أرادوا إماتة ذكر الحسين عليه السلام ومنع زيارته ومنع البكاء عليه.
وفيه: أن الأخبار المتقدمة مطلقة تشمل كل زمن وحال, بل بعضها يأبى عن التخصيص بزمن خاص كصحيح ابن شبيب عن الإمام الرضا عليه السلام : ((يا بن شبيب, إن سرّك أن تكون معنا في الدرجات العُلى من الجنان, فاحزن لحزننا وافرح لفرحنا، وعليك بولايتنا، فلو أن رجلاً تولى حجراً لحشره الله معه يومَ القيامة) الوسائل10 ص393، حديث5، باب66 من أبواب المزار.
وخبر الأربعمائة, قال أمير المؤمنين عليه السلام : ((إن الله تبارك وتعالى أطّلع على الأرض فاختارنا، واختار لنا شيعةً ينصروننا، يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا، ويبذلون أموالهم وانفسهم فينا، أولئك منّا وإلينا)) بحار الأنوار ج44 ص287، حديث26.
وخبر مسمع بن عبد الملك قال لي أبو عبد الله عليه السلام في حديث: ((رحم الله دمعتك, أما إنك من الذين يُعدون من أهل الجزع لنا، والذين يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا)) تقدم مصدره في الطائفة الخامسة.
بل كل الأخبار المتقدمة في ثواب البكاء أو جُلّها واردٌ في عصر بني العبّاس, وإذا جاز مضمونها لبقاء الروح الأموية، فكذلك يجوز مضمونها اليومَ لبقاء هذه الروح الخبيثة عند بعض المسلمين من غير الشيعة.
ومن جهة ثالثة لا خلاف بين الشيعة الإمامية اعزّهم الله نصاً وفتوى في جواز البكاء على الميت, قبل الدفن وبعده، كما في الحدائق ج4 ص162، للأخبار المستفيضة, بل التي لا تقصر عن التواتر كما في الجواهر ج4 ص364، منها:
ما رواه الصدوق: قال الصادق عليه السلام: ((لما مات إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وآله قال رسول الله: حزنا عليك يا إبراهيم, وإنا لصابرون, يحزن القلب وتدمع العين, ولا نقول ما يسخط الرب)) الوسائل ج2 ص921، حديث4، باب87 من ابواب الدفن.
وخبر ابن القداح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ((لما مات إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وآله, هَمَلت عين رسول الله صلى الله عليه وآله بالدموع، ثمّ قال رسول الله صلى الله عليه وآله: تدمع العين، ويحزن القلب, ولا نقول ما يسخط الرب، وإنّا يا إبراهيم لمحزونون)) نفس المصدر حديث3.
وما رواه الكليني باسناده عن أبي بصير، عن أحدهما عليهما السلام قال: ((لما ماتت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله قال رسول الله صلى الله عليه وآله الحقي بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون وأصحابه، قال: وفاطمة عليها السلام على شفير القبر تنحدر دموعها في القبر)) نفس المصدر حديث1؟
وما رواه الصدوق ((ان رسول الله صلى الله وعليه وآله حين جاءته وفاة جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة، كان إذا دخل بيته كثُر بكاؤه عليهما جداً، ويقول: كانا يحدّثاني ويؤنساني، فذهبا جميعاً)) نفس المصدر، حديث6.
وما رواه الطوسي في أماليه, بإسناده عن عائشة، قالت : ((لما مات إبراهيم بكى النبي صلى الله عليه وآله حتـّى جرت دموعه على لحيته, فقيل: يا رسول الله، تنهى عن البكاء أنت وتبكي؟ فقال: ليس هذا بكاء، وانما هي رحمة, ومن لا يَرحم لا يُرحم)) نفس المصدر, حديث8.
بل يستحب البكاء عند اشتداد الوجد لما في خبر منصور الصيقل قال: ((شكوت إلى أبي عبد الله عليه السلام وجداًً أوجدته على ابنِ لي هَلَك, حتـّى خفت على عقلي, فقال: إذا أصابك من هذا شئ فافضِ من دموعك فإنه يسكن عنك)) نفس المصدر, حديث2.
ولما اورده الصدوق قال: ((وقال الصادق عليه السلام: من خاف على نفسه من وجدٍ بمصيبةٍ فليفض من دموعه، فإنه يسكن عنه)) نفس المصدر حديث5، ولذا قال في الجواهر ج4 ص364 : ((بل ربما يظهر من بعض الأخبار استحبابه عند اشتداد الوجد)).
وأما عند العامة فنفس البكاء على الميت مباح عندهم بالاتفاق، ففي الفقه على المذاهب الاربعة ج1 ص484: ((يحرم البكاء على الميت برفع الصوت والصياح عند المالكية والحنفية، وقال الشافعية والحنابلة: إنّه مباح, أما هطل الدموع بدون صياح فإنه مباحٌ باتفاق)).
وفي المغني لابن قدامه ج2 ص410: ((أما البكاء بمجرده فلا يُكره في حالٍ، وقال الشافعي : يباح إلى أن تخرج الروح, ويُكره بعد ذلك, لما روى عبد الله بن عتيك قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وآله إلى عبد الله بن ثابت يعوده، فوجده قد غلب, فصاح به فلم يجبه، فاسترجع، وقال : غلبنا عليك أبا الربيع, فصاح النسوة وبكين، فجعل ابن عتيك يسكتهن، فقال له النبي صلى الله عليه وآله : دعهن فإذا وجب فلا تبكين باكية, يعني إذا مات.
ولنا ما روى أنس قال: ((شهدنا بنت رسول الله ورسول الله صلى الله عليه وآله جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان، وقبّل النبي صلى الله عليه وآله عثمان بن مظعون وهو ميت, ورفع رأسه وعيناه تهراقان)).
وقال أنس, قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ((أخذ الرايةَ زيدٌ فأصيب, ثمّ أخذها جعفر فأصيب, ثمّ أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب وإن عيني رسول الله صلى الله عليه وآله لتذرفان)) إلى آخر ما قاله.
وعليه فالحكم بكراهة البكاء على الميت بعد الموت كما عن الشافعي مردود بأخبارهم وأخبارنا.
هذا من ناحية الفتوى عندهم واما من ناحية أخبارهم فقسم منها يدل على الجواز وقسم يدل على النهي, ومن القسم الناهي:
ما اورده البيهقي في سننه ج4 ص118 ـ 123، بإسناده عن ابن الخطّاب عن النبي صلى الله عليه وآله قال: ((الميت يُعذب ببكاء الحي)) حديث165.
وبإسناده عن ابن عمر : ((أن حفصة بكت على عمر فقال: مهلاً يا بُنية، ألم تعلمي أن رسول الله صلى الله عليه وآله: قال : إن الميت ليُعذب ببكاء أهله عليه)) حديث 7166، وقال البيهقي عقيبه: ((رواه مسلم في الصحيح)).
وبإسناده عن أبي بردة بن أبي موسى, عن ابيه قال: ((لما طُعن عمر جعل صهيب يقول: وأخاه, فقال له عمر: يا صهيب, أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الميت ليُعذب ببكاء الحي)) حديث7167.
وقال البيهقي: ((رواه البخاري في الصحيح عن إسماعيل بن الخيل عن علي بن مسهر، ورواه مسلم عن علي بن حجر))، وبإسناده عن عبد الله بن عمر ((أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الميت ليعذب ببكاء الحي)). ولا يؤخذ بظاهرها لما روته العامة أنفسهم, كما رواه البيهقي بإسناده عن هشام بن عروة عن أبيه ((أن عائشة ذُكر عندها قول ابن عمر في المُعوّل عليه يُعذّب ببكاء أهله عليه فقالت : يُعذّب ببكاء أهله عليه؟ فقالت : يرحم الله أبا عبد الرحمن ـ كنية ابن عمر ـ سمع شيئاً فلم يحفظه، إنما مرّ بجنازة رجل من اليهود، فجعل أهله يبكونه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنهم ليبكونه, وإنه ليعذب)) نفس المصدر السابق حديث7172.
وما رواه البيهقي عن عبد الله بن أبي بكر, عن أبيه: ((أن عبد الله بن عمر لما مات رافع بن خديج, قال لهم : لا تبكوا عليه، فإن بكاء الحيّ عذابٌ للميت)).
وقال عن عمرة : فسألت عائشة عن ذلك، فقالت: ((يرحمه الله إنما قال رسول الله صلى الله عليه وآله ليهودية وأهلها يبكون : إنهم ليبكون عليها وانها لتعذب في قبرها)) نفس المصدر حديث7173.
وما رواه البيهقي بإسناده عن عمرة: ((أنها سمعت عائشة، وذُكر لها أن عبد الله بن عمر يقول: إن الميت ليُعذب ببكاء الحيّ, فقالت عائشة: اما أنّه لم يكذب، ولكنه أخطأ أو نسي, إنما مرّ رسول الله صلى الله عليه وآله على يهودية، وهي يبكي عليها اهلها، فقال: إنهم ليبكون عليها, وإنها لتعذب في قبرها)) نفس المصدر حديث7174.
وما رواه البيهقي بإسناده عن القاسم بن محمّد قال: ((لما بلغ عائشة قول عمر وابن عمر، قالت : إنكم لتحدثون عن غير كاذبين ولا مكذبين, ولكن السمع يخطئ)) حديث 7177.
فعائشة أنكرت هذه الأخبار عن النبي صلى الله عليه وآله، ونسبت الاشتباه أو النسيان إلى عمر وابنه، وإن حاولت العامة تفسير الاحاديث الناهية بغير ذلك، حفظاً لعمر وابنه عن النسيان والاشتباه راجع كتاب الذكرى للشهيد الأوّل ص72، المسألة الثالثة من البحث الرابع، من المطلب الثالث من مطالب الدفن.
وعلى كلٍ فقد روت العامة بكاء النبي صلى الله عليه وآله على السبط الشهيد أبي عبد الله الحسين عليه السلام كما في مستدرك الصحيحين ج3 ص194، حديث 4818، أورده الحاكم النيسابوري بإسناده عن ام الفضل بنت الحارث : ((أنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله, فقالت : يا رسول الله, إني رأيتُ حلماً منكراً الليلة, قال: وما هو؟
قالت: إنّه شديد، قال: وما هو؟
قالت: رأيت كأن قطعة من جسدك قُطعت, ووُضعت في حجري.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: رايت خيراً، تلد فاطمة ـ إن شاء الله ـ غلاماً, فيكون في حجرك.
فولدت فاطمةُ الحسينَ، فكان في حجري, كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله, فدخلت يوماً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله, فوضعتُه في حجره، ثمّ حانت مني التفاتة، فإذا عينا رسول الله صلى الله عليه وآله تهريقان من الدموع، فقلت : يا نبي الله, بأبي أنت وأمي, مالك؟ قال : أتاني جبريل عليه الصلاة والسلام، فأخبرني أن امتي ستقتل ابني هذا, فقلت : هذا؟
فقال : نعم, وأتاني بتربة من تربة حمراء)).
قال النيسابوري عقيب الخبر: ((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه)).
ودمتم في رعاية الله