السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ارجو الاجابة على هذه الشبهات :
*************************
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نعم اخي الكريم نظرت في الروابط التي بعثتها وبحثت في ما يخص وجوب التقليد ووجدت انه يستند الى هذه الرواية وانا لا اكذب أي رواية لأهل البيت (ع) على الاطلاق فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً على هواه مطيعاً لامر مولاه فاللعوام ان يقلدوه ...
وكما فهمت من كلامك ان ذلك لا يكون الا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم وسوف اوضح لك ما جمعته من اراء فقهاءنا (الشيعة) واذا اردت ان ازيدك فانا بخدمتك حتى لا تقول اني اقيس وان هذه آرائي فأنا ملتزم بخط اهل البيت ع وهم نهونا عن القياس :
1- أن هذه الرواية ضعيفة ومرسلة بإجماع الشيعة فلا يجوز الاستدلال بها –حسب قواعد الاصول التي وضعها الفقهاء الاصوليين- فكيف جاز للفقهاء الاستدلال بها ؟!!
2- أنها مؤولة في نقلة الأخبار وليس أصحاب الرأي والاجتهاد فتكون ظنية الدلالة وفي هذه الحالة أيضا لا يمكن للفقهاء الاستدلال بها لأنه يشترط في الدليل أن يكون قطعي الدلالة لا ظني.
3- أنها معارضة بروايات متواترة وصحيحة تمنع عن الإفتاء بالرأي والاجتهاد ومن البديهي انه عند تعارض أخبار متواترة مع خبر آحاد ضعيف تقدم الأخبار المتواترة ويؤول الخبر الضعيف ليوافقها أو يرد علمه إلى الله ورسوله (ص) والأئمة (ع).
4ـ ومع غظ النظر عن كل شيء فان الرواية ليس لها نص أو ظهور في وجوب التقليد بل ورد فيها ((فللعوام أن يقلدوه)) وهذه العبارة ظاهرة في التخيير وليس في الوجوب ، فكيف يصفها الفقهاء بأنها من الأخبار التي تشير إلى وجوب التقليد. ؟!!
وسأنقل لك بعض تعليقات الفقهاء المحققين في هذه الموضوع :
1- الحر العاملي في كتابه وسائل الشيعة ج18 ص94-95 ،قال بعد نقله للرواية: ((أقول: التقليد المرخص فيه هنا إنما هو قبول الرواية لا قبول الرأي والاجتهاد والظن وهذا واضح، وذلك لا خلاف فيه.....على أن هذا الحديث لا يجوز عند الأصوليين الاعتماد عليه في الأصول ولا في الفروع ، لأنه خبر واحد مرسل، ظني السند والمتن ضعيفا عندهم، ومعارضه متواتر قطعي السند والدلالة، ومع ذلك يحتمل الحمل على التقية)).
2- السيد الخميني رحمه الله في كتابه الاجتهاد والتقليد ص97، قال بعد كلام طويل في إثبات ونفي حجية هذه الرواية: (... كما ترى ، فالرواية مع ضعفها سنداً ، واغتشاشها متناً لا تصلح للحجية...).
فكان عليه السلام يدرس الطالب بحسب ما يراه مناسبا مع فهمه ، وكان الطالب يتلقى عنه ويكتب ما يفهمه منه . ومن هنا جاء مستوى التفسير منخفضاً عن مستوى الإمام بكثير . على أن روايته ضعيفة , ولا تصلح للإثبات التاريخي )). انتهى .
أقول: ان الكلام واضح في أن تفسير الحسن العسكري (ع) لا يصلح للإثبات التاريخي فكيف يحتج الفقهاء بها في قضية عقائدية وهو لا يصلح حتى للاستدلال الفقهي حسب قواعدهم.
3ـ المحقق الخوئي رحمه الله في كتابه الاجتهاد والتقليد ص81، قال بعد كلام طويل : (( ....ثم أن التكلم في مفهوم التقليد لا يكاد أن يترتب عليه ثمرة فقهية اللهم إلا في النذر. وذلك لعدم وروده في شيء من الروايات. نعم ورد في رواية الاحتجاج (( فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه )) إلا أنها رواية مرسلة غير قابلة للاعتماد عليها)).
وقال في ص221 :((أن الرواية ضعيفة السند لان التفسير المنسوب إلى العسكري -عليه السلام- لم تثبت بطريق قابل للاعتماد عليه فان في طريقه جملة من المجاهيل كمحمد بن القاسم الاسترابادي ، ويوسف بن محمد بن زياد ، وعلي بن محمد بنسيار فليلاحظ)) .
4ـ السيد محمد سعيد الحكيم في كتابه مصباح المنهاج –التقليدـ ص13، قال بعد كلام طويل: ((نعم قد يستفاد العموم من التوقيع الشريف : (وَأَمَّا الحَوَادِثُ الوَاقِعَةُ فَارجِعُوا فِيهَا إلى رُوَاةِ حَدِيثِنَا فَإِنَّهُم حُجَّتِي عَلَيكُم وَأَنَا حُجَّةُ اللَّهِ) . ومثلهما عن الاحتجاج من قوله عليه السلام : (فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه). وما عن أبي الحسن عليه السلام: (اعتمدوا في دينكم على كل مسن في حبنا، كثير القدم فيأمرنا) .
مضافاً إلى الإشكالات في الجميع بضعف السند ، خصوصا مع الأخيرين وعدم وضوح الإنجبار بعمل الأصحاب ومفروغيتهم عن الحكم ،لقرب احتمال اعتمادهم على الأدلة الأخرى فلا مجال للتعويل عليها في استفادة العموم )) انتهى .
وقد تعمدت نقل رأي الحر العاملي - صاحب وسائل الشيعة - بهذه الرواية لأنه من الشيعة الإخبارية ونقل رأي السيد الخميني والشهيد الصدر لأنهما من الشيعة الأصولية القائلين بالولاية العامة ، ورأي السيد الخوئي والسيد محمد سعيد الحكيم لأنهما من الشيعة الأصولية القائلين بالولاية الخاصة لا العامة ، ليتبين للقارئ المنصف أن الشيعة بكل فرقهم تقريباً لا يعتمدون على هذه الرواية في الاستدلال على وجوب التقليد لأنها غير تامة السند والدلالة .
وانقل لك ما اعرف من فرق بين الاصوليين والاخباريين من فقهاء الشيعة ...جاء عن الاخباريين من آراء اذ يقولون ان باب التعقل في الروايات مغلقة و يتكررون احاديثا في عدم جواز تناول العقول .
العقل التي لا يتناول الدين ليس العقول التي يستبطون الاحكام من الروايات اهل البيت اخي العزيز تلك العقول التي لاتتناول الدين بها هو من يعمل بالقياس والاستحسان كابي حنيفة لذا الروايات وردت في ردهم ان الفرق بين الاصوليين والاخباريين هو: الاصوليين وضعوا قواعد عقلية لاستنباط الاحكام الشرعية.
اما الاخباريين رفضوا الاستنباط خارج الروايات والقرآن.
الاصوليون إضافوا دليلين العقل والاجماع على دليلي محمد وآل محمد(ص) الاخباريون رفضوا هذين الدليلين.
وهو تصريح واضح من فقهاء الأصول بأنّ الثقلين لم يعودا قادرين على بيان الحكم الواقعي للناس فلزم أن يجد من يتصدى لهذا الأمر ويضع آليات جديدة تمكنه من استنباط الحكم الشرعي متناسين بذلك قول رسول الله(ص) الذي يحتجون به على أبناء العامة (إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ... ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا).) ألا يعد إضافة هذين الدليلين اجتهاداً مقابل النص ؟؟!! وتلك حجتنا على أبناء العامة ، وهي حجة صحيحة لأن الله سبحانه تعبدنا بالنص ولم يتعبدنا بالرأي!!!!
إلى غيرها من الأمور التي لو استقصاها باحث منصف لوضح له الانحراف العقائدي الغريب لدى الأصوليين.
وان قلت بان الاصوليين لا يخرجون عن القرآن والرواية فاريد منك ان تجيبني على سؤالي :
اعطني رواية تجوز صلاة الاجارة أو صيام الاجارة ؟
وانتظر جوابك اخي الكريم وفقكم الله واسأل الله لك ولي الاجر والثواب في تقصي الحقيقية وتتبع اثار اهل البيت عليهم السلام وليسامحنا ان اخطأنا او نسينا)).
*************************
أرجو الاجابة عن سخافات هذا الشخص.
والسلام عليكم و رحمة الله وبركاته.
الأخ مهدي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أولاً: ربما لا نحتاج إلى دليل نقلي في وجوب التقليد، وذلك لتسالم العقلاء في الرجوع إلى أهل الخبرة في كل أمر مجهول. فمن أصابه مرض ما فهو يرجع في ذلك إلى الطبيب، ومن أراد أن يعرف زيف معدن ما من أصالته - كالذهب - فهو يرجع فيه إلى الصائغ وهكذا .. فالرجوع إلى أهل الخبرة أمر عقلائي مركوز في ذهن وخاطر كل انسان.. وعلوم الشريعة هي احدى تلك العلوم التي توجب الإختصاص والتبحر فيها واستنباط الأحكام منها، فاذا كان البناء على ان التقليد ليس بواجب فهذا معناه ان يسعى كل انسان لتحصيل علوم الشريعة بنفسه واستنباط الأحكام منها للعمل بها وتحصيل فراغ الذمة من التكاليف المشغولة بها ذمته جزماً من صلاة وصوم وحج وزكاة وخمس وما شابه.. وهذا الأمر قد يعسر الوصول إليه - أي بلوغ درجة الاجتهاد واستنباط الأحكام - لأنه يتطلب جهوداً خاصة وتفرغاً تاماً للدرس والتحصيل مما قد لا يقدر عليه الكثير من الناس بل أن اغلب الناس كما هو مشاهد يهمهم تحصيل معاشهم أكثر مما يهمهم تحصيل العلم واستنباط الأحكام .. فلابد اذن في هذه الحالة من ان يتوفر ذوي اختصاص في هذا الجانب يقضون حاجة الناس في معرفة أحكام الشريعة ليعملوا بها، كما هو الشأن تماماً في وجوب توفر ذوي الاختصاص في الطب والهندسة والبناء والنجارة والصياغة وما شاكل ذلك ليقضوا حاجة الناس في الاختصاصات المذكورة.
والحاصل: ان هذا الأمر مطلب عقلائي تفرضه سيرة العقلاء ومرتكزاتهم في عودة الجاهل في الاختصاص إلى العالم في ذلك الاختصاص.. وهذه السيرة حجة لم يرد ردع عنها في الشريعة المقدسة، فقد كان الناس في زمان المعصومين(عليهم السلام) منذ أيام رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى نهاية الغيبة الصغرى للإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) يرجعون الى ذوي الاختصاص في كل احتياجاتهم ولم يلزمهم الشرع بأن يختصوا في كل شيء لا يرجعون إلى أحد في شيء بل تراهم يرجعون في كل أمر يجهلونه ولا يعرفون العمل فيه إلى ذوي الاختصاص والخبرة والشارع المقدس لم يردعهم عن هذه السيرة.. فدلَّ ذلك على إقراره لها، وهذا هو دليل حجيتها.
والعلوم الدينية - كما أسلفنا - هي واحدة من تلك العلوم التي توجب الاختصاص بها واستنباط الأحكام منها لغرض تفريغ الذمة من التكاليف المشغولة بها جزماً، والعودة إلى أهل الاختصاص فيها بمقتضى السيرة المتقدمة أمر سائغ شرعاً ولا مرية فيه بل هو واجب يفرضه العقل أيضاً إضافة للسيرة العقلائية المشار إليها سابقاً. إذا العقل يحكم بعد الجزم بثبوت أحكام إلزامية في حق المكلّف ، وأيضاً بعد العلم بأن الإنسان غير مفوض بأن يفعل ما يشاء ويترك ما يشاء من الأحكام، أو أن يأتي بها كيفما اتفق ... فهو يحكم - أي العقل - بلزوم الخروج عن عهدة التكاليف الواقعية التي اشتغلت بها الذمة يقيناً من صلاة وصوم وحج وزكاة وخمس وغيرها بالشكل الذي يؤمن المكلّف من التعرض للعقوبة في الآخرة.. وهذا الخروج منحصر في الاجتهاد والاحتياط والتقليد، ولا يوجد طريق رابع، فإذا تعسر الأولان - وهما متعسران على الكثيرين فعلاً - تعيّن الثالث، أي وجوب التقليد لتحصيل براءة الذمة والخروج من عهدة التكاليف واقعاً .. وهو المطلوب.
ومن هنا نفهم قول الفقهاء أنه لا حاجة إلى التقليد في الضروريات واليقينيات فالمكلّف العامي لا حاجة له في الرجوع إلى الفقيه ليخبره بوجوب أصل الصلاة عليه أو وجوب صوم شهر رمضان فهذا أمر معلوم مشهور يعرفه الصغار والكبار من المسلمين، ولكنه يرجع إليه في تفاصيل هذه الوجوبات وشرائطها وأحكامها التي يحتاج العلم بها إلى بحث وتحصيل في العلوم المختلفة في الشريعة للوصول إلى الحكم الشرعي فالمكلف العامي يرجع إلى الفقيه في خصوص ما يجهله وما لا يقدر على استنباطه ومعرفة أحكامه بيسر وسهوله..
وبهذا اللحاظ يمكنك أن تعتبر كل الأدلة النقلية الواردة في هذا الجانب هي مؤيّدة لهذه السيرة القطعية والحكم العقلي... فلا يضر بعد ذلك ضعفها أو صحتها في استفادة الحكم المذكور، أي وجوب التقليد وسواء قلنا أن الرواية المذكورة في السؤال مؤولة لنقلة الأخبار وغيرهم - مع أنها مؤوله أيضاً بأخذ الفتوى بحسب مفهوم التقليد في زماننا كما سيأتي بيانه - فهذا لا يضر في المطلوب بعد ثبوت السيرة القطعية عليه، وتبقى بقية الأدلة مؤيدة لهذا الدليل لا أكثر.
ثانياً: دعوى المستشكل أنه لا يمكن للفقهاء الاستدلال إلا بالأدلة القطعية الدلالة لا الظنية، فإن كان يريد بكلامه هذا عدم إمكان الاستدلال بالظني مطلقاً فهذا جهل محض بواقع الأدلة وأيضاً جهل بكيفية إثبات الحجة لها فالكتاب الكريم مثلاً قطعي السند ظني الدلالة، فهل تراه بحسب هذه الدعوى لا يصح الاستدلال به؟. وأيضاً الحديث الشريف ظني السند قطعي الدلالة فهل تراه يصح الاستدلال به لقطعية دلالته رغم ظنية السند مطلقاً - أي سواء كان ظنّاً معتبراً أو غيره - فإن كان كلام هذا المستشكل يستفاد منه ما هذا المعنى فهو جهل محض بواقع الأدلة وأيضاً جهل بكيفية إثبات الحجية لها، فالقرآن الكريم رغم ظنية دلالته هو حجة ويصح الأخذ بإطلاقه وعمومه عند عدم وجود المقيَّد والمخصصّ وايضاً الروايات الظنية السند لا يجوز الأخذ بها على إطلاقها رغم قطعية دلالتها وإنها الحجية لخصوص أخبار الثقات، التي ثبتت الحجية لها - أي أخبار الثقات - بدليلي السيرة القطعية والأدلة النقلية مثل آية النبأ والروايات المتضافرة الواردة في هذا الجانب وربما كان يشير في قوله في لزوم كون الدليل قطعياً إلى اعتباره وجوب التقليد من أصول الدين - أو كأنه يريد أن يقول أن الطرف الآخر يعتبره هكذا وأنا أريد أن ألزمه بذلك هنا - وهي أي هذه الأصول يجب الاستدلال عليها بالقطعي لا الظني، نقول: ان وجوب التقليد هو ليس من أصول الدين، وإنما هو أمر فطري عقلي دليله العقل والسيرة العقلائية كما تقدم بيانه.
ثالثاً: دعوى ان الرواية المذكورة - في أصل السؤال والإشكال - معارضة بروايات متواترة، وصحيحة تمنع عن الإفتاء بالرأي والاجتهاد..
نقول: وهذا دليل آخر على جهل هذا المستشكل وعدم اطلاعه على الموروث الروائي لأئمة أهل البيت والمنهي فيه عن الإفتاء بالرأي الاجتهاد والتي هي روايات خاصة بأولئك الذين يفتون بأدلة ما أنزل الله بها من سلطان كالقياس والاستحسان وما شابه، فهي تنهى عن الرأي والاجتهاد بهذا المعنى، ولا تنهى عن استفادة الحكم من نفس الدليل الشرعي الوارد عنهم (عليهم السلام).
وللفائدة يمكنكم الإطلاع على الحلقة الأولى للسيد محمد باقر الصدر تحت عنوان ((تطور معنى الاجتهاد))، وتلاحظوا بيانه (قدس سره) في هذا الجانب والتفرقة بين الاجتهاد المنهي عنه بالمعنى الذي اشرنا إليه، وبين الاجتهاد المصطلح الذي يراد به استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية.. فقد ضبط المستشكل في هذه المسألة ضبطت عشواء بشكل يثير الشفقة، وأثبت انه متطفل على العلم وأهله.
رابعاً: ناقش المستشكل في دلالة الرواية، وقال: (فعلى العوام أن يقلدوه) ليست ظاهرة في وجوب التقليد بل هي ظاهرة، في التخيير.
نقول: استظهر الوجوب منها جملة من الفقهاء والأصوليين كالوحيد البهبهاني (انظر الرسائل الفقهية: 37)، والشيخ النراقي في عوائد الأيام: 542، والشيخ الأنصاري في القضاء والشهادات: 241. والسيد اليزدي في العروة الوثقى ج1 ص24 شرائط المجتهد، والسيد الحكيم في مستمسك العروة الوثقى ج1 ص41، وهكذا غيرهم.
وأما ما نقله عن الحر العاملي (رحمه الله) فقد دفع الإحتجاج به بنفسه بعد أن ذكر انه من الشيعة الاخبارية أي أنه من الذين يرون حرمة التقليد، فهو لا يصح الاحتجاج بقوله على من يرى وجوب التقليد، بالإضافة إلى المناقشة في تعليله - وهو وارد في رفض التقليد المطلق - بأنه (أي التقليد) يستند على الرأي والاجتهاد والظن، وأن هذه الثلاثة كلها شيء واحد، مع أن هذا ليس تاماً، فحجية التقليد مأخوذة من حجية السيرة القطعية في الرجوع إلى ذوي الاختصاص في اختصاصهم، ولا مجال لإعمال الشك أو الظن بعد ثبوت هذه السيرة، فهل تراه يناقش المريض الطبيب إذا كتب له وصفة لدواء ما، وأنه هل كتبت لي هذه الوصفة بحسب رأيك الخاص وظنك الذي قد لا يصيب الواقع؟!
ان هذا غير وارد في معاملات الناس مع ذوي الاختصاص والخبرة، فكذلك الحال في تقليد الفقيه الجامع للشرائط.
ومن هنا نفهم أن بناء الحر العاملي على هذا التعليل هو الذي دعاه إلى عدم الأخذ بظهور الرواية كما أخذ به غيره، وقد تبيّن لنا أنه تعليل غير تام. بل يمكن أن يقال أن الحر العاملي قد رأى ظهور الرواية في وجوب التقليد فاحتاج إلى صرف هذا الظهور - الذي يخالف مبناه في حرمة التقليد - إلى التشبث بالتعليل المذكور، وأيضاً بحمل الرواية على التقية.. وإلا ما الوجه في قوله: ومع ذلك يحتمل الحمل على التقية، لولا ظهور الرواية في وجوب التقليد؟! فتأمل جيداً.
أما ما نقله عن السيد الخميني(قدس سره) في كتابه (الإجتهاد والتقليد) ص97، فكان الأولى نقل كلام السيد (قدس سره) بتمامه ليستبان المراد منه، ونحن هنا ننقل تمام كلامه (قدس) ليظهر المراد منه قال (قدس): (وأما من كان من الفقهاء...) إلى آخره، فيظهر منه: أن الذم لم يكن متوجهاً إلى تقليدهم في أصول العقائد، كالنبوة والإمامة بل متوجه إلى تقليد فساق العلماء، وأن عوامنا لو قلدوا علماءهم فيما قلد اليهود علماءهم، فلا بأس به إذا كانوا صائنين لأنفسهم، حافظين لدينهم... إلى آخره، فإخراج الأصول منه أخراج للمورد، وهو مستهجن، فلا بد من توجيه الرواية بوجه، أو رد علمها إلى أهلها. وأما حملها على حصول العلم من قول العلماء للعوام، لحسن ظنهم بهم، وعدم انقداح خلاف الواقع من قولهم، بل يكون قول العلماء لديهم صراح الواقع وعين الحقيقة ، فبعيد بل غير ممكن ، لتصريحها بأنهم لم يكونوا إلا ظانين بقول رؤسائهم، وأن عقلهم كان يحكم بعدم جواز تقليد الفاسق، مع أنه لو حصل العلم من قولهم لليهود، لم يتوجه إليهم ذم، بل لم يسم ذلك تقليداً.
وبالجملة: سوق الرواية إنما هو في التقليد الظني، الذي يمكن ردع قسم منه، والأمر بالعمل بقسم منه، والالتزام بجواز التقليد في الأصول أو في بعضها، كما ترى، فالرواية مع ضعفها، واغتشاشها متناً، لا تصلح للحجية.
ولكن يستفاد منها مع ضعف سندها أمر تاريخي يؤيد ما نحن بصدده، وهو أن التقليد بهذا المفهوم الذي في زماننا، كان شائعاً من زمن قديم، وهو زمان الأئمة أو قريب منه، أي من زمان تدوين تفسير الإمام أو من قبله بزمان طويل)) انتهى.
فالمقطع الأخير من كلامه (قدس سره) - الذي آثرنا نقله بطوله لتوضيح المراد - يستفاد منه ظهور الرواية في وجوب التقليد وان المراد به هو التقليد المتداول في أعصارنا، وعند العودة إلى هذا المفهوم في زماننا تجد أن العلماء بين قائل بوجوبه - وهم الأصوليون من الإمامية - أو قائل بحرمته - وهم الإخباريون منهم - ، والسيد الخميني (قدس سره) هو من الأصوليين فيكون قوله مطابق لقولهم في هذه المسألة بلحاظ هذه الرواية التي صرح ان مفهوم التقليد فيها يطابق مفهوم التقليد في زماننا، فتدبر.
نعم، هناك من صرح بالتخيير في التقليد إلا أنه ليس من جهة الجواز وعدم الوجوب رأساً، وإنما من جهة المورد الذي يمكن للمكلف أن يعمل فيه بالاحتياط وله خبره في ذلك ، فهو في هذا المورد يجوز له التخيير بين التقليد والإحتياط. (انظر: مستمسك العروة الوثقى 1: 10)
وأما قوله (قدس سره) عن اغتشاش المتن فهو ليس كما ذهب إليه هذا المستشكل من عدم استفادة الظهور في وجوب التقليد وإنما هو من جهة استفادة التقليد في الأصول وعدمه من هذه الرواية.. فالنص المقتطع المحتج به من قبل هذا المستشكل بعيد عن المدّعى بل المقطع الأخير الوارد في كلام السيد الخميني (قدس سره) ينسف هذه الدعوى - أي عدم استفادة الوجوب من الرواية ـ، وهذا كله ظاهر من كلامه (قدس سره) فراجع ذلك وتأمّله.
وأما قول المستشكل: أن كلام (السيد الشهيد الصدر) واضح في أن تفسير الحسن العسكري (ع) لا يصلح للإثبات التاريخي فكيف يحتج بها الفقهاء في قضية عقائدية وهو لا يصلح حتى للاستدلال الفقهي حسب قواعدهم.
نقول لا ندري ما هي القضية العقائدية التي أراد الفقهاء ان يحتجوا بها من خلال هذه الرواية، فالمستشكل لم يطرح في البحث سوى موضوع استفادة وجوب التقليد منها.. وقد تبين وهن ما يدعية والمناقشة في كل ما احتج به..
فلا ندري ذكره لهذا الكلام هنا إلا لزيادة الطنطنة، وهو يكشف عن تخبّطة وسوء فهمه ودغل سريرته.
وأيضاً كلام السيد الخوئي (قدس سره) الذي جاء به عن كتاب الاجتهاد والتقليد إنما هو في السند دون الدلالة، والمفروض أن المستشكل يحتج بكلامه (قده) من جهة الدلالة لا السند. وقد بيّنا سابقاً أن ضعف هذه الرواية أو غيرها لا يضر في اثبات وجوب التقليد الذي اثبت بالسيرة القطعية الممضاة شرعاً وبحكم العقل.
وأما ما نقله عن السيد الحكيم إنما هو في استفادة العموم من الرواية في الرجوع إلى العالم هل هو مختص بما يوجب القطع أم هو في مجال الإشارة إلى ما هو المعروف عند العرف من أخذ الفتوى من العالم وقبول قوله، فهو (حفظه الله) يتحدث عن العموم من هذه الناحية وليس من ناحية استفادة الوجوب وعدمه اذ لا يتصور استفادة ذلك من كلامه وخصوصاً عبارة (استفادة العموم) فهي لا يستفاد منها عدم الوجوب، وإلا كان عليه أن يقول (استفادة التعيين) الذي يعني تعيين الوجوب لا استفادة العموم..فتدبّر.
وعلى أية حال ما ذكره هذا المستشكل من أقوال واحتجاجات في هذا الجانب لا حجة له فيها على مدّعاه، واستفاداته المتقدمة كلها تدل على تخبط واضح وجهل فاضح.
وأما قوله: الأصوليون أضافوا دليلي العقل والإجماع على دليلي محمد وآل محمد..الخ.
نقول: دليل الاجماع في حقيقته يعود إلى السنة لأن الإمامية يأخذونه بالاعتبار إذا كان كاشفاً عن قول المعصوم (عليه السلام) فهذا الإجماع - ويسمى الإجماع المحصّل - هو الحجة، وما عداه - كالإجماع المدركي وما شابه من ارادة اتفاق الأقوال - هو ليس بحجة، والإجماع الذي هو حجة عندهم ، هو الذي يكشف عن قول المعصوم (عليه السلام)، وبالتالي يكون دليل الإجماع راجعاً إلى حجية السنة ومتفرعاً عليها.
وأما دليل العقل ، فهو ليس على نحو الموجبة الكلية وإنما هو على سبيل الموجبة الجزئية ، أي أنه يمكن استفادة الحكم الشرعي من حكم العقل في بعض الموارد التي لم يتوفر فيها النص الشرعي، كحكم العقل بوجوب المقدمة لوجوب ذيها.
فهنا عندما يحكم العقل مثلاً بوجوب طي المسافة لتحقيق الامتثال الواجب في يوم التاسع من ذي الحجة في منطقة عرفات، فهذا الحكم العقلي يحكم الشارع بوجوب أيضاً، الواجب في يوم التاسع من ذي الحجة في منطقة عرفات، فهذا الحكم العقلي يحكم الشارع بوجوبه أيضاً، مع أنه لم يرد نص في خصوص وجوب طي المسافة للوقوف في عرفات .. وامثال ذلك من الأحكام التي يدركها العقل وتدور رحاها في تحقيق الامتثال الشرعي، وقد أوضحه الأصوليون بإسهاب في بحث الملازمات العقلية وأبانوا فيه وجه الخلاف في ذلك بينهم وبين الأشاعرة من جهة والإخباريين من جهة أخرى.
فالدليل العقلي في واقعه ليس قسيماً للكتاب والسنة: وإنما يمكن عدّه دليلاً في مقام التحفظ على الحكم الصادر من الكتاب والسنة ومحاولة تحقيق امتثاله، وإلا ما معنى بحث الإجزاء والاشتغال وحرمة الاشتغال والضد وغيرها من المباحث العقلية التي هدفها التحفظ على الحكم الشرعي ومحاولة إصابته عند عدم وجود النص الشرعي.
فهذا لا يعد اجتهاداً مقابل النص - كما ادعى هذا المتشكل - وانما هو دليل يلجأ الفقيه إليه عند غياب النص ، ويحاول به الوصول إلى الحكم الشرعي والتحفظ عليه.
وأما بخصوص ما طلبه من آية من القرآن أو رواية تجيز صلاة الإجارة أو صوم الإجارة ونبيّن أن الحكم الحالي لصلاة وصوم الإجارة مبني على رأي الثقلين وليس على رأي الفقهاء..
نقول إن أصعب شيء يواجه أهل العلم هو محاورة الجاهل ، لأنه لا يعرف الكثير من المعارف التي تمنعه من فهم ما يطرح عليه من أدلة ، وإلا فما الذي يمنع هذا المستشكل من استفادة ما طلبه من دليل العموم الذي أشير إليه في الحدائق وغيرها، فهل تراه يريد إلغاء استفادة الأحكام من العمومات الواردة في القرآن والسنة الشريفة.. ان هذا محض جهل مركب ينبغي على صاحبه أن يتخلص منه..
ودمتم في رعاية الله