ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : لماذا يجب على المقلد أن يلتزم بتقليد فقيه معين ولا يحق له الرجوع إلى فقيه آخر مادام ذلك الفقيه حي يرزق ؟
الا تعتقد بأنه نوع من التسلط على حرية الفرد والغاء بند من بنود حرية الفرد ؟
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الرأي المتبع عند المحققين من علماء الشيعة هو تقليد الأعلم - مع فرض عدالته - فالفقيه إذا كان اعلماً لا وجه للرجوع منه إلى الآخرين, إذ لا حجية لرأي غير الأعلم بالنسبة للمقلد, والقدر المتيقن من حجية كلام غير المعصوم (عليه السلام) في الاحكام في عصر الغيبة هو قول الاعلم من الفقهاء .
نعم، لو تبدل الحال وأصبح غير الأعلم أعلماً أو ارتفعت صفة العدالة عند الاعلم فيجب حينئذف الرجوع والعدول إلى غيره ممن اتصف بالمواصفات المذكورة, أي : الأعلمية والعدالة .
وأما ما ذكرتموه من سلب حرية الفرد, فهو في غير محله, فان العقل باستقلاله - فضلاً عن الشرع والقواعد الأصولية - يؤيد متابعة الأعلم في كل مجال, أما ترى أن الانسان في مجالات الحياة عندما يرى موضعاً مختلفاً فيه يبحث عن رأي الأكثر خبرةً واختصاصاً في الموضوع, فهل هذا يعتبر سلباً لحريته ؟! وبعبارة أوضح : إن أصل التقليد هو الرجوع إلى أهل الاختصاص, وبما أن أهل الاختصاص مختلفون في مستوياتهم العلمية وفي مقدار تخصصهم, فالعقل يحكم بالرجوع إلى الأعلم منهم وأكثر خبرة في تخصصه .
ودمتم في رعاية الله
لقد ذكرتم في جوابكم انه لو تبدل الحال وصار غير الأعلم أعلما يجب الرجوع اليه (اي الى الأعلم) وسؤالي هنا:
السؤال الأول: من يحدد رتبة العلم... اقصد من يحدد ان هذا المرجع هو الأعلم... هل الفرد هو الذي يحدد هذا ام هناك جهة أخرى؟
السؤال الثاني: اذا تم تحديد الأعلم (بغض النظر اذا كان من الفرد او من جهة أخرى، فهل يحق للفرد ان يرجع الى المرجع الآخر(الأعلم) غير الذي يقلده في بعض المسائل، ام يجب عليه ان يرجع له في كل المسائل (أي يغير مرجعه)؟
الأخ محمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جواب السؤال الأول: ان الذي يحدد الاعلم من الفقهاء هم أهل الخبرة وهم الذين لديهم القدرة على فهم الابحاث العالية للمجتهدين ومعرفة مدى متانتها ولذا لابد ان يكونوا من المجتهدين ايضاً أو ممن يدانيهم ممن ولذا لابد أن تكون عندهم معرفة عن آراء المجتهدين الذين تدور الأعلمية بينهم.
جواب السؤال الثاني: إن هذا الامر يرجع إلى البحث في إمكان التجزئ في الاجتهاد ووقوعه، ففيه أقوال ثلاثة:
الأول - القول بامتناعه : نقل ذلك عن بعض بدعوى أن ملكة الاستنباط أمر بسيط فإما أن تحصل أو لا ؟ فإن حصلت فلا يمكن تجزئتها, وبعبارة أخرى إنما يدور أمر الملكة بين الوجود والعدم, ولا يعقل أن تتحقق متبعضة . وأجيب عن ذلك : بأن بساطة الملكة وعدم قبولها التجزئة لا تمنع من حصولها بالنسبة إلى بعض الأبواب بحيث يتمكن بها من الإحاطة بمداركه. أو بأن التجزئة ليست في أجزاء نفس الملكة حتى يقال بأنها بسيطة بل في أفرادها, وبعبارة أخرى : ليس المقصود من التجزئ في الاجتهاد هو تجزئة الكيفية, بل المقصود منه هو التجزئ في متعلقها سعة وضيقا كملكة الشجاعة وغيرها, فإنها قد تتسع وقد تتضيق باعتبار متعلقاتها, وأما نفس الملكة فهي واحدة.
الثاني - لزوم التجزئ : بمعنى أنه لا يمكن التوصل إلى الاجتهاد المطلق إلا باجتياز مرحلة التجزئ, فكل مجتهد مطلق لا بد وأن يكون يوما مجتهدا متجزئا, كما ذهب إليه صاحب الكفاية. ويظهر من السيد الخوئي الرغبة إلى ذلك حيث قال : " بل لا يبعد أن يقال : إن المطلق من الاجتهاد مسبوق بالتجزئ - دائما - وأن أي مجتهد مطلق كان متجزئا في زمان ثم قوي وترقى شيئا فشيئا حتى تمكن من استنباط أكثر الأحكام أو كلها, وذلك لأن دعوى أن الرجل قد أصبح مجتهدا مطلقا من ساعته أو ليلته من غير أن يكون مسبوقا بالتجزئ في زمان مما لا شاهد له, بل هو أمر غير عادي ولا نستبعد وقوعه بوجه, ولعله إلى ذلك أشار صاحب الكفاية بقوله : " بل يستحيل حصول اجتهاد مطلق عادة غير مسبوق بالتجزئ " ".
الثالث - إمكان التجزئ : وذهب إليه الأكثر بل نقل عن المحقق الرشتي أنه نسب القول بعدمه إلى الشذوذ. وهناك محاولة للجمع بين الأقوال ربما كانت قولا رابعا في المسألة وحاصلها : أننا لو لاحظنا ملكة الاجتهاد في مرحلة تكونها فيستحيل التجزئ, لأن الملكة تتوقف على مقدمات ومعدات إن حصلت حصلت الملكة وإلا فلا, ولا يعقل حصول بعض مقدماتها, وإن لاحظناها في مرحلة إعمالها فلا بد من القول بالتجزئ, بل " التجزئ في مقام إعمال الملكة يكاد يكون من الضروريات, بل لا يوجد في هذا المقام اجتهاد مطلق أصلا. (انظر الموسوعة الفقهية للأنصاري ص476).
وعلى هذا الاساس من لزوم التجزيء في الاجتهاد قال السيد الخوئي في (كتاب الاجتهاد والتقليد ص 369): التبعيض في التقليد: قد اتضح مما ذكرناه في مسألة وجوب تقليد الأعلم وجوب التبعيض في التقليد فيما إذا كان هناك مجتهدان أحدهما أعلم في العبادات - مثلا - والآخر في المعاملات لكثرة اطلاع أحدهما بالمصادر والأخبار وتضلعه في الفروغ والنظائر وقدرته على الجمع بين متعارضات الروايات, والآخر كان أكثر اطلاعا على القواعد الأصولية والكبريات, ومن هنا كان الأول أعلم في العبادات والآخر في المعاملات فإنه يجب على المقلد أن يبعض في تقليده بأن يقلد الأعلم في العبادات في العبادات, ويقلد الأعلم في المعاملات في المعاملات, والوجه فيه هو الأدلة الدالة على وجوب تقليد الأعلم كما قدمناها في محلها هذا كله عند العلم بالمخالفة بينهما . وأما مع عدم العلم بالمخالفة فمقتضى ما قدمناه من جواز تقليد غير الأعلم أو المتساويين حينئذ جواز التبعيض في تقليدهما دون وجوبه لجواز أن يقلد العامي أحدهما في مورد ويقلد الآخر في مورد آخر لعدم العلم بالمخالفة بينهما بل الحال كذلك بالنسبة إلى أجزاء عمل واحد وشرائطه, فللمكلف أن يقلد من أحدهما في الاكتفاء بالمرة الواحدة في غسل الثياب أو في عدم وجوب السورة في الصلاة ويقلد الآخر في جواز المسح منكوسا - مثلا - أو الاكتفاء في التسبيحات الأربع بالمرة الواحدة وذلك لأنه استند في عمله وقتئذ إلى ما هو حجة في حقه.
وهذا الذي ذكرناه ما هو إلا بحث علمي قد تطابق الفتوى على اساسه وقد تخالف إذا كان هناك مانع آخر يذكر في محل آخر وأنت من أجل العمل على هذا الحال وهو التبعيض في الاجتهاد لابد من الرجوع إلى المرجع الاعلم الحي وهو الذي يحدد احكام ذلك وجوازه او عدم جوازه.
ودمتم في رعاية الله