مارأيكم بهذه الشبهة؟
*************************
في كتابه (( لا إكراه في الدين )).. شخص يؤكد خلو القرآن من حد الردة عن الإسلام ويرى أن القرآن خال من حد الردة عن الإسلام مناقضا بذلك ما يقال عن (وجوب) قتل المسلم إذا اعتنق دينا آخر أو اختار الإلحاد استنادا إلى أقوال تنسب إلى النبي محمد (صلى الله عليه واله) ومنها (من بدَّل دينه فاقتلوه).
وينفى أن يكون في الشرع الإسلامي نص يشير إلى أي عقوبة توقع على المرتد قائلا إنه (لا وجود لهذا الحد في القرآن المجيد وهو المصدر المنشئ الأوحد لأحكام الشريعة).
انه يرى في كتابه (( لا إكراه في الدين )) والذي حمل عنوانا فرعيا هو (إشكالية الردة والمرتدين من صدر الإسلام إلى اليوم) أن الذي يستبدل بالإسلام دينا آخر مجرم، لكنه في الوقت نفسه لا يشير في المقابل إلى أن غير المسلم إذا بدَّل دينه واعتنق الإسلام يرتكب جريمة.
وينفى الكتاب وجود أي واقعة في عصر النبي محمد (تشير إلى ما يمكن أن يقوم دليلا على قيام رسول الله صلى الله عليه واله بتطبيق عقوبة دنيوية ضد من يغيرون دينهم مع ثبوت ردة عناصر كثيرة عن الإسلام في عهده (النبي) ومعرفة رسول الله بهم).
ويضيف أن عهد النبي شهد (مئات) من المرتدين أو المنافقين الذين عمدوا إلى إيذائه والكيد للمسلمين لكنه (ترفع تماما عن المساس بهم) حتى لا يقال إنه يكرههم على الإسلام.
ويستشهد بآيات قرآنية منها (( كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات )) (آل عمران)، وفي سورة النساء تقول (( إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا )) ويقول معلقا إن فيها نفيا لوجود حد شرعي دنيوي للردة.
ويقول المؤلف إنه يأمل أن يتمثل الباحثون كتابه في (معالجة القضايا الجادة المستقرة في ضمير الأمة (الإسلامية) وثقافتها دون تفريق لكلمتها) حتى يسود منهج في مراجعات التراث (بحيث نجعل تراثنا مما يصدق القرآن عليه ويهيمن. إن أهل التراث الإسلامي هم الاولى والأحق بمراجعته من داخله وبآلياته، وإن الضغط الخارجي أيا كان سوف يؤدي إلى مزيد من التشبث بالتراث بخيره وشره).
ويقول إن بعض الفقهاء حين ذهبوا إلى (وجوب قتل المرتد) لم يستندوا إلى آيات القرآن، (وقد تبين أن الفقهاء كانوا يعالجون جريمة غير التي نعالجها إذ كانوا يناقشون جريمة مركبة اختلط فيها السياسي والقانوني والاجتماعي بحيث كان تغيير المرتد عن دينه أو تدينه نتيجة طبيعية لتغيير موقفه من الأمة والجماعة والمجتمع والقيادة السياسية والنظم التي تتبناها الجماعة وتغيير الانتماء والولاء تغييرا تاما).
*************************
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
1- لا يخفى على كل مسلم بصير بأمر دينه أن الأحكام الشرعية لا تؤخذ فقط من القرآن الكريم، وإنما تؤخذ من السنة الشريفة أيضاًَ لما ورد من الأمر في الأخذ بها بحسب النص القرآني الذي يقول: (( وَمَا آتَاكم الرَّسول فخذوه )) (الحشر:7) .
وأيضاً لما ورد في القرآن من أن مهمة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) هي البيان لما يرد مجملاً أو عاماً في القرآن الكريم، قال تعالى: (( وَأَنزلنا إلَيكَ الذكرَ لتبَيّنَ للناس مَا نزلَ إلَيهم وَلَعلهم يَتفكرونَ )) (النحل:44).
فمن المعلوم أن الصلاة وردت في القرآن مجملة إذ لم تذكر تفاصيل عدد الركعات أو ما يجب قوله في الركعة الواحدة أو كيفية الركوع أو السجود أو كيفية التشهد أو التسليم وهكذا بقية الشرائط والفرائض فيها، وإنما تكفل ببيان ذلك النبي (صلى الله عليه وآله) حيث قال للمسلمين: (( صلوا كما رأيتموني أصلي ))، وكذلك بقية فروع الدين من الصيام والزكاة والحج والخمس وباقي التفاصيل التي تتعلق بالعبادات والمعاملات التي تكفل ببيانها الشارع الأقدس النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة المعصومون (عليهم السلام) بحسب عقيدة الامامية التي تفسر السنة بأنها فعل المعصوم (عليه السلام) أو قوله أو تقريره، وهي تشمل المعصومين الأربعة عشر.
وعليه، فمن غير المعقول التصريح بأن حد الردة لم يرد في كتاب الله وبهذا لا يوجد للردة حد في الإسلام، فهذا كلام ينم عن جهل وعدم التفقه في الدين بل جهل بالنص القرآني أيضاً، فقد أرشدنا القرآن الكريم إلى الأخذ بما جاء عن النبي (صلى الله عليه وآله)، وأوضح أنه المبيّن لما ورد في آيات عامة أو مجملة في القرآن، وقد جاء في شأن الردة في القرآن الكريم ما بين خطرها وسوء عاقبة صاحبها.. فأضاف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ذلك بياناً أوجب فيه قتل المرتد عن دينه، وهو (صلى الله عليه وآله): (( وَمَا يَنطق عَن الْهَوَى * إن هوَ إلَّا وَحيٌ يوحَى )) (النجم:3-4).
قال تعالى في بيان خطر الردة وسوء عاقبتها: (( وَلا يَزَالونَ يقَاتلونَكم حَتى يَردّوكم عَنْ دينكم إن استَطَاعوا وَمَن يَرتدد منكم عَن دينه َيَمت وَهوَ كَافرٌ أولَئكَ حَبطَتْ أَعْمَالهم في الدنيا وَالآخرة وَأولَئكَ أَصحاب النار هم فيهَا خالدون )) (البقرة:217).
وقد روى أهل السنة في أحكام المرتد عن عثمان بن عفان أن النبي (صلى الله عليه وآله ) قال: (لا يحل دم أمريء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد أحصان، أو قتل نفس بغير نفس) سنن الدارمي 2: 171، سنن ابن ماجة 2: 847، مسند أحمد 1: 61 ـ 63، السنن الكبرى 8 : 19 و 25، المعجم الكبير للطبراني 17: 176، الجامع الصغير 2: 654 وأيضاً رووا عن أبن عباس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (من بدل ـ وفي لفظ : أرتد عن ـ دينه فاقتلوه) سنن الدارقطني 3: 108 برقم 90 ، 113 برقم 108، سنن البيهقي 8: 195 ، 205، مسند أحمد بن حنبل1: 282 ، 283، كنز العمال1: 90 برقم 387.
وأما الإمامية فقد أجمع علماؤهم على وجوب قتل المرتد الفطري بلا شرط الاستتابة استناداً إلى النصوص المستفيضة في هذا الجانب عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام).
ففي صحيحة علي بن جعفر عن أخيه الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام) قال: سألته عن مسلم أرتد؟ قال: (يستتاب فإن رجع، وإلا قتل) فروع الكافي 7: 257 كتاب الحدود باب حد المرتد، ح10.
وهكذا وردت أحاديث أخرى في هذا المضمون يمكن مراجعتها في المصدر المذكور. وقد فصل الفقهاء بين المرتد الفطري - وهو الذي يرتد عن الإسلام الذي ولد عليه، والمرتد الملي وهو الذي يرتد عن الإسلام الذي تحول إليه بعد أن كان على ديانة أخرى ـ فالأول يقتل من دون استتابة بخلاف الثاني.
فقد أفتى فقهاء الإمامية ـ استناداً إلى نصوص المعصومين (عليهم السلام) ـ إن المرتد الفطري يقتل ولا يستتاب بينما صرّح فقهاء العامة وأبو حنيفة ومالك والشافعي بأنه يستتاب سواء كان مسلماً في الأصل أو كافراً فمتى لم يتب وجب قتله" أنظر: الخلاف للطوسي5: 353 مسألة 3" وعن هذا قال علماء الإمامية أن فقهاء العامة اشترطوا استتابة المرتد الفطري من دون دليل، وقد مر ذكر الدليلين الواردين عن عثمان وابن عباس - من مصادرهما - وهما مطلقان لم يرد فيهما شرط الإستتابة، فمن أشترطها في هذا الموضوع فعليه الدليل" أنظر: جامع الخلاف، والوفاق: علي بن محمد القمي: 499".
وهو على أية حال إجماع من الأمة على وجود حد للمرتد ذكرته المتون الحديثية عند السنة والشيعة على حد سواء، وأفتى بموجبه فقهاء الفريقين وإن اختلفا في بعض التفاصيل بحسب استفادات الفقهاء من النصوص.. وبهذا نرد على دعوى مؤلف الكتاب ونقول له: بل هناك أجماع من الأمة بوجود حد للمرتد عن الإسلام وقد مر بيانه.
2- أما عن نفي الكاتب لوجود أي واقعة في عصر النبي (صلى الله عليه وآله ) تكون دليلاً على تطبيقه لعقوبة دنيوية ضد من يغيّرون دينهم، نقول: قد أباح الرسول(صلى الله عليه وآله) دم عبد الله بن أبي سرح ولو تعلق بأستار الكعبة وذلك حين أرتد عن دينه وأفترى على الله الكذب ونزلت فيه آية: (( وَمَن أَظلَم ممَّن افتَرَى عَلَى اللَّه الكذبَ )) (الصف:7).
وأيضاً روى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: ((بعث علي ـ وهو باليمن ـ بذهيبة في تربتها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقسمها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين أربعة نفر الأقرع بن حابس الحنظلي وعيينة بن بدر الفزاري وعلقمة بن علاثمة العامري وزيد الخيل الطائي"فذكر الحديث وفيه" فجاء رجل كث اللحية مشرق الوجنتين غائر العينين ناتئ الجبين محلوق الرأس فقال: أتق الله يا محمد. قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): فمن يطع الله إن عصيته أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني. قال ثم أدبر الرجل، فأستأذن رجل من القوم في قتله - يرون أنه خالد بن الوليد، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن من ضئضئ هذا قوماً يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) 3: 110 باب ذكر الخوارج وصفاتهم.
وفي رواية أخرى لمسلم تؤكد أن الذي طلب قتل هذا المرتد هو عمر باب 3: 110 فأبى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم تكلم بكلامه المتقدم وهو يكشف بكل وضوح بأن قتل المرتد كان معروفاً لدى المسلمين ولكن قد يمنع عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمصلحة ما.
وإلا لما صح قوله (لأقتلنهم) وقد بين النبي (صلى الله عليه وآله) علّة عدم قتله لهذا المرتد أو المنافق - بحسب رواية مسلم -: (معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي) وهذا يكشف عن علّة مرحلية اقتضتها ضرورة الدعوة في بدايتها وجهل الناس بحقيقة الإسلام وخشية التأثير المضاد للدعاية الكافرة، في تنفير الناس عن الإسلام..
فلا يعد عدم تنفيذه أو تطبيقه للحد على المرتد في زمنه دليلاً على عدم وجود الحد للمرتد عن الإسلام، كيف وهو الذي قال بصريح العبارة: (من أرتد عن دينه فاقتلوه)!؟
وأما عن استشهاد المؤلف بآية قرآنية التي يقول أنها تفيد عدم وجود حد شرعي دنيوي للردة فجوابه ما بيّناه في أول كلامنا هنا بأن الشرع هو وحدة متكاملة طرفيها الكتاب والسنة ولا يحق لأحد أن يكتفي بالقرآن لوحده، ويستنتج الأحكام منه ويترك السنة الشريفة وراءه، وقد قال تعالى: (( فلا وَرَبكَ لا يؤمنونَ حَتى يحَكموكَ يمَا شَجَرَ بَينهم ثمَّ لا يَجدوا في أَنفسهم حَرَجاً ممَّا قَضَيتَ وَيسَلّموا تَسليماً )) (النساء:65).
لذا ننصح المؤلف و اشباهه بالعودة إلى السنة الشريفة عند الفريقين ـ السنة والشيعة، ليجد فيها نصوصاً واضحة في حد المرتد عن الإسلام، وقد ذكرنا بعضها فيما تقدم ولا حاجة لنا بمراجعة التراث مراجعة لا تقوم على أسس علمية مسلمة، مما يؤدي إلى الاجتهاد مقابل النص، أو التغاضي عن الأحكام الثابتة بإجماع الأمة ولينظر المؤلف إلى تعامل الغرب اليوم مع الإسلام والمسلمين في شن الحروب عليهم وإبادتهم ومحاربتهم بكل وسائل الحرب الاقتصادية والفكرية والثقافية ممايجعل أمثال هذه الأحكام ـ كالحكم بقتل المرتد ـ شيئاً صغيراً وضئيلاً أمام الحرب الصليبية على الإسلام.
ودمتم في رعاية الله