الاسئلة و الأجوبة » الأسئلة المتفرقة » النظرة الشيعية للتاريخ


علي رضا احمد / العراق
السؤال: النظرة الشيعية للتاريخ
ارجو بيان رايكم حول مفهوم الية التاريخ وعمله واحداثه في كل زمان مع دور الانسان فيه. هل يرى الشيعة بأن احداث التاريخ تكرر بصيغة معينه ويجب على الانسان ان يحسن الاختيارام ان التاريخ يمضى على الناس وتتقدم البشرية وليس للانسان الاختيار في تحديد مسار التاريخ؟ 
حيث يعتقد ماركس بان التاريخ واحداثه تعاد في كل زمان ومكان بنفس الصيغة ولكن تحت مسميات مختلفة مثل الظالم والمظلوم والسيد والعبد وهذا الصراع هو الذي يحرك التاريخ والانسان له حرية في ما يختار ولكن البشرية ستصل الى مرحلة و تنهي حالة الصراع بين الفئات. نظرية اخرى تقول ان التاريخ يسير لان هناك ظلم كبير يحصل ثم يتبع قانون صارم ثم ياتي عدل نسبي لفترة معينة وهكذا تتطور البشرية نحو الافضل من الخليقة الى اليوم وتستمر.
ما هو راي الاسلام وشيعة اهل البيت وما هي وجهة نظرهم وخصوصا بتطبيق هذا المنظار على قرار الامام الحسين (عليه السلام) بالوقوف في وجه الظالم في كربلاء في عاشوراء.
الجواب:
الأخ علي رضا المحترم 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
التاريخ هو مدونة كبرى للسلوك البشري وللأحداث التي يكون الإنسان سبباً في حدوثها، وليس التاريخ هوية قائمة في الخارج لها كيان واعي وتذوت حقيقي كما ربما يفهم من بعض النصوص التي كتبها بعض المفكرين والفلاسفة، فما يؤرخ من احداث ويحفظ في مدونة تتوارثها الاجيال عن سلوك آبائهم وأجدادهم في الماضي فهو المعنى الواقعي للتاريخ، نعم من خلال التأمل في تلك الأحداث المدونة يكتشف المؤرخ او المفكر الذي يجعل التاريخ موضوعا لدراسته بعض الخصائص التي تكون اقرب ما يكون الى الناموس او السنة، فيجد مثل ان للحضارات ظهور ثم نضج ثم أفول، فيشبهها بالكائن الحي، فيتكلم عن شباب الحضارة وكهولتها وشيخوختها ثم موتها، ويقارن الحضارات البشرية ببعضها فيرى ثمة ترقياً وتطوراً يصاحبها، وان هناك غاية وهدف يسعى البشر الى بلوغها عن وعي او من دون وعي، فيتخيل ان هناك حتمية تاريخية تهيمن على سير الناس كلما تقدم بهم الزمان، ويبالغ المؤرخ في وصف تلك الحتمية حتى ليزعم انها لا تختلف في فيشيء عن الحتمية الطبيعية، وربما يعثر في مختلف الحضارات على عناصر من السلوك تتكرر في كل جيل، وذلك ان للانسان طبيعة ثابتة وان اختلفت تصرفاته وافعاله، فلا ريب من وجود مشتركات بين جميع الامم وفي كافة العصور، فيرصدها المفكر والمؤرخ ويطرح بإزائها رأياً او فرضية او نظرية كما فعل اشبنغلر وتوينبي وهيجل وماركس وأضرابهم، ولكل من هؤلاء المفكرين أطروحة خاصة يفسر بها التاريخ، ولا يمكن الحكم اي الاطروحات افضل من الاخرى وأكثر واقعية، ولكنا نعتقد ان بعض هؤلاء المفكرين يقرأ التاريخ من وجهة نظره الخاصة التي تكونت لديه من خلال عدة عوامل سايكولوجية او آيديولوجية او فلسفية، ومهما ادعى لنفسه الموضوعية في الطرح فإنه لا يستطيع انكار تلك العوامل المؤثرة في تبنيه للمواقف والآراء، ولهذا نقول ان ما يطرحه المفكر الملحد عن التاريخ مثلاً يصب في اتجاه تأليه التاريخ تعويضاً عن الإيمان الذي يقعمه في نفسه اتكالاً على عقله وفهمه، وان ما يطرحه المفكر الوضعي يصب في اتجاه تأليه العلم على حساب الإيمان المقطوع معه اتكالاً على نظرته المحدودة وغياب الموقف الشمولي، وهكذا.

ومن الواضح ان المفكر المؤمن بالله تعالى والذي يأخذ بعين الاعتبار الإنسان وخالقه، فيعزي كثيراً مما يجري في التاريخ الى سنن إلهية وتخطيط الهي وهو ما تشير اليه بعض الآيات المباركة، كقوله تعالى: (( وَنُرِيدُ أَن نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ استُضعِفُوا فِي الأَرضِ وَنَجعَلَهُم أَئِمَّةً وَنَجعَلَهُمُ الوَارِثِينَ )) (القصص:5)، وكقوله: (( وَلَقَد كَتَبنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعدِ الذِّكرِ أَنَّ الأَرضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ )) (الأنبياء:105)، ولا شك ان للمؤرخ المؤمن تبعاً لهذا الفهم نظرة مغايرة لأولئك المفكرين الملحدين، فما يستقيه من الشرع مثلاً (وما ورد في النصوص المقدسة بخصوص التاريخ وسيرة البشرية في مختلف الحضارات والأمم) يكون اشمل تناولاً وأكثر صدقية وأقرب الى الموضوعية. فالصراع بين الخير والشر، وبين الظالم والمظلوم، وبين المستبد والمستضعف إن تُرك الى منطق الأحداث وسنن التاريخ المجرد عن الإيمان، فمن غير المنطقي ان نشهد انتصار الشر على الخير وغلبة المظلوم على الظالم وانتصاف المستضعف من الطاغية المستبد، إنما يمكن ذلك مع الإيمان بأن الله تعالى هو المولى وهو النصير، والاعتقاد بتدخله الحاسم فيما للبشر من أقدار ومصير. بذلك فقط انتصر الحسين (عليه السلام) في كربلاء يوم عاشوراء وخسر يزيد.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال