المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمد الرصافي المقداد - تونس - 7 شعبان 1425 - الدعاء والعبادة عند أهل البيت عليهم السلام
البريد الالكتروني

الاسم الكامل : محمد الرصافي المقداد
الدولة : تونس
المساهمة :

الدعاء والعبادة عند أهل البيت عليهم السلام

بسم الله الرحمان الرحيم

دعا يدعو دعاء ، والدعاء هو النداء لغة، أما شرعا فهو مخاطبة الخالق سبحانه وتعالى، ومناجاته في الصلاة ، وفي سائر العبادات.
وقد أمر الله سبحانه وتعالى عبيده بالإنابة إليه والدعاء بين يديه بإخلاص ، وتكفل بالإجابة فقال:" أدعوني أستجب لكم."(1)
وقال جل من قائل أيضا:" وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان."(2)
وقال كذلك:" أدعوا ربكم تضرعا وخفية."(3)
ولما كان الدعاء هو السبيل الوحيد إلى مخاطبة الخالق لتعاليه واستعلائه على مخلوقاته ، لم تجز مخاطبته كما يتخاطب الناس فيما بينهم ولا محادثته ، لأن المخاطبة والمحادثة لا يفيدان في طلب شيء من الذات الإلهية ، كأن تقول خاطبت أو حادثت مستشعرا فيهما التساوي والندية ، في حين أنك إذا قلت دعوت، أو ناجيت ،أو توسلت، أو تضرعت ، فهي لائقة بالمقام الإلهي و منصرفة إليه.

وقد جاء في الحديث:" الدعاء مخ العبادة ."(5)
لأن عبادة العبد من دون لجوء وتوجه إلى الله تعالى، ودعاء مرفوع منه إلى خالقه كي يستجيب له في ما يحتاجه في دنياه وآخرته ، تعب وعناء بلا فائدة ، استخفاف بروح العبودية التي جعلها الباري تعالى عنوان كل عاقل أدرك حقيقة العبودية لله تعالى. و الدعاء لب العبادة وجوهرها، فإذا كانت العبادة صدفة فالدعاء لؤلؤها، وإذا كانت جسدا فهو روحها، وإذا ما نزعت اللؤلؤة من موضعها، صارت الصدفة بلا قيمة كالجسد الذي إذا فارقته روحه، صار بلا حركة وعرضة للتغّير والتحلّل والاندثار. كذلك فان الصلاة التي هي معراج المؤمن إلى ربه، إذا كانت خالية من لغة الوصال والقرب، عجفاء من الدعاء فإنها لا تحقق العروج المؤمل، و لا القرب المراد ولا الزلفة المرتجاة، و قد تترك نتيجة عكسية. والحديث الذي جاء مشبها للدعاء بالمخ دالا في مضمونه على قيمة ذلك التوجه وأهميته في البناء العبادي. فلا تستقيم صلاة بلا دعاء وحال المصلي الذي لا يتجه في صلاته بالدعاء إلى خالقه ، حال المستكبر الذي لا يعي من مقام العبودية غير حركات القراءة والركوع والتسبيح والسجود والتشهد دون الالتفات إلى العلة من الصلاة والعبادة.

و قد جاء عن الإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر خامس أئمة أهل البيت عليهم السلام في قوله تعالى:" إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنّم داخرين." قال:"هو الدعاء وأفضل العبادة الدعاء".(6 )
و قال في قوله تعالى:"إن إبراهيم لاوّاه حليم". الاوّاه هو الدّعّاء. وسئل عليه السلام"أي العبادة أفضل؟" فقال:"ما من شيء أفضل عند الله من أن يسأل يطلب ما عنده، (7 ) و عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: " أحب الإعمال إلى الله تعالى في الأرض الدعاء، و كان عليه السلام رجلا دعّاء ". (8)
وإذا أمعنت النظر في حال المسلمين اليوم على الاختلاف مشاربهم و فرقهم، تلاحظ عزوفا عند معظمهم عن دعاء القنوت في أغلب الصلوات المفروضة ، وكل الصلوات المسنونة، لتنكبهم عن مورده الأساسي وجهلهم به كلغة تخاطب مع الخالق تعالى.

أما عن تنكبهم عن مورده ، و جهلهم به فان الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم، شأنه في ذلك شأن بقية المرسلين عليهم السلام، لم يتركوا أمرا من أمور الدين إلا بينوه ، ولم يألوا أقوامهم نصيحة، فادوا ما عليهم، و تركوا آثارهم وشرائعهم للهداة والمستحفظين من آلهم عليهم السلام ،كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أمته ن ونصح لهم بما لم ينصحه احد من قبله، والنصوص النقلية و العقلية التي بين أيدي المسلمين اليوم لا تدع مجالا للشك في ذلك، كقوله صلى الله عليه واله وسلم:" إني أوشك أن أدعى فأجيب واني تارك فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما".(9) والعترة الطاهرة التي أذهب الله سبحانه وتعالى عنها الرجس وطهرها تطهيرا، لأجل تأهيلها لحمل عبئ الشريعة وحفظا وتطبيقا، دون أن يتطرق شك من حملتها، ولا تحريف في أدائها.
وقوله(ص) :" إنما مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق"(10) وهو من الأحاديث الواضحة في دلالتها على مقام الأئمة من أهل البيت عليهم السلام من الأمة ، وتشبيههم بسفينة نوح يؤكد على وجوب اللجوء إليهم نجاة من طوفان التحريف والنفاق، وأن المتخلف عنهم غارق لا محالة في ظلمات بعضها فوق بعض.

وتخلف الأمة عن هداتها وأدلائها ومستحفظيها، واستعاضتها عنهم بالغاصبين لحقهم الإلهي، ومن قلب بعد ذلك ظهر المجنّ للدين كله، جعلها عوض أن تتقدم في فهم شعائرها ومعتقداتها على الوجه الذي جاء به الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ، تتولى متقهقرة عن مراجعها حتى تباعدت الشقة بينها وبينهم، فنسوا حظا مما ذكرا به، وأسلموا أنفسهم لمجهولي الحال وقليلي العلم، يسوقونهم إلى سلاطين الجور وأئمة الضلال سوقا النعاج، يحلون لهم إتباعهم ويحرمون الخروج عليهم وخلافهم ، وكان فيما كان منهم أن نزعوا عنهم لب عبادتهم وجوهرها، لكي لا يصل شيء منها إلى الله تعالى فيردون مواردهم.

قال تعالى:" وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا"(11) ولو كان في هؤلاء المنتسبين إلى الإسلام من يعقل لرجع إلى أعظم الآيات القرآنية بدل نبذها وتركها، والغريب والعجيب أنك تسمعهم لا يبسملون (بسم الله الرّحمان الرّحيم) في الفرائض الخمس بدعوى أنها مكروهة ويبسملون في نوافل شهر رمضان، بدعوى أنها من السنة ، أفيكون في كلام الله تعالى ما هو مكروه حتى ينعتون البسملة بذلك النعت، أم إن أسماء تعالى الثلاثة(الله الرّحمان الرّحيم) هي مكروهة عندهم، ومن أكبر جحودا ممن يستهين بكلام الله تعالى وينعته بالكراهة تطاولا عليه. قال الله تعالى:"قل أؤنبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسنون صنعا."(12)
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله:"بسم الله الرّحمان الرّحيم أقرب إلى إسم الله الأعظم من بياض العين لسوادها"(13).أما الحقيقة التي خفيت عن كثير من المسلمين، والعلّة التي تسبّبت في جريان ذلك المجرى التعيس في عبادتهم، فهي أن معاوية بن أبي سفيان وحزبه كانوا شديدي العداء لعلي بن أبي طالب وأهل بيته عليهم السلام، فسعوا إلى إبطال كل ما هو متصل به حتى انه أزال البسملة التي كان أمير المؤمنين يجهر بها في كل صلاة حتى السرّية منها، قد أعماه الحقد عن ثابتة أن صلاة علي هي عينها صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وكان ممن أخرج هذا المعنى النيسابوري في هامش تفسير الطبري حيث قال:وكان مذهبه الجهر بها يعني البسملة ومن اقتدى به لن يضل قال (ص) :" اللهم أدر الحق معه حيث دار..." فلما كان زمن بني أمية بالغوا في المنع من الجهر سعيا إلى إبطال آثار علي بن أبي طالب فلعل أنسا خاف منهم، لهذا اضطربت رواياته"(14).
ثم يعمد هؤلاء أيضا إلى دعاء القنوت في الصلاة فيزيلونه منها تبعا لما ورثوه، دون التفات أو تساؤل عن سبب استثناء صلاة الصبح من ذلك، و الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله يقول:" أفضل الصلاة طول القنوت"(15) من غير مفاضلة لصلاة على أخرى.

وقد ورد عن أئمة أهل البيت عليهم السلام، كثير من الأحاديث التي تؤكد على القيمة الروحية للدعاء، ودوره في البناء العقائدي، نورد منها الآتي :
- الدعاء هو العبادة، الدعاء سلاح المؤمن، ليس شيء أكرم على الله من الدعاء(16)
- لا يردّ البلاء إلا الدعاء أعدّوا للبلاء الدعاء،الدعاء عماد الدين.(17)
- الدعاء مفاتيح النجاح، ومقاليد الفلاح، وخير الدعاء ما صدر عن صدر تقي، و القلب نقي وفي المناجاة سبب النجاة، وبالإخلاص يكون الخلاص، وإذا اشتد الفزع فإلى الله المفزع.(18)
و الدعاء واجب لا تستقيم الصلاة إلا به، و لا تعرج من دونه ، وكان من سنن سيد المرسلين صلى الله عليه وآله، أنه متعهد لباب الدعاء الذي فتحه المولى سبحانه وتعالى بينه وبين خلقه، حاثا لامته على الطلب منه، والرجاء لديه، ولم يؤثر عنه أنه صلى صلاة واحدة من دون قنوت.
وما أرى الذين تنكبوا عن القنوت في الصلاة، إلا إتباعا لمن زين لهم إهمال ذلك الباب، واستهانة بقيمته العباديّة، ومن فقد الدعاء، حرم الإجابة، وكانت صلاته كأنها مكاء وتصدية، عوض أن تكون تخشعا وقنوتا، كما يقول تعالى:" وقوموا لله قانتين".

ومن أراد إحصاء الأحاديث و الروايات التي تتحدث عن قنوت رسول الله صلى الله عليه وآله في جميع الصلوات المفروضة والمسنونة فليراجع كتب الحديث والسنن عند من تسموا بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله ، ففيها ما يقيم الدليل على أن سيد المرسلين كان يقنت في كل صلواته، لعله إذا فعل ذلك يتقيد بسنة الرسول صلى الله عليه وآله التي نسب لها مذهبه قولا، وخرج منها فعلا وعملا، إلى تحريف و بدع ما انزل الله بها من سلطان، كبتر الصلاة عليه، واستثناء آله الأطهار، إتباعا لآثار بني أمية ومن حذا حذوهم ، صلى الله عليه وعلى اله وسلمن وفي بتر الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله دليل على تأصل جذور الحقد الأموي في أمة الإسلام ، وبقاء هذا التحريف دليلا على جرائم حكام بني أمية في حق الإسلام وأهله فلماذا الإصرار على التمادي في مسالك أئمة الظلم والجور ن والله تعالى دعانا إلى منابذتهم وإتباع سبيل أوليائه الذين اصطفاهم على بقية مخلوقاته ، فرضي بهم عبيدا خلصا له ، ورضوا به ربا عظيما ليس كمثله شيء ، فأقر طريقهم ، وبارك نهجهم ، وجعله السبيل الوحيد إليه .
وإقامة صلاة التراويح في المسجد جماعة، ونسبة ذلك الفعل له، رغم شدة غضبه عليه، والتعبير عنه بقوله صلى الله عليه وآله:" ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فان خير صلاة المرء في بيته إلا صلاة المكتوبة(19) واعترف مالك ابن انس في موطّاه، وروايته له عن عمر بن الخطاب أنه هو الذي جمع الناس في المسجد على قارئ واحد، بعد أن وجدهم يصلّون أوزاعا متفرقون، ولم يصلّ معهم، وإنما مرّ عليهم بعد أن أمر أبي بن كعب أن يصلي بهم، و قال: "بدعة ونعمة البدعة والتي ينامون عليها خير"(20).
و عمر شانه شأن غيره من المسلمين، مكلف بتطبيق الشريعة، كما جاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله، ليس من حقه أن يدخل شيئا فيها لأن ذلك من مشمولات الوحي والنبوة. ولم تقم بدعة صلاة التراويح جماعة إلا في فترة من خلافته ، وفي الحديث الذي يقول انه صلى الله عليه وآله كان يرغّب في قيام رمضان من دون أن يأمرهم بعزيمة،فيقول:" من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه". فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله والأمر على ذلك النحو، ولم يتجرأ الخليفة الأول أن يرى برأيه فيها. (21) ولما قام أمير المؤمنين علي عليه السلام بأعباء الإمامة مكرها بعدما انفرط عقدها ، وألجأه الناس إليها إلجاء ، أرسل ابنه الحسن على المسجد لإخراج الناس منه، وإبطال تلك البدعة. وبعد استشهاد علي عليه السلام، واستتباب الأمر لمعاوية بالمكر والخديعة، أحيا كل بدعة أماتها سيد الأوصياء، و أمات كل سنة أقامها.

لقد أكد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله و آله الأطهار عليهم السلام على أن نتعهّد بيوتنا بالصلاة خاصة المسنونة منها كنوافل الصلوات اليومية، ونوافل شهر رمضان بقوله:" لا تجعلوا بيوتكم قبورا"(22) أي لا تصلون فيها، ومن وطن نفسه على أداء نوافل الصلاة في المسجد، فقد جعل بيته قبرا، وخالف أمر نبيه صلى الله عليه وآله، وتجنب نصيحته.
واعطف على تلك صلاة ما انزل الله بها من سلطان سمّوها صلاة الضحى، قالوا إن رسول الله صلى الله عليه وآله صلاّها ،واليك روايتها المتناقضة المتناثرة والتي تدل على عكس ما ذهبوا إليه:
عن عائشة أنها سئلت هل كان رسول الله (ص) يصلي الضحى ؟ قالت: لا إلا أن يجيء من مغيبه"(23) فتبين من الحديث أنه صلى الله عليه وآله لم يكن يصلي الضحى، والاستثناء الذي جاء لا يمكن أن يلغي النفي الثابت، لان السفر حالة شاذة، و صلاته صلى الله عليه وآله عند قدومه، لا تتفق دوما مع التوقيت الذي وضعوه ،وإنما هي صلاة شكر على سلامة السفر، أو هي تحية للمسجد لأنها ركعتان فقط.
وقد سئلت عائشة عن صلاة الضحى فقالت: ما رأيت رسول الله (ص) يصلي سبحة الضحى قط."(24)

وعن عبد الرحمان بن أبي ليلى قال: ما أخبرني أحد أنه رأى النبي (ص) يصلي الضحى إلا أم هانئ فإنها حدثت أن النبي (ص) دخل بيتها يوم فتح مكة فصلى ثماني ركعات.(25)
وبما أنه صلى الله عليه وآله لم يصلّ تلك الصلاة إلا يوم فتح مكة، فإنها منصرفة إلى تفسير واحد يقول،إن رسول الله صلى الله عليه وآله صلّى شكرا لله على فتح مكّة تلك الصلاة الخاصّة به.
ولم يأمر أم هانئ مثلا بأدائها، ولا فاطمة الزّهراء عليها السلام التي سترته في غسله ، ولا أمر المسلمين بالقيام بها بعد أن أداها، ولا تسالم المسلمون على تلك الصلاة حتى وفاته،لذلك فان تلك الصلاة بدعة ظاهرها طاعة، وباطنها خمول وتواكل، وكيف تستقيم صلاة في ذلك الوقت الحسّاس من بداية يوم والناس أصحاب معائش؟ ولماذا أصر الناس على أداء شعيرة لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وآله على النحو المعمول به عند السواد من اليوم ، ولم يسمها بتلك التسمية ولا أمر بأدائها على ذلك الوجه؟ و حتى لو تأكد لدى هؤلاء المبتدعة خطأ ما هم فيه فإنهم سيعتذرون بأعذار لا تستقيم مع النصوص الصريحة" إن يتبعون إلا الظن، إن الظن لا يغني عن الحق شيئا".
لقد جاءت كثير من الآثار والروايات لتحدثنا عن عبادة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وأهل بيته الطاهرين وتبين لنا معالمها وأسرارها لنقتبس من هديها ونستنير بأنوارها امتثالا لأمر الله تعالى إذ يقول جل من قائل:" أولئك الذي هداهم الله فبهداهم اقتده".
لأنه تعالى قد أوكل مهمة بيان عبادته وتفصيل أركانها وسننها وحركاتها و آدابها لرسوله صلى الله عليه وآله والمستحفظين من آله عليهم السلام. وعلى كل مسلم امتثالا لأمر الله أن يقتفي أثر الهداة الأبرار في تعبدهم، ولا يلتفت إلى من انحرف عن نهجهم القويم وصراطهم المستقيم، وخرج للناس بآثار وسنن مبتدعة في الشكل خاوية من المضمون، لم تزد قلوبهم وأرواحهم من الله إلا بعدا.

وأنت أيها المؤمن عندما تقيم شعائرك وتبني عبادتك، فانك ترجو القرب والزلفة من الله تعالى خالق الحياة ومنشئ الكائنات، وإذا لم يتم ذلك المؤمّل فالبحث عن الخلل من عدم نشوء تلك العلاقة، وتمتنها كالسّاقي الذي أرسل دلوه مع الدّلاء، فعادت إليه فارغة.
و لمّا علمت أن الخالق تعالى عندما أمرنا بعبادته ودعائه، تكفّل بالقبول والإجابة، تبين بعد طول المدة وفقدان النتيجة ، أن العلّة تكمن في نفسك وزادها، أما النفس فهي متمرّدة على مقام العبوديّة جموحة ميّالة إلى عاجل الدنيا، فإذا لم توطّنها في مقامها وتسلك بها طريق الآخرة شردت بك إلى المهالك. وأما الزاد فهو على أربعة أقسام:
الأول: تحقيق معرفة الخالق والتيقن منه حتى تكون وجهتك في العبادة والدعاء والطلب معروفة ومعلومة.
الثاني: موالاة أوليائه والبراءة من أعدائه لأن الدين جوهره الولاية والبراءة
الثالث: تحقيق عبودية النفس بتوطينها على النفور من الإِنية والاعتداد
الرابع : لغة التواصل والمناجاة ،لأن التقرب إلى الله لا يكون إلا بالطيبات.

و من المفارقات أن ترى شخصا ظفر بمقابلة سلطان، كيف هيّأ نفسه، وطهر بدنه، ولبس أحسن ثيابه، وتعطر بأحسن عطر، وجهز من مديح الكلام، ما يظن استيفاءه للقبول وقضاء الحاجة، تراه هو بعينه لا يبدي استعدادا، ولا يولي أهمية للقاء خالقه وخالق ذلك السلطان.
ولما علمنا أن باب معرفة الله سبحانه وتعالى هو إتباع رسوله، وتولي أهل بيته الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، فهم العارفون له والأدلاء عليه، والموصلون إلى حبه ورضوانه، فإتباعهم إتباعه، وحبهم وحبه اتجه الأخذ عنهم معالم الدين، والتسنن بسننهم في العبادة والدعاء، لأن ما جاؤوا به إلى الناس، ليس إلا ذلك الزاد وتلك التربية والعلم الذي علمهم رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولقد نظرت نظر المتفحص في ما جاءنا من مأثور العبادة والدعاء، فلم أجد فيضا من الأسرار الإلهية والأنوار القدسية كفيض أهل البيت عليهم السلام في الدعاء والعبادة، لان استعدادهم للطاعة والعبادة كاستعداد سيدهم رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا وجه لمقارنة صفوة الخلق ببقيته، وقد جاء في حديث أخرجه مسلم النيسابوري قوله صلى الله عليه وآله:" أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون فان الله لا يملّ حتى تملون أن أحب الأعمال عند الله ما دووم عليه وان قلّ وكان آل محمد (ص) إذا عملوا عملا أثبتوه."(25)إن المولى سبحانه و تعالى لا ينظر إلى أشكالنا ولا ألواننا، ولكنه ينظر إلى أفئدتنا، فان فيها مستقر اليقين، وبصائر الأخلاق في العبادة والدين، وكل علم لم يكن متبوعا بالعمل يخلف النفاق والافتراق عن الخالق تعالى.

وقد جاء عن الصادق عليه السلام قوله:" الخوف رقيب القلب ،والرجاء شفيع النفس، ومن كان بالله عارفا، كان من الله خائفا واليه راجيا، وهما جناحا الإيمان يطير بهما العبد المحقق إلى رضوان الله، وعينا عقله يبصر بهما وعد الله ووعيده، والخوف طالع عدل الله باتقاء وعيده، والرجاء داعي فضل الله، وهو يحيي القلب والخوف يميت النفس".(26) عنه عليه السلام أيضا أنه قرأ " أمّن يجيب المضطر إذا دعاه" فسئل مالنا ندعو فلا يستجيب لنا؟ فقال لأنكم تدعون من لا تعرفون، وتسالون ما لا تفهمون.(27)
فالعبادة والدعاء مقامات القرب من الله تعالى، وملاذات اللجوء إليه في الأمن كما في الخوف وفي الرخاء كما في الشدة وفي الصحة كما في المرض، وإذا استقامت عبادة المرء ودعاؤه في أمنه، فإنها ستستقيم في خوفه، كذلك في باقي الحالات، ومن لم يستشعر في كل صلاة ازدياد خوفه، وكثرة رجائه، وتضاؤل نفسه وتناهيها أمام عظمة الخالق وجلاله، فانه لم يحقق من عبادته ما يترجاه لنفسه، وما هو مطلوب منها، فهو كالمسافر الذي أخطأ الطريق، ولم يصب من سفره غير التعب والضيق، وعليه أن يراجع نفسه، ويتدارك ما بقي له حتى تكون مطيته موصلة إلى الغاية والمبتغى.

ولقد أدرك الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله من شدّة خوفه ورجائه، أعلى درجات المحبة والأنس، فكان ينزوي عن الناس في غار حراء قبل البعثة، ليختلي بربه فيعبده ويناجيه ويدعوه، وبعد كفالته لعلي بن أبي طالب غليه السلام من عمه صار يصطحبه معه، ليقتبس من هديه فنون العبادة والمناجاة والذكر والتأمل، وفي ذلك يقول الإمام علي عليه السلام" صليت قبل أن يصلي الناس بسبع سنين"(28) وفي حديث عن محمد بن علي الباقر خامس أئمة أهل البيت عليهم السلام قال:" هكذا صلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه بالناس الصبح بالعراق فلما انصرف وعظهم فبكى وأبكاهم من خوف الله ثم قال والله لقد عهدت أقواما على عهد خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله ، وإنهم ليصبحون ويمسون شعثا غبرا خمصا، بين أعينهم كركب المغزى، يبيتون لربهم سجدا وقياما، يراوحون بين أقدامهم وجباههم، يناجون ربهم ويسألونه فكاك رقابهم من النار، والله لقد رايتهم مع ذلك وهم خائفون مشفقون".(29)
أما أمير المؤمنين علي عليه السلام ، فقد قال في إحدى خطبه يوصي فيها أصحابه:" تعاهدوا أمر الصلاة، وحافظوا عليها ، واستكثروا منها وتقربوا بها، فإنها كانت على المؤمنين كتابا موقوتا، ألا تسمعون إلى جواب أهل النار حين سئلوا: ما سلككم في سقر؟ قالوا لن نك من المصلين..وإنها لتحتّ الذنوب حتّ الورق، وتطلقها إطلاق الربق، وشبهها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحمة، تكون على باب الرجل، فهو يغتسل منها في اليوم والليلة خمس مرات، فما عسى أن يبقى عليه من الدرن. وقد عرف حقها رجال من المؤمنين، الذين لا تشغلهم عنها زينة متاع، ولا قرة عين من ولد ولا مال، يقول سبحانه:" رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة " وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نصبا بالصلاة بعد التبشير له بالجنة، يقول الله سبحانه :" وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها"فكان يأمر أهله ويصبر عليها.(30).
وقد سأله ذعلب اليماني:"هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين ؟ فقال عليه السلام: أفأعبد ما لا أرى؟ فقال: وكيف تراه؟ فقال: لا تراه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان، قريب من الأشياء غير ملامس، بعيد عنها غير مباين، متكلم لا بروية، مريد لا بهمّة، صانع لا بجارحة، لطيف لا يوصف بالخفاء، كبير لا يوصف بالجفاء، بصير لا يوصف بالحاسّة، رحيم لا يوصف بالرّقة، تعنوا الوجوه لعظمته، وتجيب القلوب من مخافته".(31)

لقد كان أمير المؤمنين عليه السلام وآله، كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله دائم الفكرة، طويل الحزن، كثير التوجه والدعاء، عرف الله حق معرفته، فملك قلبه واستولى على عرى فؤاده، حلّ الأنس بنفسه حلول المقيم، فتمسّكت به تمسّك الغريق، ولولاه لطارت روحه من بدنه شوقا إلى الله تعالى.
عن جعفر بن محمد الصادق عليه السلام في حديث له عن جدّه وآله الكرام يقول:" والله ما أكل علي بن أبي طالب من الدنيا حراما قط حتى مضى لسبيله، وما عرض له أمران قط هما لله رضا، إلا أخذ بأشدهما عليه في دينه، وما نزلت برسول الله صلى الله عليه وآله نازلة قط إلا دعاه ثقة به، ما أطاق أحد عمل رسول الله صلى الله عليه وآله من هذه الأمة غيره، وان كان ليعمل عمل رجل كان وجهه بين الجنة والنار، يرجو ثواب هذه، ويخاف عقاب هذه، ولقد أعتق من ماله ألف مملوك في طلب وجه الله عز وجل، والنجاة من النار مما كدّ بيديه، ورشح منه جبينه وإنه كان ليقوت أهله بالزيت والخل والعجوة، وما كان لباسه إلا الكرابيس، إذا فضل شيء عن يده من كمه دعا بالجلم فقصه، وما أشبهه من ولده ولا أهل بيته أحد أقرب شبها به في لباسه وفقهه من علي بن الحسين عليه السلام، ولقد دخل إبنه أبو جعفر عليه السلام عليه، فإذا هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه أحد، فرآه قد إصفر لونه من السهر, ورمضت عيناه من البكاء، ودبرت جبهته، وانخرم أنفه من السجود، وورمت ساقاه وقدماه من القيام في الصلاة، قال أبو جعفر عليه السلام:" فلم أملك حين رأيته بتلك الحال من البكاء، فبكيت رحمة له، وإذا هو يفكر، فا
لتفت إلي بعد هنيهة من دخولي وقال:" يا بني أعطني بعض تلك الصحف التي فيها عبادة علي بن أبي طالب عليه السلام". فأعطيته فقرأ منها شيئا يسيرا ثم تركها من يده متضجرا وقال: من يقوى على عبادة علي بن أبي طالب عليه السلام." (32) وما أقر به أعيان تلك العصور من العارفين والمتعلمين من أهل البيت عليهم السلام في العبادة، وتطاولهم لها فاستطالوا عليها، حتى أصبحوا زينة لها، واستوثقوا منها أجنحة القبول، فطارت بهم إلى أعلى درجات المخلوقين، فهم كما قال فيهم سيد الوصيين، ونفس رسول رب العالمين عليه السلام:" هم قوم هجم بهم العلم على الحقيقة الأمر، فباشروا روح اليقين، واستلانوا بما استوعره المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا أبدانا أرواحها معلقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه".(33)

ذلك حال الأئمة الأطهار من أهل بيت النبوة ومنزل الوحي ومختلف الملائكة استنسخوا الدين عن جدهم استنساخا، وأشرب في أفئدتهم وقلوبهم إشرابا، قبل أن يلبسوه جلبابا ففاض من قممهم الشامخة علوما الهية وهداية ربانية. لم يستفزهم سلطان حتى يرشدوا الناس إلى حضرته، غير سلطان الحضرة القدسية، ولم يدعو إلى بابهم متهم حتى يكونوا إلى التهمة أقرب بل كانت سيرتهم في الناس بيضاء ناصعة للقاصي والداني، ومن حيث ما تناولت منها وجدت ضالتك، وأدركت حاجتك، بمنأى عن فقهاء السلاطين، ودعاة الجبابرة والظالمين، فبذلوا دمائهم ومهجهم من أجل أن تبقى شريعة الإسلام طاهرة نقية في بيوتهم وقصد هديها، وأعطوا من أنفسهم ما لم يعط غيرهم، ليس من فراغ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، بل عن علم وعمل ودراية، وما أخرجه ابن حجر في صواعقه تتمة لحديث الثقلين عن رسول الله صلى الله عليه وآله قوله: " فلا تقدموهم فتهلكوا ولا تقصروا عنهم فتهلكوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم."(34) إلا دليل على مقامه العالي عن استطالة الناس واستشرافهم له، ومكانكم الداني من الله تعالى دنو قاب قوسين أو أدنى، كرهوا لأنفسهم وشيعتهم ما كرهه الله تعالى لهم وأحبوا لأنفسهم وشيعتهم ما أحبه الله تعالى لهم، فجرى ذلك المجرى من العلاقة على كامل أوجه الحياة، ولم يبق شيء متعلق بدين أو دنيا إلا بينوه وأظهروه، وأمروا مواليهم بالعمل به و أو الامتناع عنه.

للدعاء نصيب من الإيضاح والبيان عند أهل البيت عليهم السلام ليس على سبيل التأليف والكتابة. وإنما على سبيل التطبيق والممارسة، وقد ظهرت آثاره عليهم من وقوفهم بين يدي الباري تعالى. ومما علموه مواليهم وتلامذتهم من أفعال وأقوال، تسوق المتعبد إلى المعرفة والقرب والحب، فهذا أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق غليه السلام يعلمنا أدب الدعاء فيقول:"احفظ أدب الدعاء وأنظر من تدعو، وحقق عظمة الله وكبريائه، وعاين بقلبك علمه بما في ضميرك، وإطلاعه على سرك، وما يكن فيه من الحق والباطل، وأعرف طريق نجاتك وهلاكك، كي لا تدعو الله بشيء فيه هلاكك، وأنت تظن أن فيه نجاتك. قال الله تعالى:" ويدعو الإنسان بالشر دعاؤه بالخير وكان الإنسان عجولا". وتفكر ماذا تسأل؟ ولماذا تسأل؟ والدعاء استجابة الكل منك للحق، وتذويب المهجة في مشاهدة الرب، وترك الاختيار جميعا، وتسليم الأمور كلها ظاهرها وباطنها إلى الله، فان لم تأت بشرط الدعاء، فلا تنتظر الإجابة, إنه يعلم السر وأخفى، فلعلك تدعوه بشيء قد علم نيتك بخلاف ذلك، واعلم أنه لو لم يكن أمرنا الله بالدعاء، لكنا إذا أخلصنا الدعاء تفضل علينا بالإجابة، فكيف وقد تضمن ذلك لمن أتى بشرائط الدعاء، قال: فإذا أتيت بما ذكرت لك من شرايط الدعاء، وأخلصت سرك لوجهه، فأبشر بإحدى ثلاث، إما يعجل لك بما سالت، أو يدخر لك ما هو أعظم منه، وإما يصرف عنك من البلاء ما إن أرسله عليك لهلكت."(35)
والمتأمل في حال الصلاة وكيفيتها، والمتبصر لمعانيها وأسرارها، لا يراها إلا مقدمة لدعائه وندائه تعالى، وغلافا لقربه ورجائه، حتى يحقق القرب كله، ويستأثر العبد بأغلب التوجه إلى الله تعالى.

جاء عنهم عليهم السلام في مقدمة الصلاة، وآداب التهيؤ لتحصيل التوجه والخشوع والانقطاع إليه تعالى الإتيان بسبع تكبيرات كالآتي:
تكبر ثلاثا وتقول:
" اللهم أنت الملك الحق المبين، لا اله إلا أنت سبحانك وبحمدك ، ظلمت نفسي فاغفر لي ذنبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت."
ثم تكبر اثنتين وتقول:
"لبيك وسعديك الخير بين يديك والشر ليس إليك المهدي من هديت عبدك ابن عبديك ذليل بين يديك منك وبك ولك واليك لا ملجأ ولا منجى ولا مفر منك إلا إليك سبحانك وحنانيك تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت الحرام.
ثم تكبر اثنتين وتقول:
"وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة حنيفا مسلما وما أنا من المشركين إن صلاتي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين." ثم تدخل في صلاتك بالاستعاذة ثم القراءة . ويكون دعاء القنوت في الركعة الثانية من الصلاة بعد القراءة ، بأن يرفع يديه حيال وجهه فيدعو الله بمطالبه، ويستحب من الدعاء فيها بما جاء في الكتاب العزيز، وما نطق به المعصوم، لأنه الأقرب إلى الله تعالى ، وإحدى الوسائل إليه.

وكما جاء الدعاء تهيئة ومقدمة للصلاة التي هي مقدمة للقرب والمناجاة، جاءت بقية العبادات والحالات التي يتقلب فيها المؤمن بين الأمن والخوف، يتقدمها الدعاء والتوجه، وما ورد عن أهل البيت الأطهار من الأدعية، كنز لا يقدر بثمن، ومورد كاف وينبوع معرفة صاف، وكل تلك النفحات رسول الله أصلها، وهم عروتها الوثقى التي لا انفصام لها، فعلمهم عليهم السلام علمه صلى الله عليه وآله، وعبادتهم عبادته، ودعاؤهم دعاؤه.أليس أبو الحسن علي بن أبي طالب عليه السلام باب مدينة علم رسول الله؟ فلماذا ينحرف عنه المنحرفون ؟ أليس في دعائه ومناجاته وتضرعه وعبادته نفحات قدس من نفحات رسول الله صلى الله عليه وآله ، والدعاء المسمى باسم صاحبه كميل بن زياد ، هو من علم النبي صلى الله عليه وآله، وكذلك بقية ادعيته وكلامه ، وكل ما خرج إلى الناس من ذلك البيت الذي أذهب الله تعالى عنه الرجس وطهره تطهيرا هو من معين النبي وفيضه الصافي ، هم مستودعه وحفاظه ووعاته ورعاته . والصحيفة السجادية المنسوبة للإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام هي مهجة الدعاء وخلاصته، بين فيها الإمام عليه السلام معالم العقائد ومكارم الأخلاق وآداب الدنيا والدين وما حوته من بديع المعاني وصفوة الكلم يغنيك عن اللجوء إلى غيرهم عليهم السلام في الدعاء لأنه لا وجه للمقرنة بين الثريا والثرى وتعميما لفائدة دعائهم عليهم السلام على الأمة الإسلامية تنقل جملة منها مأخوذة من كتب الدعاء المخصوصة والمعتبرة كمصباح المتهجد، والبلد الأمين، وجمال الأسبوع، ومفاتيح الجنان، ومفتاح الجنات، وضياء الصالحين وغيرها من كتب علماء أهل البيت عليهم السلام.

أما أتباع الأئمة الهداة ، وشيعة إسلام أهل البيت عليهم السلام الخلص الذين مضوا على بصيرة من أمرهم ، فقد سجل التاريخ لهم صفحات عز ومجد، وكانوا على مداه مضربا للمثل العليا ، وعناوين كبيرة في العبادة والأخلاق والزهد والكرم والشجاعة والعلوم بأصنافها، ولو أطلقت العنان لذكر أسمائهم لما وسعني المقام ، ولكني سأتشرف بذكر بعض أركانهم ، ليكون حافزا لمن يبتغي المزيد لبذل الجهد في معرفة الحقيقة التي ظلت مخفية عن الكثيرين: فسلمان الفارسي، وعمار بن ياسر، والمقداد الأسود، وأبو ذر الغفاري ، ومالك الأشتر، وميثم التمار، وحجر بن عدي الكندي قدس سرهم الشريف.

وإذا التفت إلى العلوم العرفانية التي هي محصل المعارف والتطبيقات العبادية الحقة، وجدت أن الأئمة الهداة وأتباعهم قد وضعوا أسسها ، وشكلوا من أعماق توجهاتهم خيوط نسيجها، فبرع من أخذ عنهم ، وأبحر في السلوك إلى الله تعالى من تتلمذ عليهم ، والإمام الخميني فدس سره الشريف في كتاباته الآداب المعنوية للصلاة ، وبقية كتبه كمصباح الهداية ن وجنود العقل والجهل ، والأربعون حديثا، وكذا بقية المراجع العظام الذين كتبوا في العرفان والأخلاق، كان مرجعهم إلى الأئمة الهداة ، ومدار تحقيقاتهم في ما توصلوا إليه من معين صاف، وينبئ عن جدارتهم بالإمامة وقيادتهم للأمة رغم أنوف الحاسدين ، وعداوة الظالمين.
وفي الختام، أليس في هذا كله أدلة تفضي إلى القول بأن المعين الصافي الذي بحوزة أهل البيت عليهم السلام من عبادة ودعاء وأخلاق، هو الإسلام الحق الذي لم تشبه شائبة حكومات الظلم ؟
إن منظومة الهداة من آل محمد متكاملة من الجانبين النظري والتطبيقي ، لا اختلاف في أحكامها ، ولا تضارب في تشريعاتها، من اقبل عليها غنم دينه ، ومن فارقها خسره ،إذ لا سبيل إلى الله تعالى غير سبيلهم ولا صراط ارتضاه للناس غير صراطهم المستقيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المراجع
1 - سورة غافر الآية 60
2 - سورة البقرة الآية 186
3 - سورة الأعراف الآية 55
4 - سورة النمل الآية 62
5 - الحقائق للكاشاني ص274
6 -الكافي ج 2 ص466  -  عدة الداعي ص39
7 -الكافي ج2ص466  -  مكارم الأخلاق ص 268  -  عدة الداعي ص29
8 -الكافي ج2 468 عدة الداعي ص 29
9 - حديث أخرجه مسلم باختلاف في اللفظ والنسائي في الخصائص وأبو داود وابن ماجة وابن حنبل في مسنده بعدة طرق .
10 - حديث أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده
11 - سورة الأحزاب الآية 67
12 -سورة الكهف آية 102 و 103
13 -مجمع البيان في تفسير القرآن ج1ص4
14 - تفسير الطبري ج1ص78 - 79
15 -مسلم ج 2 ص175
16 -أخلاق محتشمي ص42
17 - أخلاق محتشمي ص42
18 - أخلاق محتشمي ص42 المحجة البيضاء
19 - مسلم ج2ص188
20 -الموطأ
21 -مسلم ج2ص156
22 - متفق عليه
23 -مسلم ج2ص156
24 -مسلم ج2ص156
25 -مسلم ج2ص157
26 - مصباح الشريعة -  الحقائق للكاشاني  -  المحجة البيضاء
27 - كتاب التوحيد ص189
28 - مسند احمد بن حنبل
29 - المحجة البيضاء ج7ص178 - 179
30 - نهج البلاغة ج2ص178 - 179
31- نهج البلاغة ج2ص99 - 100
32 -المحجة البيضاء ج4ص234 - 235
33 -نهج البلاغة قسم المواعظ والحكم رقم 147
34 - الصواعق المحرقة لابن حجر
35 - مصباح الشريعة ص132

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة