المستبصرون » مساهمات المستبصرين

الدكتور محمد بن يعقوب - الجزائر - 11 شعبان 1425 - الطبيب (2)
البريد الالكتروني

عنوان الكتاب : الطبيب
الكاتب : الدكتور محمد بن يعقوب (اسم مستعار)

الطبيب (2)

هل أصبحت أمة الاسلام تصلح للحياة ؟
واشتد غضبى ولعنت فى نفسى مسلمى القرن العشرين , تمنيت لو أزور حالا قبر الرسول الكريم تمنيت أن أقف وأبكى أمامه أن أقول : ( يا أيها النبى الكريم لو أن رجال الدنيا وضعوا فى كف ميزان ووضعت شعرة من رأسك فى كف آخر لرجح كف الشعرة ) .
هكذا تصرف مسلمو القرن العشرين مع هذا النبى .
ومدينتنا أيضا كثر فيها الكلام عن الشيطان رشدى لكن كان حديث عادى كأى خبر سياسى أو رياضى .

وفى تلك الأثناء دعا أئمة ثلاثة المسلمون للحضور الى مسجد بوهران لقضية مهمة , واشتغلت فى تلك الأيام أفكر فى هذه القضية وحضر المسلمون وتحدث أئمتنا عن حرية التعبير , عن الدستور الجديد وعن أمور أخرى وفتح باب للنقاش وطرح أحد الحاضرين سؤالا : ( انّ أحزابا لائكية وشيوعية و حركات انفصالية فى العمل السياسى فماهى نظرتكم الى هذه الاحزاب ؟ ) فرد أحد الأ ئمة : ( لحد الآن لا يوجد أى حزب شيوعى أو لائكى وحتى ان وجدت فان الدولة سترفض اعتمادها وتغلق جميع الأبواب فى وجوهها ) . وهنا فشلت تحطمت وكدت أصوب لكمة الى وجه صديق كان يحدثنى عن الموضوع , وعرفت أن هؤلاء الأئمة هم فى واد والأمة فى واد آخر .

أخذت صديقى هذا الى مكان منعزل وكلمته عن واحد من تلك الاحزاب , عن تاريخ تاسيسه , عن زعيمه,عن مقره الرئيسى , ذهبت الى البيت أتيت بمجلة لذلك الحزب وبورقة كبيرة لأسماء أعضائه مسطر بالأحمر على الأسماء التى يعرفها أو سمع عنها وكدت أقول لصديقى هذا : ( اذهب الى امامك هذا وقل له يقرأ قليلا ويطالع قبل أن تاخذنا الحملة ) لكن كنت أعلم أنّ ذلك الامام استفاد كثيرا من مرحلة هيمنة الحزب الواحد , عضو فى (...) , يتجول بالمرسيدس ويتنقل من مسكن له الى آخر .
ولا أعرف فى ذلك الاجتماع لماذا تفادى الائمة الثلاثة الحديث عن قضية سلمان رشدى لا شكّ خوفا من أن تخرج صور الدبابات والعساكر من شاشة التلفزيون الى شوارعنا كما حدث فى ذلك اليوم الرّهيب .
لقد اكتشفت أنّ الكلّ متفق على تدجين الاسلام وسجنه فى الكتب وأماكن العبادة وفى مقدمة هؤلاء علماء البلاط وأصحاب الزّوايا الذين شكلوا درع السلطة تحمى بها نفسها من هجومات الاسلاميين الذين يطالبون بالتغيير .
وبدأت أفقد الثقة فى أىّ شخص وأكرّر فى كلّ لحظة هذه العبارة : ( فى حياتى لم أجد الاّ ثلاثة أوفياء : الله , محمّد و القرآن ) .

كنّا حتى ذلك الوقت فى عطلة الشتاء وقد حدث شيئ عظيم فى حينا , اذ اتفق معلّم مع أصدقاء له على تكوين فرع للكشافة الاسلامية تضمّ أطفال من مختلف الأعمار وفرحت وفرح أخى الصغير زهير وتنافس الاطفال فيما بينهم لتسجيل أسمائهم فالجمعية يجب أن تضمّ مائة طفل لاأكثر ولا أقل . لحق أخى متاخرا وبذلك لم يسعفه الحظ فى الانظمام وكان يبكى ويخاف أن يبقى وحيدا فى الحىّ .
كانت أمّى تنادينى فى كلّ مرّة كى أذهب به الى ( المكشافة ) كما كانت تسمّيها وقد تمكنت بعد جهد جهيد من ادخاله , وفرح فرحا شديدا .
كان أخى الصغير جبهويا يمتعنا بعد كلّ عشاء بالأناشيد الوطنية , ويفتح لنا محفظته الكبيرة القديمة ويخرج منها كتب الدستور القديم ومنشورات الحزب التقطها من القسمة وكنت أنتظر تغيّرات فى سلوكه اذا تمكّنت ( المكشافة ) كما تسميها أمّى أن تضغط على الزّر وتصبح كشافة اسلامية بالمعنى الصّحيح , سيمتعنا بعد كلّ عشاء بأناشيد اسلامية وآيات قرآنية ويرمى بحقيبته الكبيرة القديمة فوق سطح المنزل لتعبث بها القطط والفئران .

وظهر مراح بخنفوسته بعد غياب طويل وقضى أطفال الحى فى ذلك اليوم فى الحديث عن الخنفوسة وكأنّ طائرة بوينغ حطت فى أحد المزارع , حتى سطولو ضحك وطلب يوما من مراح مستهزئا أن يجر بخنفوسته شاحنة هينو فى حاجة الى دفع فاجابه : ( معذرة فى هذه اللحظة أنا مكلّف بجرّ قطار السودان ) .
كان سطولو قد كسب أصدقاء جدد يحبونه ويحبون مغامراته فى الغاب ومولعون بالأغانى القديمة التى يرددها فى كلّ لحظة وقد استهزأ به يوما شاب قائلا له : ( انك تزحف ) ففهم مراده وردّ عليه : ( سوف أرشح نفسى للانتخابات وسوف أفوز برغم أنفك , آمر مؤسسات البلدية بهدم منزلكم المبنى بناءا فوضويا وأنشأ مكانه مسبحا للأطفال ) .
ذلك هو سطولو , كان يخلّص الناس من همومهم , كان ينزع من القلوب بصمات الحقد الدفين وينسى الشباب العاطل ألامه ويأسه .
كان سطولو شجاعا لا يختلف فى ارادته وعزيمته عن ذلك الشباب الذى فقدته البلاد منذ أمد بعيد ذلك الشباب الذى حوّل الجبال الى أراض صالحة للزّرع وأخرج منها الذهب الأخضر كما يقال .

بدأنا فى الدراسة , انقسمنا الى ثلاثة أفواج , كنت فى فوج مقياس أمراض العيون , بحثت فى فوجى عن تلك الفتاة التى خرّبت عقلى وقلبى , لم أجدها حمدت الله كثيرا .
وتوالت الدروس وقضيت ليال فى الكدّ والاجتهاد والسّهر حتى شعرت بانخفاض فى وزنى وأصبحت ألتقى بأصدقائى فى ساحة الكلية وقضينا شهر رمضان فى الحديث عن أوضاع البلاد وكنت خلال ذلك ألتزم الصمت ولا أنطق ببنت شفة , كنت فقط أبتسم أو أردّ السّلام .
ولا أعرف كيف عاد ذلك السؤال القديم يطرق رأسى ( هل لى مستقبل ؟ ) لا شكّ أنّه نتاج صراعى اليومى لما كنت أشاهده من نفاق الناس وانتهازهم للفرص والفقر المدقّع الذى بدأ ينتشر فى أوساط الشعب والفساد الأخلاقى الذى ارتفعت درجته , فلم تسقط الأمطار وعطشت الأرض وعطش الموتى ( اخوانى أنا بريئ من مسلمى القرن العشرين أنا بريئ ) كنت أكرّرها كلّما مررت فى الحافلة على الاراضى المقفرة والتلال اليابسة .

وجاءت الضربة القاضية عندما كنت أتجول فى ساحة الكلية , جائنى صديق وأخبرنى بوجود قائمة نتائج امتحان مقياس أمراض العيون فى الأمانة السرية ذهبت معه الى المكتب فوجدنا الأمين العام عند الباب , تكلمنا عن النتائج فاخبرنا بأنّها سيئة للغاية , أعطيناه أسمائنا , بحث وعاد , لقد خسرنا الاثنين معا واندهشت , ظهرت علامات الحزن على وجهى , تأملنى الأمين العام فوجدنى حانقا, انّه لا يعرفنى ولأول مرّة أقابله , هممنا بالانصراف واذا به يقول لنا ( انتظرا قليلا ) , ذهب بنا الى مكتب الاعلام الآلى وفى مكان خفى قال لنا ( بصراحة اذا كنتما تريدان تغيير العلامة قبل تسجيلها , ادخلا على المكلف بالاعلام الآلى وادفعا له مبلغا من المال ) .
أطرقت رأسى وتركت صديقى يتكلّم معه , خرجت وكلّ ما فهمته من حديثهما أنّ هناك من دفعوا فغيّرت علاماتهم ورقيوا .
كانت الصّدمة قوية وخرجت من الكلية وتركت الدّرس ورحت أحدّث نفسى فى ذلك الشارع الطويل الممتد حتى الى محطة الحافلات ( لقد أنفقت الملايين من أجل الدراسة, لقد سهرت اللّيالى من أجل الدراسة , لقد ذهبت نصف صحتك من أجل الدراسة واليوم ها أنت تكتشف أنّ شهادة الدكتورة فى بلادك تشترى بالدراهم ) .
وعندما وصلت الى الدّار , شعرت كأنّى كنت فى حلم وما ألمتنى علامتى لكن الذى ألمنى حين اكتشفت أنّ كلّ الاداريين فى الكلية خونة وانتهازيين حتى الجحش مدير الكلّية بن منصور .
بعد مرور أيّام خفّ ألمى قليلا , فكرت فى الأمر فوجدت أنّ الامين العام ربما أدهشته أسعار الخضر والفواكه فى الأسواق فى هذا الشهر المبارك وأنّه لاشكّ تألم كثيرا كلمّا مرّ عليه أعوانه بسيارتهم الجميلة وعرف متأخرا أنّ الزّمن هو ( زمن القفز ) فاختار أن يكون من القافزين .

انتقلنا الى مقياس أمراض الجلود كانت الدروس حسنة وكان الأساتذة الاطباء طيبون . الشيئ الوحيد الذى استخلصته ونحن نتابع الدروس هو أنّ جماعتى المكوّنة من راشد بوعلام الشحيح وايقاش ياسر الخبيث الماكر وسمير تيميزار المؤمن الضعيف وزقرار الشيخ الأعرابى المتحضّر هى صورة مصغرة لمثقفى مجتمع ممزق , كان كلّ واحد يفكر بطريقته الخاصة حسب مصلحته الخاصة , كلّ واحد يكنّ بغضا ودسائس للآخر ويتمنى أن لا يبقى فى الميدان الاّ هو شاهرا ( مئزره) .

فى ذلك الوقت كانت قرية ( الزوية ) الواقعة بالقرب من الحدود المغربية مكانا يحجون اليه الجزائريون من كلّ صوب وحدب , وسيظلّ الجزائرى يذكر طويلا تلك القرية . كان سكان القرية يذهبون الى المغرب وياتون بألبسة وأجهزة الكترونية ويبيعونها بأبخس الأ ثمان , فكان الجزائريون يكرون حافلات النقل الخاص ويقصدونها , ويقال أنّه لمّا تنزل من الحافلة لا تستطيع حتىّ أن تضع قدمك من كثرة الزوار وحين ترفع رأسك لا ترى الاّ الرؤوس وكأنك فى جبل عرفات .
ومع مرّ الأيّام أطلق على القرية اسم ( أبيلام ) نسبة الى ذلك الثوب المستورد المكتوب عليه اسم أبيلام الذى شدّ أنظار الزوار فاشتروه وارتدوه .
ومرّة سالت صديق : ( الى أين أنت ذاهب ؟ ) فردّ علىّ : ( الى أبيلام ) فحسبت أنّه قاصد مدينة باسبانيا وحين اكنتشفت الأمر ضحكت على نفسى .
وأنشأ حزب الوحدة الشعبية واتخذ مقره فى مدينة وهران وكشفت المنظمة الاشتراكية للعمال عن أعضائها وتاريخها فى العمل السّرى ومقرّها الرئيسى أمّا اخوانى الملتحين فان اللحية والحجاب وزردة سيدى فلان قد ألهاهم عن واقع الأمّة واتجاهها .
وراح أخى يتردد على ( المكشافة الاسلامية ) وكنت أنتظر منه ذلك التحول العميق فى سلوكه وبعد رجوعه كنت أحدثه عن ماقام به مع أصدقائه فلا يجيبنى ومرّة أرغمته بالقوة على أن يجيبنى فردّ ( نلعب تنس الطاولة , شطرنج , وأحيانا يعطى لنا دروسا فى الوضوء والصلاة ) .
ومرّة صرخ فى وجوهنا :
( أنا كرهت من المكشافة كرهت ) .
وأضنّ أنّه ليس الوحيد الذى كره فالأطفال الذين خلت منهم الشوارع فى البداية وجدتهم كالجرذان فى الأيّام الموالية .
كنت حتى ذلك الوقت محطما نفسيا , مرهقا فكريا , وكنت فى حاجة الى راحة كبيرة وقد تعرضت فى محطة الحافلات الى ثلاث محاولات للسرقة كما لاحضت تزايد عدد الفقراء و المتشردين فى الشوارع وأيضا كثرة الشباب البطال .

وهكذا , بدلا أن يحتضن العهد الجديد جدلا سياسيا من المستوى الرفيع يقدّم للمجتمع حلولا للازمات استغل بعض الحاقدين على خصوصيات الشعب الجزائرى , استغلوا حرّية التعبير التى يقرّها الدستور الجديد لاظهار شذوذهم السّياسى والثقافى والجنسى من تصريحات رشيد بوجدرة يعلن فيها أنّه لا يؤمن بالله ولا يصوم شهر رمضان الى سخريات كاتب ياسين من الاسلام و اللغة العربية مرورا بمجموعات الشواذ الذين امتلأت بهم بعض السّاحات العمومية للمدن الكبرى ,ولعل أغرب وأقبح شيئ صنعه هؤلاء الشواذ فى تاريخهم هو تمكّنهم من بث أغنية فى القناة الثالثة سمعتها صدفة من خلال برنامج اللهو الذى كان يعتاد على تقديمه ( علالو ) . كان المغنّى يناجى حبيبته بأعلى صوته فكان يقطع اسمها الى شطرين وينادى على ايقاع الموسيقى الصاخبة كان , يطول فى لفظ المقطع الأوّل من الاسم ثمّ ينتقل الى المقطع الثانى وأحيانا يذكر الاسم بالكامل أمّا المقطع الأوّل من الاسم فهو ذكر الانسان أمّا المقطع الثانى فهو ( بيد ) وحين يتم ذلك بالاسم الكامل فى التالى فهو يقول أمام العالم كلّه ( ذكر الانسان فى يد فلانة ) .
لقد حدث هذا فى اذاعة وطنية ناطقة بالفرنسية لدولة عربية مسلمة وأظنّ أنّ مثل هذا لم يحدث ولن يحدث فى تاريخ اذاعات امريكا وبريطانيا وفرنسا .

وتذكرت فيما مضى , بثت نفس القناة أغنية ( أرض الميعاد ) بمناسبة تاريخ انشاء اسرائيل وتذكّرت أيضا فى عرض صحفى لأفلام الأسبوع المقبل لصحيفة الجزائر- الأحداث علّق توفيق حاكم على ممثل اسمه ( ...) : أيّها القارئ ماذا يحدث لو حذفت حرف الرّاء , لا تخاف انّه ( ) وكتب الكلمة الكلمة بدون راء ( الذكر ) وقلت فى نفسى : ( أيّها اليهودى المتنكر, انّ لنار جهنم راء وهى تنتظرك لتحذف بقلمك حرفها الأخير وانّ للقبر راء وهو ينتظرك أيضا وما أشبه حرف الرّاء بثعبان أقرع ) أمّا فى الكلّية فانّ مجموعتنا قد تغيرت كثيرا ولم تعد كما فى السابق تهتم بما يجرى فى الساحة السياسية من تحولات كما ظهرت تكتلات فى أوساط الطلاب . اعتزلت قليلا عن مجموعتى والتزمت الصّمت . وأتذكر جيدا فى تلك الفترة أنّ صديقى الملتحى تيميزار تقدم اليه طالب يعرفه وطرح عليه أسئلة فى صيغة استهزاء وهى تعكس فى حقيقة الأمر الظرف السياسى الذى كانت تعيشه البلاد فقال له : ( من هو الله ؟ أنا لا أؤمن بوجود الله . اثبت لى وجود الله ؟ ) لكن صديقى المؤمن الضعيف الذى كان يستهزء بى كلّما حلقت لحيتى عجز عن الاجابة وكان يتهرب من تلك الأسئلة المحرجة ولا يجابهها بأبسط جواب مقنع وحين عرف أنّه غير قادر على ( تحريك جبل ) نظر الى وقال : ( وأنت لماذا ساكت هكذا أجبه ؟ ) . ابتسمت له ولم أجب .

لقد كان لدى الجواب العلمى المقنع والمذهل ولقد تحصلت عليه وأنا أتمعن سنوات فى الآية الكريمة ( وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها الاّ هو ويعلم مافى البرّ والبحر وما تسقط من ورقة الاّ يعلمها ولا حبّة فى ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس الاّ فى كتاب مبين ) . وظهرت لى الحقيقة ساطعة كالشمس عندما حدث انفجار المركبة الفضائية ( شالنجر ) فقبل انفجارها بثوان علم الرواد بخلل تقنى فى أحد الأجهزة من خلال معلومة بثتها الشاشة فى الغرفة الرئيسية للقيادة وهذه الشاشة الاعلامية تستاق جميع المعلومات من خلال أجهزة اعلامية صغيرة مثبتة بكلّ جهاز فى المركبة يخبرها بحالته فى كل لحظة وفى زمن أجزاء الثانية ..ورحت أطبق صورة مركبة ( شالنجر) وروادها والكون وخالقه والآية الكريمة وقائلها .
انّه يؤسفنى أن يتحصل الطالب المسلم على شهادة الدكتوراه فى الطب والفزياء ولا يعرف كيف يثبت وجود ربه .
وبدأت أكره كلّ شيئ حتى نفسى وتخاصمت مع العديد من الطلاب حتى اتهمنى أحدهم بالجنون والسبب أنّى صحت فى وجهه أمام الملا : ( فى هذا العالم لن أعترف الاّ بواحد ) ورفعت يدى وعيناى نحو السماء .

وانعقد فى تلك الاثناء مؤتمر استثنائى لحزب جبهة التحرير الوطنى وأعلن الأمين العام عن قوة الجبهة أمام التحديات فى حين اتفق زعماء الجمعيات السياسية على بيان نددوا فيه باحتكار السلطة والمسّ بقوانين الدستور الجديد .
وحتى ذلك الوقت لم أفهم كيف تسير الديموقراطية فى البلاد فالحكومة جبهوية مجلس الشعب وأعضائه جبهويون , الجرائد الوطنية تابعة للجبهة وبالنسبة فان 99 فى المائة من مؤسسات البلاد كلّها تحت مراقبة الجبهة .
ولا أعرف لماذا فرحت الأحزاب لقرار الأمين العام لجعل جريدتى الشعب والمجاهد تابعة للجبهة ومن المعلوم أنّ المدير العام لكلّ جريدة من الجريدتين مكلف بمراقبة جرائد أخرى مستقلة تصدر من نفس المؤسسة , وعندما سال صحفى الأمين العام للجبهة عن مصير الجرائد الأخرى أجاب : ( سوف نراقبها بطريقة غير مباشرة ) .

وظهرت فضيحة اعلامية فى الجزائر-الاحداث كشفت النقاب عن حالة الديموقراطية المزعومة . فقد نشر المدير العام افتتاحية فيها انتقادات شديدة للسلطة فمنعت وزارة الثقافة والاعلام من نشر المقال وحذفته ونشرت فى مكانه اشهار لمؤسسة وطنية واكتشف الشعب المهزلة لكن ماذا عساه أن يفعل الشعب , وراح النزاع يدور بين مدير الجريدة ونايت مازى ووزارة الثقافة والاعلام وجمعية حقوق الانسان . وبعد أيّام أغلق الملف , أمّا الصحيفة فقد غيّرت أسلوب تعاملها للأحداث كما غيرته سابقا لما هاجمت اليهود فى فرنسا واسرائيل .
وناقش مجلس الأمّة ملف الجمعيات ذات الطابع االسياسى وطرح أحد النواب سؤالا : ( لماذا يتفق على تأسيس أحزاب اشتراكية وشيوعية ولائكية وغير ذلك بينما يمنع انشاء حزب اسلامى , ماهو مصير الاسلاميين ؟ ) وهنا تدخل وزير الداخلية قائلا : ( انّ هناك ستة ألاف جمعية دينية فى الجزائر وقد استشرناها جميعا فقالوا لنا أنّه لا داع لدمج السياسة بالدين ) .
أمّا أنا فقد طرحت السؤال التالى : ( لماذا غادر ذلك العالم المصرى بلادنا فى هذا الظرف بالذات ؟) وصراحة القول أنّه منذ وطئت قدماه تراب الجزائر لم يجد الاّ صعودا نحو الأسفل .
لا يهم, فامتحان مقياس أمراض الأنف والأذن والحنجرة كان على الأبواب ودخلت يوم الامتحان أضحك وخرجت أضحك ولمّا ظهرت النتائج كلّنا اندهش . لم أتحصل على علامة النجاح والأصدقاء أيضا . ولكن يجب أن أدلى بحقيقة . فالأسئلة كانت سهلة واجاباتنا كانت واضحة وكعادته فى كلّ سداسى يتحوّل المشرف على المقياس الى ( جزار ) حتى يبقى نسبة لابأس بها فى امتحان الاعادة فى الصيف .

واكتشفت مع الأصدقاء تلك الحقيقة التى لازمتنا منذ أن وطئت أقدامنا الكلّية والتى يعرفها الجميع ويخاف أن يدلى بها , انّها الجهوية . وذهبنا الى ورقة النتائج جماعة وقرأنا أسماء الناجحين فوجدنا اغلب أسمائهم تشير الى منطقة واحدة ( تلمسان ) . ضحكنا كثيرا وقلت لزميل مستهزءا : ( علينا أن نذهب الى وزارة العدل كى نغير أسماءنا فالنّجاح فى هذه البلاد أضحى لا يأتى بالسّهر والمثابرة ولكن بالأصل وصدق من قال أصلك هو أصلك ) .
كان مدير الكلية من ( المدينة الفاضلة ) وكان أغلب رؤساء المصالح والمشرفون على التدريس من تلك المدينة وكان جلّ الطلبة منها وفى نفس الوقت كانت هناك رسالة سرية تتبادل بين هؤلاء من غير أن يشعر بها آخرون وحبال تلقى الى اللذين فى الأسفل لانتشالهم وضمّهم فى نطاق عصبة جهوية قوية .
وفى ذلك الوقت الذى علّقت فيه ورقة النتائج أقمت الدنيا وأقعدتها ساخطا على العرب وأنا منهم حتىّ بلغت بى الجرأة الى أن أطرح على أصدقائى فى ساحة الكلّية هذا السؤال الغريب : ( كيف يمكن لمسلم قضى حياته كلّها فى اللّهو والمجون والنفاق والنهب والفساد أن يدخل الجنّة بينما باستور وأمثاله الذين أنقذوا الملايين من البشر مسلمين وغير مسلمين من الموت مؤواهم نار جهنم ؟ ) .
وهنا طأطأ أصدقائى رؤوسهم ونزل الصمت عليهم نزول الوحى . حقا انّه سؤال محيّر لكنّه وجيه انتظرت الجواب وكنت كلّما قابلت أصدقائى أشعر أنّ سؤالى وقف عليهم فيملكهم الشعور الأوّل انّهم يطاطئون رؤوسهم ويصمتون .
ولم ياتينى الجواب لكن مع مرّ الأيّام عرفت الجواب الحق والمقنع .

على كل حال , فانّ مقياس علم الأوبئة كشف لى التدهور الخطير الذى يعيشه المجتمع الجزائرى خاصة من جانب التفكك الاجتماعى والانحلال الخلقى وانحطاط مستوى المعيشة وفى آخر حصة اتفق الأساتذة على أنّ المستقبل مظلم لن ينجو منه الاّ رئيس الجمهورية وزعماء الاحزاب وبعض المحضوضين .
أمّا مقياس الطب الشرعى فهو الذى عرفنى برجل اسمه حنوز , انّه أستاذ مفكر وفنان , انّه يعرف كيف يحوّل بعبقريته دروسه الى تمثلية رائعة الاخراج ويجعل من الطلبة متفرجون ومن الداخلين والخارجين من المدرج بهلونيين .. انّه رجل عظيم .
كان كثيرا ما يقف عند طالب ويصيح فى وجهه : ( لا تحسب أنّ هذه المعلومات متوفرة فى الكتب اكتب يا ابنى ) أو عند طالبة : ( الطب فن مثل فن الطبخ هل تعرفى تطبخين ؟ ) .
كنا فى فصل الصيف وكانت الحرارة شديدة وكنت ضائعا مرهقا , كنت أعد آخر الأيام وأتطلع بشغف الى آخر يوم من الدراسة .
سوف لن أرى الكلّية سوف يغيب عنى أصدقائى ...وعاد ذلك السؤال المخيف يطرق مسامعى :
( ترى كيف سيكون مستقبلى ؟ ) .
وجاء الموعد الحاسم انّه اليوم الأخير من مقياس طب العمل ونظرت الى تلك الفتاة التى تجلس فى الصف الأول من المدرج تاملتها جيدا , ضحكت فى نفسى ساخرا وقبل أن نخرج قال زقرار الشيخ مخاطبا : ( كم عظيم ذلك الشخص لقد قضى حياته الدراسية فى دفتر مطوى لا تهمه الأشياء يجد ويكد انّى أحييه اعترافا ) فسأ له أحدنا : ( من هذا الذى تتحدث عنه ؟ ) فسكت ولم يجبه وكنت أعلم فى نفسى أنّ الذى تحدث عنه وامتنع عن ذكر اسمه هو أنا .
التقينا يوم الامتحان وقلت للأصدقاء قبل لحضات من بداية الامتحان : ( أغلب هذه الوجوه سوف لا أراها ) . طلبوا منى عنوان البيت أعطيتهم وافترقنا .
كان الفراق صعبا يصعب وصفه .

وتجولت فى شوارع مدينتى فلم أجد شيئا يلفت للعيان فقط جرى وراء الدينار بكلّ الوسائل وبمختلف الحيل ولقد تمعنت كثيرا فى مقولة شاب جلس معى فى مقهى : ( فى هذه البلاد المبادئ لا تجدى البقاء للأقوى ) ولقد وجدته صادقا الى حدّ ما ولن أنسى أبدا عندما قال لى : ( أولائك الذين يلبسون العباءة و يطلقون اللّحى ويترددون على المساجد ليس قناعة بهذا الدّين ولكن ملجأ يكسبون به بعض الودّ والاحترام وكم يكون الرجل عظيما عندما يكون مثل أولائك ولكن خالص النّية وحسن الخلق لا يهمّه الاّ الله سبحانه وتعالى ) .
فى حياتى كلّها وأنا أبحث عن أحد أستفيد منه يرضينى بفكرة وأخيرا أجد شابا ضائعا فى الطرقات يحرّك فىّ مشاعر بليغة ويجعلنى أقف بين عالمين عالم الكلية ودروسها وعالم الشاب والشوارع . انّهما عالمان مختلفان وأعتقد انّى الطالب الوحيد الذى استطاع أن يتجول بعقله وفكره بين هذين العالمين . لقد مزقتنى الكلية ومزقنى الشارع لكنى خرجت ظافرا بفكر وتجربة . ما أجمل تلك الفكرة التى أقبرتها وهىّ حيّة ألسنا فى أمس الحاجّة أليها , أليست هى القوة الوحيدة القابلة لتغيير الواقع تغييرا جذريا أليست هىّ القوة التى تحطم جميع النظريات وتقطع جميع الممارسات القديمة من جذورها وتجعل البقاء للأجدر صلاحا ونفعا وخدمة وليس للأ قوى مالا ونفرا .

فى أحد الليالى من ذلك الصيف , جلس ذلك الشاب فوق سطح منزلهم وراح يتذكر : زاوية الحىّ , سيارة سطولو , مظاهرات الشباب الدانماركى , خلواته الليلية, متاعبه فى الدراسة , وتذكر أيضا الفقر , الجهل , النفاق ....نزل ثمّ حمل مفكرته وكتب : ( الاهى لو اتفق سكان الأرض جميعا أن ينصبونى ملكا عليهم أمرى يطاع والشعوب تركع لى والذهب والفضة تدخل خزينتى على أن أنفى وجودك ما فعلت الاهى لقد اكتشفتك مثلما اكتشف أديسون الكهرباء ومثلما اكتشف باستور مضاد الكلب ومثلما اكتشفت كورى الرادون الاهى لم يبق الاّ أن أرى وجهك فلا تحرمنى من رأيته ) .

كان الجوّ ساخنا وكان الامتحان الاستدراكى لمقياس أمراض الأنف والأذن والحنجرة يؤرقنى وهكذا أمضيت ليال طوال فى مراجعة دروسى ويوم الامتحان حملت دفاترى وقصدت الكلية , كانت الاسئلة فى منتهى السهولة .
الحرارة المرتفعة كانت تدفع الناس الى الذهاب الى البحر , شوارع قديل كانت تعج بالحركة صباحا أمّا بعد الظهيرة فتكاد تكون خالية الاّ من بعض الشباب الذين فضلوا رمى سلعتهم على الأرض على طول الطريق الممتد الى كريشتل لعلّها تلقف بعض المشترين . رغم أنّهم قلة الاّ أنّ أغلبهم كان يفضل ركوب أمواج البحر .
لقد كنت أغير من هذه التصرفات , كنت أرى فيها الحرية المطلقة كنت , أحسّ بأنّى مقيد بشيئ فى داخلى يمنعنى من التحرك خارج مدينتى, لقد كنت أطرح دائما هذا السؤال : ( ما الذى يقف حاجزا أمام حريتى , هل هى شخصيتى , هل هى الدراسة أم أشياء أخرى فى قرارة نفسى لا يعلمها الاّ الله)
انى أتذكّر جيدا ذلك اليوم الذى قصدت فيه بلدة كريشتل الساحلية مع صديقى مصطفى وبينما كان هو يسبح اشتغلت أنا فى التمتع بالمناظر الجميلة للبحر والجبال المحيطة به والأفق الأزرق الممتد أمام عيناى واذا بريح خفيفة هبت , لقد ملكنى شعور غريب , أحسست كأنّها حملت لى رسالة ذات رموز مبهمة , فاخذت طريقى مسرعا نحو مدينتى تاركا صديقى فى حيرة لا توصف .

كنت كلّ يوم أتردد على قسم أمراض الأنف والأذن والحنجرة وكنت أرى رئيس المصلحة فى مكتبه يستقبل أصحابه بينما كنا نحن عند باب المصلحة نسأل بعض الخارجين منها ان كانت نتائج الامتحان موجودة عند رئيس المصلحة لنطلع عليها . لقد كنا نمضى نهارا كاملا ونحن مكدسون عند الباب كالخرفان ننتظر فرعون تلمسان كى يتلو علينا بعض الأرقام ليترك بعضنا يتخبط فى بركة دم والبعض الآخر ينطلق فرحا مرحا .
مرّت أسابيع ونحن على هذا الحال بينما كان أصدقاء الدفعة الذين لم يكن لديهم امتحانات الاستدراك قد بدأوا العمل فى مصالح المستشفى .
وهكذا انهيت دراستى , كم كانت شاقة , متعبة , مملة , كم كشفت لى من حقائق .

لقد أحسست أنّى بدأت أخرج من عالم الجدران والكراسى والأوراق وعلامات الاستفهام الى عالم أفسح وأجمل وأوضح .
حملت دفاتر كلّ سنوات الدراسة وجمعتها فى حقيبة كبيرة ورميتها فى أحد البيوت المظلمة لتعبث بها الفئران , البعض الذى لا أحتاجه أحرقته فى حديقتنا.. هكذا كنت أتصوّر كيف أعالج ماض مقيت يلاحقنى بسوطه .
بدأت أفكّر فى أىّ مصلحة أبدأ العمل وأمضيت تلك الأيّام أمشى فى الشوارع باحثا عن حريتى المفقودة , كنت أحسّ بفراغ كبير وكانت الأيّام المتوالية تكشف لى كيف نقتل بسهولة أوقاتنا , لا شيئ سوى الدوران والكلام المملّ .
وجدت نفسى وحيدا فى مدينتى, كلّ الأصدقاء افترقوا عنى بسبب أشغالهم وكنت أجد متعة لمّا أخرج فى منتصف الليل من منزلنا وأقصد وسط المدينة كان سكون المدينة وحركات أوراق الأشجار عندما تهب النسمات الباردة تنقذنى من غفلتى . لقد أثار سلوكى هذا حيرة فى بعض من يعرفنى .
الحياة جميلة فى الليل لكن تفقد كل معناها حين يغزو بنو آدم الطرقات وتمتلأ المقاهى عن آخرها ويزكمنا دخان المحركات ويركبنا الصّداع من جراء ضجيج المصانع .
انّ العالم ينقسم الى عالم الضجيج وعالم السكون , عالم الضجيج هو عالم البشر وعالم السكون هو عالم الموت , وقديما قيل الضجيج لا يفعل خيرا والخير لا يفعل ضجيجا والحضارة لا يمكن أن تكون بدون ضجيج والاّ توقفت لكن هناك ضجيج صاخب وهو الذى يطبع الحضارة الغربية وهناك ضجيج هادئ وهو الذى نبحث عنه و فلسفيا لا يمكن أن يوجد الاّ فى حضارة ذات أبعاد روحية .

كنت أحيانا أصعد الى سطح المنزل اتامل النجوم وأحيانا الاضواء المنبعثة من نوافذ العمارات البعيدة كنت أحيانا أخرى أطلّ من على سطح المنزل على شارعنا فيعجبنى سكونه .
كنّا فى شهر أوت من عام 1989 م , كانت الحرارة جدّ مرتفعة وبدأت تظهر لى بعض المشاكل مع عائلتى , أحيانا كنت أصاب بانهيار عصبى وقد تجلّى من خلال سلوكى اذ كنت أمشى فى الطرقات ثمّ أتوقف ثمّ أمشى قليلا لأ توقف بعد هنيهة . لقد نقل بعض أصدقاء أبى هذه الملاحضة اليه فكان يوبخنى .
لن أنسى ذلك اليوم عندما وقعت مع أبى فى عراك كلامى حول ضرورة تقسيم ملكنا بين اخوتى والفصل فى قضية احتلال أحميدة لمحلنا , لقد قالت لى أمى من بعد ذلك : ( انك قتلت أبوك وهو لازال حيا ) قلت : ( أردت أن أجعله حيّا هنا وهناك ) .
بعد سنوات هاهما أبواى يجريان ورائى كي نفصل فى الأمر .
كلامى فى أسرتى كان كلّه جدّ وصدق , فيه قبسات المستقبل المجهول لكنّه كان مرا مؤلما وقاس يصعب تقبله .

جمعنا فى قاعة المحاضرات , أخذ المكلف بالبيداغوجيا بالمعهد يقرأ علينا أسمائنا حسب الترتيب العام , كنت جالسا فى الآخر كعادتى أنتظر اسمى لقد اخترت مصلحة الجراحة فى مستشفى ( المحقن) البعيد عن المستشفى الجامعى بنحو ثلاثين كلومتر . فضلت أن أبتعد قليلا عن الفراعنة الذين يتربعون على عروشهم منذ أمد بعيد ساعدهم فى ذلك نظام صحى مريض يستحيون من ماضيهم استطاعت الادارة ونظام الريع أن يجعل منهم فيلة ضخمة . لقد نجحوا ضمن الأوائل ونجحوا ضمن الأواخر ولكن ما معنى النجاح اذا كانت مرتبتك لا تتعدى مرتبة ممرض فى مستشفى باريسى .
فى صباح ذلك اليوم لبست أجمل لباس وحملت محفضتى متوجها الى محطة الحافلات لكن هذه المرّة ليس الى جهة اليمين ( وهران ) ولكن الى جهة اليسار ( المحقن ) . لباسى الجديد ومحفظتى وتوجهى الى المحطة المعاكسة جعل كل من يعرفنى يركز نظره فىّ ويرى تحول عميق فى شكل هذا الرجل , فهل هو انعكاس لتحوّل فى أفكاره أم وضعيته الجديدة هى التى فرضت عليه ذلك ؟..

كان المستشفى يقع خارج بلدة ( المحقن ) فى منطقة منعزلة وهادئة وكان يضمّ أربعة مصالح هى مصلحة الجراحة , مصلحة الأشعة , مصلحة أمراض الأطفال ومصلحة الولادة , وكان أغلب العمال يسكنون مدينتنا أو ضواحيها , وكانت تسمّى فى الماضى بسيدى بوزناد نظرا لوجود ضريح الولىّ الصالح سيدى بوزناد . ولازلت أتذكر عندما قصدت مع جدتى ضريح الولى وكنت طفلا صغيرا ,تخليت عن جدتى ثمّ وقفت أمام جدار تسلقته فظهرت أمامى مقبرة شعرت بخوف كبير ونزلت مهرولا نحو جدتى ثمّ ألحت عليها كى نعود الى دارنا لمّا سمعت بعض الأطفال يقولون أنّ هؤلاء الأموات يستفيقون فى الليل .
براءة الأطفال تلك لم أستطع أن أفسرها الاّ بعد سنوات ربّما هى الحقيقة كذلك فالقلوب الميتة لا تستفيق من غفوتها الاّ فى سكون الليل , والخشوع والسجود لايكون أجمل الاّ فى الليل, وفى ليلة من ليالى السنة تتنزل الملائكة باذن ربّهم من كلّ أمر سلام هىّ حتىّ مطلع الفجر .
كانت مصلحة الجراحة العامة تنقسم الى قسمين قسم مخصص للنساء وآخر مخصص للرجال , كنّا نحو ثمانية أطباء متربصون كلّهم نساء , كنت الرجل الوحيد بينهم . كان يشرف على المصلحة الأستاذ بخشى , دخلنا عليه فى مكتبه فى أول يوم فوجدناه جالسا يستمع الى الاغانى المنبعثة من مذياع وضعه على مكتبه , قدمنا له أنفسنا , أعطانا استمارات , ملأناها بسرعة ثم بدأ يقرأ كلّ استمارة ويعلق , ينتقد , ينصح أحيانا , ومن خلال كلامه فهمت أنّه شغوف جدّا بكلّ ماهو وراء البحر , كان يريد أن يقدم لنا من خلال تجاربه بعض المشاكل التى سنلاقيها على مختلف المستويات أثناء عملنا فى المستقبل ثم التفت الى وقال وهو يتأمل الاستمارة : ( انك تسكن حى سان جارمان , أنصحك يا سيد أن تذهب الى سان جارمان فى باريس ) .
أحيانا أفكر فاقول أنى لو أخذت بنصيحته تلك لنجحت فى حياتى , انّه نفس السؤال الذى مازال يطرحه على لحدّ الآن الزملاء الأطباء وبعض الناس غير المتعلمين .
فى ذلك الوقت لم نكن نتوقع أن تتسارع الأحداث بتلك الوتيرة لكن هناك أناس يتجرأون للهجرة لمجرّد ظهور العلامات الأولى للانهيار أمّة وأول تلك العلمات كانت البطالة وفقدان الثقة فى نظام الحكم .
اخترت قسم الرجال , كنت الوحيد فى القسم , الطبيبات اخترن قسم النساء , بدأت أعمل بجد ونشاط أقوم بتكوين ملف لكلّ مريض يتمّ محاورته وفحصه بالكامل مع اجراء تحاليل الدم وكليشيهات اشعاعية ثمّ تقديمه أثناء الزيارة الصباحية للزملاء ثمّ نحدّد له يوم اجراء العملية ضمن البرنامج الأسبوعى .

لم أكن أتابع جيدا ما يجرى على الساحة السياسية , كان عدد الأحزاب يزداد كلّ أسبوع اذ وصل عددها فى تلك الفترة الى نحو ستون حزبا , يكفى فقط أن تكتب برنامجا سياسيا وتمضى مع خمسة عشر شخصا ليعتمد حزبك ويقدم لك مبلغا يفوق المائة مليون سنتيم . كان أغلبهم يأخذ المبلغ ثمّ لا تسمع عن حزبه شيئا وفى الجهة الأخرى كانت تعاونيات الشباب التى انشأت لتحدّ من تفاقم مشكلة انتشار البطالة لا يعطى البنك لأصحابها الاّ أربعون مليون ستتيم مع نسبة فوائد عالية .
لقد دخل اسم ذلك الشباب التاريخ وتمنى كلّ واحد لو تأتيه فرصة مثل تلك لينجو بنفسه . لقد أنشأ ذلك الشاب تعاونية فلاحية وتقدم الى البنك للاقتراض فمنحه بعد دراسة ملفه نحو أربعون مليون سنتيم فاشترى جرار لكن غلاء البذور ونسبة الفوائد المتراكمة اضطرته الى أن يقدم على بيع الجرار وحوّل المبلغ المتبقى الى عملة صعبة ثمّ أخذ تأشيرة من سفارة الولايات المتحدة وطار الى بوسطن .

لقد بدأت الصحف والتلفزة تفتح أبوابها لرجال السياسة لنقد الأوضاع وتقديم البديل , كان نظام الحكم هو المتهم الأول والضحية هو الشعب والعلاج يكمن فى انتهاج ديموقراطية صحيحة . الكلّ متفق على سحب البساط من حزب جبهة التحرير الذى انتهت مهمته لكن هذا الأخير استطاع أن يجعل نفسه بعيدا عن لهيب الأحزاب وأن يتكيف مع الأوضاع بطريقة ذكية ويحوّل المعارضة للحكم الى معارضة المعارضة , لقد كانت المعارضة منه واليه .
لقد سقط كثير من رجال السياسة فى الفخ الذى نصب لهم وأصبحت لغة الخشب التى كانوا ينتقدونها يتكلمون بها والفكر الأحادى الذى يمقتونه مازال يعشعش فى دماغهم والقطيعة التى يتغنون بها كلام أجوف يريدون به تبرئة أنفسهم من الوضعية المزرية التى وصلنا اليها وحتى أولائك الديموقراطيون سقطوا فى الفخ وأصبحوا يطبقون بدون شعور سياسة تحطيم كلّ رموز النظام ولكن فى الحقيقة كانوا يحطمون أنفسهم .

كان الشعب يفرح حين يسخط هؤلاء على نظام الحكم ولكن لا يحب أبدا أن يحكم هؤلاء . القطيعة كلّها كنا نبحث عنها فى معارضة رادكالية منبعثة من أوساط الشعب ولم نجدها الاّ فى خطب شيوخ الجبهة الاسلامية للانقاذ , كنا نخاف أن يركب هذا الحزب التهور كما ركب جبهة التحرير وأقصد هنا الطفيليين والانتهازيين والمخترقين للصفوف , وهذا ما دفع بأحد المثقفين المقربين للجبهة للقول ( لقد أصبحت الجبهة الاسلامية سوق مفتوح لمن هبّ ودبّ ) . وأضنّ أنّه كان على حقّ فالتدمير من الداخل هو أخطر من التدمير من الخارج , انّها الفتنة كما يحلو للبعض تسميتها وهذا ما كان ينتظر هذا الحزب فى مسيرته , وهذا ما كنت أخاف منه.
انّ أحسن دفاع عن الجسم هو أن تمتلك صحة جيدة , حجّة قوية وأفكار جديدة . انّ القوّة العامة هى نتاج هذه العناصر الثلاث . لقد كانت الجبهة الاسلامية للانقاذ تملك حجة قوية وأفكارا جديدة ولكن لم تكن ذات صحة قوية فنفذت جسمها عناصر غريبة استطاعت أن تدمّرها تدميرا فيما بعد .
كنت ولازلت أعتقد أنّ اعتماد هذا الحزب من طرف السلطة الحاكمة لم يكن من أجل جمال عيون الاسلاميين ولكن من أجل هدف محدد وطبقا لخطة مرسومة , كما كنت أعتقد أنّه سوف يأتى اليوم الذى يصبح فيه هذا الحزب مثل قطيع من الماشية بدون راع يلتمّ حولها كلّ ذئاب العالم لتنهشها نهشا .

لقد قلت لاخوانى الاسلاميين المتحمّسين أنّ النظام سوف لن يسمح للحزب أن يحكم حتىّ وان فاز بطريقة سلمية وشرعية , لأنّ قيام دولة اسلامية فى الجزائر معناه أنّ الدول التى تدور فى فلك الجزائر كموريطانيا والصّحراء الغربية ومالى والنيجر وحتىّ دولة تشاد سوف تصبح اسلامية فى زمن قصير وسوف يتشكّل محور يمتد من نواقشط الى صنعاء ويمرّ على السودان ويجد حليفا فى كلّ من ايران وليبيا والعربية السعودية و حتى نيجيريا التى كانت فى نفس الطريق ويهدّد كلّ من تونس ومصر والمغرب وفرنسا .
لقد قلت هذا فى بداية مشوار الحزب وأعتقد أنّ توقيف المسار لم يكن بسبب فوز الحزب ولكن بسبب ذلك المحور المرتقب الذى سيقطع مفاصل الاستعمار .

لم أزر مدينة وهران منذ مدة واكتفيت بالبقاء فى بلدتى . بعد عودتى من العمل , أقوم بجولة قصيرة فى وسط المدينة ثمّ أعود مع مغرب الشمس لأصلّى فى البيت ثمّ أتوجه الى مسجد سيدنا بلال حيث أصدقائى بوزناد وبلكدروسى وبورزق جلول ينتظروننى لنصلّى صلاة العشاء معا. بعد أن نفرغ من صلاة العشاء , نتوجه الى بيوتنا وفى طريقنا كنا نتحدث حول حالة البلاد والقضايا السياسية . كنا قلّما نتحدث عن موضوع خارج هذا الاطار . لقد بدأت فى تلك الفترة تصدر جريدة المنقذ التابعة للجبهة الاسلامية للانقاذ , كانت تصل الى بلدتنا متأخرة لذلك كلّفنا بوزناد أن ياتى بكلّ عدد فى يوم صدوره لنطلع عليه . مع مرّ الأيّام اخذت هذه الأسبوعية تحتلّ صدارة الصحف , كانت الاعداد تنفذ بسرعة , كانت مواضعها أغلبها سياسية موجهة ضدّ الحكومة وكان فى كلّ عدد تعليق للشيخ عباسى مدنى , وفى مجمل القول فانّ المواضيع التى كانت تتناولها لم تكن فى المستوى الذى نطمح اليه . منصب رئيس التحرير تعاقب عليه عدد من الصحفيين, كانت تحاول أن تنتقل كلّ أسبوع من الحسن الى الأحسن , لقد ظلت ملتزمة بنفس الخط السياسى لذلك اضطر بعض المسؤولين الى انشاء أسبوعية أخرى وهى الفرقان التى كانت أحسن بكثير من المنقذ وكان يشرف على تحريرها الشيخ على بلحاج .
لقد بدأت استمارات الانخراط تتوزع هنا وهناك وأنشئت مكاتب فى الولايات , وحان الوقت لفتح مكاتب فى الدوائر والبلديات , كنت أرى استمارات الانخراط توزع حتى فى المقاهى والمستشفيات ومؤسسات التعليم , وفى وقت قصير استطاعت الجبهة الاسلامية للانقاذ أن تنافس جبهة التحرير من حيث عدد المقرات , أمّا فى مايخصّ عدد المنخرطين , فقد تجاوز جبهة التحرير بنحو ثلاثة أضعاف أو أكثر. لقد وصلت استمارات الانخراط الى بلدتنا أيضا لكن لم يفتح مكتب تمثيلى .

بعد انتهائنا من صلاة العشاء فى ذلك اليوم من أيّام الشتاء لسنة 1990 م , حدثنى صديقى بوزناد عن اجتماع انعقد فى مسجد سيدنا حمزة بين الاخوة تمّ على اثره تعيين كلّ من عبد القادر حسناوى والمعلمان عمر بلوالى ومحمد برزق الله كمشرفين على المكتب البلدى . قال لى صديقى بأنّ نقاشا ساخنا ساد الاجتماع وكان هو من ضمن الرافضين للطريقة التى تمّ فيها انشاء المكتب وفى نفس الاجتماع تمّ تعيين المترشحان للانتخابات البلدية والتشريعية . لم يعجبه هذا التسرّع غير المعهود وكأنّه نوع من تقسيم الأدوار والسّباق من أجل الظفر بنصيب من المسؤولية فما كان عليه الاّ أن ياخذ حذائه هو وبعض الغاضبين ويخرج مهرولا .
انّ السؤال الذى بقى مطروحا لحد الساعة هو كيف تمّ تعيين عبد القادر حسناوى كرئيس للمكتب التنفيذى . هذه المسؤولية هل هو جرى ورائها ليتسلّمها قبل أن يأخذها آخرون منه أم منحت له بعد فحص ودراسة ؟ ... على كلّ حال فانّ مكتب بلدى قد أنشئ على مستوى بلدتنا ولم يبق الاّ أن يعين مقره .

كانت التلفزة تتفادى الحديث عن هذا الحزب فى أخبارها وعندما تتحدث عنه تقول عنه ( الجبهة الوطنية للانقاذ ) , كانت الصور التى تبثها عن تجمعات الحزب قليلة لكن المشاهد كان يلاحظ الجمهور الغفير الذى يحضر هذه التجمعات . كانت التلفزة تحاول من خلال توجيهات صارمة أن تقزّم الحزب الى أقصى درجة , بينما كان هو فى الشوارع والتجمعات يتلقف كلّ ما يصادفه لم يبق الاّ الحيوانات تحضر تجمعاته وتطالب باستمارات للانخراط .
انّ الفكرة الحسنة مثل الدواء . اذا كانت حقنة البنسلين تنتشر فى جميع أنسجة الجسم لتقتل الجراثيم فانّ الفكرة الصحيحة كذلك تنتشر فى جميع أرجاء الوطن وتتقبلها كلّ الاوساط الشعبية .
اذا كان هناك أجسام ذات حساسية مفرطة لحقنة البنسلين ولا تتقبلها فانّ هناك أيضا أشخاص قليلون ذوى حساسية مفرطة لا يتقبلون أىّ فكرة سليمة , انّهم يحملون فى دمائهم جراثم الاغتراب عن مجتمعهم وشعبهم وأحسن خطة هو أن نبدل حقنة البنسلين باخرى ذات نفس المفعول ولكن لا تؤثر على حساسيتهم . علينا تبديل تلك الفكرة بأخرى مفيدة مؤثرة غير عنيفة وغير مباشرة وهذا ماكان ينقص المشرفين على الجبهة .
ثمّ أنّ هناك ملاحظة أخرى بدأت تسترعى انتباهى وهى أنّ شبابنا المتحمّس بدأ يتحول تدريجيا الى تقديس الرّموز , والشخصانية , والبحث عن الزعيم المنقذ , وهكذا بدأت ألاحظ بروز ظاهرة حب الظهور والنفوذ والتقرّب والتزلّف .

كلّنا يعرف أنّه لمّا توفّى الرّسول صلّى الله عليه وسلّم اهتز المجتمع الاسلامى ووقعت الردة فوقف أبو بكر مخاطبا : من كان يعبد محمدا فانّ محمد قد مات ومن كان يعبد الله فانّ الله حىّ لا يموت ) وحتى تقضى فرنسا على المقاومة الشعبية التى كان يقودها الأمير عبد القادر سجنته ثمّ نفته فأنطفأت شعلة المقاومة الى أن ظهر قائد آخر ليشعلها من جديد .
وفى حرب التحرير قتلت فرنسا أغلب زعماء الثورة وقطعت الرابطة المقدسة بينهم وبين شعبهم فظهرت النزاعات الداخلية لم يحسم فيها حتى بعد الاستقلال .
وفى ذلك الوقت كان خريجو مدرسة فرنسا ينتظرون الفرصة لقطع رأس الجبهة حتى تتصدع قاعدتها وتذهب قوتها وتتشتت .
وفى ذلك الوقت أيضا بدأت تظهر كلّ العوامل لقطع جذور هذه الأمّة وتمزيق ماضيها وربطها بفرنسا بعواصم غربية لتكون قاعدة خلفية يجلب منها الثروات والعقول المبدعة لاستغلالها فى ماوراء البحار وتحويل البلاد الى سوق كبير ( بازار ) للبضائع المستوردة البسيطة والكبيرة أمّا المواطن المسكين فماعلى دور وزارة الشؤون الدجينية الا الاهتمام والعناية به كى تكبح جموحه وتدفن غضبه و تقتل ثورته .

ولعلّ آخر هذه العوامل هى ظاهرة الهوئيات المقعرة التى انتشرت بشكل مذهل وغزت المدن والقرى لقد قطعت هذه الظاهرة آخر حلقات السلسلة التى تجمع شتات الأمّة الواحدة وأفراد العائلة الصغيرة انّى لا أريد أن أتحدث عن فوائد هذه الظاهرة فللخمر منافع للناس ولكن اثمه أكبر من نفعه وهروب الناس الى الهوئيات المقعرة دليل على عطل فى تفكير أولائك الذين يحكموننا وعجز عن تحرير الحقل الاعلامى وتقديم البديل ( ولا أحسبه عطل وعجز لأنّهم خريجو مدرسة فرنسا ) . لقد استطاعت هذه الهوئيات المقعرة أن تمرّر رسالة خطيرة الى بيوت المسلمين دون شعورهم بتلك الخطورة وهذه الرسالة مفادها أنّ الشرّ يمكن أن يقنن ويقون , بمعنى آخر أن يوضع له تقنيات مثيرة وقوانين دقيقة وبذلك تضمحل الحدود بين الخير والشر ولا يمكن الفصل بينهما . انّى أقصد بالذات أفلام الاثارة الجنسية وجمعيات الشذوذ الجنسى ومحلات بيع أشرطة الفديو الجنسية وغيرها . لقد أصبح الزّنا يمارس فى أفخم الفنادق وفى أبهى البيوت بطريقة تحمى الممارسين من تعرّض لأىّ أذى وفى حماية الدولة ومباركتها وتشجيعها . وكلّ من يعارض ذلك يتّهم بالتخلف وباثارة الفوضى , والمحافظة على القيم الأصيلة أصبح يعتبر فى نظرهم طابوهات يجب كسرها . أحيانا أفكر فأقول : ( انّ البرابول الذى يشبه العين الكبيرة التى تبصر على مسافات بعيدة فيرسل الينا الصّور عبر عين صغيرة موضوعة فوق طاولة ذلك البرابول أليس هو شكل مصغر للدّجال أليست صفاته تطابق تماما علامات الدّجال وان كان حجمه صغيرا , فالخير يقدّمه لنا على أنّه طابو والشر يقننه ويقونه ليقدمه على شكل سلعة ذات منفعة سريعة الاستهلاك والنفاذ . انّها تجارة مربحة واذا لم توافقنى فى الرأى واذا لم يكن صورة مصغرة للدّجال أو أحد أدواته أليس هو كذلك, تصميم مصغر لشيطان مارد كى يهول بلاد الاسلام . اذا كانت نهاية القرن الماضى شهدت ثورة الجهاز العصبى ( الاكتشافات والمذاهب الفكرية ) فانّ بداية هذا القرن شهدت ثورة الجهاز الهضمى ( البحث عن الثروة والاستعمار ) ونهايته تشهد ثورة الجهاز التناسلى ( الجنس, الاباحية ) فمتى تاتى ثورة الجهاز الروحى ؟ لقد بدأ العالم يشهد قطبين غير متكافئين , قطب يبث الشّر والخراب والظلام تقوده الولايات المتحدة وتتبعها الدول الغربية , وقطب صغير يبثّ النّور ( ربّما هو الجهاز الروحى ) وتمثله كلّ من العربية السعودية وايران وأرى أنّ هذا الشيطان لم يستطع بعد أن يخرق حدود هذان البلدان لحدّ الآن .

فى أحد الأيام , نزلت الى ( الفيلاج ) فالتقيت بعمر بلوالى , تحدثنا عن الدراسة وآخر مستجدات الأحداث السّياسية . لم يكن عمر بلوالى يملك ثقافة سياسية, كنت ألاحظ نقصا واضحا , ربّما لحداثة عهده بالنشاط الاسلامى والمامه بالمواد التقنية أكثر باعتباره أستاذ فى الفزياء , كنت أطرح عليه كثيرا أسئلة تتعلق بالحزب واستراتجيته فى العمل , كانت اجاباته غير مقنعة ويحاول بمختلف الوسائل أن يغيّر مجرى الحديث , فيحدثنى عن عدد المنخرطين يوميا وعن المهمة التّى كلّف بها باعتباره مساعد نائب الرئيس . وكنت أتوقع منه دائما سؤالا حرجا , وذات يوم أطلق علىّ الرّصاص المنتظر ( لماذا لا تنخرط , أتتكبر علينا بمستواك العلمى , تريد أن تكون طبيب مادى ؟ ).
كنت انتظر هذا السؤال منذ مدة , لذلك لم يلق أىّ صدى فى نفسى , وتذكرت جواب أخى عن سؤال حول بلوالى : ( انّ عمر بلوالى عضو فى المكتب التنفيذى فى الجبهة , انّه يتحرّك كثيرا هذه الأيّام ) ( لقد التجأ الى النشاط الاسلامى بعدما أغلقت فى وجهه جميع الأبواب . كان يبحث عن العملة الصعبة ليخرج ولمّا لم يتمكّن أخذ يكتب رسائلا الى دول الخليج لعلها تقبله للتدريس فى مدارسها لكنّه وجد نفسه محاصرا بين حيطان البلدة فاختار هذا , ليس عن قناعة وابتغاء التضحية ولكن حبّا فى التطاول ).
فكرت فى نفسى : ( كنا نضرب عن الاسلام منذ نعومة أظافرنا , واليوم لمّا ظهر خيط من نور قفز اليه آخرون كسلعة جديدة فى سوق الفلاح ).
ملأت استمارة الانخراط وأعطيتها له . وفى ذلك اليوم انعقد أوّل اجتماع رسمى للمكتب التنفيذى . لا أعلم ما جرى فيه , لكنىّ اكتشفت فيما بعد كلّ شيئ .

وفى ذلك الوقت , لمّا كنت أمرّ على قسمة جبهة التحرير أجد بابها مؤصدا , وفى أيّام قليلة من الأسبوع أراها مفتوحة وشاب أعرفه يقف عند مدخلها . لقد أصبحت القسمة كئيبة وعندما أمرّ بجانبها أشعر كأن أمبراطورية سقطت وبداية تحول آخر . لقد هاجرها أغلب المناظلون وبعضهم أطلق لحيته وأخذ يتقرب من أعضاء المكتب التنفيذى للجبهة الاسلامية للانقاذ حتى ينظم فى صفوفهم , لقد كانوا يدركون أنّ الجبهة فى حاجة الى أشخاص ذوى حنكة سياسية وتجربة الجلوس على كرسى رئيس البلدية لا غير .

كنت ألتقى كل يوم بعمر بلوالى وكنت أراه يكسب بسهولة أصدقاء جدد يلتمون حوله نظرا للمنصب الحسّاس الذى يحتله فى المكتب التنفيذى للحزب , كنت أحدثه عن البرنامج السياسى فكان يكلّمنى عن الانتخابات , يا الهى , كنت أحدثه عن سبب تأخر مؤتمر الجبهة فكان يكلّمنى عن الانتخابات , يا الهى , وذات مرة قال لى ضاحكا : سوف ترى يوم الانتخاب .
لقد استطاع بلوالى فى تلك الفترة أن يشهر اسم ذلك الطبيب الذى انظم الى صفوف الجبهة فكان الناس البسطاء والمثقفون يتعجبون , يفكرون , فينظمون .
كان يتحرّك كثيرا , كان يصلّى فى مسجد سيدنا بلال حتى يراقب حضور المنخرطين , كان فى الأيّام الأولى يخرج الأول ويقف عند باب المسجد يراقب الخارجين واحدا واحدا وفى النهاية وبعد تفكير شاق اهتدى الى طريقة أخرى وهو أن يخرج الأخير فتتحوّل تلك الأنفس الواقفة التى تنتظر فى لا أحد لأن تنتظر بلوالى وكان يفرح حين يقبل عليه المنخرطون . كان المكتب التنفيذى يتكون من خمسة أشخاص , كنت أعرف فقط ثلاثة وهم عبد القادر حسناوى رئيس المكتب ونائبه محمد برزق الله ومساعد النائب عمر بلوالى ثمّ تعرفت فيما بعد على الهاشمى الحاج وعبد القادر امام مسجد سيدنا حمزة .
ومرّة هتف لى عمر بلوالى ليلا وقال لى بانّه يريد التحدث معى فى شيئ هام فى الغد بعد صلاة العشاء .

فى الغدّ صلّيت العشاء , وبعد الصلاة قادنى الى مكان منزو قابلنى فيه قرص القمر فى ظلام دامس تذكرت على التو ذلك الحلم الذى رأيت فيه نفسى أنظر الى القمر وهو يختلط فى ظلام وأنا أسبح وأكبّر . ابتسم لى بلوالى وقال لى : ( لقد اتفقنا على تكوين مجلس شورى من ثلاثين عضوا , لقد اقترح المكتب التنفيذى على أن تكون عضوا فيه لما عرف عنك من حسن أخلاقك وكفاءتك ) وهنا نظرت اليه فى عينيه وقلت له : ( اذا كان قرارك فأنا أرفض أمّا اذا كان قرار المكتب فهذا شرف لى أن أخدم دينى ووطنى , انها مسؤولية عظيمة كلّ ما أطلبه منكم أن تشجعونى ) . وأذكر أنّى حدثه عن المؤتمر فاجابنى ضاحكا وهو يضرب على صدره : ( أنا هو مساعد نائب الرئيس أفعل ما شئت ) وهنا ظهرت علىّ علامات الغضب فليّن قليلا من كلامه .
افترقنا , شعرت بشيئ عظيم يغمرنى لكنّى شعرت بألم فى قدماى , قلت فى نفسى : الاهى ان كنت لا أستحقها فلا تعذبنى ) .

بعد أسبوع , كلّف المكتب التنفيذى عضو فى المجلس الشورى لكراء حافلة نقل لحضور تجمع ضخم للجبهة بمدينة غليزان , وكان لا بدّ أن اذهب وفى صباح ذلك اليوم كنت حاضرا وانطلقنا نحو غليزان فى طريقنا كنت أتابع من النافذة الروابى والسهول المحاذية فتأكلنى نفسى, اننا فى فصل الأمطار لكن الشمس محرقة والأرض قاحلة والسّماء زرقاء غير ملبدة بالغيوم وكنّا حين ننزل فى قرى صغيرة لأداء الصّلاة أو لشراء ماكولات تمرّ علينا قوافل سيارات اخوانى الملتحين فيسلّمون علينا ويلوحون بأيديهم لنا وكأننا نعرفهم منذ عهد أبو بكر الصديق ذلك المشهد ترك فى صدى جميلا لن أنساه وكشف لى أنّ هذا الشعب لن يتوحد ولن يبعث عظمته الاّ برجوعه الى دينه .
ولمّا وصلنا , نزل ذلك الشاب النحيف مستبشرا لرؤية الشيوخ وازداد اعتزازا وهو يسجد واضعا جبهته على أرض مليئة بالحصاة , ثمّ جلس فى مقعد فى آخر الملعب كعادته .

وصلت الى البيت فى الظلام وهنا انقلبت أسرتى علىّ فوبخونى وقال لى أبى : ( ماذا حصلت , أنا لا أريد أن أكون جسرا يمرّ عبره فلان وفلان ) . هتفت يوما الى بلوالى , حدثته عن حال الجبهة , كان جوابه كالعادة : ( ما شاء الله ماشاء الله , يوم الانتخاب سوف ترى ) . أخبرنى أنّ اجتماعا أوليا سيعقد فى دار فلان . فى الغد بعد صلاة العشاء أقلتنا سيارة من نوع ( دو شوفو ) فى ظلام دامس وملكنى شعور عظيم وأنا فى الخلف والسّيارة تشقّ طريقها غير المعبد , وصلنا دخلنا البيت , تعرفنا على أعضاء مجلس الشورى الثلاثون كان هناك الاخوة ميح والاخوة عبد الرحمن , فتعجبت .
تكلّم رئيس المكتب فتحدث عن الحزب ثمّ ترك الكلمة للأعضاء وهنا انطلق كلّ واحد فى خطبته كنت منزويا فى صمت رهيب , لقد استخلصت من الكلام أنّ بعض الأعضاء ان لم يكن جلّهم تكلّم فقط ليظهر قدراته كى يصبح مرشح لمنصب رئيس بلدية .

كنت أتابع الحديث بشغف كبير وبنقد لاذع فى نفسى وكنت أعلم أنّ الحديث سوف ينتهى حتما الى النقطة الحساسة وهى الانتخابات البلدية ووصل الى ذلك لكن رئيس المكتب التنفيذى الذكى استطاع أن يفصل فى الأمر ويكشف النقاب عن طبخة تمّ تحضيرها منذ مدّة ويجعل من أعضاء مجلس الشورى مجرد سند وهاهو يقول بصراحة المناورين : ( لقد تركنا عبد الرحمن للانتخابات البرلمان ) وقد علل عدم حضوره لانشغاله فى البحوث ( واخترنا الأستاذ سى بشير لرئاسة البلدية ) وقال أنّه تمّ ذلك فى أوّل يوم من تكوين المكتب التنفيذى .
وهكذا تمّ توزيع المهام الكبرى دون استشارة ودون مناقشة وكأن أعضاء مجلس الشورى مجرد زبيب فوق طعام . نظرت الى الوجوه فوجدتها حزينة وبقى الصمت سيد الموقف كلّ شيئ ظهر للعيان ولا مجال للارتجال . ونظر الىّ صديقى فلاح الذى كان بجانبى وقال مخاطبا : (اننا نسير فى نفس خط الافلان) .
كان فلاح رحمه الله رجلا شجاعا , يغير على دينه ولا يخاف لومة لائم , وقد تعرفت عليه بواسطة صديقى بوزناد . كان يحترمنى كثيرا , لكن ذات يوم اختطف من داره ليلا ولم يعثر له على أثر لحدّ الآن بينما كان أولائك يتذوقون حلاوة المسؤولية ويعرفون كيف ينفضون و يتبرأون أثناء الأزمات .

فى تلك اللحظات أدركت أشياء كثيرة , الكلّ تكلّم وبقيت أنا منزو فى صمت , وهنا نطق أحد الأعضاء وطلب من رئيس المكتب أن أتكلّم فتكلّمت . قلت :
أولا : علينا أن نعمل , ففى العمل يظهر المسلم مسلما القط قطا والفأر فأرا . ثانيا : أقترح انشاء لجنة للانضباط ومجلس للعقاب , مهمتها مراقبة تصرفات الأعضاء ومعاقبتهم فى حالة مخالفتهم للعمل الاسلامى .
أمّا فيما يخص النقطة الأولى فقد فهم الرئيس فكرتى خطأ وظهرت لى حماقته بحجم الارض , أمّا النقطة الثانية وحتى يبعد نفسه وصديقاه من أية متابعة أو حساب فقد أجاب بأنّ المكتب التنفيذى هو الذى يقوم بالعملية , وهكذا احتكر مع مجموعته كلّ شيئ .
كنت أرى تهميشى عن قصد أو غير قصد , وكنت أتألّم عندما أسلّم على عبد الرحمن فلا يردّ علىّ وكأنه خيل له أنى أتيت الى المجلس الشورى طامعا , لكن الشيئ الذى استخلصته من خلال بعض اللقاءات أنّ عبد الرحمن كان بالأمس خروفا وديعا أمّا اليوم فهو نمسا .

وفى الاجتماع الثانى تكلّم الكلّ وبقيت كعادتى صامتا , ولمّا اقترب موعد الافتراق تكلّمت , فقلت :
( علينا أن نحدد منهجية العمل السياسى , وأعتقد أنّه يرتكز على أربعة محاور وهى :
*بعث بشباب الى كافة مساجد البلدة لالقاء دروس الوعظ والارشاد .
يجب أن تفضح هذه الدروس بطريقة غير مباشرة أنظمة العالم وتمجد الحضارة الاسلامية وتشرح عظمة القرآن دستور المسلمين .
*على أساتذة التعليم أن يوجهوا بطريقة نفسية طلبتهم الى مناصرة المشروع الحضارى حتى يكونوا فيما بعد عناصر يمكن الاعتماد عليها .
*علينا أن نستغل الرياضة ودروس الاستدراك والتحضير للامتحانات لجلب أكبر عدد ممكن من الشباب
*وأخيرا التفكير فى انشاء جمعية خيرية لمساعدة الفقراء والمحتاجين والشباب البطال .
الكلّ تعجب وحتى اكشف عمق تاثير أفكارى فقد أنهيت كلامى بهذه الطريقة ( هذه أفكارى لا أعرف ان كنت على صواب أم لا ) وكان الرد ( صح صح صح ).

فى الاجتماع الثالث غاب كلّ من رئيس المكتب وعبد الرحمن , وتحدث النائب برزق الله ومساعده وكشف عن أعضاء اللّجان الثمانية ووضعونى فى لجنة دائرة المرأة , غضبت وانفجرت فى نفسى ثورة لم أهدأها الاّ بالاستغفار وظهرت على وجهى علامات الغضب وقلت لبلوالى : ( اشرح لى مهام دائرة المراة ؟ ) فضحك ضحكة غريبة والتفت يستنجد بالنائب برزق الله , نطق فلم أفهم أىّ شيئ كلّ ما فهمته أنّ كلام برزق الله جاء ليؤكد لى أنّه تخطيط دبّر من قبل , وقاطعته ( اذا يجب أن أكون على اتصال دائم بالنساء ) . ووجد الرّجل نفسه محاصرا فقال : أجل . وسكت .
لم أفهم كلام برزق الله , كانت الأفكار مضطربة وغير مفهومة ممّا يدلّ على تردد وقلق وتحضير خفىّ , بكيت فى نفسى بكاءا مرّا وفى تلك اللّحضات تذكرت العذاب والحقرة التى قاسيتها فى حياتى من طرف فلان وفلان وهاهو عذاب آخر يحلّ علىّ , ماذا فعلت , من أتى بى الى هنا , وصرخت ( انّ أساس التقسيم يجب أن يرتكز على ثلاث نقاط وهى التجربة العلم والوظيفة . انّ الصّحة تمثل نسبة كبيرة من حياة المجتمع , فلماذا لا أكون عضوا فى اللجنة الاجتماعية مثلا ثم أنّى دائم الاحتكاك بالرجال والنساء ثمّ أيضا لماذا تحرمون هذه اللّجنة من عنصر قادر على أن يقوم بتطوع صحّى لفائدة المرضى المعوزين , انشاء جمعية للتبرع بالدم , تكوين مخزن للأدوية توزع على المرضى المحتاجين ) , كان ردّ الأعضاء : ايه معك الحق .
وشعر عمر بلوالى بحرج كبير , وهنا تحرك برزق الله وقال لصديقه : ( علينا أن نضعه فى اللّجنة الاجتماعية , علينا أن نضعه ) ورأيتهما يشتغلان فى الكتابة , وخاطبت بلوالى ( اذا وضعتنى فى هذه اللجنة لا تنسى أن تضع اسمى بين قوسين ) .
ثمّ أضفت ( فى أىّ لجنة أكون فانّه اذا نجح مرشح الجبهة فى الانتخابات فانى أقدم استقالتى حتى لا تكون لدىّ أغراض ونوايا أخرى ) وقال لى أحد أعضاء مجلس الشورى ( كيف تقدم استقالتك لا هذا غير ممكن ) .
وتركت الجماعة فى زوبعة , انّه يحلو لها الكلام عن الانتخابات . وهنا رأيت برزق الله وعمر بلوالى يطرقان رأسهما , لقد فشلت مناورتهما وكشفت لأعضاء المجلس الشورى أنّهما غير مؤهلان بتاتا لتحمل مسؤولية كهذه , شغلهما الشاغل هو الجرى وراء المناصب والاستعلاء على الناس واستغلال أصحاب النوايا الحسنة لكسب أصوات لصالحهما ولصالح رئيس المكتب وصديقه الحميم .

فى دارنا رحت افكر جيدا , تذكرت قول صديقى فلاح , وقررت أن أضع حدا أمام وضع بدأت تظهر فيه علامات لا تبشر بالخير .
بعدما صليت العشاء فى دارنا , ذهبت الى عمر بلوالى فى بيته , ضربت على الباب ولم أناديه كالعادة حتىّ لا يعرف صوتى فيختبأ وخرج الى , واندهش , قلت له ( يا أخى وصديقى , لم أرى فيك الاّ الخير منذ عرفتك , لقد أشرت اليك أن تضع اسمى بين قوسين . وقد طلب منى فارس صالح فى الاجتماع الثانى أن أتكفل باللّجنة الاجتماعية واذا بى أجد نفسى فى دائرة المرأة , على كلّ حال مادام اسمى بين قوسين أطلب منك أن تحذفه تماما .
وشعرت أنّه لم يعد يظهر من السفينة الاّ ذيلها , لقد أغرقت , وأضفت : لاشكّ أنك سوف تجد كفؤا لهذا المنصب ) .
ونظر الى بنظرة احتقار وشعرت فى تلك الليلة الممطرة أنّ ثعلبا كنت أتحدث معه لكنّى شعرت وأنا راجع الى البيت براحة غمرت كيانى , وقابلتنى صور المسلمين البسطاء ونظرت الى أسفل قدماى فشعرت باطمئنان .

كم كانت تألمنى نفسى وأنا أرى بنى جلدتى يتنافسون حدّ العراك للظفر بكرسى فى الحكم كما كانوا يتنافسون من قبل فى أسواق الفلاح للظفر بكيس بطاطا أو قطعة جبن مستورد . لم يتغير الطبع لكن الأشكال تغيّرت . كان نظام الحكم احتكر منذ زمن طويل سلطة توزيع المناصب العالية والمسؤوليات المختلفة على أفراد عائلته , أمّا اليوم ومع العهد الجديد فكل الأبواب مفتوحة وما عليك الاّ أن تجند أحبابك وعشيرتك وأبناء منطقتك .
وكم تالمنى نفسى اليوم حينما أسترجع ذكرياتى فى المجلس الشورى يوم كنت عضوا فيه وبعد أكثر من عشر سنوات . انّ كلامى الذى قلته فى اجتماعاتنا صدقته السنون ولم يلق من المحن والكروب الاّ أولائك الذين صمتوا وتواضعوا بل وهمشوا ولم يظهروا فى أىّ لحظة حبّهم للزّعامة وتعطشهم للسلطة وكان فى مقدمة هؤلاء أخى وصديقى بوزناد رحمه الله الذى أختطف من بيته ليلا و أغتيل .

لم أتغير فى سلوكى مع وضعيتى الجديدة كما أنّى احتفضت بصداقتى مع اخوانى فى الجبهة لكن كنت أشعر بوخز فى أعماق نفسى لما تجوب أمامى صور الاجتماعات التى كنا نعقدها ليلا وتدخلاتى فيها . لقد ظلت تلك الكلمات التى قلتها فى آخر اجتماع لى ترن فى أذناى كالجرس وتلاحقنى من يوم الى آخر الى أن جاء التربص الثانى من التكوين لينتشلنى من الحيرة و الاضطراب .
اخترت اجراء التربص فى عيادة ابن سينا المتعددة الخدمات الواقعة فى حى فكتور هيغو بعيدا عن المستشفى حيث وجدت أنّ ذلك يمنحنى كثيرا من الحرية بعكس المستشفى مكان لتوتر الأعصاب وطغيان رؤساء المصالح وقيد واستغلال للمتربصين .
كنت أنزل من حافلة النقل العمومى فى محطة الدار البيضاء وأقصد العيادة الواقعة بنحو كلومتر عن مكان نزولى . ذلك الطريق كان يذكرنى بمظاهرات الخامس من أكتوبر حيث تراصت الدبابات على جانبى الطريق والجنود واقفون على طوله يتربصون من ذا الذى تلوذ له نفسه برمى حجارة أو تخريب مؤسسة أو الخروج فى مظاهرة .
أول من فرح بقدومى الى العيادة اخصائى فى علم النفس . كنا نخرج معا بعد انتهاء عملنا ونسلك نفس الطريق حتى نفترق , لكن ذات مرّة سألنى : من أين أصلك ؟ فأجبته : وهران . فردّ علىّ متعجبا حسبتك من خلال شكلك أمازيغى . ومنذ ذلك السؤال لم يعد الرجل ينتظرنى بعد انتهائى من العمل .
خلال وجودى فى العيادة اكتشفت شيئين مهمين : عودة الأمراض المزمنة التى قضى عليها فى فترة من الفترات كمرض السل ومرض التهاب السّحايا ومرض التيفوئيد , وأصل القاطنين فى الحى الذى تقع فيه العيادة وهو حى فكتور هيغو . اذ وجدت أنّ أغلبهم من مدينة معسكر يعيشون أوضاعا اجتماعية مزرية .

ولقد وقعت لى فى العيادة قصّة طريفة , فأثناء عملى , دخلت علىّ فتاة متحجبة ولمّا رأتنى رجلا طلبت الخروج من المكتب لترى امرأة طبيبة لفحصها فحاولت الممرّضة اقناعها بأنّه لا فرق بين طبيب وطبيبة الفرق الوحيد هو الكفاءة المهنية فرضخت لذلك وفحصتها وأعطيتها وصفة لشراء الدواء وفى المساء أثناء خروجى من العيادة وجدتها فى قاعة الانتظار تنتظر دورها كى تفحصها الطبيبة فتعجبت . ولقد تكررت هذه الحالة فى حياتى المهنية وأصبحت عادية بالنسبة لى وكنت ولازلت أعلّق عليها : هؤلاء يذهبن لفرنسا ويرضين بالأجنبى غير المسلم بلمسهن بينما تلك الفتاة السويدية التى اعتنقت الاسلام هى وزوجها قطعت المسافات وتركت مستشفيات ستوكهولم وأتت الى مصلحة الولادة حيث كنت أعمل كمختص فى أمراض النساء والولادة لتضع مولودا على يدّ مسلم . كنت أصلّى صلاة العشاء فى مسجد سيدنا بلال مع صديقاى بوزناد وبلكدروسى . لم يكونا يعلمان بأنّى كنت عضوا فى المجلس الشورى ولم أحدثهما فى الموضوع قط . فقد كنت أعتبر ذلك سرّ يجب الحفاظ عليه . كانت أحاديثنا تدور حول التجمعات التى تعقدها الجبهة والمناورات التى تحاك ضدّها والأشخاص الذين عينوا لرئاسة المكاتب التنفيذية وما تنقله الصحف من أخبار عما يجرى فى كواليس النظام الحاكم .

لن أنسى أبدا ذلك اليوم الذى ارتعدت فيه لمّا أخبرنى أخى سرّا بأنّ حزب الطليعة الاشتراكية سيفتح مكتبا فى بلدتنا برئاسة دقوش أحد جيراننا . لقد أحسست كأنّ لينين خرج من قبره ليقطن مسكنا فى البلدة . وتذكرت عندما كنت طالبا فى الكلية كيف وقعت بين يداى جريدة سرّية للحزب وكنت أحدث أصدقائى فى الكلية فيصمتون خوفا .
دقوش هذا كان يسكن على بعد أمتار من منزلنا وهو من قدامى المدينة يعمل فى شركة وطنية ومن خلال احتكاكه بسكان المدينة القدامى استطاع أن يلمّ حوله شبان أغلبهم من البطالين وتجار الخمور وبعض النقابيين .
عقد دقوش أول اجتماع للحزب فى قاعة السينيما , حضر الاجتماع أعضاء ولائيون ومناضلين فى الحزب وبعض الفضوليين وكذا أعضاء من أحزاب أخرى همّها الوحيد هو صدّ زحف الاسلاميين ولو تطلب ذلك تحالفها مع الشيطان .

لقد استطاع دقّوش أن يجلب اليه الانتباه بتركيزه الذكّى على المشاكل اليومية للمواطنين كانعدام فرص العمل وانتشار الفقر ودخول غرباء الى المدينة الذين حسبه استغلوا الحزب الجديد أى الجبهة الاسلامية للانقاذ التى مكنتهم من سرعة الاندماج والسيطرة على البلدة والتحكم فى رقاب مواطنيها القدامى كما شنّ غضبه على المسؤولين السابقين الذين حكموا فى عهد الحزب الواحد ساخرا منهم . كان حديثه فيه كثيرا من الاثارة والحنين الى الماضى كما كانت سخرياته من المسؤولين السابقين تثير كثيرا من الضحك .
لكن هذا الحزب الذى اقشعر له بدنى فى البداية أصبحت أضحك عليه لمّا أرى مواطنين بسطاء مسّتهم البطالة والفقر ينخرطون فى الحزب ساخرين منه ومن أنفسهم كمهرجين فى مسرحية هزلية .

لقد طرأت تحولات كبيرة على الاذاعة منذ مجيئ الطاهر وطار كمدير مؤسسة التلفزيون وبدأنا نتابع مناقشات حامية الوطيس بين رؤساء الاحزاب كان ينشطها الصحفى الشاب مراد شبين فى برنامج لقاء الصحافة بحضور صحفيين وممثلين من المجتمع المدنى . كان البرنامج يشدّ الأنظار وفى ساعة بثه يترك الجزائريون القنوات الأجنبية ليشاهدوا البرنامج .
كان حضور رئيس الجبهة الاسلامية للانقاذ وبعض ممثلى الحزب للحصة هو الذى يحضى بالاهتمام الأكبر من طرف المشاهدين وتخلوا حينها الشوارع من الناس وتشعر كانها لحظة الأذان للافطار فى رمضان . كانت الحصة تتناول شرح برامج الأحزاب وكانت تشهد عادة شجارا عنيفا بين الاسلاميين أو المتحالفين معهم وغيرهم لا تنتهى الا بتدخل المخرج لا نهاء الحصة .
كانت نشرة الأخبار تنقل تجمعات الأحزاب التى كانت تقام مع نهاية كلّ أسبوع وكنا نشاهد الجماهير الغفيرة التى تحضر تجمعات الجبهة والتى كانت تقام فى الملاعب لتسع أكبر عدد ممكن من الناس. أمّا تجمعات الأحزاب الأخرى فكانت تقام فى قاعات السينيما وقاعات الحفلات لقلّة الحضور . كانت وسائل الاعلام المكتوبة تنقل كلّ صغيرة وكبيرة عن الجبهة وتستغل كلّ ظرف غير مناسب للاسلاميين لاثارة مشاعرهم وتهييجهم واتهامهم بأنّهم أصحاب عنف ولا يحملون مشروعا سياسيا واقتصاديا للنهوض بالبلاد واخراجها من أزمتها .

وهكذا اتهمت الصحف الفرنكوفونية الجبهة بانشاء شرطة اسلامية موازية لمحاربة المنحرفين وبجمع التبرعات لصالح المجاهدين فى فلسطين وأفغانستان وكشمير وتلقى أموال من الخارج . لم تكن ثمة أدلة كلّ ما فى الأمر محاولة لوقف زحف الحزب بادخاله فى مستنقع الصراع مع السلطة الحاكمة لا يستفيد منه الاّ أولائك الذين ينتظرون الفرصة المناسبة لاعتلاء كرسى الحكم . وكان هؤلاء يكتبون بعدما يتلقون الأوامر من فوق مقابل مكاسب فى المستقبل ولقد نجحوا فيما بعد ببراعة .

لقد تمكن حمروش أن يتغلغل فى دواليب السلطة حتى أصبح من أشد المقربين الى رئبس الدولة والأمين العام للحزب . كان ينتقد كثيرا حكومة قاصدى مرباح فهو يريد أن تسير الاصلاحات بسرعة زمنية فائقة بينما كان مرباح يعطل القرارات ويريد الافلات من انفجار اجتماعى وشيك . لم تصمد حكومته من الانتقادات التى كانت تشنها الأحزاب والصحف التى يحركها المقربون من حمروش وكانت الفرصة مناسبة ليتسلم هو منصب رئيس الحكومة .
لقد وجد حمروش مع الوقت نفسه وحيدا و برنامجه السياسى والاقتصادى فى غاية الانتقادات فمن جهة المحافضون فى حزب جبهة التحرير الوطنى الذين يعتبرونه أنّه تنصل عن مبادئ ثورة التحرير والمجاهدين الذين عوض وزارتهم بمنظمة المجاهدين ومن جهة أخرى الاسلاميين الذين يريدون رأسه لأ نّه هو ورئيس الدولة من طينة واحدة وقد علق عليه على بلحاج فى أحد التجمعات ( بالأمس كنت تحملة مظلة الرئيس واليوم تحمل برابولا ) .

كانت نهاية كل أسبوع تشهد مظاهرات سلمية احتجاجية فالشيوعيون واللائكيون كانوا يستغلون هذه المظاهرات للمطالبة برفع أجور العمال ووقف عملية تسريح العمال والمفاوضات التى تعزم الدولة اجرائها مع صندوق النقد الدولى لاعادة جدولة ديونها والاعتراف الرسمى باللغة الأمازيغية ووقف استغلال المساجد لأغراض سياسية .
أمّا الاسلاميون فقد حركوا من جهتهم المنظمات الطلابية والجمعيات الاسلامية للسير فى الشوارع مطالبة بغلق بيوت الدعارة و حانات بيع الخمر وتطبيق تعاليم الاسلام .
وتزامنا مع ذلك بدأت صحيفة المنقذ تنشر ملفات سرّية حول الفساد تسلّمتها من أشخاص كانوا فى السلطة وقد تناولت ملف صندوق التضامن فى عهد بن بلة وأيضا قضية 25 مليار دولار .

فى تلك الآونة بدأت تصل الى بلدتنا استمرات خاصة بالهجرة الى الولايات المتحدة الأمريكية وقد عكف الشباب فى ملئها بلهفة شوقا الى الهجرة نحو العالم الجديد وهروبا من واقعه المرّ كما بدأنا نقرأ فى الجرائد اعلانات لوكالات أمريكية وكندية وعناوين مكاتب محامين مختصين فى الهجرة . كما سمعنا عن قدوم باخرة أسترالية الى ميناء الجزائر لتقل جزائريين على متنها للهجرة الى استراليا لكن الحكومة الجزائرية منعتها .
لقد استغلت بعض الأحزاب السياسية هذا الجو وذلك الحماس لدى الشباب لتحقيق أحلامه وتخليصه من المشاكل والمتاعب بل أنّ حزبا سياسيا يدّعى تضامنه مع الشباب الجزائرى ودفاعه عنه نشر فى احدى الجرائد المكتوبة بالفرنسية اعلانا جاء فيه أنّه سيقوم بكراء طائرة خاصة من نوع بوينغ لنقل مجانا الجزائريين الراغبين فى العيش فى جنوب افريقيا .
كان الوضع الاجتماعى والسياسى يتجه نحو التعفن وكانت بوادر الانفجار تلوح فى الأفق ولم يكن من مخرج الاّ الهجرة بأية وسيلة بل ثمة من الشباب من كان يغامر بحياته ليتسلق باخرة تجارية ويهرب بطريقة غير شرعية الى أوروبا وأمريكا .

كان صديقى اسماعيل فرحا لحصوله على استمارة , ملئها وبعثها الى أمريكا منتظرا الجواب على أحرّ من الجمر . طال انتظاره ولم يتلقى أى ردّ مثله مثل أغلبية شباب المدينة .
لقد انتقلت ظاهرة الهجرة هذه حتى الى فئة المثقفين والاطارات والأطباء وأصحاب المهن الحرة . كنت قد انتقلت الى عيادة نوار فضيلة المختصة فى أمراض النساء والولادة الواقعة فى وسط المدينة فى مرحلة ثالثة من التربص وقد تعرفت أثناء عملى على صديقى الطيب على شافعى وعلى افريقى من فولتا العليا .
لقد شكلنا نحن الثلاثة فريقا ناجحا فى العمل والمثابرة بحيث وضعنا برنامجا خاصة للمراجعة والبحث وتحضير دروس نظرية وتطبيقية تحت اشراف أحد الأطباء المساعدين .

فى بيتنا كان أخى حبيب قد التحق بمعهد التكوين المهنى . كان ينهض باكرا وياتى بعد ساعات من خروجه . كنت أسأله عن سبب رجوعه الى البيت فيقول لى بأنّ المعهد لا يتوفر على الخشب والفلين للعمل وعليهم أن يأتوا غدا فى الصباح ربما يجدونه متوفرا . براءة أخى وخوفه من المستقبل كانت تدفعه للذهاب كل يوم الى وهران والعودة فى نفس الساعة بدون نتيجة . لقد استمر الحال نحو شهرين تقريبا . كان أخى يضع ثقة مفرطة فى مدير لا يبالى بمستقبل الشباب , يفكر فى مرتبه آخر الشهر وربما فى منزله الفخم فى طور البناء .
كان عندما يأتى من وهران يجتمع عند صديقه دحمان فى دكانه لينزع عن قلبه بعض الهموم والأحزان أحيانا كان غضبه يحوله ضربا بالعصا لأخى الصغير زهير وأحيانا أخرى يأخذ الكرة ويضرب بها بقوة على الحائط عدّة مرات .
كان يحاول من خلال هذا السلوك أن يتخلص من همّ يطارده وهو البطالة كان يريد أن ينتقم من نظام أفرز وضع مزرى لا يستحق الاّ المواجهة . كنت أتألم لمّا أراه على هذا الحال , لقد نصحته فيما بعد للذهاب لأداء الخدمة العسكرية , فأخذ بنصيحتى وركب دفعته .

لقد أصبح بوزناد مع مرور الوقت بالنسبة لى ليس صديقا فقط ولكن أخا ورفيقا فى الدرب . لقد اكتشفت فيه شدّة اخلاصه لله تعالى وابتعاده عن الغرور وتجرده من بعض الخصال السّيئة التى بدأت تظهر على بعض شبابنا . حدثته ذات يوم عن المجلس الشورى و المكتب التنفيذى , كان لا يبالى بكلامى لأ نّه كان يعرف منذ الوهلة الأولى الطريقة التى تمّ فيها ترتيب الأمور . ورغم كلّ هذا فقد بقينا ملتزمين بمناصرة اخواننا رغم الاختلافات . كان يحافظ على أسرار الآخرين لكن نقطة الضعف فيه أنّه لم يكن يحافظ على أسراره رغم نصائحى المتكررة له.
لقد تركنا مسجد سيدنا بلال الواقع فى وسط المدينة وبدأنا نصلى فى مسجد سيدنا حمزة الذى تحول الى ملتقى عقب كل صلاة , وكان المسجد يمتلأ عن آخره فى كلّ صلاة . لم يعد يحضر للصلاة فى مسجد سيدنا بلال الاّ الشيوخ وبعض الكهلة وأصحاب الزوايا الذين تحالفوا مع امام المسجد لصدّ الشباب المتحمس واخراجه من المسجد عنوة بدعوى اثارة الفتن .
كانت الحرب بين الطرفين وقد اخترت بدون تردد الطرف الذى أعطيته عهدا فى يوم ما رغم الاختلافات , فعندما تشرق الشمس تغيب الكواكب ويجب أن لا أتأخر فى نصرة الحقّ فأقحمت نفسى كجميع الجزائريين الغيورين على دينهم ووطنهم الى أن يذهب الوهم وتشرق شمس الحرية والعدالة على الجميع .
تم تغيير مكان المكتب التنفيذى البلدى , فى السابق كان مقر المكتب فى مسكن أحد اعضاء المجلس الشورى وهو شيخ وقور طاعن فى السن , أما الآن فهو يقع فى وسط المدينة بالقرب من محطة وقوف حافلات النقل العمومى . الأحزاب الأخرى لم تفتح بعد مقرات , كانت تفضل العمل فى الخفاء .
كنت مساء كل يوم أذهب مع صديقى و أخى بوزناد الى المكتب . نجلس نتبادل أطراف الحديث مع المناضلين أو نقرأ صحيفة المنقذ .كان صندوقا صغيرا موضوعا على طاولة مخصص للتبرع . كنت كلما خرجت من المكتب الا و أضع فيه بعض النقود فى جيبى .

لم اقطع صلتى باخوانى المناضلين كما لم أقطع بعض الاشياء التى فضلت أن تكون بعيدة عن الأنظار أما فيما يخص عملى فقد أنهيت جميع التربصات وبدأت فى التحضير الشاق لمسابقة مابعد التدرج .
كنت لما أنهض صباحا , أشرب قهوتى التى تحضرها لى أمى ثم أفتح دفاترى وكتبى وأبدأ فى المطالعة حتى يحين موعد صلاة العصر , أتوقف عن المطالعة , أصلى ثم أخرج لأتنفس قليلا فى مدينتى حتى مغرب الشمس. وبعد صلاة المغرب أذهب الى مسجد سيدنا حمزة حيث الاخوة بوزناد وبلكدروسى وجلول ينتظروننى لأداء صلاة العشاء .
كان المسجد ملتقى الاخوة .كان يتداول عليه كل من الامام عبد القادر الذى كنا نعقد فى منزله اجتماعات المجلس الشورى وأيضا الامام والأخ سى بشير . و بعد صلاة العشاء كان يبث على شاشة شريط مسجل لأحد تجمعات الجبهة . وبعد أن نفرغ من ذلك نعقد نحن اجتماعا مصغرا خارج المسجد نتحدث فيه عن أوضاع البلاد و آخر مستجدات الحياة السياسية .

فى البيت وبعد عودتى , أعيد فتح دفاترى وكتبى ثانية لأطالع الى غاية الواحدة صباحا .
لقد تزامن تحضيرى لمسابقة مابعد التدرج مع انطلاق الحملة الانتخابية فى التلفزة والاذاعة .كنت أرى الشباب فى المسجد والمكتب التنفيذى يكتبون اعلانات حول تجمعات يقيمها شيوخ الجبهة فى وهران والمدن القريبة منها . كانت تلصق على جدران الشوارع والمساجد .
كانت الأحزاب الاخرى قد انطلقت فى عملية الصاق قوائم مترشحيها على الجدران لكنها كانت تمزق لحظات فقط بعد الصاقها وفى وسط الاعلانات وقوائم المترشحين لم تنجو الا قائمة مترشحى الجبهة و اعلاناتها. فى تلك الحملة , تعرفنا على الشييوخ محمد السعيد , يخلف شراطى , السعيد مخلوفى لأول مرة يسمح التلفزيون الجزائرى بمناسبة الحملة الانتخابية لهؤلاء للحديث . كان التلفزيون من قبل يصورهم لنا كارهابيين يقتلون المدنيين ويختطفون الطائرات ويفجرون السفارات . وقد سمحت لنا هذه الحملة من التقرب من شيوخ الجبهة الذين أقاموا عدة تجمعات فى ساحة البلدية والتحدث معهم . ولازلت أتذكر كيف أن مجموعة من الشباب الأمازيغى نزل من حافلة خاصة وراح يكبر ويهتف بحياة الجبهة باللغة الأمازيغية ويغنى اناشيد اسلامية ذلك المنظر ترك فى آثارا عميقة فى نفسى .

وأثناء الحملة الانتخابية بدأنا نقرأ فى الصحف تهجمات عنيفة لمثقفين ضد الجبهة التى تهدد مناصبهم , فبعضهم وصفها بالطاعون والبعض الآخر بالفاشية كما بدأنا نلاحظ على الجدران الأحرف الثلاثة للجبهة بالفرنسية مع الصليب المعقوف رمز النازية وكتابات لا للدكتاتورية لا للطاعون بالأسود وكان الاخوة يردون على كتاباتهم بأخرى كدولة اسلامية ولو كره الحاقدون .
لقد طرأ تغيير كبير فى فكر اخوانى الملتحين وذلك منذ اعتماد الجبهة الاسلامية للالنقاذ وفتح المجال للنقاش السياسى . لم يعد الشباب يهيء نفسه صباح كل جمعة للذهاب لاستماع خطبة بن عايشة الذى التحق بالجبهة هو أيضا مادام أن هناك العشرات من أمثاله فى بلدتنا ولم يعد الشباب أيضا يبحث عن الفتاوى المستوردة كقطع الغيار فقد فهم جيدا أن خصوصيته هى الأولى وأن محاربة الاخوة بالاسلام هو السلاح الوحيد الذى يستخدمه الاعداء منذ نصف قرن لاضعافنا وتشتيتنا , كما تضاءل عدد المريدين على زاوية حينا وأقبل جلهم وافدين على الحزب الجديد , بعضهم اختار حزب دقوش ورشح نفسه للمجالس البلدية , ذهب ذلك الارتباط المقدس بالجهة والعرش والمصلحة الذاتية واللهث وراء بريق المادة .

كان ذلك الشباب يمثل بالنسبة لى القوة الجديدة التى بدأت تخيف ذلك الأسد القبيح المنظر الذى يحرس متحفا مليئ بالأوثان . كان الأسد يرتجف خوفا ولا يقدر على مواجهة هذا الشباب وكانت الأصنام والأوثان تهتز كلما تنازعا الخصمان وكان الأسد يستغل عامل الزمن كى يجمع حوله كل حيوانات الغابة من أسود و ذئاب وخفافيش ونسور وثعابين لكى ينتصر ويبقى مالك لكل شيء , أسد وطنى ثورى يحب شعبه ويضحى من أجله ولا يحب المشاغبون حتى ولو كانوا أنبياء .
ذلك الشباب لا يختلف كثيرا عن الشباب الدانماركى فى شجاعته وتعاطفه مع الشعب الفلسطينى المضطهد ولو أن طائرة اسرائيلية حطت فى أحد مطارات الجزائر فى ذلك الوقت بسبب عطب ميكانيكى لأقام الدنيا و أقعدها ولو أن الوزير الأول الاسرائيلى حل بالجزائر لحول الشوارع الى خنادق والمساجد الى حصون .
ذلك الشباب لم أرى فيه علامات تدعو الى العنف لكن كان هناك من يعملون فى الخفاء يضحون بأوقاتهم وأموالهم وجهودهم من أجل اثارة مشاعره ودفعه الى ارتكاب العنف , ماذا تسمى حين تفتح أجهزة الاعلام الثقيلة لبعض الشواذ للهجوم على التاريخ والأصالة والدين وتغلق نفس الأجهزة أمام ردود الأفعال , و فزيائيا لكل فعل رد فعل والدولة فعلت ما فعلت ولم ترضى بتاتا أن يكون هناك ردود أفعال فكانت الثورة .

وهاهو جمال الدين زعيتر الصحفى الشاب ينظم تجمعات فى قاعة السينيما ويتهجم على الاسلاميين ولم نعرف لصالح من كانت تلك التجمعات رغم انه لم يكن منطويا تحت راية أى جمعية سياسية هل كانت لصالح جبهة التحرير التى كان فيها مناضلا نشطا ثم تمرد عليها أم لصالح دقوش . لم يكن مترشحا للانتخابات ولم نفهم تصرفاته .
كان جمال الدين زعيتر يكتب حينا على حين مقالات فى جريدة الجمهورية حيث يعمل فيها صحفيا , ينتقد فى مقالاته الاسلاميين ويتهجم عليهم ومع ذلك بقينا أصدقاء أوفياء له نسلم عليه ونتبادل أطراف الحديث معه وقد أعطيته أحد مخطوطاتى ليطلع عليها وقد أعجبته كثيرا وقال لى فى أحد الأيام أنها أثرت فيه . كان يعرف ميلى الاسلامى ومنذ ذاك رأيته يتغير فى سلوكه وأضحى رويدا رويدا يهاجم السلطة أكثر من غيرها فى مقالاته ولكن جمال الدين سوف تمتد اليه أيادى الغدر لتغتاله وهو يترحم على والدته فى مقبرة بلدتنا. كان ذلك اليوم قاسيا على البلدة .

وفى تلك الأيام , جلست أنا وصديقى اسماعيل على الأرض خارج المدينة نتأمل التغيرات العميقة التى تشهدها البلدة ونتدارس أحوال الناس وأوضاع البلاد . كانت تظهر على اسماعيل تصرفات غريبة فى سلوكه واضطرابات فى كلامه لم أجدها فيه من قبل . كان قلقا يريد أن يتدارك شيئا ما قد فاته . أفصح لى بأنه يصاب بنوبات عصبية أحيانا نظرا للمشاكل العائلية التى يتخبط فيها . ولم تمر الا أيام قليلة حتى جائنى الى الدار وقال لى بأنه توقف عن مواصلة الدراسة . كانت عزيمته فى التعلم قوية ولكن الفقر كان أقوى , عائلة فى حاجة الى مدخول وليست فى حاجة الى أن تصرف على دروسه , لقد أصبح بالنسبة اليها عائلا يجب التخلص منه .
اشتدت اضطراباته النفسية مع مرور الوقت , لم يأخذ بنصائحى الكثيرة , أهملته عائلته وأهمله أقاربه , اسماعيل صديقى الحميم يمر بمرحلة نفسية خطيرة , ماذا عسانى أن أفعل لأنقذه ..كنت أكرر له كل يوم نصائحى ولكن كان يرفض حتى التكلم معى ويأخذ طريقه , واستمر الحال كذلك الى أن جاء الموعد المحتوم , اسماعيل صديقى الحميم يجن , اسماعيل الذى كان يقرأ على قصص بالفرنسية وأشعار بالانكليزية , اسماعيل الفكر والثقافة والعلوم , ماذا عسانى أن أفعل , آه أيها الفقر كم أنت عنيف انك أعنف من الرصاص , واليوم بعد أكثر من عشر سنوات هاهو اسماعيل يمشى فى الطرقات متشردا يلفظ كلمات غير مفهومة يجوب الأزقة بلباسه الممزق وشعره الكثيف , آه ماذا عسانى أن أفعل ؟ أكل الأسد اسماعيل كما أكل غيره فهل حان دورى ؟ فيما مضى كنت أطرح ذلك السؤال : هل لى مستقبل ؟ أما الآن فقد اتضح مستقبلى بعض الشيء طبيب يعمل فى مستشفى جامعى لكن سؤالا أعنف لا زال لحد الساعة يطاردنى : ذلك الأسد القبيح المنظر هل حان موعده ليأكلنى كما أكل غيرى ؟

ويوم الامتحان قدمت الى الكلية بمحفظتى , بحثت عن اصدقائى مشرى سعيد , بوعلام راشد , عمر صديق وآخرين لم أجد الا سنوسى جلول , بحثت ايضا عن هيتلير ومدام شارلو , لم أجدهما لكن تلك الفتاة وقفت أمامى تتأملنى جيدا ثم خرجت من الكلية .
دخلنا الى قاعة الامتحانات , طرح علينا الأستاذ بوكلى الأسئلة , نسيت قديل وهمومها , نسيت الحملة الانتخابية ومرشحيها , نسيت نفسى , وطفقت أكتب الأجوبة , ورغم ماقيل عن ذلك الامتحان من أن الأسئلة سربت الى بعض المترشحين الذين لهم اخوة أطباء يعملون فى مصلحة بوكلى الذين يعرف بانتمائهم الى المدينة الفاضلة الا أن ذلك لم يمنع الجميع من العمل نظرا لبساطة الأسئلة .
وظهرت النتائج بعد يومين فقط من اجراء الامتحان , كنت ناجحا , تحصلت على المرتبة السادسة وهى المرتبة التى تسمح لى باختيار أى تخصص يعجبنى , على كل حال لدى الوقت الكافى للاختيار .
كم فرحت يوم نجاحى فى مسابقة التخصص , وهتف لى أصدقائى يهنؤوننى ورحت أعلن نجاحى لاخوانى فى الجبهة وعلى رأسهم أخى وصديقى بوزناد الذى كان يظهر لى ابتساماته كلما أخبرته بشيء مفرح . ان نجاحى هو نجاحه بل هو انتصار كل من يريد الخير .
وحمدت الله , الفضل له , ذهبت توا الى مقر المكتب التنفيذى وأخرجت من جيبى مبلغا مهما ووضعته داخل صندوق التبرعات وخرجت .
لقد وجدت مشكلة كبيرة فى اختيار نوع التخصص , والداى نصحانى باختيار تخصص أمراض القلب والشرايين , رفضت هذا الاقتراح لأنى كنت أعرف جيدا مصلحة أمراض القلب التى أصبحت حكرا لمجموعة من الأشخاص ينتمون الى منطقة معينة ويجدون حساسية مفرطة كلما دخل المصلحة غريب عنهم . على كل حال كان لدى الوقت الكافى كى اختار التخصص الذى يعجبنى .

وجاء اليوم الموعود , أقبلنا زرفات زرفات على صناديق الاقتراع لننتخب رجالا يمثلون القطيعة مع رموز النظام , رجال باعوا دنياهم بآخرتهم , حولوا عبادتهم الى سياسة وسياستهم الى عبادة , وأدخلت ورقتى فى ذلك الصندوق الشفاف ورددت فى نفسى الآية الكريمة : قل جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا .
لأول مرة أنتخب فى حياتى , لم أنتخب منذ سن البلوغ وكانت بطاقات الانتخاب التى تصل الى دارنا فى كل مناسبة تجد طريقها الى القطع وتشتيتها فى الهواء .
فرحت وأمرت أسرتى كلها أن تنتخب على الرقم ستة , وانتخبوا كلهم و فى المساء رحنا نتابع نتائج الاستحقاق .
لقد حكى لنا أنه فى أحد مراكز الفرز فى بلدتنا أطفئت الأضواء حتى يتمكن أحد المنتمين الى حزب جبهة التحرير الوطنى من تزوير نتائج الانتخابات لكن أخونا أبو حمزة أخرج له من تحت قميصه مصباحا كهربائيا وقال له : قف مكانك . لا مجال للتزوير . ثلاثون سنة وأنتم تزورون , بركات , الشعب فاق وهذا المصباح كشفك .

فى صباح ذلك اليوم أركان النظام اهتزت وأصاب الذعر فرنسا والموالين لها من أبناء جلدتى وصوروا لنا أن البلاد سوف تدخل حرب وأمروا عائلاتهم بحزم أمتعتهم تهيئا للرحيل وضغطوا على أمهم الحنون كى تفتح لهم ذراعيها ولا تستغنى عنهم كما أستغنت عن – الحركى - .
وعقدوا الاجتماعات والندوات فى التلفزة والاذاعة وقالوا أن الجزائر سوف تتحول الى ألمانيا النازية ويجب الغاء هذه الانتخابات المزورة فورا والا ستكون الكارثة .
وأقبل سى بشير ونائبه عينى الى المسجد الذى امتلأ عن آخره وصليا ركعتين ثم خاطب سى بشير رئيس البلدية المنتخب وأعلنها حربا ليس ضد أولائك المرجفون الذين قلبوا الدنيا بالعياط ولكن ضد الفقر والجهل والتخلف والانحطاط وأيضا ضد تلك التماثيل التى زينوا بها عقول الناس .
كان أعضاء المجلس البلدى المنتخبون حاضرين وأدى كل واحد القسم على أن يخدم الشعب الذى عانى من ويلات المنتخبين السابقين .
شرع سى بشير فى المهمة وشكل لجان عمل خاصة واقترح اجراء تقييم للأوضاع أمام الشعب فى تجمع يعقد فى الساحة العمومية للبلدية كل ثلاثة أشهر . نزع سى بشير الشعار الأجوف الذى كان معلقا عند مدخل البلدية من الشعب والى الشعب - ووضع مكانه لافتة أخرى : بلدية اسلامية , كما نزع صنم لملك بنته فرنسا فى الساحة العمومية وثارت ثائرة الحقاد وكتبوا عنها فى جرائدهم و لم يكتب أبدا عن ما كانت تعانيه البلدية من اقصاء وبطالة وتخلف . كما أنشأ مصلى فى البلدية , كان نائبه عينى يصعد الى سطح مبنى البلدية ليؤذن لصلاة العصر كسيدنا بلال وكان سى بشير يؤم المستخدمين للصلاة .

تشكلت لجنة لدراسة مشروع توزيع قطع الأراضى على المحتاجين , درست الطلبات دراسة دقيقة وتنقلت اللجنة الى مسكن كل محتاج لترى وضعية القاطنين بعينها . رفضت طلبات كثيرة لأسباب معروفة ثم وزعت القطع الأرضية توزيعا عادلا .
أما الماء الذى كنا لا نراه الا مرة فى الأسبوع فقد بدأ يتدفق من الحنفيات يوميا كما أنشء مركز صحى فى قرية كريشتل الساحلية وضمنت عملية نقل أطفال القرية الى بلدتنا للتعليم بعدما كانت منعدمة مما كان يضطر أغلب الأطفال الى التوقف عن مواصلة الدراسة لبعد المسافة وانعدام المواصلات .
وفى أول تجمع تقييمى يعقده المجلس الشورى البلدى فى ساحة العمومية لبلدتنا وبحضور رئيس البلدية وبعد ترتيل لآيات من الذكر الحكيم , خاطب سى بشير المواطنين وكشف لنا أن البلدية وجدها مثقلة بالديون بل كشف لنا أنه لديه فى مكتبه فواتير استدانة البلدية من بعض التجار من أجل اقامة أعراسها فى المناسبات التاريخية كما كشف لنا أيضا التهديدات التى تصل عن طريق البريد من طرف أشخاص يعملون فى الظلام كالخفافيش وعمليات النسف التى تتعرض لها قنوات صرف المياه من طرف بعض الحاقدين .

انى لا زلت أتذكر ذلك اليوم الذى كدت أبكى فيه وأنا أرى بعض الناس تقودهم شرذمة من الشواذ يمشون فى مسيرة احتجاجية فى اتجاه مقر البلدية أمام كاميرات التلفزيون للتنديد برئيس البلدية الذى لم يصرف أموالا من أجل تزيين البلدية بالأعلام الوطنية بمناسبة الفاتح من نوفمبر , وتجمعوا عند مدخل البلدية وطالبوا برأسه. كان سى بشير وحيدا فى مكتبه , لم يخرج وبقى فيه حتى تم تصوير ما يجب تصويره وانفض الجميع . أصبحت الأوامر تتهاطل على مكاتب رؤساء الدوائر ومدراء البنوك والوكالات العقارية ومؤسسات توزيع المياه والكهرباء بعدم تقديم المساعدة لرؤساء البلديات وأصبحت هذه الأخيرة فى شبه حصار من جراء هذه الاجراءات التى أصدرها رئيس الحكومة حمروش . كانوا يحاولون من خلال ذلك ضرب المواطنين بمنتخبيهم وخلق شرخ كبير بينهم والتفرج عليهم من خلال الصحف وشاشات التلفزيون .
اشتد النزاع بين سى بشير رئيس البلدية المنتخب ورئيس الدائرة . بدأ المجلس الشعبى يصدر تقارير حول وضعية البلدية كل شهر ويعقد اجتماعات دورية مع رئيس المجلس الشعبى الولائى لدراسة الوضع أما المكتب التنفيذى فكان ينتقل الى العاصمة للتباحث مع المسؤولين فى الحزب .

لقد نزعت كافة الصلاحيات من رئيس البلدية سى بشير ومع مرور الوقت انحصرت وظيفته فى الامضاء على نسخ الحالة المدنية ورفع القمامات عن البلدة . هذه الحالة المزرية جعلت الوضعية الاجتماعية للمواطنين تتأزم يوما بعد يوم ونعت المسؤول الأول عن الحزب هذه العملية بسياسة الأرض المحروقة التى تنتهجها السلطة ضد المنتخبين الذين اختارهم الشعب .
ازداد تذمر المواطنين واشتد حنق المناظلين ضد هذه الدولة التى تخدعهم وتمارس ألاعيب ابليس وبدأوا يطالبون بانتخابات تشريعية تليها انتخابات رئاسية مسبقة .
لقد بدأت تظهر الابتسامة على شفتى صديقى بوزناد منذ انشائه تعاونية صغيرة لتربية الدواجن . كانت التعاونية تقع عند مدخل قرية كريشتل وكان يعمل بالتناوب مع أخينا بورزق جلول وبدأت أيضا تظهر تغيرات فى لباسه .
لن أنسى أبدا ذلك اليوم الذى قدم فيه الى بيتنا يشتكى لى عن وجود ورم فى أحد رجليه, قمت بتخذير الورم ثم نزعته بعملية جراحية بسيطة كانت نوعا ما مؤلمة .
كان بوزناد يحدثنى عن كل شيء وبعد أكثر من عشر سنوات اكتشفت أن شيئا واحدا لم يحدثنى عنه وتركه سرا , سر يتعلق بهذه التعاونية التى ربما كانت سبب اختطافه واغتياله فيمابعد .

تغير سطولو كثيرا , هاجر أصدقائه , نزع عمامته ورمى بقارورة الخمر من يديه وأصبح يتردد على المسجد لأداء الصلوات , لم يعد ذلك السكير الذى يضحك الناس , رمى بسيارته وشغل سائقا فى احدى الشركات العمومية ودفع بابنه الذى فشل فى التعليم للعمل عند أحد الخواص .
وتوفى فى تلك الأيام لابروس بعد مرض عضال واختارت سيارته طريقها نحو الفناء بعد ذهاب صاحبها . أما صديقى اسماعيل فكان يمشى فى الطرقات هائما لا يكلم أحدا , كان أحيانا يذهب الى أحد الراجلين ويطلب منه سيجارة , كان فى البداية جد عصبى كلما رأنى لحقنى حتى اذا اقترب منى نظر الى بنظرات غريبة , كنت أخاف أن يمسنى بسوء , كانت حالته تلك تثير فينا نحن أصدقاءه الشفقة .
كنت دائما أتذكر أيامى الدراسية مع صديقى اسماعيل حيث كان متفوقا علينا جميعا. كل الناس كانوا يعرفون بأنى الصديق الحميم والأقرب الى اسماعيل , هذا هو اسماعيل , لقد قلت له يوما : لو أنك كنت تعيش فى أوروبا لكانت مكانتك استاذا ذائع الصيت فى احدى الجامعات او مراكز البحث .

لقد تغيرت أشياء كثيرة مع الوضع الجديد الذى أفرزته الانتخابات البلدية كما تغير سلوك الأفراد وبدأت الحياة الاجتماعية منذ مدة تنحو نحو التهذيب والاستقامة .
كنت بدأت العمل فى مصلحة الولادة بالمستشفى الجامعى وتعرفت على أصدقاء جدد كالدكتور بن موسات والدكتور فنينى والدكتور بوشريط وغيرهم . كنت أعمل وفق برنامج خاص لكن الذى كان يشد ضميرى ويجذبنى بقوة اليه بعد انتهاء عملى هو التحولات السريعة التى تعرفها الساحة السياسية فى الآونة الأخيرة .
فالساحة السياسية بدأت تشهد نوعا من القلق منذ أن صرح رئيس الجبهة فى مناظرة تلفزيونية بأن الحزب سيشرع فى اضراب سياسى مفتوح من أجل تحقيق هدفه والذى يتمثل فى اجراء انتخابات تشريعية بعد فشل كل اللقاءات التى أجراها مع رئيس الحكومة . من أجل ذلك كثف من تنقلاته داخل الوطن ومن التجمعات فى نهاية كل أسبوع .
كنا نتلقى آخر اخبار التجمعات التى يجريها الشيوخ بعد كل صلاة أو داخل المكتب التنفيذى , هذه الأخبار كان يأتينا بها بعض الاخوة ممن تنقلوا الى مكان التجمعات فالجرائد غالبا ما تحرف الحقائق كما أن التلفزة شديدة الحساسية لكل ما هو اسلامى .

كنت أنا وصديقى بوزناد نتردد كثيرا على المكتب ولكن ذات يوم لاحظت شيئا غريبا لم يلحظه اخوانى فى الجبهة , اذ لاحظت أن رجال غرباء ياتون مساء كل يوم فى زى مدنى الى محل أحد المصورين الذى يقع بمحاذاة المكتب , وجودهم مساء كل يوم أثار فى شكوك كثيرة وذات مرة رأيت أحدهم ينزل من سيارة لرجال الدرك ويدخل مقهى وكانت دهشتى كبيرة لما رأيت فى أحد الأيام ذلك المصور راكبا سيارة الدرك يتحدث ويبتسم ويوما دخلت عليه فى محله عن قصد فوجدته يتحدث مع دركى ولما رآنى سكت ومنذ ذلك اليوم بدأت أقلل من ترددى على المكتب كما طلبت من أخى أن يأمر عمر بلوالى سحب استمارتى وصورتى .
كنت أعتقد أن هذا المصور ما يعطى لأحد الاخوة المترددين على المكتب صورته حتى يكون قد وضع جانبا صورة اضافية ليسلمها لأشخاص يستعملونها وقت الحاجة وفعلا فقد صدقت تخميناتى فرجال الدرك لم يجدوا أية صعوبة يوم أرادوا التقاط من نعته المرجفون بالارهابى .

وفجأة وعلى غير عادته يطل علينا من على شاشات التلفزيون حامى العروبة والاسلام صدام حسين فى مؤتمر ضخم فى بغداد يكشف فى خطاب له عن نجاح العراق فى صناعة أسلحة التدمير الشامل ويرفع بيده اليمنى مصمم صغير لسلاح نووى استطاع العراق أن يصنعه , وركب أمريكا وحليفتها اسرائيل الجنون , العراق يملك السلاح الذى سوف يمحى اسرائيل من الوجود , العراق الحليف القديم الذى استعملته أمريكا مدة طويلة درعا واقيا لعروش الخليج وأحفاد معاوية أمام زحف الثورة الاسلامية الايرانية , وفجأة تتوقف الحرب التى لم تخدم الا أمريكا واسرائيل , حرب استخدمت فيها أموال عربية وأسلحة عربية وجنود عرب من أجل أهداف أمريكية , ويدور صدام دورة كاملة ويصوب تهديداته الى اسرائيل القلب النابض لأمريكا , لم تهضم أمريكا هذا الموقف جيدا ووضعت العراق فى خانة الدول التى يجب تدميرها بمختلف الوسائل والحيل .

ان الدولة العظيمة هى الدولة التى تعمل فى صمت ولا يظهر ثمرة عملها وجهدها الا بعد العشرات من السنين تتفادى خلالها الحروب الطاحنة والنزاعات الداخلية الى أقصى حد حتى اذا امتلكت أسباب القوة فرضت الحرب والسلام على الآخرين ولم تخشاها . وهى دولة تستعمل عقلها ولا تدع هفوة أو ثغرة يمكن استغلالها من طرف الأعداء لاقحامها فى مستنقع الصراعات الداخلية والخارجية والضغوطات الدولية , هذه القاعدة هى التى كونت الدول العظيمة وتصرف صدام حسين فى ذلك الظرف كشف لى عن حالة رجل مصاب بمرض السكيزوفرينيا وهو المرض الذى أصاب مع الأسف كل حكام العرب من القذافى الى مبارك وعمر البشير والأسد وزين العابدين وعلى صالح وغيرهم ومن علامات هذا المرض هو التمسك بالكرسى مدى الحياة و التصرف بالبلاد والعباد تصرف المالك لكل شيء الأرض والسماء و الخوف على الكرسى من الافلات حتى أن بعضهم خشية على عرشه يطبق كل أوامر أمريكا حتى ولو تطلب ذلك قتل نصف شعبه ولكن أمريكا الذكية ذكاء ابليس اذا أرادت أن تفعل شيئا ما فى بلاد عربية ووجدت رفضا من قبل العروش والحكومات أخرجت ورقة الديموقراطية وحقوق الانسان و الفساد فى البلدان العربية فينصاعون اليها خوفا من اسقاطهم سرا أو علنا وبذلك أصبح الحكام العرب دمى فى يد البيت الأبيض الأمريكى وقطع غيار ضرورية ليمشى بها القطار الأمريكى والاسرائيلى .

وهاهو حامى العروبة والاسلام يغزو دولة الكويت فى أقل من أربع وعشرون ساعة وهو مافعل ذلك الا من بعد ما أدرك متأخرا أن دولة الكويت تمارس الدعارة مع بريطانيا وأمريكا مثلها مثل جاراتها لكن هذا التصرف الطائش سوف لن تستفيد منه الا أمريكا وقلبها النابض اسرائيل وهو يعبر عن مرض السكيزوفرينيا الذى يفتك بالأنظمة الشمولية فى الوطن العربى .
رحت أتابع الأحداث فى حسرة وانقسم الاخوة الى مؤيد للغزو ومعارض له أما السلطة الحاكمة فقد اختلطت عليها السبل وأضحت متذبذبة فى مواقفها فهى ضد الاحتلال ولكنها مع شعب العراق أى بمعنى آخر قلبها مع العراق وسيفها على حاكمه , حتى شيوخ الجهة انقسموا على أنفسهم , كانوا فى البداية ضد صدام الهدام ثم تحولوا الى مساند ضد التحالف الدولى الذى بدأ يتشكل بقيادة امريكا .
قلت لاخوانى الذين كان يغلب عليهم الحماس : انها فرصة من ذهب لأمريكا كى تعيد هذا البلد العربى الوحيد المتقدم عسكريا ثلاثون سنة الى الوراء وكى تحمى اسرائيل بوضع قواعدها العسكرية فى هذه المنطقة الحساسة باسم المحافظة على الأمن والاستقرار , أمن اسرائيل وعروش الخليج ومنابع النفط .

بعض اخوانى ممن كانوا ينعتون صدام من قبل بالبعثى الكافر الطاغية المتجبر أصبحوا يصفونه بصلاح الدين وراحوا يبحثون فى الكتب ليخرجوا لنا حديثا نبويا عن رجل بهذا الاسم سوف يخرج من هذه الأمة ليهزم الأعداء ولا أعرف من أين أتوا بهذا الحديث الذى لا وجود له ربما اختلقته أمريكا كى تهزم قلوب المسلمين بعدما هزمت عقولهم .
كل العالم وقف بجانب الكويت وفى مقدمتهم البلدان العربية ورغم محاولات الوساطة الا أن كل طرف كان متمسكا بموقفه , صدام لا يريد الانسحاب لأن الكويت قطعة من أرضه تركها له أبوه وأمريكا تريد أن يستمر صدام فى غطرسته حتى تلبى غريزتها .
خرجت الشعوب العربية الى الشوارع فى مظاهرات كبيرة ضد التحالف الدولى وكثرت فتاوى العلماء تشجب العراق وتساند التحالف أما الأنظمة العربية فبدأت تعد عساكرها للذهاب الى الحرب فى اطار هذا التحالف لعلها تجنى بعض الدولارات ولعل أيضا أمريكا تحميها يوما ما اذا قامت اسرائيل باحتلال بلد عربى فى اطار المعاملة بالمثل .
وتدافعت مصر بعساكرها تسابق الجميع وفرحت أمريكا ودفعت بهم فى الخطوط الأولى كى يتلقون أولى الضربات , ولم تتوقف مسكينة مصر عند هذا الحد بل أرسلت دفعة من العاهرات الى الجنود ليفعلون فعلتهم وكى تكافء أمريكا على هذا العهر المصرى محت نصف ديونها , وتسابقت أغلب الدول العربية لارسال عساكرها طمعا فى محو ديون أو كسب قروض ومساعدات مالية .
كثرت المسيرات الشعبية فى الوطن العربى وخرجت الجماهير تعلن عن سخطها على أنظمة لم ينجب مثلها التاريخ وتطالب بفتح الحدود لمساعدة الشعب العراقى للدفاع عن نفسه ضد العدوان العالمى .

لم تكن ثمة بوادر لحل سياسى رغم المفاوضات وقد انتقل الشيوخ بدورهم الى بغداد وتقابلوا مع نائب الرئيس العراقى ثم ذهبوا الى العربية السعودية وتقابلوا مع مسؤولين سعوديين وهنا تشتاط الحكومة الجزائرية وتصدر بيانا تعتبر أن ما قام به هؤلاء لا يعبر بالضرورة عن موقف النظام الحاكم فى الجزائر .
ولما رجع الشيوخ وجدوا الشوارع تغلى كالمرجان تطالب بالسلاح للذهاب الى العراق للجهاد فما كان عليهم الا الانصياع الى صوت الجماهير .
انزويت فى حجرتى أتابع الأخبار , أصلى وأدعوا الله أن ينصر شعب العراق وأن يرفع عنه البلاء فهذه الحرب ليس الخاسر فيها الا هذا الشعب الذى سيفقد فيها الألاف من الضحايا وتحطم المئات من المنشآت ثمنا لتصرف طائش .

كان اخوانى فى الجبهة جد متحمسين لحمل السلاح والذهاب الى العراق للجهاد . كان الظرف السياسى الذى تمر به الأمة العربية جدا صعب جعلنا ننسى تماما الانتخابات التشريعية فالوطن العربى فى خطر ومن أجل ذلك فتحت صناديق للتبرعات فى المكاتب التنفيذية وأقيمت حملات للتبرع بالدم .
قالوا عن التبرعات أنها موجهة الى العناصر التى تنشط فى الخفاء للقيام بأعمال مسلحة وقالوا عن التبرع بالدم أنه عملية اشهار لحملة انتخابية قبل الآوان ووقفوا مع أمريكا وتمنوا لو تأتى يوما الى الجزائر لتجتاث جذور هؤلاء الاسلاميين الذين لا منطق لهم وكان يحرك هؤلاء أشخاص ينتظرون الظرف المناسب لينصبوا أنفسهم أوصياء على الشعب الجزائرى .
كانت تظهر لى الجبهة الاسلامية للانقاذ فى تلك الفترة مليئة بالتناقضات وكانت تطفو على السطح بعض المؤشرات التى لا تبشر بالخير وكان لمساندة شيوخ الجبهة للعراق فرصة لوقف الدعم المعنوى الذى كان يتلقونه من طرف الحركة السلفية التى كان لها صدى لدى بعض العناصر فى هرم الحزب . كانت هذه العناصر تعتمد على أقدميتها فى النشاط السرى لتظهر أولويتها فى العمل السياسى وهى تفقد لثقافة سياسية وأغلبها كان يحترف التجارة وبيع المجوهرات كأحمد مرانى ومحمد كرار وبن عزوز زبدة وغيرهم .
كانت الجبهة مليئة بالسوقة والمتحمسين والحانقون الذين يريدون الثأر من السلطة الظالمة كما كانت تفتقد الى نخبة مفكرة تقودها فى الطريق الصحيح وهذا ما سيؤدى لا محالة الى انحرافها عن المسار المرسوم لها . كنت أجد صعوبة لأذكر اخوانى بهذه الأفكار وكان التسرع يغلب على المواقف ولم يجد العقل مكانه ليظهر تفوقه. كان اخوانى ينظرون الى بعين من الريبة وكانوا يضعوننى فى خانة الفرنكوفونيين الحداثيين فى زى اسلامى بينما كنت العكس اسلامى عروبى وطنى أصيل فى زى عصرى , كنت فى أفكارى وتوجهاتى أقترب أكثر من مجموعة البناء الحضارى .

وعدت أدعوا فى صلواتى الله لينصر الشعب العراقى الذى يتعرض لتكالب دولى مقصود وكانت الأفعى اسرائيل منزوية تتفرج على الفصل الأول من المسرحية المأساة .
وأمام اصرار الجماهير المحتشدة فى الشوارع التى تطالب بالجهاد فى سبيل الله طالب شيوخ الجبهة لقاء وزير الدفاع من أجل فتح الثكنات العسكرية للتدريب . استقبلهم وزير الدفاع وصرح لهم بأن الجزائر تمتلك كفاية من الجنود الاحتياطيين يمكن استعمالهم فى حالة الضرورة لكن خالد نزار لم يستطع مراوغة الشيوخ اذ أمروا المتطوعين بالتدريب فى الساحات العمومية .
وضعت أمريكا الجيوش العربية فى الخطوط الأولى واعتمدت فى خطتها لضرب العراق على الأساطيل البحرية التى سوف تنتقل منها الطائرات لقصف المواقع العسكرية العراقية أما الحرب البرية فسوف تخوضها كعادتها الجيوش العربية أى أن أمريكا والدول الغربية سوف يجتنبون قدر الامكان الخسائر البشرية فى صفوفهم .

وفى أول يوم محدد للهجوم , قذفت القوات الأمريكية صواريخا على بعض المواقع العسكرية انطلاقا من أساطيلها البحرية وفى نفس اللحظة تساقطت على اسرائيل صواريخ العباس ردا على هذا الهجوم .
اشتاطت اسرائيل واشتاطت معها أمريكا وكان رد العراق على كل ضربة أمريكية ارسال صواريخ الحسين والعباس على رأس الاسرائليين . وبعثت أمريكا صواريخ الباتريوت لصد هذه الصواريخ وتفجيرها فى السماء قبل وصولها الى اسرائبيل .
كثفت القوات الأمريكية من هجوماتها عن طريق الجو وكانت القذائف تخطأ وجهتها فتضرب المواقع المدنية فتفجرها تفجيرا وتحرق من فيها حرقا . وأعتقد أن هذا العمل كان مقصودا من طرف أمريكا كى تضغط على صدام لسحب قواته من الكويت أمام عدد الضحايا الهائل فى صفوف المدنيين والخسائر الكبيرة فى المنشآت المدنية , وانتقاما لدم الاسرائليين العزيز على أمريكا . كانت قوات التحالف تريد تفادى حرب برية تكلفها كارثة بشرية .

انتهت حرب الخليج كما خطط لها وانسحب الجيش العراقى من الكويت تحت تأثير القصف الامريكى للمواقع المدنية والذى خلف خسائر بشرية مذهلة . كان الخاسر الأكبر فى هذه الحرب ليس العراق فقط ولكن كل العرب...
حرب الخليج كشفت لى حقيقة وهى أن حكام العرب من المحيط الى الخليج ليسوا الا رجال مكاتب عيّنهم البنتاغون وسكوتلنديار والمخابرات الفرنسية وظيفتهم الأساسية هى قمع شعوبهم اذا خرجوا يهددون مصالحهم أو يطالبون بتحرير فلسطين أو ينادون لاقامة مشروع حضارى . وكم تكون أمريكا صديقة للشعوب العربية لو حررتهم من هؤلاء الطواغيت وتركت مصيرهم بين أيديهم ولكن أمريكا ما تحرر شعبا من طاغوت حتى تأتى بآخر من طرازها .

اليوم 15 جانفى 2003 ...
كانت الساعة تشير الى الرابعة مساءا عندما حطت بنا الطائرة فى مطار وهران . كان الجو باردا وكانت السماء ملبدة بغيوم تنذر بمطر غزير . خرجت من المطار , أخذت سيارة أجرة متجها الى مدينة قديل .
وأنا أدخل المدينة أحسست كأن روحى تلامس جسدى بعد فراق طويل ويكأن الهواء الذى أستنشقه لا يوجد الا فى هذه المدينة , ولأول وهلة بدا لى أن مدينتى قد تغيرت كثيرا .
اثنى عشر سنة مرت على ايقاف المسار الانتخابى , اثنى عشر مرت بسرعة كأنها عام واحد , كانت مليئة بالأحزان والألام . رحت أسترجع بعض الذكريات أحسست كأنى طفل صغير يريد أن يجمع شتات الذاكرة . كنت متعبا لذلك فضلت بعد دخولى البيت أداء صلواتى ثم النوم .
فى الصباح شربت قهوتى مع أمى التى فرحت كثيرا بقدومى . كانت أمى تصر على أن أغير مكان عملى الى وهران حتى أبقى بالقرب منها , طمأنتها بأن منصبى الجديد الذى عينت فيه كاستاذ مساعد فى كلية الطب سيسمح لى بالبقاء مدة طويلة بجانبها ففرحت .
لقد كبرت أمى وبدأت تظهر عليها علامات المرض أما أبى فقد هرم ولم يعد يقوى على السير بينما عكف أخى نورالدين فى دراسة مذهب أهل البيت وشكل حلقة مكونة من أصدقائه يجتمعون مساء كل يوم بالقرب من بيتنا للتحادث والنقاش .

كان شارعنا جد هادئ وكان الشباب يلجأ الى دكان أخى حبيب أمام البرد القارس للتحدث حول موضوع تهديدات أمريكا لضرب العراق اذا لم يكشف عن أسلحة الدمار الشامل التى بحوزته .
وفى المساء , كانت الزاوية التى توسع بنيانها تشهد نشاطا حثيثا لمريديها وحين يكون الجو مشمسا يخرج بعض الشباب ويجلس على الرصيف ليلعب لعبة – الدامة – وكان يشاركهم اللعب أحيانا بعض الشيوخ .
وأنت تتحدث اليهم تملكك الحسرة حيال وضعيتهم الاجتماعية السيئة فأغلبهم عاطل عن العمل , ونظرة عميقة فى عيون المسنين تكشف لك شيئا غير عادى فى قلوبهم , وأنت تتعمق فى أفكار الشباب تكتشف أيضا أنهم يحملون فى ظمائرهم استقالة معنوية جماعية منذ مدة طويلة ومن جراء ذلك تراهم لا ينظرون الى الحياة الا بمنظار أسود . لقد تألموا كثيرا من الأحداث والتغيرات التى لم تكن فى صالحهم بتاتا وتألموا أيضا من أولئك الذين خدعوهم بالشعارات والأمانى .
شارعنا له تاريخ طويل , فقد شهد عمليات حفر مع كل رئيس بلدية لانشاء قنوات صرف المياه أو اصلاحها وشهد أيضا مباريات كرة القدم فى مراحل مختلفة من حياتنا كما شهد نزاعات وصلت الى حد القتل .

وعادت بى الذكريات عندما كنت تلميذا فى المتوسطة وبمناسبة سياسية كنا نخرج عنوة من المدرسة لنشارك فى مظاهرة لمناصرة تعليمات الرئيس ونصرخ فى السماء : تسقط الرجعية , تسقط الامبريالية . كان شارعنا غاصا بالألاف من المتظاهرين يقودهم مسؤولون فى قسمة الحزب . كنا فى تلك المظاهرات نجرى فى الشارع ولا نعرف لماذا نجرى نصرخ تسقط الرجعية والامبريالية ولا نعرف مامعنى الرجعية هذه ولا الامبريالية , وكنا نضرب أبواب المنازل بأرجلنا .
منذ ذاك أطبق الصمت على الشارع حتى جاء من يحركه من جديد ..

وأنا أمر بجانب الساحة العمومية للمدينة تذكرت ذلك التجمع الضخم الذى عقده المكتب التنفيذى البلدى ونشطه الشيخ يخلف الشراطى ومجموعة من الشيوخ الموفودين خصيصا للحدث التاريخى الذى ستعيشه البلاد بعد أيام والمتمثل فى الاضراب السياسى الذى وافق عليه بالاجماع المجلس الشورى الوطنى . ووافق ذلك الصاق بيانات على الجدران تدعو المواطنين الى المشاركة بكثافة فى الاضراب عن العمل حتى يستجيب الرئيس لجميع المطالب ويشرع فى انتخابات تشريعية نزيهة تليها انتخابات رئاسية .
ونظرت بعيدا الى مقر الصندوق الوطنى للتوفير والاحتياط الواقع بمحاذاة محطة نقل المسافرين . كم دخلت أنا و صديقى بوزناد تلك الوكالة ليس لنضع فيها أموالا ولكن لنجلس و نستمع الى الاخوة حول آخر أخبار الجبهة يوم كان مكتبا تنفيذيا ثم حول الى ماهو عليه الآن .
وفى ذلك اليوم التاريخى نصبت الخيم فى الساحة العمومية وثبتت مكبرات الصوت وعلقت على مدخل المكتب التنفيذى لافتة كتب عليها : احذروا من - السى آن آن - اشارة الا ما تبثه التلفزة من أخبار كاذبة عن فشل الاضراب السياسى .
وتراصت الصفوف فى أول مسيرة حشدت فيها الألاف من المواطنين . انطلقت المسيرة من مقر البلدية وجابت الشوارع وهى تردد ذلك الشعار الخالد : لا اله الا الله محمد رسول الله عليها نحيا وعليها نموت وفى سبيلها نجاهد وبها نلقى الله .

كان سى بشير رئيس البلدية يتقدم المسيرة , يساعد شيخا هرما أراد رغم وهنه الا المشاركة . كان هذا الشيخ ييتكأ على عصا ويمسك بيده الأخرى يد سى بشير .
لم أشارك فى المسيرة , كنت بعيدا أتأمل تقدمها باتجاه الساحة العمومية , تأملاتى لذلك الموج البشرى الذى يسير فى نظام وتناسق غرس فى احساس عميق بالقوة العملاقة الكامنة فى الشعوب العربية عندما تريد أن تقرر مصيرها بيدها .
كان محمد الزيانى فى مقدمة المتظاهرين فى لباس رجال الكومندوس سبب له فيما بعد مشاكل كبيرة أدت الى اعتقاله من طرف أشخاص بعد أيام من المسيرة ثم اختفى عن الأنظار ولا يعرف لحد الساعة عن مصيره ويئست عائلته من البحث عنه فأقامت عزاءا لابنها وتطالب اليوم السلطة بالكشف عن حقيقة اغتياله .

توقف المعلمون عن تقديم الدروس وكتبوا لافتة علقت على احدى الاكماليات : لا دراسة ولا تدريس حتى يرحل الرئيس . أما عمال شركة سوناطراك بمدينة أرزيو فقد توقف بعضهم عن العمل لكن أخينا حسناوى رئيس المكتب التنفيذى ضرب لنا مثلا فى اخلاصه ووفائه لقيم ومبادئ الرجال , لم يتوقف عن العمل , أخذ اجازة من ادارة المؤسسة وراوغ الجميع . هذا السلوك كان تعبير صارخ عن أشخاص امتلأت بهم الجبهة ليس لديهم ايمان صادق لما يقومون به وغير مقتنعين بالرسالة التى يؤدونها والمسؤولية التى يتحملونها .
ويوم اشتدت الأزمة وفصل المضربين عن عملهم كمحمد فلاح وغيره لم يمس صاحبنا بسوء وبقى فى عمله غير مهترأ بأقاويل الناس وعلامات استفهام كثيرة بقيت معلقة تنتظر الجواب وهو اليوم وحتى يمحى ماضيه باع داره وهاجر المدينة ليسكن أخرى .
توالت التجمعات فى الساحات العمومية والمسيرات فى الشوارع وتوقفت المدارس والجامعات عن أخذ الدروس وتوقفت أيضا أغلب المؤسسات والمصانع , بعض التجار أغلقوا محلاتهم وركبوا موج الاضراب .
وتيرة الاضراب كانت شديدة مع مر الأيام رغم التعتيم الاعلامى . ولما قرر عمال مصالح النظافة التوقف عن العمل كان السيل قد بلغ الزبى وأصبحت البلدية متفسخة مثلها مثل كامل بلديات التراب الوطنى مما كان ينذر بانتشار الأوبئة .

كانت الأخبار تأتينا عن طريق الجرائد حول مفاوضات بين رئيس الحكومة وشيوخ الجبهة انتهت أغلبها الى الفشل فلا قانون الانتخابات تم مراجعته ولا انتخابات رئاسية تم برمجتها .
قرر الشيوخ أمام هذا الوضع مواصلة الاضراب حتى يستجاب الى جميع المطالب التى تنادى بها الأحزاب السياسية والجماهير الغفيرة التى غزت الشوارع والساحات ولا تنتظر الا اشارة واحدة كى تستولى على كافة مؤسسات الدولة التى شلت بفعل الاضراب .
كان من الضرورى ايقاف حركة الاضراب بمختلف الوسائل والحيل قبل الانهيار الذى يهدد الدولة لذلك اتخذت الرئاسة بعد استشارة وزير الدفاع خالد نزار الذى سيسطع نجمه فى سماء الجزائر ويدشن حقبة سوداء فى تاريخها باخلاء الساحات العمومية من التجمعات .
كان تدخل قوات حفظ الأمن عنيفا . هذه القوات اصطدمت بمقاومة شديدة من طرف المتظاهرين فأطلقت الرصاص عليهم فسقط العشرات من القتلى والجرحى .
لقد تزامن هذا الهجوم على المتظاهرين ظهور سيارات سوداء غير مرقمة فى شوارع العاصمة يطلق راكبوها الرصاص على المتظاهرين . انها نفس السيارات التى شوهدت أثناء أحداث أكتوبر .

كان لهذا الحدث وقعا عنيفا فى نفوسنا وشهدنا فى نفس اليوم اخلاء الساحة العمومية للمدينة من طرف رجال الدرك . انسحب المتظاهرون فى هدوء ونزعت الخيم وتوقف مكبر الصوت توا عن بث خطب الشيوخ ونزعت اللافتات من على مقر المكتب التنفيذى البلدى وانفض الجميع الى بيوتهم يستمعون الى آخر الأخبار .
مازلت أذكر ذلك الشاب الذى خرج من السوق رافعا عصاه يهدد بها النظام ولحماسه المفرط عين خطيبا فى مسجد سيدنا حمزة ولما اشتدت الأزمة خبأ رأسه وغير شكله واليوم هاهو يمر على كأنه رجل آخر غير الذى عهدناه حتى علامات الالتزام لا تتجلى فيه مثله مثل ذلك المحامى الذى خاطب يوما فى نفس المسجد يلعن فيه الكاتب الذى قدم استقالته من المجلس الشورى وكأن الكاتب خرج عن طاعة على بن أبى طالب ولما دقت طبول الشدائد و الكروب فكر فى دنياه واليوم هو أيضا رجل آخر غير الذى عرفناه و أعتقد أن كلاهما وغيرهما كثير قد غرق فى متعة الكوكاكولا وما أتت به الموضة الجديدة لثقافة اقتصاد السوق والعولمة وأنا هنا لا أريد منهم أن يكونوا ارهابيين فالعنف أمقته وليس من شيمتى و لكن فقط أن يظهروا قليلا من الالتزام وشيئا من المقاومة .

وهكذا عادت تلك الأوهام والتماثيل التى أرقتنى فى مرحلة ما من حياتى وعذبتنى الى الظهور فانتشرت الطرقية والسلفية بتشجيع من الدولة حيث أنهما لا يجلبان لها الهلاك ويعملان على منع تغلغل بقايا الاسلام الحركى الذى يطالب بالتغيير فى أوساط الشباب وظهر الفساد الأخلاقى حيث أصبحت بيوت الدعارة والخمارات فى كل مكان وغض المسؤولون الطرف عنها كى لا يوظف الشباب العاطل عن العمل فى مصانع الارهاب كما انتشر الفقر المدقع وانقسم المجتمع الى طبقات وعاد الناس الى جاهليتهم يمجدون قبيلتهم وجهويتهم .
كل الذين أعرفهم فى مدينتى تغيروا قلبا وقالبا , حلقوا لحاهم ورموا القميص و اشتغلوا فى العمل السهل وسلكوا سبيل الربح السريع حتى أن بعضهم انخرط فى الحزب الحاكم الذى كانوا يلعنونه صباح مساء ويتهمونه بالكفر . كانوا فيما مضى قادة وأبطال , شيوخا وعلماء لكن الدنيا هزمتهم وغلبتهم. أعتقد أن هؤلاء وأمثالهم هم الذين أضاعوا الرسالة وخانوا الأمانة وخدعوا الناس لهم وجوه عدة تتغير حسب الظروف والأحوال يركبون كل موجة جديدة فى سوق السياسة لا قيم لهم ولا مبادئ صفات ورثوها عن أجدادهم الذين بفضلهم بقيت فرنسا قرن وثلاثون سنة .
هذه النماذج البشرية الرديئة التى قدمتها الجبهة الاسلامية للانقاذ خلال مسيرتها جعلتنى اليوم أراجع نفسى مراجعة دقيقة واحتاط أشد الاحتياط وأغير موقفى تجاه أغلب التيارات الاسلامية السائدة اليوم وأن أعود الى عزلتى الأولى حتى يغير الناس ما بأنفسهم .

وعدت أتذكر المسيرات و فرق حفظ الأمن التى توزعت فى الشوارع الرئيسية تحاول منعها لكن المتظاهرين كانوا عازمين على السير دون خوف أو تردد فكان رجال الأمن يطلقون عليهم الرصاص والقنابل المسيلة للدموع فيسقط المتظاهرون قتلى وجرحى وكان بعض المتظاهرين يحملون القنابل المسيلة للدموع الملقاة عليهم ويردونها الى قوات الأمن .
كانت كل شوارع العاصمة مغلقة ووضعت متاريس ونقط للمراقبة من طرف رجال الدرك والمجندون كما كانت طائرات الهيليكوبتر تحلق فى السماء من حين الى آخر .

امتلأت المستشفيات بالقتلى والجرحى وانهمك رئيس الحكومة فى كتابة رسالة الاستقالة تحت تأثير الأوضاع التى آلت اليها البلاد وتحت ضغط وزير الدفاع ورئيس ديوان الشاذلى الجنرال العربى بلخير. وجاء الموعد الحاسم لقطع رأس الجبهة , فما أن تولى رئيس الحكومة الجديد سيد أحمد غزالى منصبه حتى أعطيت الاشارة لبعض العناصر الرديئة فى صفوف الحزب للقيام بالمهمة المناطة بهم. و هكذا تقدم ثلاثة أشخاص لا يختلفون كثيرا عن أشخاص أعرفهم فى مدينتى الى وسائل الاعلام وأعلنوا تمردهم عن الجبهة . هذا التصرف كنت أتوقعه منذ مدة طويلة فالانشقاقات الصغيرة بدأت فى أول يوم تأسست فيه الجبهة ثم توسعت مع مر الأيام وكان من الواجب احتوائها بانتهاج خط تنظيمى واضح منذ البداية .

ووقف ذلك الأسد فى أعلى قمة واجتمعت حوله الثعابين والذئاب والخفافيش والنسور كلها فرحة بالوعى الجديد الذى طالما انتظروه وكانت تحته هذه المدينة البيضاء التى بدأت تعيش الفوضى. لا يهمه ذلك مادام ليس فى صالحه الذى يهمه أن يكون مالكا لكل شيئ حتى ولو احترقت المدينة وهلك من فيها .
ونظرت اليك أيها الأسد , لم تأكلنى كما أكلت غيرى ولا زلت تأكل منذ أكثر من عشر سنوات , لم تأكلنى فقط لأنك تحترم مهنتى ولا تريد ان تلطخ سمعتك ويقال عنك أشياء غير حسنة لكنك وضعت قيودا فى يدى ووضعتنى أمامك فى متحفك المليء بالأوثان والأوهام تحرسنى وتمنعنى أن أنتفض أو أهرب . لكنك أيها الأسد رغم قوتك و جبروتك لم تستطع أن تمنع ذلك النور المنبعث من ذلك البيت الكريم الذى دلنى عليه أخى و أصدقاءه . منذ أكثر من عشرين سنة وأنا أتخبط فى الحيرة واليأس والضياع , ألتهم الكتب على مختلف أطيافها , أبحث عن أسباب الذل والانحطاط الذى أصابنا , عن القوة التى تغير طبائع الشعوب وتحركها الى الأمام , عن الذين حولوا أمة اقرأ الى أمة كوكاكولا فى المشرق وأمة كارنتيكا فى المغرب , و الآن وقد عرفت الحقيقة فقد أصبحت أنا أيضا رجل آخر أحيا حياة أخرى فى صف غير هذا الصف .

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة