المستبصرون » مساهمات المستبصرين

محمود جلال خليل - مصر - 15 ربيع الثاني 1430 - أهل البيت في مصر
البريد الالكتروني

الاسم الكامل : محمود جلال
الدولة : مصر
المساهمة :

أهل البيت في مصر

بدأت رحلة أهل بيت رسول الله (ص) الى مصر في منتصق القرن الأول الهجري وتحديدا في سنة إحدى وستين للهجرة, أي بعد وفاة رسول الله (ص) بخمسين عاما لاغير, وذلك عندما خرج الامام الحسين ومعه ذريته واهل بيته من مدينة رسول الله (ص) الى مكة رافضا البيعة ليزيد بن معاوية كخليفة على المسلمين وخلفا لأبيه وقال لمن جاء يأخذ منه البيعة ( إن مثلي لا يبايع يزيد ) وكان يزيد هذا يعرف لشدة فسقه وفجوره بيزيد الخمور ويزيد الفجور, وتوجه الامام الحسين ومع الذرية الطاهرة الى مكة التي ماكاد أن يصلها حتى أرسل يزيد الى واليه على مكة أن يأخذ الحسين أخذا شديدا ولا يتركه حتى يبايع, كان يزيد لا يريد من الامام الحسين الا أن يعطيه البيعة ولايعارضه في استبداده بالملك وتسلطه على الرعية وفي المقابل هو على استعداد أن يترك للامام الحسين وشأنه يفعل ويطلب مايشاء, ومرة اخرى رفض الامام الحسين وقال لرسول يزيد ( لن أقر اقرار العبيد ولن أعطيكم إعطاء الذليل .. على الاسلام السلام إذ قد بليت الأمة براع مثل يزيد, والله لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى ما بايعت يزيد ) لم يستطع أهل مكة أن ينصروا الإمام الحسين أمام يزيد وجنده كما كان من أهل المدينة, فخرج الامام الحسين من مكة قاصدا الكوفة وكان أهلها قد علموا بموقف الامام الحسين من يزيد فأرسلوا اليه أن يأتيهم وسيحمونه مما يحمون منه أنفسهم وأولادهم !!!

وفي الطريق الى الكوفة التقت قافلة أهل البيت باحدى طلائع جيش يزيد التي ارسلها لتقطع على الامام الحسين وجهته لئلا ياتقي بأنصاره هناك ويتقوى بهم عليه وفي مكان يسمى كربلاء حوصر الامام الحسين وارسل قائد السرية الى ابن زياد والي يزيد على الكوفة أنه قد أوقف الحسين ومن معه فارسل له ابن زياد كل ما عنده من جند فاجتمع في كربلاء أربعة آلاف فارس على اقل الروايات وثلاثون ألفا على أكثرها عددا في مواجهة الامام الحسين وأهل بيت رسول الله (ص) وهم يومئذ سبعون فردا لاغير, وكان ما كان في كربلاء مما ذكره الرواة وانتهت المعركة بقتل الامام الحسين وذبحه ومن معه واسر الذرية الطاهرة واقتيادهم الى يزيد بن معاوية في موكب مهيب عرف في التاريخ باسم موكب الرؤوس,على مقدمته رأس الإمام الحسين.. ثم تليه رؤوس أبنائه وأبناء إخوته أحفاد رسول الله (ص) ... ثم رؤوس أصحابه زهير بن القين وحبيب بن مظاهر والحر بن يزيد الرياحي وغيرهم ... وفى المؤخرة كانت السبايا, حرائر أهل بيت النبوة ... بنات رسول الله (ص) ...السيدة زينب النبوية عقيلة بنى هاشم والسيدة أم كلثوم أخوات الإمام الحسين والسيدة سكينة والسيدة فاطمة النبوية بنتا الإمام الحسين وغيرهن ...من بنات السيدة فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين, وقد وضعوهم على أقتاب البغال والجمال بغير سروج وغطاء مكبلات بالحديد مهتكات حاسرات يسقن كما تساق الإماء والجواري ... وكان معهم الإبن الوحيد من أبناء الإمام الحسين الذي نجا من القتل بعد أن منعه مرضه الشديد من الإشتراك في المعركة وحفظ الله في صلبه نسل رسول الله (ص) لئلا تخلو الأرض من الذرية الطاهرة, وهو علي الأوسط, الذي عرف فيما بعد بالإمام علي زين العابدين.

وبعد أن وصل الركب الى دمشق عاصمة الخلافة الاسلامية يومئذ وأدخلوا على يزيد ومع وزيره ابن زياد الذي ابتدر السيدة زينب اخت الحسين قائلا : كيف رايت صنع الله بأخيك وابناء أخيك ؟
ففاجأته عقيلة بني هاشم بكل ثقة ورباطة جأش : ما رأيت الا جميلا انهم قوم قد كتب عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتختصمون عنده, فحسبك القيامة موعدا والله حكما ومحمدا صلى الله عليه وسلم خصما وانظر لمن يكون الفلج يومئذ يابن مرجانه.

أيقن يزيد أنه قد نال من الامام الحسين وأهل بيته بقتلهم وذبحهم في صحراء كربلاء القاحلة , لكن جواب السيدة زينب عليه ورباطة جأشها دفعه الى ان يخرجها من البلاد ويطلق سراحها ومن معها.
أبصرت السيدة زينب ومعها أخواتها وبناتها أين تذهب في ارض الله الواسعة فأهل المدينة خلوا بهم ولم ينصروهم من يزيد وجنده كذلك أهل مكة وعلى ارض العراق قتلوا وذبحوا والى الشام أخذوا اسرى ولم تجد السيدة زينب من كل بلاد الله ارضا تستضيفها وتحميها من بطش يزيد وجلاوذته غير أرض مصر !!! فقررت الهجرة اليها, تماما كهجرة جدها المصطفى (ص) الى يثرب قبل أربعين عاما من بطش قريش وأهلها معه وأصحابه, وهكذا ولت العقيلة وجهها شطر أرض الكنانة علم أهل مصر بقدوم آل بيت رسول الله (ص) إلى بلادهم .. فذاب قلب مصر في جوفها.....وخرج أهلها أفواجا ليكونوا في استقبال آل بيت رسول الله (ص) ويالها من كرامة وياله من شرف أن يتخذ أولاد رسول الله (ص) من أرض الكنانة مقرا ومستودعا لهم, ومن ثم كان اللقاء عند قرية بلبيس بمحاقظة الشرقية الآن واحاط أهل مصر بأولاد رسول الله (ص) السيدة زينب عقيلة بني هاشم والسيدة أم كلثوم أختا الامام الحسين والامام علي زين العابدين بن الحسين والسيدة سكينة والسيدة فاطمة النبوية بنتا الامام الحسين واحتضنوهم وفي القلب والعين أسكنوهم, وكان المصريون يداومون على زيارة عقيلة بني هاشم يلتمسون بركتها وينهلوا من علمها وفقهها الذي هو تراث جدها المصطفى (ص), ثم كان من بعدها قدوم السيدة السيدة نفيسة رضي الله عنها وأرضاها من مدينة رسول الله (ص) إلى أرض مصر, وكالعادة خرج الرجال والنساء بالهوادج والخيول لاستقبال السيدة نفيسة العلم وكان اللقاء عند مدينة العريش وعادوا بها إلى الديار فرحين مهللين, وكانت مجالس العلم والفقه تعقد في دار السيدة نفيسة رضي الله عنها وارضاها ويحضرها كبار العلماء ورجالات الدين في مصر.

هؤلاء هم آل بيت رسول الله في مصر وهذه مساجدهم وديارهم إلى اليوم يقصدها الملايين صباحا ومساء يرقبون فيهم رسول الله (ص) عملا بقوله (ص) ارقبوا محمدا في أهل بيته.

وعلى أرض مصر نمت وترعرعت شجرة أهل بيت النبوة, وتدلت أغصانها وتهدلت واستظل الناس قرونا ومازالوا بتلكم الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها لأهل هذا البلد الطيب الذي يخرج نباته بإذن ربه, ومن ثم كانت قاهرة المعز لدين الله الفاطمي, وكانت الدولة الفاطمية اكبر وأعظم دولة في التاريخ والتي قامت على أسس وتعاليم الإمام جعفر الصادق سادس أئمة أهل البيت عليهم السلام, وكان الجامع الأزهر منارة الحكمة والمعرفة وكعبة العلم لكل اقطار الارض, وقد قام شيوخ الجامع الازهر وعلمائه أمثال الشيخ محمود شلتوت والشيخ سليم البشري والشيخ عبد المجيد سليم والشيخ عبد الحليم محمود والشيخ الغزالي بحفظ التراث النبوي لآل بيت رسول الله (ص) من خلال مئات الكتب والمؤلفات التي ذخرت بها المكتبة الاسلامية وتوجها الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية بشرح نهج البلاغة لأمير المؤمنين الإمام علي بن ابي طالب هذا غير ما قدمه قامات الفكر الاسلامي في مصر أمثال الاستاذ العقاد والدكتور طه حسين والاستاذ توفيق ابو علم والاستاذ علي احمد شلبي والاستاذ ابراهيم دسوقي والاستاذ عبد الرحمن الشرقاوي والدكتورة بنت الشاطئ والعشرات غيرهم للمكتبة الاسلامية من مؤلفات ومراجع عن فكر وفقه آهل بيت رسول الله (ص) كان لها ابلغ الاثر في نمو وازدهار حركة الثقافة والحضارة في مصر وتعددت جوانبها لتشمل كل مظاهر الحياة في الفكر والأدب والفن والعمارة و.... ومن ثم كانت ارض مصر هي الارض المناسبة لانتشار وازدهار علوم الدين الاسلامي التي شملت كل جوانب الحياة والمجتمع كما جاء به وفصّله أهل بيت رسول الله (ص) وتلقاه الناس عنهم وانعكس على حياتهم, أو قل أن مرامي الدين الاسلامي الحنيف وجوهره الشريف وآدابه النبيلة وأخلاقياته السامية وتوجهاته في بناء المجتمعات والحضارات وعمارة الارض كانت تحتاج الى تربة خصبة ثرية وشعب عريق موسوم بالحيوية والحضارة الضاربة في أعماق التاريخ لينمو عليها آخر الأديان السماوية ويؤتي ثماره الى العالم من على أرضه.

ساهم في مساهمات المستبصرين العودة