×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الإبتلاء سنة إلهية على بساط العبودية / الصفحات: ٢١ - ٤٠

قال أبو جعفر الباقر عليه السلام: فلم أملك حين رأيته بتلك الحال البكاء، فبكيت رحمة له، وإذا هو يفكر، فالتفت إليّ بعد هنيهة من دخولي وقال:

يا بنيّ، أعطني بعض تلك الصحف التي فيها عبادة علي بن أبي طالب عليه السلام، فأعطيته فقرأ فيها شيئاً يسيراً، ثم تركها من يده تضجراً وقال: من يقوى على عبادة علي بن أبي طالب وعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: كان علي بن الحسين عليه السلام إذا قام في الصلاة تغير لونه فإذا سجد لم يرفع رأسه حتى يرفض عرقاً.

وعن الإمام الباقر عليه السلام قال كان علي بن الحسين عليه السلام يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة... وكان إذا قام في صلاته غشي لونه لونا آخر. وكان قيامه في صلاته قيام العبد الذليل بين يدي الملك الجليل.

عن الإمام الباقر عليه السلام: إن أبي علي بن الحسين عليه السلام ما ذكر نعمة الله عليه إلا سجد. ولا قرأ آية من كتاب الله عزوجل فيها سجود إلا سجد.

ولا دفع الله تعالى عنه سوءً يخشاه أو كيد كايد إلا سجد. ولا فرغ من صلاة مفروضة إلا سجد. ولا وفق لإصلاح بين اثنين إلا سجد. وكان أثر السجود في جميع مواضع سجوده، فسمي السجاد لذلك.

لقد جسدوا معنى العبودية لله تعالى في أدعيتهم، فهذا الإمام أبي عبد الله الحسين سلام الله تعالى عليه يناجي رب العزة في دعاء يوم عرفه، ويقدم بين يدي دعائه إعترافا بأوصاف العبودية وأداء لحقوق الربوبية فيقول سلام الله تعالى عليه _ (إلهي أنا الفقير في غناي، فكيف لا أكون فقيرا في فقري، إلهي أنا الجاهل في علمي، فكيف لا أكون جهولا في جهلي).

وكان أيضا من دعاء الإمام علي بن الحسين الإمام السجاد زين العابدين دعاء التذلل:

(مولاي مولاي، أنت المولى وأنا العبد، وهل يرحم العبد إلا المولى.

مولاي مولاي، أنت العزيز وأنا الذليل، وهل يرحم الذليل إلا العزيز.

مولاي مولاي، أنت المالك وأنا المملوك، وهل يرحم المملوك إلا المالك.

مولاي مولاي، أنت الخالق وأنا المخلوق، وهل يرحم المخلوق إلا الخالق.

مولاي مولاي، أنت المعطي وأنا السائل، وهل يرحم السائل إلا المعطي.

٢١

مولاي مولاي، أنت المغيث وأنا المستغيث، وهل يرحم المستغيث إلا المغيث.

مولاي مولاي، أنت الباقي وأنا الفاني، وهل يرحم الفاني إلا الباقي.

مولاي مولاي، أنت الدائم وأنا الزائل، وهل يرحم الزائل إلا الدائم.

مولاي مولاي، أنت الحي وأنا الميت، وهل يرحم الميت إلا الحي.

مولاي مولاي، أنت القوي وأنا الضعيف، وهل يرحم الضعيف إلا القوي.

مولاي مولاي، أنت الغني وأنا الفقير، وهل يرحم الفقير إلا الغني.

مولاي مولاي، أنت الكبير وأنا الصغير، وهل يرحم الصغير إلا الكبير).

وكان من دعاء الإمام موسى بن جعفر الكاظم سلام الله تعالى عليه:

(اللهم عد على جهلي بحلمك، وعلى فقري بغناك، وعلى ذلي بعزك وسلطانك، وعلى ضعفي بقوتك، وعلى خوفي بأمنك، وعلى ذنوبي وخطاياي بعفوك ورحمتك يا رحمان يا رحيم).

هذه نماذج من أدعية أهل البيت سلام الله تعالى عليهم، أظنها واضحة الدلالة في تبيان معنى العبودية وأوصافها، (ومن أراد المزيد من أدعية أهل البيت عليهم السلام فعليه بالصحيفة السجادية، وكتب الأدعية المختارة كمفاتيح الجنان وضياء الصالحين وغيرها) فهم يعلموننا أوصاف العبودية التي يجب على العبد المؤمن أن يحققها في ذاته وسلوكه، وكلما تحققت كان العبد أقرب إلى ربه، ذلك أن العبد إذا عرف أوصافه فمن المحتوم أن يعرف ربه كم بينت ذلك أدعية أهل البيت. فعندما يعرف العبد أنه مخلوق يعرف الخالق، وعندما يعرف أنه ضعيف يعرف أن ربه هو القوي، وهذا ما تتميز به أنواع الإبتلاء التي سأبينها في مواضعها إن شاء الله تعالى.

عبودية الجهل والأهواء والشهوات:

وكما ضربنا أمثلة على من ادعى ما ليس له من أوصاف الربوبية من القرآن الكريم من طواغيت عصورهم كفرعون وقارون، نتطرق إلى قضية أهم عانت ولازالت الأمة الإسلامية تعاني منها ومن آثارها، نضرب مثلا على أساس من أسس العبودية وهو الجهل، فالعبد في حقيقته جاهل، ولا يمكن أن يعلم إلا بالله ومن الله عن طريق الأنبياء والأوصياء الذين اختارهم لنا الله، فمهما بلغ العبد

٢٢

من العلم والمعرفة لا يمكن أن يصل إلى حد الإحاطة، ولابد أن يبقى محتاج إلى الرب تعالى، فكيف يمكن للعبد الجاهل أن يعرف ما يريد الله منه، لولا اختيار الله تعالى لمن يخبر عنه ما يريد منا، لأننا نعجز عن معرفة شريعة الله وأمره ونهيه من أنفسنا، ولا نعرف ما يصلحنا أو يفسدنا، ولا نعرف ما يهدينا أو يضلنا إلا أن يخبرنا الله تعالى عن ذلك، فنحن في مقام الجهل، ولذلك اختار الله تعالى لنا رسوله الأكرم محمدا وأوصياءه الأئمة من أهل البيت عليهم الصلاة والسلام وفوض إليهم ذلك، ودور العباد هو الطاعة لهم وموالاتهم وإتباعهم والإقتداء بهديهم، وقد أمر الله الناس بموالاتهم وطاعتهم، وأدلة الطاعة لرسول الله وأهل بيته واضحة جلية في القرآن الكريم ذكرنا بعضا منها في هذا البحث.

لكن المصيبة أن يخرج الجهلاء عن بساط العبودية، ولا يعترفون بجهلهم ويتطاولون على مقام الربوبية، ولا يطيعون الله ورسوله فيما يريده منهم ويأمرهم به، فهذا هو الضلال بعينه بل وربما أكثر من ذلك والعياذ بالله.

فعندما أمر الله تعالى رسوله محمد صلى الله عليه وآله أن يبلغ ما أنزل إليه من ربه فيما يتعلق بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فالواجب على العبيد أن يطيعوا أمر ربهم، في إختيار من يخلف رسول الله بعد وفاته.

أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت هذه الآية{يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك}على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم غدير خم، في علي بن أبي طالب.

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم{يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك}أن عليا مولى المؤمنين{وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس}.

أما صيغة الأمر الإلهي علي لسان رسول الله يوم غدير خم فكانت كما في الروايات التالية.

٢٣

فقد روى أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم عن عدد كبير من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وآله خطب يوم غدير خم قال _ من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله.... ثم نزلت في ذلك اليوم آية إكمال الدين وتمام النعمة وهي قوله تعالى{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}. أي أن الله تعالى قد أكمل دينه بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وأتم علينا النعمة بذلك.

ويتوضح معنى ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ووصايته بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، بالروايات المتضافرة والمتواترة في صحاح السنة ومسانيدها. كحديث الثقلين، والولاية، والسفينة، وغيرها من الأحاديث الصحيحة المتواترة التي لاتحتمل إلا معنى واحدا وهو ولاية أمير المؤمنين وأهل البيت عليهم السلام.

روي في كل صحاح المسلمين ومسانيدهم عن زيد بن أرقم قال:

لما رجع رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- من حجة الوداع، ونزل غدير خم، أمر بدوحات، فقممن، فقال: كأني قد دعيت فأجبت، إني قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله تعالى، وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض.

ثم قال: إن الله -عز وجل- مولاي، وأنا مولى كل مؤمن، ثم أخذ بيد علي -عليه السلام- فقال: من كنت مولاه فهذا وليه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله.

وأخرج الحاكم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول"مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق.

وأخرج أحمد والحاكم عن ابن مسعود. أنه سئل كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال: سألنا عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: اثنا عشر كعدة بني إسرائيل.

٢٤
٢٥

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائتوني بالكتف والدواة (أو اللوح والدواة) أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا. فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يهجر.

روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وسلم وجعه قال: (ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا من بعده). قال عمر: إن النبي صلى الله عليه وسلم غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا. فاختلفوا وكثر اللغط، قال: (قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع). فخرج ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كتابه.

وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما حُضِرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت رجال، فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: هَلُمَّ أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده. فقال عمر: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: قرِّبوا يكتب لكم النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا.

قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: إن الرَّزيَّة كل الرَّزيَّة ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب، من اختلافهم ولغطهم.

لقد خرج أولئك عن حقيقة العبودية لله تعالى إلى عبودية أهوائهم وآرائهم، وترفعوا عن الإعتراف بحقيقة جهلهم إستكبارا وعتوا، وحسدا وبغضا، وادعوا الأعلمية على الله ورسوله، ونتيجة لذلك الرفض لكتاب رسول الله والترفع عن العبودية بعدم الإستجابة لرسول الله، فإن كل ما نراه اليوم من ضلال وتمزق وتشرذم وخلافات وصراعات في الأمة الإسلامية، وقتل للأبرياء، وضعف شديد، وتداعي الأمم الكافرة علينا، كله نتيجة لرفض أمر رسول الله والترفع عن العبودية، لأن رسول الله قال لهم لن تضلوا، وقال لهم في موقع آخر لن

٢٦

تضلوا ما إن تمسكتم بهما أي الكتاب والعترة الطاهرة، وكرر ذلك طيلة حياته، وكلامه حق وقوله صدق، وماذا بعد الحق إلا الضلال.

قال تعالى في سورة الأنفال. الآية: ٢٤{يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}.

وقال تعالى في سورة النور الآية ٦٣{فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم}.

روى البخاري مسلم في صحيحهما عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال صلى الله عليه وسلم: ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم.

وروى أبو داود عن أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه.

ولم تكن تلك الحادثة هي الوحيدة التي خرجوا فيها عن حدود العبودية لله تعالى، فقد كان هناك عشرات الحوادث ممتلئة بها كتب التأريخ الإسلامي، فلنراجع قصة الحديبية عندما قيل لرسول الله ما قيل، حيث شك البعض في نبوة محمد صلى الله عليه وآله، وذلك لأنهم نسوا أن حقيقتهم الجهل، فنسوا أنه رسول الله الذي ينطق عن الله، ولا يفعل إلا ما يأمره الله به، واعتقدوا أنهم أعلم من رسول الله، وحاولوا فرض جهلهم على بقية المسلمين.

روى البخاري في صحيحه أن عمر بن الخطاب قال عن يوم الحديبية: فأتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ألست نبي الله حقا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال: إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري. قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام. قال: قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقا، قال بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال: أيها الرجل، إنه لرسول الله صلى الله

٢٧

عليه وسلم، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق؟ قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به، قال: بلى، قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالا، قال: فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (قوموا فانحروا ثم احلقوا). قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد.

قال عمر بن الخطاب: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ.

لاحظ في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله، بعد أن أكد لعمر أنه رسول الله، لم يقنع بذلك، وذهب بعد جواب رسول الله إلى أبي بكر، ثم بعد ذلك أكد أنه قام بإعمال ليمنع رسول الله من تنفيذ أمر ربه، وبعد ذلك اعترف بأنه شك في نبوة محمد صلى الله عليه وآله.

وهناك أيضا مخالفتهم لرسول الله في معركة أحد وتركهم رسول الله ومعه أمير المؤمنين علي وهربوا إلى رؤوس الجبال ومنهم من رجع إلى أحضان قبائل المشركين ومنهم من كان ينتظر ليرى نهاية الأمر حتى يقرر مع أي جهة يميل.

وهروبهم يوم حنين، حيث أعجبوا بما ليس لهم، فأظهر الله حقيقة جبنهم وتخاذلهم، وهربوا وتركوا رسول الله وأمير المؤمنين علي وثلة من مؤمني بني هاشم، وستظهر لك الروايات إذا راجعتها أن كبار الصحابة كانوا من الهاربين.

قال تعالى في سورة التوبة الآية ٢٥{ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين}.

وروى البخاري عن أبي قتادة قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عام حنين، فلما التقينا، كانت للمسلمين جولة، فرأيت رجلا من المشركين علا رجلا من المسلمين، فاستدرت حتى أتيته من ورائه حتى ضربته بالسيف على حبل عاتقه، فأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمر بن الخطاب فقلت: ما بال الناس؟ قال: أمر الله.

٢٨

ثم تركهم لرسول الله يوم الجمعة يخطب ليلحقوا بركب أهل الدنيا. قال تعالى في سورة الجمعة الآية: ١١{وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين}. ولم يبق مع رسول الله في المسجد سوى علي وفاطمة والحسن والحسين والمؤمنون من بني هاشم وبعض الصحابة الأبرار كعمار وبلال وسلمان وروي عنه عليه وآله الصلاة والسلام أنه قال: والذي نفسي بيده لو خرجوا جميعا لأضرم الله عليهم الوادي نارا.

ورفع أصواتهم فوق صوت النبي قال تعالى في سورة الحجرات. الآية: ٢{يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون}.

روى البخاري ومسلم أن أبا بكر وعمر رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر، قال نافع: لا أحفظ اسمه، فقال: أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي، قال: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله:{يا أيها الذين آمنوا لاترفعوا أصواتكم}.

وتلاحيهم في المسجد أمام رسول الله الذي خرج ليخبرهم عن ليلة القدر ونتيجة لذلك حرم المسلمون من معرفتها.

روى البخاري عن أنس قال: أخبرني عبادة بن الصامت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يخبر بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين فقال: إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، وإنه تلاحى فلان وفلان، فرفعت.

وعندما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وآله أن الأئمة بعده إثنا عشر وأراد أن يسميهم ويعددهم وقال كلهم من بني هاشم. بدأ القوم برفع أصواتهم وكثر اللغط حتى لايسمع الحاضرون ماذا يقول رسول الله.

روى أحمد في المسند عن جابر بن سمرة قال -خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن هذا الدين لا يزال عزيزا إلى اثني عشر خليفة قال: ثم تكلم بكلمة لم أفهمها وضج الناس فقلت لأبي: ما قال قال: كلهم من قريش. ‏

٢٩

وروى أحمد في المسند عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يزال هذا الأمر عزيزا إلى إثني عشر خليفة فكبر الناس وضجوا وقال كلمة خفية قلت لأبي: يا أبت ما قال؟ قال: كلهم من قريش.

وكذلك ترك الصحابة ونقضهم لعشرات الأحكام الربانية بعد وفاة رسول الله، حيث حذرهم رسول الله مرارا وتكرارا قبل وفاته حتى لا يدعوا ما ليس لهم ويتطاولوا على مقام الربوبية.

روى الحاكم في المستدرك عن حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، وليكونن أئمة مضلون، وليخرجن على أثر ذلك الدجالون الثلاثة.

روى أحمد وابن حبان والحاكم عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال- لتنتقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضا الحكم، و آخرهن الصلاة.

روى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إني فرطكم على الحوض، من مر علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا، ليردنَّ علي أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش فقال: هكذا سمعت من سهل؟ فقلت: نعم، فقال: أشهد على أبي سعيد الخدري، لسمعته وهو يزيد فيها: (فأقول: إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن غيَّر بعدي.

وروى البخاري عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله صلى الله عليه وآله قال-إنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا ربَّ أصحابي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: (وكنتُ عليهم شهيداً ما دمتُ فيهم - إلى قوله - الحكيم). قال: فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم.

ومن نظر في آيات القرآن الكريم التي تأمر بطاعة الله ورسوله، من حيث كثرتها، يتبين له أن ميول النفس تنزع إلى التمرد على العبودية، إذ يكفي العبد

٣٠

المؤمن المطيع أن يؤمر لمرة واحدة حتى يلتزم بطاعة ربه على بساط العبودية لله وحده.

فيجب على العبد المسلم أن يراقب عبوديته لله تعالى، ومراقبة سلوكه وأفعاله، وأن يتحقق بأوصاف العبودية في هذه الدنيا، ويقوم بحقوق الربوبية، لأجل الهدف الذي خلقنا الله تعالى من أجله، ونقتدي في ذلك برسول الله والأئمة الأطهار من أهل بيته وأتباعهم وشيعتهم خير البرية، الذين يعبدون الله تعالى عبادة الأحرار، الذين التزموا بولاية أهل البيت عليهم السلام، لأن عبودية الله تعالى لا يتم معناها إلا من خلالهم وموالاتهم وطاعتهم، لأن طاعتهم من طاعة الله تعالى. ومعصيتهم هي عين معصية الله تعالى.

ثالثا: تصرفات العبد أثناء الإبتلاء والإختبار:

أما ما يجب أن يكون عليه حال العبد المؤمن أثناء الإبتلاء، فهو ماأخبر عنه الله تعالى في القرآن الكريم ومن خلال الذين كلامهم نور رسول الله وأهل بيته المعصومين الطاهرين. وأول حال يجب على العبد المؤمن هو الصبر.

قال تعالى في سورة البقرة الآية ١٥٥{ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون}.

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله{ولنبلونكم...}الآية. قال: أخبر الله المؤمنين أن الدنيا دار بلاء، وأنه مبتليهم فيها وأمرهم بالصبر، وبشرهم فقال{وبشر الصابرين}. وأخبر أن المؤمن إذا سلم لأمر الله ورجع واسترجع عند المصيبة كتب الله له ثلاث خصال من الخير: الصلاة من الله، والرحمة، وتحقيق سبل الهدى.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفا صالحا يرضاه".

٣١

وقال تعالى في سورة محمد الآية: ٣١{ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم}.

قال اللَّه تعالى في سورة آل عمران ٢٠٠{يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا}.

وقال تعالى (الزمر ١٠):{إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}.

وقال تعالى (الشورى ٤٣):{ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور}.

وقال تعالى (البقرة ١٥٣):{استعينوا بالصبر والصلاة إن اللَّه مع الصابرين}.

روي في مصادر الشيعة وأهل السنة أن النبي صلى الله عليه وآله قال (الصبر نصف الإيمان). وقال (الصبر كنز من كنوز الجنة). وقال (الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فكذا ذهب الرأس ذهب الجسد، كذلك إذا ذهب الصبر ذهب الإيمان).

ثم بعد الصبر الرضا بقضاء الله تعالى وهو من أهم تصرفات العبد المؤمن أثناء الإبتلاء، قال الإمام الصادق عليه السلام (كيف يكون المؤمن مؤمنا وهو يسخط قسمته، ويحقر منزلته، والحاكم عليه الله، وأنا الضامن لمن لم يهجس في قلبه إلا الرضا أن يدعوا الله فيستجاب له).

وروي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال (ومن سخط القضاء، مضى عليه القضاء، وأحبط الله أجره).

وروي عنهم عليهم السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال (إذا أحب الله عبدا ابتلاه، فإن صبر اجتباه، فإن رضي اصطفاه).

وكذلك على العبد المؤمن أن يكون متوكلا على الله قال تعالى{وعلى الله فليتوكل المؤمنون}. وقال تعالى{ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه}.

ثم على العبد أن يكون حسن الظن بالله تعالى، حليما، محتسبا، والمهم أن لا يتجاوز حدود العبودية لله تعالى إذا حلت به نازلة، وأن لا يستكبر، وأن يتحلى بالأخلاق النبوية وأخلاق أهل البيت عليهم السلام، وأكتفي بما ذكرت من آيات

٣٢

روايات في الفضائل، فلا مجال لذكرها في هذا البحث بتفاصيلها، وأحيل القارئ العزيز إلى القرآن الكريم وكتب الأخلاق والفضائل الإسلامية الواردة عن أهل البيت عليهم السلام وما أكثرها، لكنها بحاجة إلى من يطبق حكمها وأحكامها.

رابعا: أنواع الإبتلاء ونتائجه:

قال تعالى في سورة الواقعة الآية ٧ - ١٢{وكنتم أزواجا ثلاثة، فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة، والسابقون السابقون، أولئك المقربون، في جنات النعيم}.

هذه الآيات تبين أن أصناف الناس ثلاثة، السابقون وأهل اليمين وأهل الشمال. وهذا التصنيف يحدد ما كانوا عليه في الدنيا دار الإبتلاء والعمل.

أما الصنف الأول من الناس فهم السابقون، وهم أهل البيت عليهم السلام ومن تبعهم ووالاهم بصديقية وإحسان، ولذلك نستطيع القول بأن النوع الأول من الإبتلاء هو إبتلاء الصديقين.

أما الصنف الثاني فهم أهل اليمين، وهم أهل الصدق في التوجه إلى الآخرة والعمل لها، يتعرضون للإبتلاءات في هذه الدنيا من أجل تحديد موقعهم على مقياس ابتلاءات أهل اليمين، ولنطلق على نوع ابتلائهم، إبتلاء الصادقين.

وأما الصنف الثالث من الناس فهم أهل الشمال، وابتلاآتهم تشمل المطرودين من رحمة الله الملعونين أهل العقوبة الفورية والمستدرجين أيضا، ونسمي ابتلاءهم، إبتلاء الكاذبين.

وعلى ذلك فإن الإبتلاء والإختبار والتعرف الجلالي يدور على ثلاثة محاور.

محور السابقين الصديقين، وهم النبي والأئمة المعصومين من أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، ويشمل أيضا الصديقين من أبنائهم وأتباعهم، كالسيدة زينب، والعباس بن أمير المؤمنين، والسيدة فاطمة المعصومة، وكأصحاب الإمام الحسين وغيرهم من أمثالهم، وهؤلاء ابتلاءاتهم عبارة عن ترقية لهم ورفعة، وهي كشف لحقيقة رسوخهم وتمكنهم وصديقيتهم وسبقهم، وهناك دور آخر لإبتلاءاتهم وهو أنها حجة على المشاهد والمستمع من عباد الله.

٣٣

وأما محور الإبتلاء الثاني فهو محور أهل اليمين، وابتلاءاتهم تشمل دور تأديبهم وتنبيههم وتذكيرهم وتطهيرهم، وأيضا لتمييز المدعي من غير المدعي لموقعية أهل اليمين.

وأما المحور الثالث فهو محور أهل الشمال ويشمل عقوبتهم وطردهم من رحمة الله وفضحهم وكشف حقيقة استكبارهم، وتشمل أيضا التأكيد على حقيقة ذاتهم وسلوكهم من خلال الإستدراج.

ولنعد إلى أنواع الإبتلاء بشكل مفصل أكثر بعد هذا التقديم البسيط من أجل إستيعاب موضوع انواع الإبتلاء بشكل أوضح.

النوع الأول:

وهو ابتلاء السابقين والصديقين المحسنين، وهو ابتلاء الزيادة والترقي، ونتيجته الرفعة والرقي في مقامات التمكين، والرسوخ في منازل الأولياء والصديقين، فبقدر الإمتحان يكون الإمتكان.

روى السيوطي في الدر المنثور قال أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله تعالى:{السابقون السابقون}قال: نزلت في حزقيل مؤمن آل فرعون، وحبيب النجار الذي ذكر في يس، وعلي بن أبي طالب، وكل رجل منهم سابق أمته، وعلي أفضلهم سبقا.

قال الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام في قوله تعالى{والسابقون السابقون أولئك المقربون}قال نحن السابقون و نحن الآخرون}.

وروى في بحار الأنوار عن ابن عبّاس قال: سألت رسولَ الله صلّى الله عليه وآله عن قول الله عزّوجلّ{والسابقون السابقون أٌولئك المُقرَّبون}، فقال: قال لي جبرائيل: ذاك عليٌّ وشيعته، هم السابقون إلى الجنّة، المقرّبون من الله بكرامته لهم.

قال تعالى في سورة النحل الآيتان: ١٢٧ - ١٢٨{واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون، إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون}.

وقال تعالى{وسنزيد المحسنين}. وقال تعالى{إن الله يحب المحسنين}.

٣٤

وقال تعالى{فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله}.

وقال تعالى في سورة فاطر الآية: ٢٩ - ٣٠{إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور، ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور}. وقال تعالى في سورة الشورى{ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله}.

وقال تعالى في سورة الفتح الآية ٤{هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم}.

وعليه فإن المبتلى بهذا النوع من الإبتلاء لا يكون ممتحنا بقدر ماهو ترفيع وترقية وتمكين ورسوخ في المقامات العرفانية الفاضلة، وكأن الله عندما ينزل الإبتلاء بعبده المؤمن المستسلم للإرادة الإلهية، كأنه يباهي به ليظهر حقيقة صدقه وتمكنه وإخلاصه لربه، وصدق عبوديته للواحد الأحد، وليظهر على عبده صديقية ما في مكنونه من تحقيق للعبودية وقياما لحقوق الربوبية، وليظهر أيضا محبوبية هذا العبد عنده، فإذا أحب الله عبدا ابتلاه ليخرج من باطنه كل ما فيه حب وولاء واستسلام لأمره تعالى.

ولذلك إذا تجلى الرب على عبده المؤمن من خلال هذا النوع من التعرفات الجلالية، فإن العبد لا يرى في ذلك التعرف إلا الجمال، فلا يرى ما يراه البشر بطبيعتهم أثناء الإبتلاء من ألم أو جزع أو هلع، ولا يفقد ثقته بالله تعالى، ويحسن الظن به، بل ويعتقد أن الله تعالى ما أنزل به تلك النوازل إلا لأنها خير له، لأنه فوض أموره إلى الله، لأن الله بصير بعباده فينقلب الإبتلاء والتعرف الجلالي إلى نعمة ومنة إلهية، فحتى يسهل على نفسه جلال الإبتلاء، فإنه يقلبه جمالا من ساعته، فيقابل الشيء الذي يراه بضده قياما بحقوق الربوبية لله تعالى، لأنه يدرك أن المبتلي هو الله ربه، وهو العبد الذي ليس له أي اعتراض على سيده بل يقر ويعترف أن كل ما ينزل به هو الجمال.

ولنستمع إلى السيدة زينب بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام، ونعيش معها لحظات جلالية حولتها إلى جمالية، بعد أن رأت بأم عينها

٣٥
٣٦

أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين". رواه في كنز العمال والطبري ومجمع الزوائد والحاكم وغيرهم كثير.

إن الله تبارك وتعالى أختص لنفسه بعد نبيه خاصة وهم أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، علاهم بتعليته وسماهم إلى رتبته وجعلهم إليه الأدلاء بالإرشاد إليه، أئمة معصومين هادين مهديين، فاضلين كاملين، وجعلهم الحجج على الورى والعباد ودعاة إليه، شفعاء بإذنه، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، يحكمون بأحكامه ويستنون بسننه، ويقيمون حدوده، ويؤدون فروضه، ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من يحيي عن بينه, صلوات الله والملائكة الأبرار والمقربين على محمد وآله الأخيار.

ولذلك كانوا دائما في مقام الشكر لله تعالى، لأنهم يرون كل شيء منة ونعمة وعطاءات إلهية جميلة، تزيدهم نورا وجمالا وبهاء، ورفعة عند الله، انظر إلى عبادتهم، كان رسول الله يقوم حتى تتفطر قدماه وكذلك السيدة الزهراء والأئمة من أهل البيت عليهم السلام. والمخلصون من أتباعهم.

روى العلامة المجلسي في بحار الأنوار ورد عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث طويل أنه قال في قضية الإسراء والمعراج لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قبل الله تعالى (إن الله مختبرك ـ أي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ـ في ثلاث ينظر كيف جدك؛ قال: أسلم لأمرك يا رب، ولا قوة لي على الصبر إلا بك، فما هن؟..... إلى أن يقول الإمام الثالثة...

وأما الثالثة: فما يلقى أهل بيتك من بعدك من القتل: أما أخوك علي فيلقى من أمتك الشتم والتضعيف والتوبيخ والحرمات والجهد والظلم وآخر ذلك القتل.

فقال: يا رب، سلمت وقبلت، ومنك التوفيق والصبر.

وأما ابنتك فتظلم، وتحرم، ويؤخذ حقها غصباً الذي تجعله لها، وتضرب وهي حاملة، ويدخل على حريمها ومنزلها بغير إذن، ثم يمسها هوان وذل ثم لا تجد مانعاً، وتطرح ما في بطنها من الضرب، وتموت من ذلك الضرب، قلت إنا لله وإنّا إليه راجعون قبلت يا رب وسلمت ومنك التوفيق والصبر.

٣٧

روى القندوزي الحنفي في ينابيع المودة قال علي بن أبي طالب عليه السلام - كل حقد حقدته قريش على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أظهرته في، وستظهره في ولدي من بعدي، ما لي ولقريش! إنما وترتهم بأمر الله وأمر رسوله، أفهذا جزاء من أطاع الله ورسوله إن كانوا مسلمين؟. ثم تلا قوله تعالى وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد.

وروى القندوزي في ينابيع المودة عن علي بن أبي طالب قال: كنت أمشي مع النبيّ صلّي الله عليه وآله وسلّم في بعض طرق المدينة، فأتينا علي حديقة!

فقلتُ: يا رسول الله! ما أحسن هذه الحديقة! فقال: رسول الله: ما أحسنها؟! ولك يا علي في الجنّة أحسن منها!

ثمّ أتينا علي حديقة أُخرى، فقلتُ: يا رسول الله! ما أحسن هذه الحديقة!

فقال رسول الله: ما أحسنها! ولك يا علي في الجنّة أحسن منها! ثمّ أتينا علي حديقة أُخري، فقلت: يا رسول الله، ما أحسنها من حديقة!

فقال رسول الله: لك في الجنّة أحسن منها! قال: فمشينا حتّي أتينا علي سبع حدائق، وكلّما مررنا بحديقة منها، كنت أقول: يا رسول الله! ما أحسنها! فيقول: لك في الجنّة أحسن منها!

فَلَمَّا خَلاَ لَهُ الطَّرِيقُ اعْتَنَقَنِي وَأَجْهَشَ بَاكِياً! فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَهِ! مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: ضَغَائِنُ فِي صُدُورِ أَقْوَامٍ لاَيُبْدوُنَهَا لَكَ إلاَّ بَعْدِي! فَقُلْتُ: فِي سَلاَمَةٍ مِنْ دِينِي؟! قَالَ: فِي سَلاَمَةٍ مِنْ دِينِكَ.

وروي في ينابيع المودة وفي مناقب الخوارزمي عن أبي سعيد الخدريّ قال: أخبر رسولالله صلّيالله عليه وآله وسلّم عليّاً بما يلقي إليه من أعدائه من المقاتلة: فَبَكَي علي وَقَالَ: أَسْأَلُكَ يَا رَسُولَ اللَهِ بِحَقِّ قَرَابَتِي وَبِحَقِّ صُحْبَتِي أَنْ تَدْعُو اللَهَ أَنْ يَقْبِضَنِي إليهِ! فَقَالَ: يَا علي! أَنَا أَدْعُو اللَهَ لَكَ لأجَلٍ مُؤَجَّلٍ! فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَهِ! علي مَا أُقَاتِلُ الْقَوْمَ؟! قَالَ علي الإحْدَاثِ فِي الدِّينِ.

وأخرج موفّق بن أحمد الخوارزميّ بسنده عن أبي ليلي، عن أبيه، قال: أعطى النبيّ صلّي الله عليه وآله وسلّم الراية يوم خيبر إلي علي، ففتح

٣٨

الله عليه؛ وفي يوم غدير خُمّ أعلم الناس أنـّه مولي كلّ مؤمن ومؤمنة، وقال له: أنت منّي وأنا منك؛ وأنت تقاتل علي تأويل القرآن كما قاتلت علي تنزيله! وقال له: أنت منّي بمنزلة هارون من موسي إلاّ أنـّه لانبيّ بعدي. وقال له: أنا سلم لمن سالمك، وحرب لمن حاربك؛ وأنت العروة الوثقى! وأنت تبيِّن ما اشتبه عليهم من بعدي! وأنت وليّ كلّ مؤمن ومؤمنة بعدي! وأنت الذي أنزل الله فيك:

وَأَذَانٌ مِنَ اللَهِ وَرَسُولِهِ إلي النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأكبر.

وأنت الآخذ بسنّتي! والذابُّ عن ملّتي! وأنا وأنت أوّل من تنشقّ الأرض عنه؛ وأنت معي تدخل الجنّة؛ والحسن والحسين وفاطمة معنا، إنّ الله أوحي إليَّ أن أُبيّن فضلك؛ فقلت للناس وبلّغتهم ما أمرني الله تبارك وتعإلي بتبليغه!

ثمّ قال: اتَّقِ الضَّغائِنَ الَّتِي كَانَتْ فِي صُدُورِ قَوْمٍ لاَ تُظْهِرُهَا إلاَّ بَعْدَ مَوْتِي؛ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ وَبَكَى.

ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَبْرَائِيلُ أَنـَّهُمْ يَظْلِمُونَكَ بَعْدِي، وَأَنَّ ذَلِكَ الظُّلْمَ لاَ يَزُولُ بِالكُلِّيَّةِ عَنْ عِتْرَتِنَا حَتَّي إذَا قَامَ قَائِمُهُمْ، وَعَلَتْ كَلِمَتُهُمْ، وَاجْتَمَعَتِ الأمة علي مَوَدَّتِهِمْ، وَالشَّانِئ لَهُمْ قَلِيلاً، وَالكَارِهُ لَهُمْ ذَلِيلاً، وَالمَادِحُ لَهُمْ كَثِيراً.

وذلك حين تغيّر البلاد؛ وضعف العباد، حين اليأس من الفرج، فعند ذلك يظهر القائم مع أصحابه؛ فبهم يظهر الله الحقّ؛ ويخمد الباطل بأسيافهم؛ ويتبعهم الناس راغباً إليهم وخائفاً منهم! أبشروا بالفرج فإنّ وعد الله حقّ لايخلف؛ وقضاءه لا يردّ؛ وهو الحكيم الخبير؛ وإنّ فتح الله قريب.

اللَهُمَّ إنَّهُمْ أَهْلِي فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيراً؛ اللَّهُمَّ اكْلأهُمْ وَارْعَهُمْ، وَكُنْ لَهُمْ وَانْصُرْهُمْ، وَأَعِزَّهُمْ وَلاَ تُذِلَّهُمْ، واخْلُفْنِي فِيهِمْ إِنَّكَ علي مَا تَشَاءُ قَدِيرٌ.

لاحظوا في الأحاديث كيف كان هم أمير المؤمنين سلامة الدين، والمحافظة على تعاليم الإسلام سالمة من عبث العابثين، ولم يكن يركز إلا على سلامة عبوديته لله تعالى وطاعته وما فيه رضى رب العالمين.

٣٩

ثم إن في هذا النوع من الإبتلاءات أي ابتلاء الرفعة والترقية الذي اختص به الرسول وأهل بيته وشيعتهم، حجة على المشاهد الحاضر والمستمع الغائب، فإذا كان الله تعالى قد فرض على المسلمين طاعتهم وولايتهم، فكيف بهم إذا شاهدوا وسمعوا ابتلاءهم ومظلومياتهم والأذى الذي تعرضوا له. فعندما يقول الله تعالى قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور. وعندما يقول رسول الله صلى الله عليه وآله عن الحسين عليه السلام، إن ابني هذا - يعني الحسين عليه السلام - يقتل بأرض من أرض العراق يقال لها كربلاء، فمن شهد ذلك منهم فلينصره. (رواه ابن حجر في الإصابة، وفي كنز العمال، والبداية والنهاية لإبن كثير عن أنس بن الحارث).

وكذلك عندما يقول في حديث الثقلين إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما.

وعندما يقول صلى الله عليه وآله- من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله.

وعندما يقول- فاطمة بضعة مني، من آذاها فقد آذى الله، ومن أرضاها فقد أرضى الله.

وعندما يقول حسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسينا، وأبغض الله من أبغض حسينا.

فالأصل عند هذه الأوامر الإلهية هو السمع والطاعة، بمتابعة وولاية من أمر الله بطاعتهم وولايتهم، ووجوب متابعة ومراقبة حالهم وأحوالهم، وذلك أمر ظاهر في منطوق كل ما مر من النصوص الشرعية التي تفرض على البصر والبصيرة، دوام التطلع والتبصر في حقيقتهم وأحقيتهم، ونصرتهم وولايتهم، والنظر في كل أمورهم، ظاهرها وباطنها، دقيقها وجليلها. هذا ما دلت عليه النصوص الشرعية عند كل طوائف المسلمين.

٤٠