×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

بنور فاطمة عليها السلام اهتديت / الصفحات: ٤١ - ٦٠

(أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون)(١).

(والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)(٢).

(إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين)(٣).

هذه بعض العوائق التي تقف حائلا بيننا وبين معرفة الحق واتباعه... والبحث الآتي بين طيات هذا الكتاب يحتاج لإزاحة مثل هذه الحجب وغيرها حتى يرى الإنسان الحقيقة كرؤيته للشمس في واضحة النهار والله المستعان.

(١) - سورة البقرة: آية / ٨٧.

(٢) - سورة الأعراف: آية / ٣٦.

(٣) - سورة الأعراف: آية / ٤٠.

٤١

الفصل الثالث
الشيعة والتشيع

٤٢
٤٣

الشيعة والتشيع

مجرد كلمة شيعي تعني لدى الكثير من الناس السب والشتم والضلال... هكذا علموهم... وهكذا فرضوا عليهم سياجا من الجهل، يقولون لا تبحث عنهم... لا تقرأ لهم. وعدنا إلى عهد معاوية حيث سب علي (ع) على المنابر سنة، وتزداد المكافأة الملكية كلما أمعنت في لعن أبي الحسن وأهل بيته (ع)... كلا نحن لم نعد ولكن الصراع الأيديولوجي هو الذي امتد إلى يومنا هذا، ما زال علي يسب، فقط تغير العنوان فأصبح الشيعة.. أما عوام الناس فدورهم فقط تلقي الأوامر " من أحبارهم "، وهم تحت مظلة السنة والجماعة وهل هنالك من يرفض أن يكون مع السنة والجماعة... ولكن أي سنة هي وأي جماعة؟ هل هي سنة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أم أنها سنة من غير وبدل سنة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ وحتى لانتوه نتوقف قليلا لمعرفة هذه العناوين والمسميات، ماذا تعني الشيعة ومن هم... وما هي السنة والجماعة وذلك في لمحة موجزة..

١ - التشيع لغة هو المشايعة أي المتابعة والمناصرة والموالاة(١)في القرآن الكريم:

(وإن من شيعته لإبراهيم).

واصطلاحا يراد بهم أتباع وأنصار آل البيت (ع) وهم الذين ناصروهم في كل محنهم وسلكوا مسلكهم ووالوهم، يقول ابن خلدون " اعلم أن الشيعة لغة هم الصحب والاتباع ويطلق في عرف الفقهاء والمتكلمين من الخلف والسلف على أتباع علي وبنيه "(٢).

تضاربت الآراء والأقوال لدى البعض حول بداية التشيع فهنالك من يرى أن الشيعة تكونوا بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وممن يذهب إلى هذا ابن

(١) - تاج العروس ولسان العرب مادة شيع.

(٢) - تاريخ ابن خلدون الفصل ٢٧ في مذهب الشيعة ص ٣٤٨.

٤٤

خلدون في تاريخه فقد قال: إن الشيعة ظهرت لما توفي الرسول وكان أهل البيت يرون أنفسهم أحق بالأمر وأن الخلافة لرجالهم دون سواهم من قريش ولما كان جماعة من الصحابة يتشيعون لعلي ويرون استحقاقه على غيره ولما عدل به إلى سواه تأففوا من ذلك... الخ(١)ومنهم أيضا اليعقوبي في تاريخه وهو يقول ويعد جماعة المتخلفين عن بيعة أبي بكر هم النواة الأولى للتشيع ومن أشهرهم سلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري والمقداد بن الأسود والعباس بن عبد المطلب(٢).

وهناك من يرى أن التشيع نشأ أيام الخليفة الثالث عثمان ومنهم من يقول أنه تكون أيام خلافة علي (ع) ورأي آخر يقول بظهور التشيع بعد واقعة الطف.

كل هذه الأقوال لا تثبت أمام التحقيق في كتب التاريخ والحديث والتفسير، وربما يكون أقربها إلى الصواب الرأي القائل بأن التشيع بدأ بوفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن يواجه هذا الرأي بسؤال وهو كيف يمكن أن تتبلور هذه الفكرة في ظرف أقل من أسبوع؟ إلا إذا كانت موجودة بالفعل ولكن الأحداث هي التي جعلتها تأخذ مكانها في الواقع الخارجي.

أما الشيعة وغيرهم من المحققين من المذاهب الأخرى فإنهم يذهبون إلى أن التشيع ولد حينما ولدت الرسالة على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنه هو الذي غرسه في النفوس عن طريق الأحاديث التي وردت على لسانه (صلى الله عليه وآله وسلم) وكشفت عما لعلي (ع) من مكانة في مواقع متعددة رواها إضافة إلى الشيعة ثقاة أهل السنة، ولقد وردت كلمة شيعة على لسان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وإليك نماذج من النصوص التي وردت:

١ - في الدر المنثور للسيوطي ج ٨ ص ٥٨٩.

(١) - المصدر السابق ج ٣ ص ٣٦٤.

(٢) - تاريخ اليعقوبي.

٤٥

روى عن ابن عساكر بسنده عن جابر بن عبد الله قال كنا عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأقبل علي (ع) فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): " والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة " فنزل قوله تعالى (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية).

٢ - ابن حجر في الصواعق المحرقة الباب (١١) الفصل الأول الآية الحادية عشر: -

عن ابن عباس قال: - لما أنزل الله العالي (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (ع) " هم أنت وشيعتك تأتون يوم القيامة راضين مرضيين ويأتي عدوك غضابا مقمحين ".

٣ - القندوزي الحنفي في ينابيع المودة ج ٢ ص ٦١.

عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):

" علي وشيعته هم الفائزون يوم القيامة ".

ومن المصادر التي ذكرت هذه الرواية في تفسير قوله (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات)... الخ الآية:

أ - تفسير الطبري ج ٣ / ١٤٦.

ب - روح المعاني للآلوسي ج ٣.

ج - كفاية الكنجي الشافعي ص ٢٤٤ - ٢٤٦.

وغيرها من المصادر.

والشواهد التاريخية كثيرة على ذلك، فكل الحوادث التي شارك فيها علي (ع) أو الحسن والحسين (ع) تصف أصحابهم بأنهم من شيعتهم.

والشيعة الآن هم الذين يوالون أهل البيت (ع) ويأخذون منهم معالم دينهم أصولا وفروعا باعتبار أنهم حملة السنة، والامتداد الطبيعي لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبذلك يكونون هم الذين اتبعوا سنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

٤٦

والتزموا بتمسكهم بأئمة أهل البيت (ع) كما أمرهم (صلى الله عليه وآله وسلم)، والخلاف بينهم وبين أهل السنة ليس خلافا حول المسميات إنما القضية تختص بمنهج كل منهما وأيهما يمثل رسالة السماء.

أما بالنسبة لأهل السنة والجماعة فالسنة في اللغة تعني الطريقة والمنهاج.

واصطلاحا تعني كل ما صدر عن الرسول من قول أو فعل أو تقرير ويسمي السنة مذهبهم " أهل السنة والجماعة " ويقصدون بذلك أنهم أصحاب الطريقة المحمودة ولم يعرف هذا الاسم إلا مؤخرا حيث كان يعبر عن منهج أصحاب السقيفة في مقابل المناوئين لهم وهم علي وشيعته. وظلال اسم أهل السنة والجماعة توحي بأن الشيعة هم المخالفون للسنة الشريفة ولكن سنرى من الذي اتبع سنة المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) حقا ومن الذي حرف وبدل وغير.

التشيع والفرس:

رغم أن التشيع هو عمق الإسلام وجوهره إلا أننا نجد بعض المأجورين يحاولون ربط التشيع بالفرس على نحو يحمل في طياته أنه شئ طارئ في الجسد الإسلامي اختلط بثقافة أهل فارس قبل الإسلام... وفات هؤلاء أن التشيع كان قبل أن يدخل الإسلام إلى فارس كما سبق وأن بينا أن ولادة التشيع كانت مع بزوغ فجر الرسالة المحمدية، ودخل إلى بلاد فارس من العراق ولبنان وغيرها من الدول العربية. ووجد فيها رجالا حملوا الأمانة كما كان سلمان الفارسي (رض).

وحتى تعم الفائدة نذكر لإخواننا السنة.. أن أغلب علمائهم من فارس ومنهم البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة والرازي والقاضي البيضاوي وغيرهم من فطاحل أهل السنة والجماعة.

والآن الكل يدعي تمسكه بسنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والفيصل هو أن نضع كلا الطائفتين في الميزان ونرى.

٤٧

ظلال التشيع في السودان

بعد أن انتبهت من الغفلة وبدأ نور الحقيقة يكشف عن الواقع التفت إلى مجتمعي في السودان الذي يتميز بالبساطة والفطرية والأخلاق الدينية، فوجدت أن هنالك أشياء أخرى بدأت تظهر لي بعد استبصاري وهو أن الخلفية الثقافية التي بني عليها الشعب السوداني نمط سلوكه وطريقة تفكيره خلفية شيعية بلا أدنى شك، لاحظت ذلك في كل مفردة من مفردات الحياة العامة في الشارع السوداني بل إن معظم معتقداتهم تهتف بأن للتشيع جذورا عميقة في السودان وأذكر أن أحد الإخوة قال لي: - إن الصوفية ثمرة التشيع أو هم فرعان لأصل واحد بل الصوفية هم الشيعة في ثوب سني فقلت له: إذا السودان بلد شيعي انحرف به التيار.

وباطلاعي على التاريخ وجدت إشارات تبين هذه الحقيقة، وأعتقد أن الدولة الفاطمية التي قامت في مصر لها الأثر في ذلك، إذ أن حوض النيل الذي يربط بين مصر والسودان كان من العوامل المساعدة لانتقال التشيع إلى السودان في عهد الدولة الفاطمية وهي دولة شيعية.. وحب أهل البيت (ع) وما يرتبط بهم من عقائد بصورة مجملة من الثوابت الفكرية المشتركة بين مصر والسودان ومقامات أهل البيت (ع) في مصر وتسيير القوافل من السودان لزيارتها شاهد على ذلك حتى قال أحد المشايخ في السودان ويدعى محمود البرعي وله قصائد كثيرة في مدح أهل البيت (ع) في إحدى قصائده " مصر المؤمنة بأهل الله " ويقصد أنها مؤمنة بأهل البيت (ع).

ولا أحد ينكر عمق المحبة لأهل البيت (ع) في مصر والسودان، وأنا لا أستطيع أن أحصر كل تلك المظاهر ذات الجذور الشيعية ولكن ما وجدناه من آثار يدل على أن الشيعة انتقلوا إلى السودان يوما ما وكرسوا في نفوس الأجيال محبة أهل البيت (ع) دون أن يعلنوا عن عمق معتقدهم وربما يكون ذلك تخوفا بعد أن تذوق الشيعة الأمرين على طول التاريخ.

٤٨
٤٩

الشيعي المعلن، ولا أشك كما ذكرت أن التوجه في السودان كان شيعيا ولكن بمرور الزمن وتوافد التجار العرب باتجاهاتهم المختلفة والخوف من سطوة الأيوبي كل ذلك كان له الأثر في تغيير الأجيال اللاحقة.

إن معرفة وصلة السودانيين بأهل البيت (ع) تتجلى في عدة مظاهر منها(١).

(١) الولاء الديني والسياسي.

إن قطاعا كبيرا من الشعب السوداني ينتمي إلى طوائف صوفية تقود العمل السياسي والديني والتي غالبا ما يكون زعماؤها ممن ينتسبون إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، والارتباط العاطفي لهذا القطاع العريض بهذه الطرق على أساس أنهم ينتسبون إلى أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا توجد طريقة صوفية في السودان يجهل منتسبوها أهل البيت (ع) بل ويكنون لهم حبا واحتراما جما وللدلالة على ذلك نشير إلى بعض ما ورد في كتب الشريف يوسف الهندي مؤسس الطريقة الهندية كنموذج حي لما أسلفنا: -

(اللهم إنما نحمدك بجميع محامدك السنية ونسألك بذاتك وصفاتك والكتب القديمة والأديان. أن تصلي وتسلم على محمد وآله وصحبه في كل طرفة عين، وعلى صالح آبائه وأزواجه وأبنائه والإخوان، وعلى إمام الأئمة علي وسيدتنا فاطمة اللذين تخيرت منهما الذرية، وابنيهما سيدي شباب أهل الجنة وريحانتي نبي هذه الأمة الحسنان، وعلى أئمتنا علي زين العابدين ومحمد باقر العلوم الدينية وجعفر الصادق وموسى الكاظم قادة الإنس والجان وعلي الرضا ومحمد الجواد الهداة الهادية المهدية وعلي الهادي والحسن العسكري الخالص وارثي أسرار النبوة وعلوم القرآن وإمامنا المهدي صاحب البشارة الفاطمية الذي لا خير في العيش ولا في الحياة بعده لأهل الإيمان (نقلا عن المولد الكبير ص ٧٢ الشريف يوسف الهندي). ولم يكتف المؤلف

(١) - مقاطع من دراسة للكاتب السوداني الطيب أحمد حسن في مجلة أهل البيت (ع) العدد الأول بيروت تحت عنوان أهل البيت (ع) تراث المسلمين في السودان.

٥٠

بذكر أهل البيت (ع) ضمن مؤلفاته النثرية بل ضمنهم مجموعة من قصائده نذكر قصيدة جاء فيها:

الحسنين والإمام والزهراء في القتام * زين العابدين تمام القادات الهمام
الكاظم للكلام والراضي بالقسام * الهادي للأنام والباقر للظلام
آل البيت يا غلام أصل الدين والنظام * في المبدأ والختام بهم نيل المرام

ويقول في أخرى: -

سفن النجاة للملا بشهادة النص الأتم * هم النهى هم البهى هم التقى أهل الشيم
هم الشفاعة في غد هم السقاية في الملم * هم الهداية حاضرة والنور والقصد الأعم
الطيبون الطاهرون من سوء أرجاس اللمم

والبيت الأخير دليل على اعتقاد الشاعر بعصمة أهل البيت (ع) عن اللمم فضلا عن غيرها من الذنوب والكبائر.

وهنالك الكثير من شعراء الصوفية الذي تخصصوا في مدح آل البيت (ع) وهذا أحدهم يسمى البرعي ومعروف في السودان يقول: -

هم أهل البيت الواضح سرهم * زرهم بمحبة لتنال من برهم
سيدي الحسين الثائر درهم * وعلي زين العابدين حبرهم
جعفرنا الصادق مع موسى صدرهم * أستاذنا الباقر في العلم بحرهم
في البر وبحرهم لله درهم
٥١

بعض الأسماء المنتشرة في السودان:

إن أهل البيت (ع) اختصوا بألقاب لم تكن معروفة من قبلهم وارتبطت بهم ارتباطا وثيقا وتناقلها محبوهم وأتباعهم جيلا بعد جيل وصارت أسماء متداولة وهي المرتضى (علي) والزهراء وبتول (فاطمة) حسن وحسين زين العابدين (السجاد)، الباقر، الصادق، الكاظم رضا الهادي والمهدي وهذه الأسماء نجدها منتشرة في السودان بكثرة تلفت النظر. وربما يكون انتشار اسم المهدي نسبة لمحمد أحمد المهدي الذي قام بثورة ضد الأتراك وطردهم من السودان وكون حكومة إسلامية وذلك باعتبار أنه المهدي المنتظر، وأيا كان سبب انتشار الاسم يبقى جذر الاعتقاد بولاية أهل البيت (ع). وكل الأسماء المذكورة نجدها في السودان أكثر من الدول العربية الأخرى مما يدلل على عمق محبة السودانيين لأهل بيت النبوة (ع).

٣ - كما أن هنالك العديد من القبائل التي تدعي انتسابها لأهل البيت (ع) ولا يعنينا البحث عن صحة مدعاهم وإنما نورد ذلك لدلالته على صدق قولنا حول عمق معرفة ومحبة الناس لأهل البيت (ع) ومن هذه القبائل العبدلاب ويذكرون أن نسبهم ينتهي إلى الإمام محمد التقي بن علي الهادي، وقبيلة الركابية التي يرجع نسبها كما يذكرون إلى الإمام موسى بن جعفر الكاظم وهنالك أيضا قبيلة الجعافرة التي تنتسب إلى الإمام جعفر الصادق (ع)... وغيرها من القبائل.

٤ - الثقافة الشعبية:

إذا أراد أحد السودانيين أن يعبر عن مدى مظلوميته وبالغ الحيف الذي وقع به يقول: (أنا مظلوم ظلم الحسن والحسين) وربما لا يدرك البعض رغم ترداده لهذه المقولة من الذي ظلم الحسن؟ ومن الذي ظلم الحسين؟ وكيف ظلما إنما هو يردد جزءا من الموروث الثقافي الشعبي في السودان، ومن ناحية أخرى لا يكاد أحد منا في صغره لم يسمع شيئا من أبويه أو جدية عن سيف علي الكرار وشجاعة حيدر الكرار وشعر المدائح السوداني يفيض بهذه المعاني.

٥٢
٥٣

الفصل الرابع
بنور فاطمة اهتديت

٥٤
٥٥

حوار في بداية الطريق

كنت قلقا جدا وأنا أحاول تجنب أي حوار مع ابن عمي حول هذا المذهب الجديد الذي تجسد في سلوكه أدبا وأخلاقا ومنطقا مما جعلني أفكر في أنه لا غضاضة في النقاش معه حول أصل الفكرة رغم قناعتي بأن ما يؤمن به لا يتجاوز أطر الخرافة، أو ربما نزوة عابرة جعلته يتبنى هذه الأفكار الغربية.

قلقي كان نابعا من تخوفي لأن أتأثر بفكرته أو ربما أجد أنها تجبرني على الاعتراف بها وبالتالي أخالف ما عليه الناس وما وجدت عليه آبائي وسأكون شاذا في المجتمع وربما اتهمت بأني مارق من الدين كما أتهم.

ولكني تجاوزت كل ذلك وقررت أن أخوض معه حوارا لعلني أجد منفذا أزعزع من خلاله ثقة هذا الرجل بما يعتنقه خصوصا وأنني قرأت كتبا لا بأس بها ضد الشيعة والتشيع ومنها كان المخزون الذي من خلاله أنطلق لجداله فبدأت معه الحوار.

قلت له: الآن أنت تركت ما كان عليه الناس وأصبحت شيعيا فما هي الضمانات التي تمنعك من أن تغير مذهبك غدا؟

قال: الآية الكريمة تقول (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) وأنا من أنصار الدليل أينما مال أميل وقد أفرغت وسعي وتوصلت إلى أن الطريق المستقيم هو مذهب أهل البيت (ع) والدليل على صحته أن الأدلة التي يسوقها أصحابه مما اتفق عليه جميع المسلمين.

قلت: لكن لماذا لم يكتشف غيرك هذه الحقيقة؟

قال: أولا: من قال لك أنه لا يوجد غيري! وثانيا وصول غيرك للحقيقة أو عدمه ليس دليلا على صحة أو خطأ ما توصلت إليه، إن المسألة تكمن في نفس وجدان الحقيقة والحق ومن ثم اتباعه ولا شأن لي بغيري لأن الله يقول (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) (سورة المائدة / ٥).

٥٦

قلت له: لو افترضنا صحة مذهب الشيعة ذلك يعني أن ٩٠ % من المسلمين على خطأ لأن كل المسلمين يؤمنون بمذهب أهل السنة والجماعة. فأين هذا التشيع من عامة الناس؟

قال: الشيعة ليست بهذه القلة التي تتصورها، فهم يمثلون غالبية في كثير من الدول، ثم إن الكثرة والقلة ليست معيارا للحق بل القرآن كثيرا ما يذم الكثرة يقول تعالى (ولكن أكثركم للحق كارهون) (سورة الزخرف: آية / ٧٨) ويقول (ولا تجد أكثرهم شاكرين) (سورة الأعراف: آية / ١٧) (وقليل من عبادي الشكور)، (سورة سبأ: آية / ١٣)، وبذلك لا تكون الكثرة دليلا على أنهم على حق.

أما التشيع كمنهج سماوي فهو موجود بدليل أنني شيعي، وإذا وجه الإشكال إلى عدم انتشار التشيع فهذا يتوجه أيضا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أول دعوته وحتى وفاته إذ أن الإسلام لم يكن منتشرا ومع ذلك فهو الحق المنزل من قبل الله تعالى.

قلت متعجبا: وهل تريدني أن أسلم بأن آباءنا وأجدادنا الذين عرفناهم متدينين طريقهم غير الذي أمر به الله.

ابتسم قائلا: أنا لست في مقام بيان وتقييم أحوال الماضين فالله أعلم بهم ولكن أذكرك بأن القرآن يرفض أن يكون الأساس في الاعتقاد تقليد الآباء والأجداد يقول تعالى: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) (سورة البقرة: آية / ١٧٠).

شعرت بأن الحوار قد أخذ منحى عاما وأن حجته بدت في هذا المجال قوية ومدعمة بآيات قرآنية فقررت أن أناقش معه مفردات معتقده التي قرأت نقدها من الكتب وتركتها كورقة أخيرة في النهاية لأني على ثقة من أنه لا يستطيع الإجابة عليها، ولقد أضفت إليها رأيي الخاص، ولأغير مجرى الحديث إلى حيث أريد قلت له:

٥٧

حسنا ماذا تقول الشيعة؟!

هنا اعتدل في جلسته وقال: الشيعة يقولون أن هذا الدين الخاتم لا يجوز لنا أخذه إلا عن طريق أئمة أهل البيت (ع) ويعتبرون أن هذا هو عين التمسك بسنته (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو المطلوب من كل إنسان.

قلت ساخرا: كلنا نتبع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا أحد يرى أنه خلاف ما جاء به عليه أفضل الصلاة والسلام.

قال: الأمر ليس مجرد ادعاء إنما يجب إثبات ذلك بالدليل، ونحن كشيعة نرى أن المسألة الأساسية التي ابتليت بها الأمة هي مسألة الإمامة والقيادة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والتي اختص بها علي (ع) كوصي وخليفة ومن بعده أئمة أهل البيت (ع)، وواحدة من مستلزمات هذه الوصاية والإمامة الخلافة السياسية، ومن أهل البيت فقط يصح أخذ الدين أما ما أخذ من غيرهم فلا نقول أنه باطل مطلقا ولكنه حق مخلوط بباطل ونحن مأمورون بأخذ الحق فقط دون غيره.

قلت: وما جدوائية البحث حول قضية مرت عليها قرون وهل يفيدونا إذا ما كان علي هو الخليفة أم أبو بكر؟! سكت قليلا ثم قال:

عندما ننظر يا أخي لكل مشكلة يجب البحث عن جذور تلك المشكلة حتى نحللها، وما عليه المسلمون اليوم من فرقة وشتات وضياع إنما هو ناتج عن ذلك اليوم الذي حجبت فيه الخلافة عن علي بن أبي طالب وأعطيت لغيره بلا حق، ومن هناك ابتدأ افتراق الأمة والآن أنا أمامك أقول لك أن الشيعة على حق وأنت ترى خلاف ذلك، من هنا جاءت ضرورة البحث في الماضي لنعرف أين الأصل ومن الذي خالف...

هنا أخذتني العزة وقررت الهجوم عليه من كل جانب فانهلت عليه بالأسئلة مقاطعا: - إذا أنتم تشككون في الصحابة؟!

٥٨

أجاب بهدوء: نحن لسنا في مقام التشكيك في أحد ما نقوله أن كل من اتبع الحق من الصحابة أو غيرهم على رؤوسنا نقدسهم نحترمهم وكل من خالف النهج السماوي القويم فلن نسمح لأنفسنا أخذ معالم ديننا منه.

- لا أريدك أن تناقشني في عموميات! من غير المعقول أن كل الصحابة الذين بايعوا أبا بكر خالفوا قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)! أتدري ماذا يعني ذلك؟

يعني أن نشكك في كل ديننا. فكيف تجوزون لأنفسكم ذلك وأرجو ألا تستعمل معي التقية المعروفة عندكم.

أجاب: أولا: التقية شرعية من الكتاب والسنة ولها مجالها، وهي ليست واجبة في كل الأحوال إنما لها ظروفها الخاصة، وأنا لا أمثل كل الشيعة، بإمكانك أن تطلع على كتب الشيعة فلن تجد غير كلامي هذا، أما بالنسبة للصحابة فالأمر لا يصل إلى مستوى التشكيك في الدين إلا إذا كان الدين عندك ملخصا في الصحابة..

قاطعته: إنهم هم الذين نقلوا لنا الدين.

قال: بحثنا الآن حول نقلهم وهذا أول الكلام وبيت القصيد أنتم تجرحون الرجال في علم الجرح والتعديل وتبدأون عملية معرفة أحوال الرجال من القرون المتأخرة بعد عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونحن الشيعة نبدأ ممن كان حول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لأن منهم من كان منافقا وآخر كان لا يفقه شيئا...

وهكذا، أضف إلى ذلك من الذي قال أن الجميع قد بايع أبا بكر، ارجع لكتب التاريخ ستجد أن أول المعترضين كان عليا (ع) ومعه مجموعة من الصحابة...

قلت: لو كان الأمر كما تدعون لنصر الله عليا وخذل أبا بكر وهذا دليل على أن الله اختار للأمة أبا بكر.

قال: بقولك هذا تلغي فلسفة الابتلاء التي يمتحن الله بها العباد. إن الله يبين الطريق للناس فقط ثم يدعهم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، والله لا يجبر الناس

٥٩

وإلا نكون من الذين يقولون بالجبر فنسقط الثواب والعقاب، ونتيجة كلامك هذا أن أي شخص يتحكم في رقابنا يجب أن نهتف له ونعتبره تأييدا من الله وهذا ما لا يعقل.

ورميت آخر سهم في جعبتي قائلا: إنكم تغالون في أهل البيت وتقولون أنهم معصومون، كما أنكم تبيحون زواج المتعة وتجمعون في الصلاة وتصلون للحجر والأخير رأيته بعيني يعني لم أقرأه في كتاب فقط.

قال: أخي هذه فروع بإمكاني أن أناقشها معك ولكن من المنهجية أن تبحث أولا حول الأصل الذي يتبعه الفرع أوتوماتيكيا، فأنت عندما تريد أن تدعو شخصا غير مؤمن بالله إلى الإسلام لن تبدأ معه بكيفية الوضوء والصلاة بل لا بد من إقناعه بوجود الله تعالى ثم النبي ثم تفرع على ذلك.

فأطلب منك أخي أن تبحث بتجرد وستري نور الحقيقة. انتهينا من جلسة الحوار هذه وأنا متعجب من هذه الثقة التي يملكها، وفكرت في البحث ولكن ليس لكي أقتنع وإنما لأملك أدلة أقوى أدحض بها حججه، وبعد فترة قررت ألا أدخل معه في نقاش حتى أكون بعيدا عن المشاكل وحتى لا أتأثر بهذه الأفكار الغريبة والتي أرى شخصا عن قرب يتبناها.

ثم كانت البداية التي جعلتني أنطلق في البحث.

البداية

" تسرون حسوا في ارتغاء وتمشون لأهله وولده في الخمر والضراء، ونصبر منكم على مثل حز المدى ووخز السنان في الحشى، وأنتم الآن تزعمون لا إرث لنا أفحكم الجاهلية تبغون؟ ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون؟ أفلا تعلمون؟ بلى قد تجلى لكم كالشمس الضاحية أني ابنته، أيها المسلمون!! أأغلب على إرثي.

يا بن أبي قحافة! أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي لقد جئت شيئا فريا أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم؟ إذ يقول (وورث سليمان

٦٠